بعد نصف قرنٍ على مؤتمر مكة المكرمة عام 1977، انكمش الطموح الحضاري الذي حمله مشروع أسلمة المعرفة إلى شعاراتٍ جامعية واستماراتِ اعتماد. تعيد هذه الدراسة قراءة ذلك المسار عبر بغداد، وآتشيه في القرن السابع عشر، والتجارب المؤسسية في ماليزيا وتركيا وإيران والخليج والغرب، وتزن مقترح «الاحتكاكيّة» بوصفه جوابًا لم يُختبر بعد.
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في سبب انطلاق مشاريع التوفيق بين المعارف في الإسلام الحديث، أي الأسلمة والتكامل والترابط، بطموحٍ حضاري ثم انكماشها إلى نماذج للتنظيم المؤسسي، وفي الشروط التي تحتاجها حضارةُ معرفةٍ إسلامية في عام 2026. وباستخدام التاريخ الفكري وتحليل الوثائق والمقارنة المنهجية، تقرأ الدراسة حركة الترجمة في بغداد، وجدل «التهافت»، ومشكلة الانتقال عند ابن خلدون، والاحتكاك بين حمزة الفنصوري والرانيري والسنكيلي في آتشيه القرن السابع عشر، ثم تقارن الجامعة الإسلامية العالمية ومعهد «إستاك» في ماليزيا، ومركز «إيسام» وجامعة ابن خلدون في تركيا، وأسلمة العلوم الإنسانية في إيران، ومراكز الأخلاق التطبيقية في الخليج، وكلية الزيتونة وكلية كامبريدج الإسلامية في الغرب. وتخلص إلى أن حضارات المعرفة الإسلامية نمت من المأسسة المتحضّرة للاحتكاك، وتجمّدت حين سُلِّم الاحتكاك إلى السلطة القسرية، وأنه لا يوجد نموذجٌ دولي يجتاز الاختبارات التحليلية الخمسة كلّها. ويُوضَع مقترح الاحتكاكيّة داخل الجدل العالمي حول الإبستمولوجيا الإسلامية وتفكيك استعمار المعرفة بوصفه موقفًا «إجرائيًّا-تفكيكيًّا» واعدًا لكنه غير مختبَر. وتصوغ الدراسة أربعة شروطٍ لحضارة معرفةٍ إسلامية، وأربعة سيناريوهات للفترة 2026–2035 مع مؤشراتها، وتوصياتٍ للفاعلين الوطنيين والدوليين.
الأطروحة
لا تنمو حضارات المعرفة الإسلامية من زوال الاحتكاك بين طرائق المعرفة، بل من احتكاكٍ مُمَأسَسٍ بالأدب ومسيَّجٍ عن السلطة القسرية؛ وتكمن قيمة الاحتكاكيّة في قدرتها على استعادة تلك البنية التحتية للاحتكاك بأدلةٍ قابلةٍ للتحقق على التطبيق.
البيانات: أدبيات التاريخ الفكري الإسلامي، ودراسة مجلة «إسلام فوتورا» (2019) عن جامعة الرانيري، واللائحة الرئاسية 64/2013، ووثائق الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا و«إيسام» و«سيلي» وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، والتغطيات الخاصة بإيران 2009–2010، وبيانات البنك الدولي البحثية، ومتن الاحتكاكيّة 2013–2026.
الإطار: مفهوم التقليد العلمي عند ألب أرسلان أجيكغينتش، و«التناقض المتّسق» عند شهاب أحمد، والبنية التحتية للاحتكاك، والتمييز بين «الترتيب» و«الإنتاج»، وخمسة اختبارات: المصدر، والإجراء، والبروتوكول، والمأسسة، والمسافة عن السلطة.
الاستشراف: أربعة سيناريوهات للفترة 2026–2035 (تقدير الكاتب): الترتيب الجديد، والروحنة بلا إجراء، وحضارة الاحتكاك، والأرثوذكسية الدفاعية، مع مؤشراتها وتوصياتها.
أولًا: الملخّص التنفيذي — السؤال، والخلاصة، والرهانات العالمية
بعد نصف قرنٍ على المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة عام 1977، ما يزال سؤاله المركزي مفتوحًا: كيف تستطيع المجتمعات المسلمة أن تنتج معرفةً حديثةً رفيعة الجودة من غير أن تفقد رؤيتها للعالم؟ إن وفاة سيد محمد نقيب العطاس في 8 مارس 2026 عن أربعةٍ وتسعين عامًا، كما أوردت NU Online في اليوم التالي، أغلقت صفحة الجيل الذي صاغ مشروع أسلمة المعرفة. وفي العام نفسه، اتجه الجدل في إندونيسيا نحو نموذجٍ معرفيٍّ رابعٍ مقترَح هو «الاحتكاكيّة» المعرفية (frikatifisasi / frikativisasi)، الذي عُرض في جملة مواضع منها عرض «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة: أربعة نماذج غيّرت التعليم العالي الديني» (مؤتمر ICIS، بونوروغو، سبتمبر 2026)، وكتاب «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة: نماذج المعرفة في الجامعات الإسلامية الحكومية بإندونيسيا» (2026). تطرح هذه الدراسة سؤالين: لماذا بدأت مشاريع التوفيق بين المعارف في الإسلام الحديث، أي الأسلمة والتكامل والترابط، بطموحٍ حضاري ثم انكمشت إلى نماذج للترتيب المؤسسي؟ وما الشروط التي تحتاجها حضارة معرفةٍ إسلامية كي تعمل في عام 2026، إذا قيست بالتاريخ الفكري الإسلامي الكلاسيكي، وبالعالم الجاوي في آتشيه القرن السابع عشر، وبالتجارب المؤسسية في ماليزيا وتركيا وإيران والخليج والمؤسسات التي يقودها مسلمون للدراسات الإسلامية في الغرب؟
يمكن صوغ الخلاصة في جملةٍ واحدة: إن حضارات المعرفة الإسلامية، في أفضل أحوالها، لم تنمُ من إلغاء الاحتكاك بين طرائق المعرفة، بل من مأسسة ذلك الاحتكاك بالأدب، وقد انهارت أو تجمّدت حين سُلِّم الاحتكاك إلى السلطة القسرية. أما المشاريع الحديثة فقرأت الانقسام بين المعرفة المنزَّلة والمعرفة المكتسَبة بوصفه مرضًا، فكان ما أنتجته مصافيَ عقديةً وشعاراتٍ للترتيب، لا محرّكاتٍ لإنتاج المعرفة. وتعزّز المقارنةُ العابرة للدول هذا التشخيص: فإيران تُظهر ما يحدث حين يندمج مشروعٌ معرفيّ بالدولة، وتركيا تُظهر متانة البنية المرجعية التي تموّلها الأوقاف الدينية، والخليج يُظهر مراكز للأخلاق التطبيقية وافرة الموارد، ومؤسساتٌ في الولايات المتحدة وبريطانيا تُظهر نماذج صغيرة قائمة على الفنون الحرّة وتكوين العلماء. والاحتكاكيّة أثمن ما تكون حين تُقرأ مقترحًا لاستعادة بنيةٍ تحتيةٍ للاحتكاك، لكنها تظلّ حتى الآن مقترحًا لم يُختبر على نطاقٍ واسع. وتتبنّى الدراسة حكمها على النمط التاريخي بثقةٍ عالية، وحكمها المقارن بثقةٍ متوسطة، وحكمها على مستقبل الاحتكاكيّة بثقةٍ منخفضة.
