احتجاجٌ للمعلّمين في مدرسةٍ ثانوية بباريس في 17 سبتمبر تحوّل، في غضون شهرٍ واحد، إلى انتفاضةٍ تمتدّ من لشبونة إلى تيرانا. يقرأ هذا التقرير اضطرابات أوروبا عام 2026 بوصفها انتفاضةً على غلاء المعيشة وُلدت من ثلاثة ضغوطٍ متزامنة: صدمة طاقةٍ ناجمة عن الحرب على إيران، وأَمْوَلة السكن، وخنقٍ ماليٍّ للخدمات العامة، ثم يسأل: لماذا كانت القراءة السياسية السائدة، التي تُلقي باللوم على الهجرة، أقلَّ القراءات تفسيرًا لما تكشفه الأدلة؟
الملخّص
يتناول هذا التقرير البحثي موجةَ الاحتجاج وأعمال الشغب التي امتدّت عبر فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا بين 17 سبتمبر و20 أكتوبر 2026، إلى جانب تعبئةٍ أصغر حجمًا في اليونان والنمسا وأيرلندا وألمانيا. ومن خلال بحثٍ مكتبيٍّ في التصريحات الرسمية والبيانات الإحصائية ومخرجات المجلس الأوروبي والتغطيات الصحفية الأسترالية والأوروبية والخليجية والهندية والأمريكية، يعيد التقرير بناء التسلسل الزمني للعدوى الاحتجاجية ويختبر التفسيرات المتنافسة. ويخلص إلى أن الاضطرابات تُفهَم على أفضل وجهٍ بوصفها انتفاضةً على غلاء المعيشة تحرّكها ثلاثة ضغوطٍ متلاقية: صدمة طاقةٍ مستوردة تقدّر المفوضية الأوروبية كلفتها بـ106 مليارات يورو من واردات الوقود الأحفوري الإضافية منذ أواخر فبراير، دفعت التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8 في المئة في سبتمبر؛ وسوق سكنٍ تجاوزت فيه الأسعار والإيجارات المداخيل على مدى عقد؛ وانكماشٍ ماليٍّ ترك التعليم والخدمات العامة بلا تمويلٍ كافٍ في حين ترتفع كلفة خدمة الدين. وتختلف الشرارات الوطنية، من نقص المعلّمين في فصول باريس إلى إخلاءٍ في مدريد ومنتجعٍ مرتبطٍ بعائلة ترامب في ألبانيا، لكن بنية المظلومية واحدة. ولا تجد سردية الهجرة التي يروّج لها رئيس الولايات المتحدة واليمين الأوروبي المتطرف سندًا يُذكر في الشرارات الموثّقة. ويختتم التقرير بأربعة سيناريوهات حتى منتصف 2027، وخمسة مؤشرات، والدروس التي تحملها التجربة الأوروبية للاقتصادات الناشئة، ومنها إندونيسيا.
الأطروحة
ليست اضطرابات أوروبا عام 2026 انتفاضةَ مهاجرين ولا تمرّدًا يساريًّا، بل انتفاضةٌ على غلاء المعيشة حطّمت فيها صدمةُ الطاقة وأَمْوَلةُ السكن والتقشفُ الماليّ وعدَ ما بعد الجائحة بأن العمل والدراسة والخدمات العامة تكفل حياةً كريمة؛ ومَن يملك تفسير هذه الانتفاضة سيرسم ملامح الدورة الانتخابية الأوروبية الكبرى في 2026–2027.
البيانات: أرقام وزارة الداخلية ورئاسة الوزراء في فرنسا، وبيانات التضخم لشهر سبتمبر 2026 المستندة إلى يوروستات، وتقديرات المفوضية الأوروبية لفاتورة الطاقة، ونِسَب الأسعار إلى الدخل لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبيانات مخزون الغاز في الاتحاد الأوروبي، والتغطيات الوطنية من ستّ دولٍ متأثرة
الإطار التحليلي: ثلاثية الكلفة المعيشية (الطاقة والسكن والخدمات العامة)، ونموذج «الشرارة – المظلومية – التنظيم» لتفسير العدوى الاحتجاجية، وتنافس الأُطُر التفسيرية بين المظلومية والجريمة والهجرة
الاستشراف: أربعة سيناريوهات حتى منتصف 2027 باحتمالاتٍ يقدّرها الكاتب، وخمسة مؤشرات، ودروسٌ للاقتصادات الناشئة
الكلمات المفتاحية: اضطرابات أوروبا 2026، غلاء المعيشة، أزمة السكن، صدمة الطاقة، الحرب على إيران، فرنسا، إسبانيا، احتجاجات الشباب، الشعبوية، العقد الاجتماعي
الملخّص التنفيذي: انتفاضةٌ على غلاء المعيشة، لا صدامُ حضارات
يجيب هذا التقرير عن سؤالٍ واحد: لماذا تحوّل احتجاجٌ محليّ على نقص المعلّمين في مدرسةٍ ثانوية واحدة بباريس، في غضون شهر، إلى أكبر موجة تعبئةٍ في الشوارع تشهدها أوروبا الغربية منذ سنوات، وماذا تخبرنا الإجابة عن حال العقد الاجتماعي الأوروبي؟ والوقائع صارخة. فبحسب التسلسل الزمني الذي جمعته شبكة ABC News في تقريرها “What you need to know about Europe’s protests, and why they’re growing”، انطلق الاحتجاج الأول في فرنسا في 17 سبتمبر، ثم تبعته إسبانيا في 26 سبتمبر، وبلجيكا في 1 أكتوبر، وإيطاليا في 5 أكتوبر، والبرتغال في 10 أكتوبر، وألبانيا في 12 أكتوبر، مع مظاهراتٍ أصغر في اليونان والنمسا وأيرلندا وألمانيا. ويوم السبت 17 أكتوبر سار أكثر من 550 ألف شخص في فرنسا وحدها، وفق أرقام وزارة الداخلية التي نقلتها الجزيرة في تقريرها “Cost of living protests hit Belgium, Italy, Portugal and France”، في حين نُهبت متاجر في تسع مدنٍ فرنسية، والتهمت النيران الجزء الأكبر من مبنى بلدية ليموج الذي يزيد عمره على 140 عامًا.
وجواب هذا التقرير في جوهره أن الاضطرابات انتفاضةٌ على غلاء المعيشة. فقد تلاقت على الأسر الأوروبية ثلاثة ضغوطٍ في آنٍ واحد. أولها صدمة طاقةٍ مستوردة نتجت عن الحرب على إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026، فأبقت أسعار الوقود والتدفئة والكهرباء مرتفعةً ثمانية أشهر. وثانيها سوق سكنٍ تجاوزت فيه الأسعار والإيجارات في المدن الكبرى الأجورَ على مدى عقد، فصار المأوى أوضحَ خطوط الانقسام الاجتماعي الجديدة. وثالثها الانكماش الماليّ: فالحكومات المثقلة بالديون وبفواتير فوائد متصاعدة ضيّقت على التعليم والخدمات العامة، فصارت المؤسسات التي كانت تمتصّ الصدمات في الماضي تنقلها اليوم. ولكل بلدٍ شرارته الخاصة، لكن بنية المظلومية تحتها واحدة، وهذه البنية المشتركة هي ما يفسّر سرعة عبور الاحتجاجات للحدود.