وتتجاوز المسألة إندونيسيا بكثير. فالجدل العالمي حول تفكيك استعمار المعرفة، من فكرة «إبستمولوجيات الجنوب» إلى نقد هيمنة النظرية الاجتماعية المتروبولية، يلتقي اليوم بالسياسات متعددة الأطراف. إن توصية اليونسكو بشأن العلم المفتوح، التي اعتمدتها 194 دولة عام 2021، تعدّ الحوار مع نظم المعرفة الأصلية والتقليدية أحد عناصر العلم المفتوح، لكنها لا تشرح كيف يُدار هذا الحوار دون الوقوع في تجاورٍ بلا معايير أو في غلبة نظامٍ على آخر. والتقليد الإسلامي، والتقليد الجاوي خاصة، يملك قرونًا من الخبرة بهذه المشكلة بالذات. وإندونيسيا نفسها تدير منظومةً ضخمة للتعليم العالي الديني الإسلامي؛ إذ استقطب امتحان القبول UM-PTKIN 2026 وحده 64,479 مترشحًا في 59 موقعًا في يونيو 2026. واختيار النموذج المعرفي في منظومةٍ كهذه يحدّد كيف يتعلّم مئات الآلاف من الطلبة الربط بين الوحي والعقل والبيانات، ويحدّد ما إذا كان التراث الملايوي الإسلامي سيظهر مصدرًا للنظرية أم مجرد مادةٍ خام في اقتصاد المعرفة العالمي، بما في ذلك المتون التي تُدرَّب عليها اليوم أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: الإطار التحليلي، وملاحظة منهجية، وسُلَّم الثقة
يقوم إطار هذه الدراسة على ثلاثة مفاهيم محدّدة بدقة. الأول، «حضارة المعرفة»، ويعني منظومةً تتيح للمعرفة أن تولد وتُختبر وتنتقل عبر الأجيال. ويتبع التعريفُ ألب أرسلان أجيكغينتش الذي يشرح، في ملخّص محاضرةٍ نشره مركز CASIS في الجامعة التكنولوجية الماليزية (2013)، أن التقليد العلمي يبدأ من وعيٍ علميٍّ داخل رؤيةٍ للعالم، ثم ينتقل إلى مرحلةٍ تخصصية حين يُعترف بموضوعه وأعلامه، ثم يصير تقليدًا، أي مجموع العادات والمواقف والمعتقدات المرتبطة بجماعةٍ من العلماء. والثاني، «البنية التحتية للاحتكاك»، ويعني المؤسسات والأجناس الكتابية والأخلاقيات التي تتيح لطرائق المعرفة المختلفة أن تلتقي وفق قواعد، فيُثمر اللقاءُ معرفةً لا نفيًا متبادلًا. وقد اشتُقّ المفهوم من عملين في التاريخ الفكري: كتاب شهاب أحمد What Is Islam? (برنستون، 2015) الذي يعامل التناقض، بحسب المراجعة المنشورة في Reading Religion، بوصفه متّسقًا داخل الإسلام، وكتاب خالد الرويهب «التاريخ الفكري الإسلامي في القرن السابع عشر» (كامبريدج، 2015) الذي يبيّن كيف عاش الجدل في أجناس الشرح والحاشية والتعليقة. والمفهوم الثالث هو التمييز بين «الترتيب» و«الإنتاج»: فنموذج الترتيب يجيب عن سؤال أين يوضع حقلٌ معرفي وأيّ الحقول يحقّ لها أن تحاور أيّها، ونموذج الإنتاج يجيب عن سؤال كيف تُولَّد المعرفة الجديدة وتُختبر وتُقبَل.
ولتقييم كل حلقةٍ تاريخية وكل نموذجٍ مؤسسي، تستخدم الدراسة شبكةً من خمسة اختبارات. الأربعة الأولى، وهي المصدر والإجراء والبروتوكول والمأسسة، مأخوذة من «العمارة ذات الطوابق الأربعة» المقترحة في عرض «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة» (2026): المصادر والنقل، والتأويل والنقد، والتلقّي والصلاحية، ورؤية العالم والمؤسسات. أما الاختبار الخامس فتضيفه الدراسة استنادًا إلى تجربة آتشيه في القرن السابع عشر: المسافة بين السلطة العلمية والسلطة القسرية. فقد يجتاز نموذجٌ معرفيٌّ الاختبارات الأربعة الأولى ثم يخفق بوصفه حضارة معرفة إذا حُسم الخلاف بفتاوى التكفير أو بالفصل أو بالرقابة. وتحدّد هذه الشبكة أيضًا استعمال الدراسة مادةً تعليمية لبرنامج مدرسة الحضارة الإسلامية، ولا سيما لثلاثة أسئلة في حقلها: كيف تولد التقاليد الفكرية الإسلامية وتدوم، وكيف ترتبط نظم المعرفة بحيوية الحضارات، وكيف يمكن معاملة إسلام جنوب شرق آسيا مصدرًا للنظرية لا مجرد موضوعٍ للدراسة.
من الناحية المنهجية، تجمع الدراسة بين التاريخ الفكري وتحليل الوثائق والمقارنة المنهجية. وقد اختيرت حالات المقارنة الخمس، ماليزيا وتركيا وإيران والخليج والمؤسسات الإسلامية في الغرب، لتعظيم التباين على بُعدين: قرب المشروع المعرفي من الدولة، وحجم الموارد المؤسسية. وتشمل المصادر الأولية اللوائحَ والوثائق المؤسسية وسجلات العروض المحفوظة في مستودع «أرشيف ومكتبة» (Arsip & Pustaka)، وتشمل المصادر الثانوية أدبيات التاريخ الفكري الإسلامي والأدبيات التفكيكية والتغطيات الصحفية حتى 20 أكتوبر 2026. ولا بدّ من ملاحظةٍ صريحة حول الاستقلالية: فقد نشأ مقترح الاحتكاكيّة في البيئة البحثية نفسها التي تصدر عنها هذه الدراسة. وللتعويض عن هذا القرب، تُعامَل نصوص الاحتكاكيّة بياناتٍ مفتوحةً للنقد، بما في ذلك تذبذب تهجئتها وتحوّل مواضع تركيزها، ويُعطى وزنٌ خاص للتقييم الخارجي، وفي مقدّمته دراسة ترمذي م. جعفر وزملائه في مجلة إسلام فوتورا العلمية (2019). ويُستخدم سُلَّم الثقة على النحو الآتي: الثقة العالية تعني أن الحكم مدعومٌ بعدة مصادر مستقلة وغير منازَعٍ فيه في الأدبيات الرئيسية؛ والثقة المتوسطة تعني أنه مدعومٌ بأدلةٍ كافية لكنه يعتمد على التأويل أو على مصادر ثانوية؛ والثقة المنخفضة تعني حكمًا استشرافيًّا بأدلةٍ محدودة.