ويمكن عرض الأحكام الرئيسة للتقرير مقرونةً بدرجات الثقة فيها. فبثقةٍ عالية، تتعلق الشرارات الموثّقة للاضطرابات بالمدارس والإيجارات والأجور والرسوم وكلفة المعيشة لا بالهجرة، ومن ثمّ فإن السردية التي يطرحها رئيس الولايات المتحدة وأجزاءٌ من اليمين الأوروبي المتطرف تُسيء وصف الحركة، وإن كانت قد تنجح سياسيًّا. وبثقةٍ عالية أيضًا، تمثّل أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب على إيران أهمَّ عاملٍ مُسرِّع منفرد، لأنها رفعت التضخم في اللحظة التي كانت فيها الأجور الحقيقية وكلفة السكن قد استنزفت هوامش الأسر أصلًا. وبثقةٍ متوسطة، نفّذت أعمالَ العنف المصاحبة للاحتجاجات أقليةٌ متمايزة عن جمهور المتظاهرين، كما ذهب إلى ذلك الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، غير أن الحدّ بين الفريقين يغيم في الفئات العمرية الأصغر. وبثقةٍ متوسطة كذلك، سيكون المستفيد الرئيس على المدى القصير هو اليمين الشعبوي، المتصدّر في فرنسا والمهيّأ للحكم في إسبانيا بدعمٍ من اليمين المتطرف، رغم أن تفسيره للاضطرابات هو الأقلّ سندًا من الأدلة. ولذلك فإن الرهانات أكبر من مسألة النظام العام: فأوروبا تدخل دورةً انتخابية كبرى، تصوّت فيها إسبانيا في 29 نوفمبر 2026 وتنتخب فرنسا رئيسها في أبريل 2027، وسيغدو تفسير هذه الانتفاضة ذاته موضوعَ التنافس الأول فيها.
الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة
يقوم الإطار التحليلي على فكرة «ثلاثية الكلفة المعيشية». فشعور الأسرة بأن الجهد العادي يكفل حياةً عادية يتوقف على ثلاثة أسعار: سعر الطاقة الذي يحكم التدفئة والنقل والغذاء؛ وسعر المأوى الذي يحكم أين يمكن للمرء أن يعيش ومع مَن؛ وسعر الخدمات العامة، كالمدارس والجامعات والمستشفيات، مقيسًا بالضرائب والرسوم وزمن الانتظار. فإذا ارتفع أحد هذه الأسعار امتصّت الأسر الصدمة عبر السعرين الآخرين، أما إذا ارتفعت الثلاثة معًا فيتلاشى الهامش وتنهار الثقة السياسية سريعًا، لأن المواطنين يعيشون الإخفاق لا بوصفه سوءَ حظ، بل بوصفه صفقةً منقوضة. ويسمّي التقرير هذه الحال «إنهاك العقد الاجتماعي لما بعد الجائحة»: فبعد عام 2020 وعدت الحكومات الأوروبية بأن الاقتراض العام ودعم الطاقة وصناديق التعافي ستحمي مستويات المعيشة، وتُقرأ أحداث 2026 هنا بوصفها اللحظة التي انكشف فيها إخفاق ذلك الوعد.
ولتفسير العدوى الاحتجاجية يستخدم التقرير نموذجًا من ثلاث خطوات: الشرارة والمظلومية والتنظيم. فالشرارة حدثٌ محليّ رمزيّ في الغالب يبلور الغضب، كفصلٍ دراسيٍّ بلا معلّمين في باريس أو إخلاء امرأةٍ مسنّة في مدريد. والمظلومية هي الشرط البنيوي الذي يجعل صدى الشرارة يتجاوز محلّيتها، وهي هنا ثلاثية الكلفة المعيشية. والتنظيم هو البنية التي تحوّل الصدى إلى تعبئة، من شبكات الطلاب والنقابات وحركات السكن إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ويتوقع النموذج أن تنتشر الاحتجاجات أسرع حيث تجتمع العناصر الثلاثة، وأبطأ حيث يغيب أحدها، وهو ما يساعد على تفسير لماذا ضربت الموجة فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وبلجيكا بقوة، ولم تمسّ ألمانيا إلا مسًّا خفيفًا، إذ إن مظالم السكن والتعليم في ألمانيا حقيقية لكنها تفتقر إلى شرارةٍ حديثة مماثلة. وإلى جانب هذا النموذج يفحص التقرير تنافسًا بين الأُطُر التفسيرية: فالحكومات أطّرت الاضطرابات بوصفها مظلوميةً مشروعة اختطفها مجرمون؛ واليمين الشعبوي، في أوروبا وفي واشنطن، أطّرها بوصفها نتاجًا للهجرة؛ والحركات الاحتجاجية تؤطّرها بوصفها تمرّدًا على النخب. وأيُّ إطارٍ يسود سيحدّد شكل الاستجابة السياسية.
ومن الناحية المنهجية، يقوم التقرير على بحثٍ مكتبيّ يعتمد التحليل النوعي للوثائق في متنٍ قصديٍّ جُمع حتى 20 أكتوبر 2026. ويشمل المتن تصريحات رؤساء الحكومات والوزراء، وأرقام وزارات الداخلية، واستنتاجات المجلس الأوروبي، والبيانات الإحصائية عن التضخم والأجور والسكن كما لخّصتها تغطياتٌ موثوقة، والتصريحات المنشورة لرئيس الولايات المتحدة ونائبه، وتغطيات وسائل إعلامٍ أسترالية وأوروبية وخليجية وهندية وأمريكية. وقد رُمِّزت كل دعوى بحسب البلد، وعنصر الثلاثية الذي تتصل به، والإطار التفسيري الذي تدعمه، وجرت مقاطعة الأرقام حيثما تعددت المصادر. وتُستخدم ثلاث درجاتٍ من الثقة: ثقةٌ عالية حين يسند الحكمَ عدةُ مصادر مستقلة بينها مصادر رسمية؛ وثقةٌ متوسطة حين تكون الأدلة قوية لكنها ناقصة أو تعتمد على تقديراتٍ أولية؛ وثقةٌ منخفضة حين يقوم الحكم أساسًا على الاستدلال التحليلي. ويسري تحفّظٌ واحد على التقرير كله: فالأحداث كانت لا تزال تتكشّف عند إنجازه، ولذلك فإن أرقام الاعتقالات والإصابات والأضرار مؤقتة ومتضاربة أحيانًا بين المصادر، وهي تُعرض كما نُقلت دون توفيقٍ مصطنع بينها.
التسلسل الزمني للعدوى: من فصلٍ دراسيٍّ في باريس إلى تيرانا
بدأت الاضطرابات متواضعة. ففي 17 سبتمبر 2026 احتجّ معلّمو مدرسةٍ ثانوية في جنوب شرق باريس على نقص الكوادر، وانضمّ إليهم الطلاب، ثم امتدّت الحركة إلى مدارس أخرى قبل أن تتّسع إلى مطالب تتعلق بكلفة المعيشة واقتطاعات القطاع العام، بحسب التسلسل الزمني لـABC News المشار إليه آنفًا. ولهذه المظلومية الأولى أهميةٌ تحليلية: فالاحتجاج الذي يبدأ بالمعلّمين والتلاميذ يحمل شرعيةً أخلاقية لا يحملها الشغب، ويصوّر الدولة وقد أخفقت في أبسط وعودها، أي تعليم الأطفال. وعلى مدى الأسابيع الثلاثة التالية نمت التعبئة الفرنسية أساسًا عبر شبكات الطلاب، وصار استخدام القوة ضد المحتجّين الطلاب نفسه مظلمةً إضافية؛ فقد لاحظ موقع Axios في تقريره “Trump, Republicans harness France protests as midterm boogeyman” أن أساليب الشرطة ضد الطلاب استدعت عشرات التحقيقات.
ثم جاءت العدوى عبر شراراتٍ وطنية تتناغم مع الشرارة الفرنسية. ففي إسبانيا تبلورت الحركة حول السكن بعد إخلاء ماريكارمن أباسكال، وهي امرأة في السابعة والثمانين عاشت في الشقة ذاتها بمدريد نحو سبعة عقود، إثر زيادةٍ في الإيجار قيل إنها تجاوزت 200 في المئة فرضتها شركةٌ استثمارية اشترت العقار؛ فغدت قضيتها رمزًا وطنيًّا، ووفاتها لاحقًا نقطةَ استقطاب. وحين رفض البرلمان في 2 أكتوبر تدابيرَ الحكومة لتخفيف أعباء السكن، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيث إلى انتخاباتٍ عامة مبكرة في 29 نوفمبر، كما أفادت صحيفة Kuwait Times في تقريرها “Spain heads to polls on Nov 29 as housing crisis deepens”. وفي بلجيكا كان الطلاب يحتجّون منذ أسابيع على رسوم التسجيل الجامعي قبل أن تستخدم الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في بروكسل ولييج. وفي إيطاليا تحوّلت مسيرةٌ في ميلانو ضد الحروب وارتفاع كلفة المعيشة إلى أعمال عنف، مع نهبٍ وحرائق قرب ساحة الدومو واحتجاز نحو خمسين شخصًا كثيرٌ منهم قاصرون. وفي البرتغال سار عشرات الآلاف في لشبونة احتجاجًا على تدنّي الأجور وأزمة السكن. وفي ألبانيا جمع المحتجّون في تيرانا بين الغضب من كلفة المعيشة ومعارضة الفساد ومشروعٍ ساحليٍّ فاخر مرتبطٍ بعائلة رئيس الولايات المتحدة.
وشكّلت عطلة نهاية الأسبوع في 17 و18 أكتوبر الذروةَ حتى الآن. ففي فرنسا أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو 1,200 حالة اعتقال و150 شرطيًّا مصابًا يوم السبت وحده، قائلًا إن «من المعجزة أن الحصيلة لم تكن أعلى»، في حين سُجّلت أعمال نهبٍ في باريس ومرسيليا ونيس ونانت وبوردو وليموج وليل وتولوز وستراسبورغ. وفي اليوم التالي أفادت Euronews في تقريرها “France grapples with the aftermath of a weekend of violence” بنحو ألفي حالة اعتقال، وأكثر من 500 مصابٍ من الشرطة والدرك والإطفاء، وأضرارٍ قدّرتها الهيئات المهنية بمئات الملايين من اليوروهات، وبعرض وزير الداخلية لوران نونييث استقالته، وهو العرض الذي رفضه ماكرون. وأُعلن حظرُ تجوّلٍ في أجزاء من باريس وليل. وتتباين الأرقام بين المصادر وبين الأيام، وهو أمرٌ معتاد في أزمةٍ سريعة الحركة، لكن مرتبة الحجم واضحة: فقد عاشت فرنسا أخطر اضطرابٍ مدنيٍّ منذ أعمال الشغب في الضواحي خلال السنوات الأخيرة، وكان الاضطراب هذه المرة ملتصقًا بحركةٍ جماهيرية تحظى بتعاطفٍ شعبيٍّ واسع.
صدمة الطاقة: كيف وصلت حربٌ في الخليج إلى مطابخ أوروبا
أهمُّ عاملٍ مُسرِّعٍ منفرد للاضطرابات هو صدمة طاقةٍ مستوردة من الخليج. فالحرب التي بدأت بضرباتٍ أمريكية وإسرائيلية مشتركة على إيران في 28 فبراير 2026 أفضت إلى إغلاقٍ فعليٍّ لمضيق هرمز مطلع مارس، وإلى ضربةٍ إيرانية على مجمّع رأس لفان القطري في 18 مارس خفّضت طاقة قطر من الغاز الطبيعي المسال بنحو 17 في المئة، وفق ما يجمعه “Economic impact of the 2026 Iran war”. وبلغ خام برنت ذروته فوق 118 دولارًا للبرميل في أواخر مارس، ثم تراجع مطلع الصيف وعاد إلى نحو 100 دولار في أواخر يوليو، في حين تضاعفت أسعار الغاز الهولندي تقريبًا في مارس. وبالنسبة إلى أوروبا، التي كانت قد أعادت لتوّها بناء منظومتها الطاقوية بعد صدمة الغاز الروسي عام 2022، كان ذلك أزمةَ طاقةٍ ثانية في غضون أربع سنوات.
وكانت الكلفة المالية هائلة. فقد قدّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الكلفةَ الإضافية للحرب على فاتورة واردات الاتحاد الأوروبي من الوقود الأحفوري بـ106 مليارات يورو منذ أواخر فبراير، بحسب Latin Post في تقريرها “How the Iran War Just Added €106 Billion to Europe’s Energy Bill”. ويشير التقرير ذاته إلى أن مخزون الغاز في الاتحاد بلغ 72.4 في المئة في 3 أكتوبر، وهو أدنى مستوى لذلك التاريخ منذ بدء القياس عام 2011، وأن متحدثًا باسم المفوضية حذّر من «شتاءٍ صعبٍ جدًّا، جدًّا»، وأن نحو 50 مليون أوروبي قد يعجزون عن تدفئة منازلهم على نحوٍ كافٍ. وقد طلب اجتماع المجلس الأوروبي في 15 و16 أكتوبر من المفوضية اقتراح تدابير إضافية، لكنه لم يتفق على حزمة إغاثةٍ ملزمة على مستوى الاتحاد. وخفّضت عدة حكومات، منها النمسا وإسبانيا وإيطاليا وكرواتيا، الرسومَ على الوقود مؤقتًا، غير أن هذه التدابير الوطنية بقيت متواضعة قياسًا بحجم الصدمة.