ثالثًا: الموقع في الجدل العالمي — الإبستمولوجيا الإسلامية والنقد التفكيكي
لم يبدأ نقد التبعية الفكرية في العالم المستعمَر سابقًا في أمريكا اللاتينية أو إفريقيا؛ فإحدى أقدم صياغاته وُلدت في جنوب شرق آسيا. فقد قدّم سيد حسين العطاس، بحسب ما ورد في صحيفة نيو ستريتس تايمز (2019)، مفهوم «العقل الأسير» عام 1969 لوصف نمطٍ من التفكير يحاكي الفكر الغربي بلا تمحيصٍ نقدي، ويعجز عن صوغ مشكلاتٍ أصيلة، وينفصل عن القضايا الكبرى لمجتمعه وتقليده؛ ووصفه بأنه مشكلةٌ بالغة الخطورة في التعليم العالي في أرجاء العالم النامي. وواصل سيد فريد العطاس هذا البرنامج في «خطابات بديلة في العلوم الاجتماعية الآسيوية: ردودٌ على المركزية الأوروبية» (سيج، 2006). وترى راوين كونيل في Southern Theory (بوليتي، 2007)، كما تعرضها مراجعة Policy and Practice، أن العلوم الاجتماعية السائدة شماليةٌ وإن ادّعت الكونية، وأنها تعامل الجنوب مصدرًا للبيانات لا منتجًا للنظرية؛ واللافت أن كونيل تناقش الأفغاني وآل أحمد وعلي شريعتي أمثلةً على «النظرية الجنوبية». ويذهب بوافنتورا دي سوزا سانتوس أبعد في «إبستمولوجيات الجنوب: العدالة في مواجهة الإبادة المعرفية» (روتليدج، 2014)، إذ يرى أن العدالة الاجتماعية العالمية مستحيلة من غير عدالةٍ معرفية عالمية، ويقترح مفهوم «إيكولوجيا المعارف» مخرجًا.
أما الخيط الثاني فهو الجدل الداخلي حول الإبستمولوجيا الإسلامية. يقارن لايف ستنبرغ في أطروحته «أسلمة العلم: أربعة مواقف إسلامية تبني حداثةً إسلامية» (لوند، 1996) بين موريس بوكاي وسيد حسين نصر وضياء الدين سردار وإسماعيل راجي الفاروقي، ويخلص إلى أن كل موقفٍ كان في الحقيقة يحاول بناء حداثته الإسلامية الخاصة، فيبدو الإسلام حقلًا متنازَعًا عليه تتسابق فيه اتجاهاتٌ متنافسة لتعريف التقليد المرجعي. وتُبيّن منى أباظة في «جدالات حول الإسلام والمعرفة في ماليزيا ومصر: عوالم متحوّلة» (روتليدج، 2002) أن جدل أسلمة المعرفة اتخذ أشكالًا مختلفة بحسب السياق المحلي لكل بلد. ويقدّم وائل حلاق في Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge (كولومبيا، 2018) النقد الأكثر جذرية، ومفاده أن العلوم الحديثة تحمل افتراضات الحداثة نفسها وآثارها السياسية؛ وتلاحظ مراجعة الهواري عدي في Reading Religion أن هذا النقد يستند إلى مفكرين ذوي توجّهٍ تنويري مثل أدورنو وفوكو، وأنه يميل إلى إضفاء المثالية على التاريخ الإسلامي. ويذكّر إبراهيم موسى في «ما المدرسة؟» (نورث كارولاينا، 2015) بأن إبستمولوجيا المدرسة لا تقسّم التخصصات على نحو ما تفعل الأطر الحديثة، مع نقده لتراجع الصرامة الفكرية فيها.
وبين هذين الخيطين، تحتلّ الاحتكاكيّة موقعًا مميزًا لم يُرسم بعدُ، في حدود ما أمكن تتبّعه، في الأدبيات الدولية. فهي تختلف عن الأسلمة لأنها لا تجعل رؤية العالم مصفاةً تقرّر أيّ أجزاء المعرفة الحديثة يُسمح بدخولها. وتختلف عن إيكولوجيا المعارف عند سانتوس لأنها لا تكتفي بالتعايش الأفقي بين نظم المعرفة؛ إذ تحتفظ بمركزٍ أنطولوجي هو التوحيد وتطالب بمعايير للصلاحية. وتختلف عن حلاق لأنها لا ترفض العلم الحديث بوصفه مشروعًا معيبًا أخلاقيًّا، بل تعامل التوتر معه مصدرًا للمعرفة. ويمكن تسمية هذا الموقف «إجرائيًّا-تفكيكيًّا»: فهو يقبل تشخيص التبعية الفكرية لكنه يضع الجواب في تصميم الإجراءات والمؤسسات لا في تنقية المصادر. وبثقةٍ متوسطة، ترى الدراسة أن هذا الموقف يسدّ فجوةً حقيقية في الجدل العالمي، لأن النقد التفكيكي قويٌّ عمومًا في التشخيص ضعيفٌ في منهج العمل اليومي داخل قاعة الدرس والمختبر. غير أن قيمة هذه المساهمة تتوقف كليًّا على قدرة النموذج على إظهار نتائج يستطيع الآخرون فحصها، وهو ما لم يحدث حتى أكتوبر 2026.
رابعًا: أرشيفٌ كلاسيكي للاحتكاك — ترجمات بغداد، وجدل التهافت، ومشكلة الانتقال
حركة الترجمة اليونانية-العربية هي الدليل الأول على أن التراث الأجنبي يصير تراثًا ذاتيًّا حين يُتّخذ محاورًا جادًّا لا مجرد مادةٍ تُصفّى. يدرس ديمتري غوتاس في «الفكر اليوناني، الثقافة العربية» (روتليدج، 1998) القوى الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية التي دفعت إلى ترجمة الأعمال اليونانية إلى العربية على نطاقٍ واسع من منتصف القرن الثامن حتى القرن العاشر، في القرنين الأولين من الحكم العباسي. والدرس التحليلي لهذه الحلقة ليس أن المسلمين كانوا منفتحين على الخارج، بل أن الانفتاح كانت تسنده الرعاية والمهارة اللغوية وجماعات المترجمين والجدل الطويل. فالفلسفة لم تُقبل ببساطة، بل احتكّت بالكلام والفقه والتصوف، ومن ذلك الاحتكاك خرجت مفرداتٌ جديدة للوجود والسببية والمعرفة استعملها لاحقًا خصوم الفلسفة أنفسهم. وإذا اختُبرت حلقة بغداد بشبكة هذه الدراسة، فإنها تجتاز اختبار المصدر لأن النصوص الأجنبية تُرجمت بانتظام، واختبار الإجراء لأن أجناس الشرح والردّ نشأت، واختبار المأسسة لوجود رعاةٍ وشبكات نُسّاخ؛ ولا تضعف إلا في اختبار المسافة عن السلطة، لأن مصير المترجمين ارتبط بأذواق البلاط.
ويُظهر الجدل بين الغزالي وابن رشد شكلًا أنضج من الاحتكاك. يبيّن تحليل «تهافت التهافت ومشكلة واجب الوجود في الفلسفة الإسلامية» (2026) أن الغزالي قبل النتيجة المتعلقة بوحدانية واجب الوجود لكنه نازع في دعوى الفلسفة بلوغ اليقين البرهاني، في حين سعى ابن رشد إلى إنقاذ صلاحية البرهان وأصرّ على أن العقل والوحي لا يتعارضان. وكثيرًا ما تحوّل الروايات الشائعة هذا الجدل إلى مباراةٍ لها رابحٌ وخاسر، غير أن شكله أهمّ من نتيجته. فقد كتب الطرفان في الجنس نفسه، واقتبس كلٌّ منهما الآخر، واستعمل حجة خصمه ليشحذ حجته؛ ونسخت الحضارة الإسلامية النصّين كليهما ونقلتهما. لم يُحسم الاحتكاك بين النقد الكلامي والعقلانية البرهانية بمحو أحد الطرفين، بل صار منهاجًا للجدل ظلّ يُقرأ. وهذا هو الفرق الجوهري بين التوفيق ومأسسة الاحتكاك: فالتوفيق يسعى إلى إلغاء التوتر، أما مأسسة الاحتكاك فتجعل التوتر مصدرًا لأسئلةٍ لا تنطفئ.