والطاقة تغذّي مستوى الأسعار مباشرة، ومستوى الأسعار يغذّي الغضب مباشرة. فقد أفادت Business Standard في تقريرها “From France and Italy to Belgium: What is driving protests across Europe?” بأن التضخم في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.8 في المئة في سبتمبر 2026 بعد 3.2 في المئة في أغسطس، مع ارتفاع أسعار الطاقة 18.8 في المئة على أساسٍ سنوي، وبلوغ التضخم في إيطاليا 4.2 في المئة، والتضخم المنسَّق في إسبانيا 5 في المئة، وهو الأعلى منذ فبراير 2023. ويلاحظ التقرير نفسه أن أسعار الغذاء في الاتحاد الأوروبي ارتفعت 34 في المئة بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. وهنا بيت القصيد: فصدمة 2026 لم تضرب أسرًا تعافت من صدمة 2022، لأن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها بعد أزمة الطاقة الأولى، بل تباطأ ارتفاعها فحسب. والصدمة الثانية فوق صدمةٍ أولى لم يُتعافَ منها هي ما يحوّل السخط إلى انتفاضة. وقد أقرّ ماكرون نفسه بهذه الصلة حين قال، في خطابٍ إلى الأمة نقله موقع Axios، إن للمتظاهرين «مطالب مشروعة»، منها التخفيف من ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب في إيران.
السكن خطَّ انقسامٍ طبقيٍّ جديد: الإيجارات والإخلاءات والمدينة المُؤَمْوَلة
إذا كانت الطاقة هي المُسرِّع، فالسكن هو الوقود. ففي جنوب أوروبا خصوصًا، صار سعر المأوى أوضحَ خطٍّ فاصل بين مَن يملك ومَن يستأجر، وبين الأجيال، وبين مَن يعيش في المدينة العالمية ومَن أخرجته الأسعار منها. وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي لخّصتها Business Standard أن نسبة أسعار المساكن إلى الدخل، مقارنةً بعام 2000، أعلى بـ56 في المئة في إسبانيا و39 في المئة في فرنسا، في حين ارتفعت النسبة في البرتغال 67 في المئة بين 2015 و2026 وحدها. وأنفقت الأسر في الاتحاد الأوروبي في المتوسط 19 في المئة من دخلها المتاح على السكن عام 2024، لكن هذه الحصة بلغت 37 في المئة لدى المعرّضين لخطر الفقر. وأفادت الجزيرة بأن أسعار المساكن في البرتغال تضاعفت أكثر من مرة منذ 2017، وأن إيجارات العقود الجديدة ارتفعت بما يقارب ذلك.
وتُبيّن الحالة الإسبانية كيف يحوّل السكنُ الإحصاءاتِ المجرّدة إلى غضبٍ أخلاقي. فقد تضاعف متوسط الإيجارات في إسبانيا تقريبًا خلال العقد الماضي، وارتفعت أسعار عرض المساكن بنحو 90 في المئة، بحسب تقرير Kuwait Times المشار إليه آنفًا. واختزل إخلاءُ ماريكارمن أباسكال، بعد أن طلبت شركةٌ استثمارية اشترت شقتها زيادةً في الإيجار تراوحت بحسب المصادر بين 230 و275 في المئة، هذا الاتجاهَ في قصةٍ إنسانية واحدة: امرأةٌ مسنّة تُطرد من بيت عمرها على يد مالكٍ ماليّ. فسار عشرات الآلاف في مدريد ومدنٍ أخرى، واحتلّ مخيّمٌ من الخيام قلبَ العاصمة. وكانت العاقبة السياسية فورية: فحين انضمّ حزب «جونتس» الكتالوني، الذي تعتمد عليه حكومة الأقلية، إلى المعارضة في رفض التجديد التلقائي لعقود الإيجار ووضع حدودٍ لإخلاء المستأجرين الضعفاء، خسرت الحكومة الأداة التي اختارتها لمواجهة الأزمة، فدعت إلى الانتخابات بدلًا منها.
والعملية الكامنة هي أَمْوَلة السكن، حيث يصبح العقار السكنيّ فئةً من الأصول تتداولها صناديق الاستثمار ومنصات الإيجار القصير والمشترون الدوليون، بدلًا من أن يكون سلعةً اجتماعية توزَّع بحسب الحاجة. وفي المدن العالمية في جنوب أوروبا، اجتمعت السياحة والرحّالة الرقميون وبحثُ المستثمرين المؤسسيين عن العائد مع محدودية البناء لتدفع الأسعار خارج متناول أصحاب الأجور المحليين. والسياسة السكنية اختصاصٌ وطنيٌّ وبلديّ، فلا تملك بروكسل إلا أدواتٍ قليلة، وتواجه الحكومات الوطنية معضلة: فالتدابير التي تحمي المستأجرين قد تقلّل الاستثمار في المعروض الجديد، والتدابير التي تشجّع المعروض تحتاج سنواتٍ حتى تؤثر في الأسعار. وتُظهر احتجاجات 2026 أن هذه المعضلة لم تعد نقاشًا تقنيًّا، بل صارت مصدرًا لأزمة شرعية، لأن الشباب الذين يعجزون عن تكوين أسرٍ بأجورهم يعيشون سوق السكن حكمًا على مستقبلهم.
الكمّاشة المالية: خدمة الدين والفصول الدراسية وانسحاب الدولة
الضغط الثالث ماليّ. فقد خرجت الحكومات الأوروبية من الجائحة ومن أزمة الطاقة عام 2022 بديونٍ أعلى، وحوّل ارتفاعُ أسعار الفائدة منذ ذلك الحين تلك الديونَ إلى مطالبةٍ متناميةٍ على الموازنات الجارية. والحالة الفرنسية هي الأوضح. فبحسب تحليل ABC News المشار إليه آنفًا، تواجه فرنسا دينًا مرتفعًا وعجزًا كبيرًا في الموازنة وكلفة اقتراضٍ متصاعدة، وستنفق هذا العام على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الدفاع أو التعليم. وحين تدفع الدولة لدائنيها أكثر مما تدفع لمدارسها، يكفّ الفصلُ الدراسيّ الخالي من المعلّمين في جنوب شرق باريس عن أن يكون إخفاقًا إداريًّا، ويصير رمزًا لسُلَّم الأولويات. وليس من قبيل المصادفة أن الحركة الفرنسية بدأت بالمعلّمين والتلاميذ: فالتعليم هو حيث تشعر الأسر بانسحاب الدولة على نحوٍ مباشر.
ويظهر النمط ذاته بأشكالٍ مختلفة في أماكن أخرى. ففي بلجيكا كانت الشرارة ارتفاعَ رسوم التسجيل الجامعي، وهي حالةٌ نموذجية لنقل كلفة سلعةٍ عامة إلى الأسر. وفي إيطاليا، حيث انخفض متوسط الأجور الحقيقية للعمل بدوامٍ كامل بنحو 5 في المئة بين 2000 و2025 بحسب البيانات التي نقلتها Business Standard، ظلّ الحيّز الماليّ للإنفاق الاجتماعي ضيّقًا عقودًا، وجمعت احتجاجات ميلانو بين معارضة الحرب والغضب من كلفة المعيشة والخدمات العامة. وفي البرتغال، حيث ارتفعت الأجور الحقيقية 20 في المئة خلال المدة ذاتها، لا تكمن المشكلة في ركود الأجور بقدر ما تكمن في الفجوة بين الأجور وكلفة السكن في لشبونة وبورتو. وفي كل حالة تجد الأسر أن المؤسسات التي كانت تحميها، من المدارس العامة والجامعات الميسورة الكلفة إلى النقل المدعوم والسكن الاجتماعي، باتت هي نفسها تحت الضغط.