وتُظهر الحلقة الثالثة أن الاحتكاك المثمر لا ينتقل تلقائيًّا. فعرض عام 2026 حول النماذج الأربعة يقرأ ابن خلدون مثالًا على الانتقال المتعثّر: فعلم العمران، الذي جمع بين الملاحظة التاريخية والتحليل الاجتماعي والوعي المعياري، لقي ترحيبًا في أوروبا الحديثة لكنه لم يُفضِ إلى مدرسةٍ قوية من الخلفاء داخل تقليده. وينبغي تبنّي هذا الحكم بثقةٍ متوسطة، لأن الرويهب يبيّن أن القرن السابع عشر في البلاد العثمانية والمغاربية كان ما يزال حافلًا بجدالاتٍ حيّة في المنطق والكلام، فلا يمكن ببساطة قبول سرديةٍ عامة عن الانحطاط. والملاحظتان في الحقيقة متكاملتان: فالحيوية الفكرية قد تبقى داخل أجناسٍ بعينها، أما الفكرة التي لا طلاب لها ولا أجناس شرح ولا منابر جدل فتبقى أعجوبةً وحيدة. والدرس السياساتي واضح: مقياس نجاح نموذجٍ معرفي ليس عبقرية صائغه، بل وجود جماعةٍ مستعدة لنقده والتعليق عليه وتوسيعه. وبهذا الدرس ينتقل التحليل إلى العالم الجاوي في القرن نفسه، حين صارت آتشيه أحد أهم مسارح الاحتكاك الفكري في المشرق الإسلامي.
خامسًا: العالم الجاوي مختبرًا — الإبداع، والتنظيم القسري، والصبر المؤسسي في آتشيه القرن السابع عشر
يضع عرضٌ قُدِّم في رياو عام 2013 بعنوان «آثار آتشيه في العالم الملايوي» إسهامَ آتشيه الأكبر في القرنين السادس عشر والسابع عشر في تطوير الملايوية لغةً للحضارة، بعد أن أدّت باساي دورها في أسلمة ملقا. وكان الرجل الذي افتتح هذه المرحلة حمزة الفنصوري، الذي يُعدّ، بحسب مدخلٍ موسوعي، أول كاتبٍ عبّر عن الأفكار الصوفية بالملايوية وأول شاعرٍ معروف استخدم شكل «السَّاعِر» (syair)، بآراءٍ تستند إلى مذهب ابن عربي في وحدة الوجود. وثمة حقيقةٌ نَسَبية قلّما يُلتفت إليها تعزّز صلة هذه الحلقة بالجدل العالمي: فالعطاس، قبل أن يصبح لسان حال أسلمة المعرفة، كتب رسالة الماجستير في جامعة ماكغيل عن الرانيري والوجودية في آتشيه القرن السابع عشر، وأطروحة الدكتوراه في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن عن تصوف حمزة الفنصوري، كما تسجّل سيرته. لقد تكوّن أحد كبار مهندسي أسلمة المعرفة بدراسة أعظم صراعٍ فكري في تاريخ الإسلام الملايوي. وهذه الصلة تمنح سببًا قويًّا لقراءة آتشيه لا بوصفها هامشًا، بل مختبرًا اختُبرت فيه العلاقة بين المعرفة والإيمان والسلطة يومًا برهاناتٍ بالغة الارتفاع.
وبلغ الاحتكاك ذروته حين وصل نور الدين الرانيري، العالم المولود في راندير بكجرات، إلى آتشيه عام 1637. فبحسب المدخل الموسوعي عن الرانيري، تولّى الإفتاء ثم مشيخة الإسلام في عهد السلطان إسكندر ثاني (حكم 1636–1641)، وشرع عام 1638 في تأليف موسوعته الملايوية ذات المجلدات السبعة Bustan as-Salatin (بستان السلاطين)، وحكم على حمزة الفنصوري وشمس الدين السومطراني بالزندقة وأمر بإحراق كتبهما، قبل أن يغادر آتشيه عام 1644 بعد أن فقد دعم بلاط السلطانة تاج العالم. وتخلص دراسة سنغيدو وإيفا فرحة وإمام ويكاكسونو وشوقي أحمد عبد الرحيم في مجلة الأدبية (يونيو 2026) إلى أن السجال تجاوز العقيدة الصوفية، لأن أحكام التكفير والإعدام أدّت وظيفة أدواتٍ سياسية-دينية، واستُعملت النصوص والمراسيم والممارسات القمعية لفرض الأرثوذكسية. وبثقةٍ عالية، تعدّ الدراسة هذه الحلقة الدليل التاريخي الرئيسي على الاختبار الخامس: حين تُربط الفروق بين طرائق المعرفة مباشرةً بالسلطة القسرية، يكفّ الاحتكاك عن أن يكون مصدرًا للمعرفة ويصير محوًا. ومن المفارقة أن الرانيري نفسه خلّف تراثًا موسوعيًّا ملايويًّا بالغ القيمة، فلا يمكن قراءة الحلقة تقابلًا بسيطًا بين طرفٍ مبدع وطرفٍ قامع.
ثلاث استجاباتٍ للاحتكاك في آتشيه القرن السابع عشر
كانت الاستجابة الأولى التعبيرَ الإبداعي: جعل حمزة الفنصوري الملايوية وعاءً للميتافيزيقا عبر الشعر والنثر الصوفيين. وكانت الثانية التنظيمَ القسري: رسم الرانيري، بدعمٍ من البلاط، حدود الأرثوذكسية بالفتاوى وإحراق الكتب، وإن خلّف أيضًا أعمالًا موسوعية بالملايوية. وكانت الثالثة المأسسةَ المعتدلة: رفض عبد الرؤوف السنكيلي تعاليم الوجودية المتطرفة من غير أن يهاجمها علنًا، ووجّه الطاقة الفكرية نحو ترجمة التفسير، وكتابة الفقه بالملايوية، والتعليم. وتحتجّ هذه الدراسة بأن الاستجابة الثالثة هي الأقرب إلى ما تحتاجه حضارة المعرفة الإسلامية اليوم.
نهض بالاستجابة الثالثة عبد الرؤوف السنكيلي، الذي وُلد، بحسب مدخله التعريفي، في سنكيل نحو عام 1615، ورحل إلى الجزيرة العربية نحو 1642، فدرس قرابة عشرين عامًا، في المدينة المنورة أساسًا، على أحمد القشاشي وإبراهيم الكوراني. ولمّا عاد إلى آتشيه نحو 1662 صار مفتيًا وموضع ثقة السلطانة صفية الدين، فكتب Mir’at al-Thullab (مرآة الطلاب) بطلبٍ منها، وصنّف Tarjuman al-Mustafid (ترجمان المستفيد) الذي يُعدّ أول تفسيرٍ كامل للقرآن بالملايوية. وبصفته شيخًا للطريقة الشطّارية رفض الوجودية الحلولية، لكنه لم يعارضها علنًا كما فعل الرانيري. ويضع أزيوماردي أزرا في The Origins of Islamic Reformism in Southeast Asia (2004)، كما تعرضه مجلة ستوديا إسلاميكا، أمثال هؤلاء الأعلام داخل شبكات الشيوخ والتلاميذ التي ربطت الأرخبيل بالحرمين؛ وكانت تلك الشبكات بنيةً تحتيةً عابرة للمحيط للاحتكاك بالمعنى الذي تقصده هذه الدراسة. وقد ثبت أن هذه الاستجابة طويلة الأمد: إذ يلاحظ عرض «آثار آتشيه في العالم الملايوي» أن «مرآة الطلاب» كانت ما تزال مرجعًا ليانغ دبرتوان مودا راجا جعفر في رياو، كما يذكر راجا علي حاجي في Tuhfat al-Nafis (تحفة النفيس)، بعد أكثر من قرنٍ ونصف. فالاحتكاك الذي يُدار بالصبر أنتج أعمالًا عبرت الأجيال والأقاليم، أما الاحتكاك الذي يُحسم بالنار فلم يخلّف إلا فجواتٍ اضطرّ فقهاء اللغة لاحقًا إلى ترميمها.