وتزداد الكمّاشة المالية إحكامًا بفعل مطالباتٍ متنافسة على المستوى الأوروبي. فقد لاحظت Euronews أن على المفوضية الأوروبية تقديمَ خياراتٍ لسدّ فجوةٍ قدرها 70 مليار يورو في دعم أوكرانيا لعام 2027، فوق قرضٍ سابقٍ بقيمة 90 مليار يورو، في حين لا تزال 210 مليارات يورو من الأصول الروسية مجمّدة. وفي الوقت نفسه تتعرّض الحكومات الأوروبية لضغطٍ من واشنطن لرفع الإنفاق الدفاعي رفعًا حادًّا. وكلُّ مطالبةٍ من هذه المطالبات قابلةٌ للدفاع عنها بمعاييرها الخاصة، لكنها مجتمعةً تولّد انطباعًا، يستثمره الشعبويون من اليسار واليمين، بأن النخب الأوروبية تقدّم الحروبَ والدائنين والجغرافيا السياسية على الحياة اليومية لمواطنيها. ولذلك فإن انتفاضة الغلاء هي أيضًا تمرّدٌ على تراتبية الإنفاق العام، وأيّ استجابةٍ دائمة سيتعيّن عليها أن تُثبت للمواطنين أن مدارسهم ومنازلهم تحتلّ في الأولوية مرتبةً لا تقلّ عن الالتزامات المعقودة في بروكسل وواشنطن.
ستُّ تنويعاتٍ وطنية على لحنٍ مشترك
لا تمحو بنيةُ المظلومية المشتركة فوارقَ وطنيةً مهمة، والتحليل الرصين يُبقي الأمرين في مجال الرؤية. ففرنسا هي مركز الزلزال لأنها تجمع الضغوط الثلاثة مع روزنامةٍ سياسية تفصلها فيها أقلُّ من ستة أشهر عن الانتخابات الرئاسية، ورئيسٌ منتهية ولايته لا يحقّ له الترشح مجددًا. وتتميّز الحركة الفرنسية أيضًا ببنيتها العمرية، إذ يشكّل طلاب الثانويات والجامعات نواتها، وبتنوّع أساليبها التي تتراوح بين مسيراتٍ جماهيرية تنظّمها النقابات وعنفٍ ليليٍّ تمارسه مجموعاتٌ صغيرة. وجاء ردّ ماكرون بالتمييز بين الأمرين، فوصف مشاعر الأمة بأنها «خزيٌ وغضب»، وأقرّ بالمطالب المشروعة، ووعد بمحاسبة مَن سعوا إلى إسقاط الجمهورية.
وإسبانيا هي الحالة الأبعد أثرًا مؤسسيًّا، لأن الاضطرابات أسقطت بالفعل أجندةً تشريعية وفرضت انتخاباتٍ مبكرة. ويتصدّر الحزب الشعبي المحافظ استطلاعات الرأي، لكنه سيحتاج على الأرجح إلى دعم حزب «فوكس» اليميني المتطرف كي يحكم، فقد تُفضي احتجاجات السكن، التي نشأت من مظلوميةٍ يسارية، على نحوٍ مفارق إلى حكومةٍ يمينية. وتشبه البرتغال إسبانيا في مركزية السكن، لكنها تختلف في موقف الحكومة: فقد أعلن الوزير كارلوس أبرو أموريم أن الحكومة «لن ترضخ لصيحات الشارع»، بحسب الجزيرة. وتختلف إيطاليا مرةً أخرى، إذ تمنح الأجورُ الراكدة والمشاعرُ المناهضة للحرب احتجاجاتِها لونًا أيديولوجيًّا أوسع، وقد أطّرت حكومة ميلوني، وهي نفسها يمينية، العنفَ بلغة النظام العام، مؤكدةً أن «التظاهر حق، أما إضرام النار في مدننا فليس كذلك».
وتُكمل بلجيكا وألبانيا الصورة عند الهوامش. فاحتجاجات بلجيكا لا تزال وثيقة الصلة بكلفة التعليم، ولم تتحوّل بعدُ إلى أزمةٍ سياسية وطنية. أما ألبانيا فهي الحالة الشاذّة، ومفيدةٌ لهذا السبب بالذات. فهناك تمتزج مظلومية الغلاء بالغضب من الفساد وبمعارضة مشروعٍ فاخر في جزيرة سازان ودلتا فيوسا–نارتا المحمية، مُنح صفةَ «المستثمر الاستراتيجي» لشركةٍ مرتبطة بـ«أفينيتي بارتنرز» التابعة لجاريد كوشنر، وتُقدَّر قيمته في سازان وحدها بـ1.6 مليار دولار، كما شرحت الجزيرة في تقريرها “Why the Kushners’ plan to build an Albanian resort has sparked protests”. وقد رفض رئيس الوزراء إيدي راما الدعوات إلى الاستقالة. وتُظهر الحالة الألبانية كيف تنصهر انتفاضة الغلاء في بلدٍ أفقر مع أسئلة السيادة واستحواذ النخب، وهو مزيجٌ مألوف لمتابعي جنوب شرق آسيا.
صراع الأُطُر: مظلوميةٌ أم جريمةٌ أم هجرة؟
تعقب كلَّ موجةِ اضطراباتٍ معركةٌ على معناها، والمعركة على معنى انتفاضة أوروبا عام 2026 شديدةٌ على نحوٍ غير معتاد لأنها صارت قضيةً في السياسة الأمريكية. وتتنافس ثلاثة أُطُر. الأول، إطار المظلومية، يرى أن الاحتجاجات تعبّر عن غضبٍ مشروع من كلفة المعيشة والسكن والخدمات العامة، ويتبنّاه النقابيون والحركات الطلابية، وكذلك ماكرون مع تحفّظات، إذ قال للأمة إن مئات الآلاف من المتظاهرين لهم مطالب مشروعة ولا ينبغي الخلط بينهم وبين مثيري الشغب العنيفين. والثاني، إطار الجريمة، يركّز على عنف أقليةٍ ويعالج الاستجابة أساسًا بوصفها مسألةَ نظامٍ عام، وتتبنّاه وزارات الداخلية وحكوماتُ اليمين كحكومة ميلوني، وهو ليس بلا أساس، فإحراق مبنى بلديةٍ تاريخي ونهب نحو 1,500 متجر، كما أفادت «لوموند»، جرائم لا مظالم.