ويشمل التراث الجاوي أيضًا طريقةً في النظر إلى مصادر المعرفة. فمقالة «المنظور الملايوي: من الباطنية إلى كوزمولوجيا المعرفة» (2025) تقرأ الطبيعة في الكوزمولوجيا الملايوية كتابًا ثانيًا موازيًا للوحي، وتعامل الساعر والحكاية والغوريندام أشكالًا للفلسفة. ويؤطّر كتاب «الإسلام في العالم الملايوي والمحيط الهندي» (2026) الفضاء الملايوي-الهندي فضاءً معرفيًّا أُنتجت فيه المعرفة الإسلامية وتُبودلت ونوقشت ونُقلت، ويطالب بمعاملة التقاليد الفكرية الملايوية مصادرَ للنظرية. وتتّسق هذه المطالبة مع نقد كونيل لمعاملة الجنوب مصدرًا للبيانات، لكن العالم الجاوي يضيف ما تفتقر إليه معظم الأمثلة في الأدبيات التفكيكية: أرشيفًا مكتوبًا طويلًا للجدل الداخلي، بجانبه المظلم أيضًا. وبالنسبة إلى الجدل العالمي، تكمن قيمة آتشيه القرن السابع عشر في هذا الاكتمال بالذات؛ فهي تُظهر أن التقاليد غير الغربية ليست فقط ضحايا محوٍ معرفيٍّ من الخارج، بل قد ترتكب المحو من الداخل حين تندمج السلطة والحقيقة.
سادسًا: أسلمة المعرفة مشروعًا حضاريًّا — مكة 1977، وكوالالمبور، وهيرندن، والنقّاد
وُلدت أسلمة المعرفة استجابةً لتشخيصٍ حضاري. يسجّل غلام نبي ثاقب في مجلة Intellectual Discourse (2000) أن مؤتمر مكة عام 1977 حضره أكثر من 350 عالمًا من البلدان الإسلامية والغرب، وأنه انطلق من قناعة مصلحي القرن التاسع عشر بأن نهضة الحضارة الإسلامية مرهونةٌ بإحياء التعليم الإسلامي. وقد ترأّس العطاس في ذلك المؤتمر لجنة أهداف التعليم الإسلامي وتعريفه، ثم نشر Islam and Secularism (الإسلام والعلمانية) عام 1978. وقد حدّد مسار كوالالمبور هذا موضعَ المشكلة في المعرفة ذاتها، أي في الافتراضات الميتافيزيقية العلمانية المضمَرة في العلم الحديث، فكان العلاج نزع التغريب واستعادة «الأدب» بوصفه نظامًا يضع كل شيءٍ في موضعه. وفتح إسماعيل راجي الفاروقي المسار الثاني عبر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي تأسس، بحسب موسوعةٍ إلكترونية، عام 1981 في هيرندن بولاية فرجينيا. وقد صدر كتاب Islamization of Knowledge: General Principles and Work Plan، بحسب ملخّصه الببليوغرافي، في مطلع الثمانينيات وأُعيد إصداره في طبعةٍ ثانية عام 1989، بخطة عملٍ تضمّنت إتقان التراث الكلاسيكي، ودمج المعرفة المعاصرة في الرؤية الإسلامية، وتعليمًا متكاملًا ينهي الثنائية، والتمويل عبر الوقف.
وبالنسبة إلى حجّة هذه الدراسة، ثمة كلمةٌ حاسمة في صياغة الفاروقي. فقد سمّى علمنة المعرفة في المجتمعات المسلمة «علّة» الأمة (malaise)، كما يلخّص المدخل الخاص بأسلمة المعرفة. فمنذ البداية قُرئ الانقسام بين المعرفة الدينية والمعرفة الحديثة بلغة الباثولوجيا، وصار مقياس نجاح المشروع زوالَ الانقسام. ويفسّر هذا التأطير المرضيّ لماذا كانت الأسلمة أقوى في تقرير ما يُسمح بدخوله منها في تصميم كيفية ولادة معرفةٍ جديدة من لقاء تقليدين. ويحدّد عرض عام 2026 عن النماذج الأربعة ضعفها البنيوي بدقة: إذ يُطالَب كل محاضرٍ بأن يحكم عقديًّا على أيّ جزءٍ من تخصّصه مقبول، وهو عبءٌ يستحيل حمله باتساقٍ من غير بروتوكولٍ مشترك. وإذا اختُبرت الأسلمة بشبكة هذه الدراسة، فهي قويةٌ في اختباري المصدر ورؤية العالم، ضعيفةٌ في اختباري الإجراء والبروتوكول، ومعتمدةٌ مؤسسيًّا على الشخصيات المؤسِّسة، وهي هشاشةٌ تُناقش أكثر في المقارنة الماليزية.
وتنوّعُ نقد الأسلمة دليلٌ في ذاته على أن الاحتكاك لم يختفِ قط. فعدد سبتمبر 1988 من المجلة التي تُعرف اليوم باسم المجلة الأمريكية للإسلام والمجتمع حمل، بحسب افتتاحيته، ورقة فضل الرحمن عن مشروع الأسلمة وكيفية تغيير مقاربته. ويلخّص أحمد فريد سيف الدين وخالد كرومي في مجلة كلمة (2023) رأي فضل الرحمن بأن المعرفة محايدةٌ في جوهرها، فالمشكلة تكمن في المسؤولية الأخلاقية للعلماء. ويسجّل مسحٌ نقدي لـمشروع الاقتصاد الإسلامي (يناير 2026) نقدَ ضياء الدين سردار بأن مقاربة الفاروقي أفضت أحيانًا إلى وسمٍ سطحيٍّ للمواد العلمانية بمصطلحاتٍ إسلامية. وفي إندونيسيا، قدّم كونتوويجويو «علمنة الإسلام» (بمعنى جعله علمًا) والعلوم الاجتماعية النبوية بديلًا، وإن رأى أحمد صدقي مختصر وجيهان كاميلا رزال في مجلة فوروم بيداغوجيك (2022) أن رفضه لمصطلح الأسلمة لم يكن خاليًا تمامًا من الحاجة ذاتها. وبثقةٍ عالية، تخلص الدراسة إلى أن الأسلمة أسدت خدمةً جليلة بإحياء الأسئلة المتعلقة برؤية العالم والأدب وميتافيزيقا المعرفة، لكن تأطيرها المرضيّ أنتج مصفاةً لا ساحةَ لقاء.
سابعًا: مقارنة دولية — ماليزيا وتركيا وإيران والخليج والمؤسسات الإسلامية في الغرب
ماليزيا هي المختبر الأكمل للأسلمة. فبحسب روايةٍ رسمية للجامعة الإسلامية العالمية، أُنشئ مركز المعرفة الأساسية في يوليو 1983 لتدريس مقررات معارف الوحي انسجامًا مع أسلمة المنهاج الجامعي وتكامله، وتحوّل عام 1990 إلى كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، ببرنامجٍ يجمع بين معارف الوحي والعلوم الإنسانية، ويُؤسلم العلوم الإنسانية، ويجعل معارف الوحي ذات صلةٍ بالقضايا المعاصرة. وإلى جانبه، أُسِّس معهد «إستاك» (ISTAC)، بحسب تاريخ المؤسسة، في 29 سبتمبر 1987 وافتُتح في 4 أكتوبر 1991، ثم فقد استقلاله عام 2002 حين لم يُجدَّد عقد العطاس مديرًا له، ودُمجت برامجه عام 2015، وأعيد افتتاحه باسمٍ مختلف عام 2017، ولم يستعد اسم «إستاك» إلا عام 2019. والدرس الماليزي مزدوج: فمفهوم ربط معارف الوحي بالمشكلات المعاصرة خطوةٌ نحو نموذجٍ للإنتاج، لكن تاريخ «إستاك» يُظهر مدى هشاشة المشروع الحضاري حين يعتمد على شخصٍ واحد ومؤسسةٍ واحدة، وسهولة جرّ الرؤية إلى منطق الإدارة الجامعية. وقد بيّنت أباظة، في مقارنتها بين ماليزيا ومصر، أن جدل الأسلمة في ماليزيا لا ينفصل عن سياقها السياسي والمؤسسي الخاص.
وتقدّم تركيا نموذجًا مختلفًا: البنية المرجعية طويلة الأمد. فبحسب المدخل في موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، أُسِّس مركز البحوث الإسلامية (إيسام) بقرارٍ من وقف الديانة التركي في 3 ديسمبر 1988 في المبنى الذي عمل فيه مكتب الموسوعة منذ 1983، بأهدافٍ تشمل البحث في العلوم الإسلامية والاستشراق، والنشر، وتدريب الباحثين، وبناء مكتبةٍ ووحدةٍ للتوثيق. وقد صدرت الموسوعة بمعدّل مجلدين تقريبًا في السنة، وهو انضباطٌ مؤسسي نادر في العالم الإسلامي. ويمثّل الجيلَ المؤسسي التالي جامعة ابن خلدون، وهي جامعةٌ وقفية غير ربحية في إسطنبول أسّسها وقف «تورغيف» عام 2015، شعارها السيادة الفكرية، وتركّز على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتضمّ معهد تحالف الحضارات في حرم السليمانية. ويجتاز النموذج التركي اختباري المصدر والمأسسة جيدًا: فقد بُنيت الأرشيفات والمكتبات والأعمال المرجعية بصبر. أما السؤال الذي يبقى مفتوحًا، ونتبنّاه هنا بثقةٍ منخفضة لمحدودية البيانات، فهو ما إذا كانت تلك البنية تنتج أيضًا نظريةً يُتجادل فيها خارج تركيا، وإلى أيّ حدٍّ يؤثّر قرب بعض المؤسسات الأحدث من الشبكات السياسية في اختبار المسافة عن السلطة.
وإيران هي أهمّ حالةٍ مقارنة للاختبار الخامس. فبحسب ملخّص الثورة الثقافية في إيران، أُغلقت الجامعات في يونيو 1980 ولم يُعَد فتحها إلا عام 1983، مع عمليات تطهيرٍ استمرت عدة سنوات وتشكيل المجلس الأعلى للثورة الثقافية. وفي أغسطس 2009، بحسب تقريرٍ لـإذاعة زمانه، صرّح آية الله علي خامنئي بأن مليونين من أصل 3.5 مليون طالبٍ جامعي في إيران يدرسون العلوم الإنسانية، وأن تدريس العلوم الإنسانية القائم على فلسفاتٍ مادية ينشر الشكّ في الأسس الدينية. وبعد أيام، بحسب موقع Ynet (7 سبتمبر 2009)، كُلِّف معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية من قبل المجلس بمراجعة منهاج العلوم الإنسانية، وبعد عام، بحسب NBC News، قُيِّدت اثنتا عشرة تخصّصًا، منها القانون والفلسفة وعلم النفس والعلوم السياسية ودراسات المرأة وحقوق الإنسان، بوصفها قائمةً على الفكر الغربي. وتصف مؤسساتٌ مثل معهد بحوث الحوزة والجامعة نفسها بأنها رائدة أسلمة العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتُظهر الحالة الإيرانية أن مشروع أسلمةٍ مندمجًا بسلطة الدولة قد يجتاز اختباري المصدر والمأسسة ثم يخفق كليًّا في اختبار المسافة عن السلطة؛ ونمطه البنيوي يشبه آتشيه في أربعينيات القرن السابع عشر، لكن على نطاقٍ صناعيٍّ حديث.
ويُكمل الخليجُ والغربُ الطيف. ففي قطر، أُسِّس مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في يناير 2012 جزءًا من كلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، ويركّز على الأخلاق التطبيقية في مجالاتٍ كالاقتصاد والأخلاقيات الحيوية والبيئة والهجرة والإعلام. وفي الإمارات العربية المتحدة، أُعلن في نوفمبر 2020 عن إنشاء جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بتفويضٍ لبرامج من البكالوريوس إلى الدكتوراه في العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة. ويتميّز النموذج الخليجي بموارده وبتحوّله من أسئلة الهوية إلى أسئلة الأخلاق التطبيقية، لكن فضاء الجدل فيه يبقى داخل حدودٍ سياسية ترسمها الدولة. وفي الولايات المتحدة، نالت كلية الزيتونة اعتماد رابطة المدارس والكليات الغربية في مارس 2015، بحسب Christian Century، مقدّمةً درجة بكالوريوس واحدة في الشريعة وأصول الدين تجمع بين منهاج الفنون الحرّة واللغة العربية. وفي بريطانيا، أسّس تيموثي وينتر كلية كامبريدج الإسلامية عام 2009 لدعم المعرفة الإسلامية البريطانية من منظورين علماني وإسلامي، وهي تقدّم منذ 2017 درجة بكالوريوس تعتمدها الجامعة المفتوحة. وتجتاز هذه المؤسسات الصغيرة اختبار المسافة عن السلطة جيدًا، وتضع الاحتكاك بين التقليد والتعليم الحرّ في قلب المنهاج، لكن حجمها وأثرها في منظومات التعليم العالي الكبرى يظلّان محدودين.
ويُفضي تركيب هذه المقارنة إلى تصنيفٍ من أربعة نماذج، نتبنّاه بثقةٍ متوسطة: نموذج «مصفاة الدولة» (إيران)، ونموذج «البنية المرجعية» (تركيا)، ونموذج «مركز الأخلاق التطبيقية» (الخليج)، ونموذج «تكوين الفنون الحرّة» (المؤسسات الإسلامية في الغرب)، مع ماليزيا هجينًا متمركزًا حول الشخصيات. ولا يستوفي أيّ نموذجٍ الاختبارات الخمسة معًا. فالنماذج الأقرب إلى الدولة تميل إلى القوة في الموارد والضعف في حرية الاحتكاك المتبادل، والنماذج الأكثر حرية تميل إلى الصِّغر ومحدودية الأثر. وتحتلّ إندونيسيا موقعًا غير مألوف: منظومةٌ ضخمة جدًّا للتعليم العالي الديني الإسلامي، وتنوّعٌ كبير في منظمات المجتمع المدني الدينية، وغيابُ نموذجٍ رسميٍّ واحد تفرضه الدولة. ويفتح هذا المزيج فرصةً لبناء نموذجٍ خامس: شبكةٍ واسعة النطاق من البنى التحتية للاحتكاك لا تعتمد على شخصٍ واحد ولا تتحكّم فيها سلطةٌ واحدة. غير أن هذه الفرصة لا معنى لها إلا إذا استطاعت المنظومة الإندونيسية أن تفلت من الفخّ الذي يناقشه القسم التالي.