أما الإطار الثالث، إطار الهجرة، فيرى أن الاضطرابات نتاجُ الهجرة الجماعية. وقد طرحه بأشدّ قوةٍ رئيسُ الولايات المتحدة. ففي تجمّعٍ انتخابيٍّ في كانساس في 19 أكتوبر قال إن فرنسا «تُغزى وتُنهب وتُحرق حتى الأرض على أيدي المهاجرين والجهاديين والشيوعيين»، وادّعى، دون دليل، أن الاضطرابات تتعلق بالهجرة لا بالمدارس، بحسب تقرير Axios المشار إليه آنفًا. وفي منشورٍ على «تروث سوشيال» في اليوم ذاته، نقلته Newsweek في تقريرها “Trump skips details as he issues threat to ‘leave Europe’”، كتب أن «على أوروبا أن تُغلق حدودها»، وحذّر من أن الولايات المتحدة قد «لا يكون أمامها خيارٌ سوى المغادرة». وكتب نائب الرئيس جي دي فانس أن الليبراليين الغربيين جلبوا «العالم الثالث» إلى فرنسا، ونسب جوردان بارديلا من حزب «التجمّع الوطني» أعمالَ الشغب إلى الهجرة.
وإذا قيس إطار الهجرة بالأدلة كان أضعفَ الأُطُر الثلاثة. فلا تتعلق أيٌّ من الشرارات الموثّقة بالهجرة، لا احتجاج المعلّمين على نقص الكوادر، ولا الإخلاء بعد زيادة الإيجار، ولا رسوم التسجيل الجامعي، ولا الأجور المتدنية في لشبونة، ولا المنتجع في ألبانيا، كما أن البلدان الأشدّ تأثرًا ليست تلك التي استقبلت أكبر تدفقاتٍ حديثة من المهاجرين. وهذا لا يعني أن الإطار سيفشل. فقد أفاد موقع Axios بأن الرئيس وقادة الجمهوريين يستخدمون العنف «فزّاعةً» قبيل انتخابات التجديد النصفي العسيرة، وفي أوروبا يتهيّأ اليمين الشعبوي للاستفادة بصرف النظر عن دقة تشخيصه. وقد وصفت مارين لوبان، المتصدّرة في سباق الرئاسة الفرنسية، فرنسا بأنها «محاصرة، بل رهينة، بين العنف والعجز». والخطر على أوروبا أن تُواجَه انتفاضةٌ على سعر الحياة بسياساتٍ عن الحدود، فتبقى ثلاثية الكلفة المعيشية على حالها، وتُمهَّد الأرض للانفجار التالي الأكبر.
وليس هذا الصراع جديدًا، وأرشيف العقد الماضي يفسّر لماذا ينتقل إطار الهجرة بهذه السهولة. ففي عام 2016 خصّصت مجلة Foreign Affairs عددها لشهري نوفمبر وديسمبر، The Power of Populism، للحجّة القائلة إن المظالم الاقتصادية لخاسري العولمة تُحوَّل إلى سياساتٍ ثقافية وهوياتية، وفي عام 2019 تتبّع عددُها لشهري مارس وأبريل، The New Nationalism، كيف كان هذا التحويل يتصلّب في سياسةٍ قوميةٍ قوامها الحدود عبر العالم الأطلسي. وإذا قُرئت أحداث 2026 في ضوء تلك التشخيصات بدت فصلًا ثالثًا: مظلوميةٌ مادية في معظمها يُعرض لها مرةً أخرى تفسيرٌ هوياتيّ، والفاعلون الذين يعرضونه، في واشنطن وفي العواصم الأوروبية، هم أنفسهم الذين استفادوا من التحويل السابق. ويوحي هذا النمط بأن معركة المعنى ستُحسم بالتنظيم أكثر مما تُحسم بالأدلة، وبأن الأحزاب الرئيسة العاجزة عن صياغة جوابٍ ماديّ ستتنازل عن الميدان لمن يقدّم جوابًا ثقافيًّا.
الصدى العالمي: ما تعنيه انتفاضة أوروبا خارج أوروبا
تكتسب انتفاضة أوروبا أهميتها خارج أوروبا بكثير لأن ثلاثية الكلفة المعيشية ليست خصوصيةً أوروبية. فصدمة الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران أصابت كلَّ اقتصادٍ مستورد، وفي الأسواق الناشئة التي تدعم الوقود تنتقل الصدمة عبر الموازنة لا عبر الأسعار، فتزاحم الإنفاقَ على التعليم والصحة. وأَمْوَلة السكن ظاهرةٌ في جاكرتا ومانيلا ومدينة هو تشي منه وكوالالمبور، حيث تُقصي الأسعارُ أصحابَ الأجور من الطبقة الوسطى عن المدن التي تحتاج إلى عملهم. والانكماش الماليّ حادٌّ في البلدان التي ارتفعت كلفة ديونها مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية. ولذلك تقدّم الحالة الأوروبية لمحةً مسبقة عمّا يحدث حين تتلاقى الضغوط الثلاثة في مجتمعاتٍ شابة متصلة رقميًّا وضعيفة الثقة في نخبها.
وبالنسبة إلى إندونيسيا تبرز ثلاثة دروس. الأول يتعلق بالطاقة. فكما ذهب تحليل “3 Sinyal Bahaya Ekonomi Indonesia” في مايو 2026، فإن اجتماع ضغط العملة والإجهاد الماليّ وكلفة استيراد الطاقة هو أخطر تشكيلٍ على رفاه الأسر الإندونيسية، وتُظهر التجربة الأوروبية أن صدمة طاقةٍ ثانية فوق صدمةٍ أولى لم يُتعافَ منها هي ما يحوّل السخط إلى تعبئةٍ جماهيرية. والدرس الثاني يتعلق بالتعليم. فقد بدأت الحركة الفرنسية في الفصول الدراسية لأن التعليم هو حيث يلمس المواطنون أولويات الدولة على نحوٍ مباشر؛ وأيُّ تصحيحٍ ماليٍّ إندونيسيّ يمسّ جودة التدريس أو يرفع كلفة الجامعات يحمل خطرًا سياسيًّا لا يتناسب مع ما يوفّره للموازنة. والدرس الثالث يتعلق بالسردية. فالحكومات التي تواجه المظلومية الاقتصادية بتفسيراتٍ عن عملاء أجانب أو مهاجرين أو متسلّلين أيديولوجيين قد تكسب دورةً إخبارية، لكنها تفقد القدرة على معالجة السبب. وصراع الأُطُر الأوروبي إنذارٌ بأن سوء التشخيص هو في حدّ ذاته إخفاقٌ في السياسة.