ثامنًا: إندونيسيا — من المعاهد إلى الجامعات الإسلامية الحكومية، وتدجين المشروع الحضاري
اختلف المسار الإندونيسي عن مساري كوالالمبور وهيرندن لكنه لقي مصيرًا مشابهًا. يصف عرض «نظرة استرجاعية إلى نماذج المعرفة في الجامعات الإسلامية الحكومية» (يوليو 2025) المرحلة المبكرة من التعليم العالي الإسلامي بأنها مرحلة إنتاج معرفةٍ معيارية-لاهوتية وعقدية، يصبح خرّيجوها غالبًا معلّمين في المدارس الدينية أو موظفين في وزارة الشؤون الدينية، في زمنٍ لم يكن فيه للبحث الاجتماعي مكان وكان الاستشراق يُعدّ تهديدًا. ويلاحظ تحليل «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة: أربعة نماذج تحوّل الجامعات الإسلامية الحكومية في إندونيسيا» (يوليو 2026) أن هارون ناسوتيون ونور خالص مجيد وأزيوماردي أزرا دفعوا نحو الحوار بين العلوم الدينية والعلوم العامة، ما قاد إلى إصلاح المناهج مع تحوّل المعاهد الإسلامية الحكومية (IAIN) إلى جامعاتٍ إسلامية حكومية (UIN). ويلخّص عرض «فهم نماذج المعرفة في التعليم العالي الإسلامي» (2026) هذه الرحلة في خمس مراحل: المعيارية، فالعلوم الاجتماعية، فالإنسانيات، فالنموذج المعرفي، فالمعرفة القائمة على الذكاء الاصطناعي. وفي آتشيه، نُظِّم تغيير الوضع القانوني بـاللائحة الرئاسية رقم 64 لسنة 2013، الموقّعة في 1 أكتوبر 2013، التي تنصّ على أن المهمة الرئيسية لجامعة الرانيري الإسلامية الحكومية هي تقديم التعليم العالي الديني الإسلامي مع فتح حقولٍ أخرى داعمةٍ له. ويسجّل فريديانتو في مجلة تأديب (2017) أن هذا التغيير أثار جدلًا في المجتمع الآتشيهي والإعلام والوسط الأكاديمي خشية تآكل الدراسات الإسلامية.
ثم ابتكر كل حرمٍ جامعي شعاره الخاص. فالتحليل نفسه لعام 2026 حول النماذج الأربعة يعدّد «شجرة المعرفة» في جامعة مالانج الإسلامية الحكومية، و«البرجين التوأمين» في جامعة جاكرتا، و«شبكة العنكبوت» في نموذج التكامل-الترابط لأمين عبد الله في جامعة سونان كاليجاغا، و«العجلة» في جامعة باندونغ، و«نهر المعرفة» في جامعة أنتاساري. وهذا المعرض من الشعارات أرشيفٌ غير مقصود لنموذج الترتيب. فكل هذه الشعارات تشرح أيّ الحقول يجاور أيّها وما الذي يحقّ له أن يحاور ماذا، لكن لا شيء منها يشرح إجراءً لإنتاج معرفةٍ جديدة من ذلك اللقاء. وبلغة شبكة هذه الدراسة، تجتاز نماذج التكامل الإندونيسية اختبار رؤية العالم وجزءًا من اختبار المأسسة، لكنها بالكاد تمسّ اختباري الإجراء والبروتوكول. والمقارنة مع الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا كاشفة: فكلا النظامين انطلق من برنامجٍ لتكامل المناهج، لكن برنامج «ربط المعارف بالواقع» في ماليزيا أسند على الأقل عملًا إلى المحاضرين، في حين توقّف كثيرٌ من الشعارات الإندونيسية عند الهوية البصرية وسردية الاعتماد.
تشرح شعاراتُ الجامعات أين توضع المعرفة، لكنها لم تشرح بعدُ كيف تولد المعرفة. وفي الفجوة بين الترتيب والإنتاج، ينكمش المشروع الحضاري إلى مشروعٍ إداري.
ويأتي أقوى دليلٍ على الفجوة بين النموذج الرسمي والممارسة الأكاديمية من تقييمٍ مستقل داخل جامعة الرانيري نفسها. فدراسة ترمذي م. جعفر وفؤاد رملي وميمون فؤادي وجبّار سبيل في مجلة إسلام فوتورا العلمية 18(2)، 2019، القائمة على مقابلاتٍ مع المحاضرين ومجموعات نقاشٍ مركّزة مع الطلبة، وجدت أن نموذج الاحتكاكيّة في جامعة الرانيري والنموذج التكاملي-العابر للتخصصات في جامعة سومطرة الشمالية الإسلامية لم يكونا مفهومين بوضوح لدى محاضري كلية الشريعة والقانون وطلبتها، فكان إسهامهما في تكامل المعرفة عمليًّا ضئيلًا. وهذه النتيجة، التي نتبنّاها بثقةٍ عالية بالنسبة إلى الكليتين وبثقةٍ متوسطة عند التعميم، تُظهر أن المشكلة ليست نقصًا في النماذج، بل ضعفًا في الآليات التي تترجم النماذج إلى تدريسٍ وإشرافٍ وتقييم. وتزيد العوامل البنيوية الوضع تعقيدًا: فإنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير لم يتجاوز نحو 0.28 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020 بحسب بيانات البنك الدولي، فيتنافس العمل المفاهيمي طويل الأمد مع مطالب النشر السريع ومؤشرات الاعتماد. ومن هذه الأدلة تخلص الدراسة إلى أن التدجين قد وقع: فالطموح الحضاري الموروث من مكة 1977 ومن مصلحي إندونيسيا انكمش إلى شعاراتٍ وتسمياتٍ ووثائق اعتماد، بينما لم يُصمَّم محرّك إنتاج المعرفة تصميمًا جادًّا قط.
تاسعًا: الاحتكاكيّة مقترحًا علميًّا — جينيالوجيا النصوص، ومواطن القوة، والثغرات
كثيرًا ما تُقدَّم الاحتكاكيّة بوصفها النموذج المعرفي الرابع بعد الأسلمة والتكامل والترابط، لكن أرشيف نصوصها يكشف جينيالوجيا أطول ذات ثلاث لحظات. فبحسب جعفر وزملائه، عُرضت الفكرة أول مرة في ورقةٍ قُدِّمت إلى مؤتمرٍ دولي في بندا آتشيه في 9 و10 نوفمبر 2013، بعد نحو شهرٍ من توقيع اللائحة الرئاسية التي حوّلت المعهد إلى جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية. وفي هذه اللحظة الأولى صيغت الاحتكاكيّة نموذجًا للتنظير بتسلسل: البحث، فالوصف، فالتفسير، فالمناقشة الخطابية، فالتأويل، فاستخلاص المضامين، وكل مرحلةٍ تمسّ الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والأكسيولوجيا. والمصطلح مستعارٌ من علم الأصوات: فالصوت الاحتكاكي يحدث حين يُدفع الهواء عبر مضيقٍ ضيّق. ويمكن قراءة ولادته في الموسم ذاته الذي تغيّر فيه الوضع المؤسسي محاولةً مبكرة لإعطاء تغيير الاسم مضمونًا إبستمولوجيًّا، كي لا تكسب الجامعة كلياتٍ فحسب، بل قدرةً على التنظير. أما اللحظة الثانية، عام 2025، فيمكن تسميتها «المنعطف الروحي». فعرض «نموذج الاحتكاكيّة المعرفية: إحياء العلم نورًا ونَفَسًا» (يوليو 2025) يؤكّد أنطولوجيا توحيدية، وإبستمولوجيا الصمت والتأمل عبر الذكر والحدس، وأكسيولوجيا التنوير؛ ويضيف عرض «نموذج الاحتكاكيّة المعرفية: خلاصة لجامعة الرانيري» (2025) أربع حركاتٍ عقلية: فَقِهَ، وعَرَفَ، ودَبَرَ، وفَكَرَ؛ وتقدّم مقالة «نموذج الاحتكاكيّة المعرفية: نَفَسٌ كوني في عمارة المعرفة الإسلامية» (يوليو 2025) «السُّوَا» (sua)، وهي شعلةٌ آتشيهية من الراتنج يمكن لنفخةٍ أن توقدها أو تطفئها، رمزًا على أن المعرفة لا تُنقل خطيًّا بل تُتنفَّس. وتزامن هذا المنعطف مع إطلاق وزير الشؤون الدينية نصر الدين عمر «المنهاج القائم على المحبة» في مكاسر في 25 يوليو 2025، كما أوردت JPNN، والذي دعا بدوره إلى أن تعود الروحانية روحًا للتعليم.