وثمة صدى جيوسياسيّ أيضًا. فقد وصف تحليل “Dunia Memasuki Era Perang Dagang Total” عالمًا يضيّق فيه النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا هامشَ المناورة أمام القوى المتوسطة. وأوروبا المنشغلة باضطراباتها الداخلية، والمخنوقة بكلفة الطاقة، والمهدَّدة بتخلّي واشنطن عنها، ستكون شريكًا أكثر انكفاءً على ذاته بالنسبة إلى جنوب شرق آسيا: أقلَّ قدرةً على تمويل التحوّل الطاقوي، وأكثرَ حمائيةً في التجارة، وأشدَّ قلقًا من الهجرة. وينبغي للقوى المتوسطة التي اعتمدت على أوروبا ثقلًا موازنًا في عالمٍ مستقطب أن تستعدّ لمرحلةٍ يضعف فيها هذا الثقل، مع إدراك أن الطلب الأوروبي على سلاسل إمدادٍ متنوعة ومعادن حرجة وشركاءَ في الطاقة قد يفتح أيضًا فرصًا أمام مَن يستطيع أن يقدّم الاستقرار.
وللنقاش الإندونيسي مفرداتُه الخاصة لهذه الحال. فالمقالة “From Goro-Goro to Huru-Hara: Reading Indonesia’s Present Unease Without Fatalism” المنشورة في أغسطس 2026، ونظيرتها الإندونيسية “Dari Goro-Goro ke Huru-Hara: Audit Prediksi KBA13 tentang Indonesia Menuju 2030”، تميّزان بين «غورو-غورو» (goro-goro)، أي القلق المنتشر الذي يسبق الأزمة، و«هورو-هارا» (huru-hara)، أي اللحظة التي يتحوّل فيها القلق إلى فوضى. وتقدّم أوروبا عام 2026 مثالًا تجريبيًّا على العبور من الأولى إلى الثانية: فقد أنتجت ثلاثية الكلفة المعيشية مرحلةً طويلة من «غورو-غورو» بعد 2022، ثم جاءت صدمة الطاقة عام 2026 لتدفعها إلى «هورو-هارا». والقيمة التحليلية لهذا التمييز أنه يحدّد نافذة السياسات الحاسمة قبل الشرارة، في المرحلة التي لا يزال فيها أمام الحكومات وقتٌ لحماية المؤسسات التي يحكم المواطنون من خلالها على الدولة.
أقوى الحجج المضادّة والردّ عليها
للحجة المضادّة الأقوى لهذا التقرير ثلاث طبقات. الأولى ترى أن إطار الغلاء كريمٌ أكثر مما ينبغي مع الاحتجاجات، لأن أبرز الأفعال، من الحرق والنهب والاعتداء على الشرطة، جرائمُ ارتكبها أناسٌ لا شأن لهم بالمدارس أو الإيجارات، ولأن العنف تصاعد على نحوٍ يوحي بمجموعاتٍ راديكالية منظّمة لا بغضبٍ عفوي. والثانية ترى أنه لا يمكن استبعاد الهجرة من التفسير لمجرد أنها لا تظهر في الشرارات: فنقص المساكن والضغط على الخدمات العامة والمنافسة على الأجور في أسفل سوق العمل كلها تتأثر بالنموّ السكاني، والناخبون في عدة بلدانٍ يقولون لمستطلعي الرأي إن الهجرة من أبرز همومهم. والثالثة ترى أن صدمة الطاقة مؤقتة وخارجية، وأن الاضطرابات ستهدأ حين تنخفض أسعار النفط أو تنتهي الحرب على إيران، وأن التفسيرات البنيوية تضخّم حدثًا دوريًّا.
في كل طبقةٍ شيءٌ من الحقيقة، لكن لا شيء منها يقلب الحكم المركزي. ففي الأولى يقبل التقرير بأن العنف كان حقيقيًّا وإجراميًّا، ويتفق مع ماكرون وميلوني على وجوب التمييز بين مثيري الشغب والمتظاهرين؛ لكن حجم التعبئة السلمية، أكثر من نصف مليون شخص في فرنسا في يومٍ واحد، لا يمكن تفسيره بنشاط مجموعاتٍ راديكالية صغيرة، والاستجابة الأمنية التي تتجاهل المظلومية ستُبقي خزّان الغضب ممتلئًا. وفي الثانية لا ينكر التقرير أن الهجرة تؤثر في السكن والخدمات العامة في بعض الأماكن؛ وإنما يقرّر أن مطالب الحركة وشراراتها تتعلق بالأسعار والأجور والمؤسسات، وأن البلدان الأشدّ تأثرًا ليست تلك التي شهدت أكبر تدفقاتٍ حديثة من المهاجرين. ومعاملة الهجرة سببًا رئيسًا ستُسيء توجيه الاستجابة السياسية. وفي الثالثة يقبل التقرير بأن صدمة الطاقة هي المُسرِّع وقد تخفّ، لكن ضغوط السكن والمالية العامة بنيويةٌ وستبقى؛ فأسعار الغذاء لم تعد إلى مستوياتها السابقة بعد 2022، ولا سبب يدعو إلى توقّع عودتها بعد 2026.
وينبغي للتقرير أن يحدّد أيضًا ما الذي من شأنه أن يغيّر أحكامه. فإذا ظهرت أدلة على أن العنف نسّقته شبكاتٌ منظّمة بدعمٍ خارجي، فسيزداد وزن إطار الجريمة. وإذا أظهرت استطلاعات المحتجّين أن الهجرة دافعٌ رئيس، فسيتعيّن مراجعة استبعاد إطار الهجرة. وإذا هدأت الاحتجاجات سريعًا بمجرد انخفاض أسعار الطاقة، دون تنازلاتٍ في السكن أو التعليم، فسيضعف التفسير البنيوي لصالح تفسيرٍ دوري. وإلى أن تظهر مثل هذه الأدلة، يبقى تفسير الغلاء هو الأكثر اتساقًا مع السجلّ الموثّق.
سيناريوهات حتى منتصف 2027، ومؤشرات، وتوصيات
يمكن التمييز بين أربعة سيناريوهات حتى منتصف 2027، باحتمالاتٍ تمثّل تقدير الكاتب. الأول، «الإنهاك المحتوى»، باحتمالٍ يقارب 40 في المئة، تهدأ فيه الاحتجاجات خلال الشتاء مع حظر التجوّل والإرهاق والإغاثة الموجّهة، لكن دون إصلاحٍ بنيوي، فتبقى المظلومية كامنةً لتعاود الظهور في الحملات الانتخابية. والثاني، «الحصاد الشعبوي»، باحتمالٍ يقارب 30 في المئة، يفوز فيه اليمين بالانتخابات الإسبانية في نوفمبر بدعمٍ من اليمين المتطرف، ويدخل حملة الرئاسة الفرنسية مرشحًا أوفر حظًّا، وتجيب الحكوماتُ انتفاضةَ الغلاء أساسًا بتدابير الحدود والنظام العام. والثالث، «العدوى المتجدّدة»، باحتمالٍ يقارب 20 في المئة، يُعيد فيه شتاءٌ قاسٍ أو تقنينٌ للطاقة أو شرارةٌ جديدة إشعالَ الحركة، فتمتدّ بقوةٍ أكبر إلى ألمانيا والنمسا واليونان وتتحوّل إلى أزمة حوكمةٍ على مستوى القارة. والرابع، «صفقةٌ جديدة»، باحتمالٍ يقارب 10 في المئة، يتفق فيه الاتحاد الأوروبي على شراءٍ مشتركٍ للطاقة ومرونةٍ مالية للاستثمار الاجتماعي، وتتبنّى الحكومات الوطنية حزمًا موثوقة للسكن والتعليم تستعيد قدرًا من الثقة.
ويمكن رصد خمسة مؤشرات. الأول مسار أسعار الطاقة ومخزون الغاز في الاتحاد الأوروبي خلال الشتاء، بما في ذلك ما إذا اعتُمدت آلية الشراء المشترك التي اقترحتها المفوضية. والثاني نتيجة الانتخابات الإسبانية في 29 نوفمبر ودور «فوكس» في أيّ حكومة. والثالث استطلاعات الرأي الفرنسية للانتخابات الرئاسية في أبريل 2027، وما إذا كان إطار المظلومية أو إطار الهجرة هو المهيمن على الحملة. والرابع حجم الاحتجاجات وانتشارها الجغرافي في ألمانيا والنمسا واليونان، وهو ما سيدلّ على عدوى متجدّدة. والخامس ما إذا قدّمت الحكومات تنازلاتٍ ملموسة في السكن أو تمويل التعليم أو الرسوم الجامعية، بدلًا من الاعتماد على الشرطة وحدها. والتوصية لصنّاع السياسات في أوروبا هي معاملة الانتفاضة إشارةً إلى تراتبية الإنفاق العام، والإجابة عنها باستثمارٍ مرئيٍّ في المؤسسات التي يلمس فيها المواطنون الدولةَ على نحوٍ مباشر. أما التوصية لصنّاع السياسات في الاقتصادات الناشئة، ومنها إندونيسيا، فهي الاستعداد من الآن لصدمة طاقةٍ ثانية بحماية التعليم والخدمات الأساسية في أيّ تصحيحٍ ماليّ، ومقاومة تفسيرات الغضب الاجتماعي التي تلوم الغرباء بدلًا من الأسعار.
حدود الدراسة
لهذه الدراسة حدودٌ عدة. فهي بحثٌ مكتبيّ أُنجز والأحداث لا تزال تتكشّف، ولذلك فإن أرقام الاعتقالات والإصابات والأضرار مؤقتة وتتباين بين المصادر وبين الأيام، وهي معروضة كما نُقلت. وتعتمد الدراسة على تغطياتٍ باللغة الإنجليزية وعلى ملخّصاتٍ للبيانات الإحصائية لا على قواعد بياناتٍ أولية، ولا تشمل استطلاعاتٍ للمحتجّين، وهي ضرورية لاختبار الدوافع المنسوبة إليهم. ولا يستطيع تحليل العنف أن يحدّد درجة التنظيم الكامنة وراءه. والقسم المقارن عن الاقتصادات الناشئة تحليليٌّ لا تجريبي، وينبغي أن يُقرأ مجموعةَ فرضيات. وأخيرًا، فإن السيناريوهات أحكامٌ لا تنبؤات، وقد تتجاوزها الأحداث سريعًا، كمسار الحرب على إيران أو شتاءٍ قاسٍ.
خاتمة: سعر الحياة بوصفه سياسةَ أوروبا
تُفهم اضطرابات أوروبا عام 2026 على أفضل وجهٍ بوصفها انتفاضةً على سعر الحياة. بدأت بالمعلّمين والتلاميذ في مدرسةٍ باريسية، وانتشرت عبر الإيجارات في مدريد، والرسوم في بروكسل، والأجور في لشبونة، ومنتجعٍ في ألبانيا، وسرّعتها صدمةُ طاقةٍ آتيةٍ من حربٍ في الخليج. كان عنفها حقيقيًّا، ولا بدّ من مواجهة هامشها الإجرامي، لكن جمهور مَن ساروا كانوا يطرحون سؤالًا أبسط: لماذا لم يعد الجهد العادي يكفل حياةً عادية؟ والجواب، كما حاجّ هذا التقرير، يكمن في تلاقي كلفة الطاقة وأَمْوَلة السكن والانكماش الماليّ، وهي عوامل أنهكت مجتمعةً العقدَ الاجتماعي الذي جدّدته الحكومات الأوروبية بعد الجائحة.
والمعركة الحاسمة الآن هي معركة التفسير. فإذا قبل قادة أوروبا وناخبوها إطارَ الهجرة الذي تعرضه واشنطن ويعرضه اليمين الشعبوي، فسيجيبون عن انتفاضةٍ على الأسعار بسياساتٍ عن الحدود، وستبقى ثلاثية الكلفة المعيشية على حالها حتى الانفجار التالي الأكبر. وإن قبلوا إطار المظلومية، فسيتعيّن عليهم إعادة ترتيب الأولويات العامة بحيث تقف المدارس والمنازل وأمن الطاقة جنبًا إلى جنب مع الدائنين والحروب والجغرافيا السياسية. وسيُتّخذ هذا الخيار في الدورة الانتخابية الكبرى التي تبدأ في إسبانيا في نوفمبر وتبلغ ذروتها في فرنسا في أبريل. أما بقية العالم، ومنه جنوب شرق آسيا، فالدرس بالنسبة إليه أن سعر الحياة صار السؤال المركزي في السياسة، وأن المجتمعات التي تُخطئ تشخيصه تفعل ذلك على مسؤوليتها.
المراجع والمصادر
- Wikipedia (compiled sources): Economic impact of the 2026 Iran war
- ABC News (2026): What you need to know about Europe’s protests, and why they’re growing
- Al Jazeera (2026): Cost of living protests hit Belgium, Italy, Portugal and France
- Al Jazeera (2026): Why the Kushners’ plan to build an Albanian resort has sparked protests
- Axios (2026): Trump, Republicans harness France protests as midterm boogeyman
- Business Standard (2026): From France and Italy to Belgium: What is driving protests across Europe?
- Euronews (2026): France grapples with the aftermath of a weekend of violence
- Kuwait Times (2026): Spain heads to polls on Nov 29 as housing crisis deepens
- Latin Post (2026): How the Iran War Just Added €106 Billion to Europe’s Energy Bill
- Newsweek (2026): Trump skips details as he issues threat to “leave Europe”
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — The Power of Populism (November/December 2016)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — The New Nationalism (March/April 2019)
- KBA13 Insight (2026): 3 Sinyal Bahaya Ekonomi Indonesia
- KBA13 Insight (2026): Dunia Memasuki Era Perang Dagang Total: Amerika, China, Eropa, dan Pertaruhan Indonesia
- KBA13 Insight (2026): From Goro-Goro to Huru-Hara: Reading Indonesia’s Present Unease Without Fatalism
- KBA13 Insight (2026): Dari Goro-Goro ke Huru-Hara: Audit Prediksi KBA13 tentang Indonesia Menuju 2030
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). انتفاضة غلاء المعيشة في أوروبا: اضطرابات 2026، وصدمة الطاقة، وإنهاك العقد الاجتماعي. المرصد الجاوي. الأصل الإنجليزي: Europe’s Affordability Revolt، KBA13 Academy Research Center.