وأعادت اللحظة الثالثة، عام 2026، الاحتكاكيّة إلى جذورها المنهجية بنضجٍ أكبر. فعرض «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة» (2026) يحدّد تعريفها الجوهري بحزم: إن الانقسام بين المعرفة المنزَّلة والمعرفة المكتسَبة ليس جرحًا ينبغي أن يُشفى، بل مضيقٌ يجعل صوت المعرفة ممكنًا. وصار المقترح الآن مزوّدًا بمنهجٍ رباعي المراحل: التعليق، فالإفصاح، فالمساءلة، فإعادة التشكيل؛ وبأربعة معايير صلاحيةٍ متزامنة: المطابقة، والاتساق، والشهادة الموثوقة امتدادًا لمفهوم الإسناد، والقوة التحويلية؛ وبمفهوم «تعارض العلوم» بوصفه لقاءً بين علومٍ تتعارض مناهجها؛ وبمقترح مختبرٍ للنظرية الفوقية عابرٍ للكليات ذي مخرجاتٍ مفاهيمية. ويؤطّر كتاب «من الأسلمة إلى الاحتكاكيّة» (2026) دعواه المركزية بإمكان أن تولد المعرفة من إبقاء التقاليد المختلفة في توترٍ منتج، بدلًا من إكراهها على الانسجام أو الفصل بينها أو ردّ أحدها إلى الآخر. وتعترف النصوص ذاتها بحدودها: فالمقاربة لم تُختبر في العلوم التجريبية، والمعيار الرابع عسير القياس، ولم يطبّقها أيّ عملٍ تطبيقًا كاملًا بعد. وهذا الاعتراف مهم، لأنه يحوّل الاحتكاكيّة من عقيدةٍ إلى فرضيةٍ قابلة للاختبار.
ويُفضي التقييم النقدي لهذه الجينيالوجيا إلى ثلاث نتائج. أولًا، إن القوة الرئيسية للمقترح هي نقله السؤال من الترتيب إلى الإنتاج؛ فمن بين النماذج الإندونيسية الأربعة، وحدها الاحتكاكيّة في لحظتها الثالثة تقدّم إجراءً صريحًا ومعايير للصلاحية، فتجتاز اختباري الإجراء والبروتوكول أفضل من سابقاتها. ثانيًا، إن ثغرتها الرئيسية هي التذبذب بين الإجراء المنهجي في 2013 و2026 والإبستمولوجيا الروحية في 2025. والنقد القائل بوجود نموذجين تحت اسمٍ واحد مشروع، وتذبذب التهجئة بين frikatifisasi وfrikativisasi يقوّي هذا الانطباع. وثمة قراءةٌ أكثر إحسانًا ترى في هذا التذبذب نموذجًا يُجسّد أطروحته ذاتها، إذ قد يكون الاحتكاك بين منهجٍ قابل للاختبار وإبستمولوجيا باطنية تشدّد على النية والأدب والانتباه هو بالضبط أحد المضائق التي يمكن أن تولد منها معرفةٌ إسلامية متميزة. غير أن هذه القراءة لا تصبح مقنعة إلا حين يُصاغ الجسر، كأن يُبيَّن مثلًا كيف يمكن التحقق من الشهادة الموثوقة والقوة التحويلية دون الحكم على تقوى شخصيةٍ لا يمكن التحقق منها. ثالثًا، إن أدلة التطبيق ما تزال شحيحة: فدراسة 2019 وجدت النموذج غير مفهومٍ في الكلية ذاتها التي أدرجه دليلها الأكاديمي. وبثقةٍ متوسطة، تعدّ الدراسة الاحتكاكيّة أكثر النماذج الإندونيسية الأربعة تقدّمًا من الناحية المفاهيمية، وبثقةٍ منخفضة تحكم على فرص تحوّلها إلى ممارسةٍ مؤسسية واسعة.
عاشرًا: التحليل — أربعة شروط لحضارة معرفةٍ إسلامية، وأقوى حجةٍ مضادة
من التاريخ الكلاسيكي، والتجربة الجاوية، والمقارنة الدولية، والحالة الإندونيسية، تستخلص الدراسة أربعة شروطٍ لحضارة معرفةٍ إسلامية في عام 2026. الشرط الأول مأسسة الاحتكاك في أشكالٍ قابلة للتدقيق: مشاريع تخرّج تُعمل فيها عمدًا معرفتان في مشكلةٍ واحدة، وتدريسٌ على طريقة الحلقة يُمسك عن التركيب المتعجّل، واشتراطُ أن تصرّح مقترحات البحث بالتزاماتها الأنطولوجية، ومختبراتٌ للنظرية الفوقية عابرة للكليات بوصفها المعادل الحديث لمجلس المناظرة الكلاسيكي. والمقياس ليس عدد الآيات المقتبسة في رسالةٍ جامعية، بل عدد المفاهيم الجديدة المولودة من لقاء التخصصات والتي تصمد أمام اختبار جماعةٍ من المختلفين. والشرط الثاني سياجٌ بين النقد العلمي والسلطة القسرية. فدرس آتشيه القرن السابع عشر وإيران منذ 1980 هو أن الاحتكاك المقترن بالسلطة العقابية يصير محوًا؛ ولذلك فإن الحرية الأكاديمية، وحماية العلماء الذين يبحثون في موضوعاتٍ حساسة، وعادة الردّ على العمل بعملٍ لا بالتشهير، هي شروطٌ معرفية لا مجرد حقوقٍ مدنية. ويجد «أدب الباحث» الذي تشدّد عليه الاحتكاكيّة أفضل صوره هنا: اللياقة في الجدل، والأمانة في نقل أقوال الخصوم، والاعتراف بحدود المعرفة الذاتية. والشرط الثالث إسنادٌ قابلٌ للمنازعة ولغةٌ معرفية ذاتية. فقد صارت آتشيه مركزًا لحضارة معرفة حين أنتجت المعرفة بالملايوية؛ وفي 2026 تعود المشكلة لأن نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب عرض «الخطاب المعاصر في الدراسات الإسلامية» (ICIS بونوروغو، 2026)، تُدرَّب على متونٍ بالكاد تمثّل تقاليد المعاهد الدينية (البسانترين والدايه). وتُعالَج حوكمة الذكاء الاصطناعي في الحرم الجامعي على حدة في دراسة «سلطة الطلاقة في الحرم الإسلامي» (2026)؛ أما النقطة هنا فحضارية، ومفادها أنه من غير متنٍ رقمي قابلٍ للاستشهاد، سيغيب التقليد الجاوي عن الآلات التي تساعد اليوم في كتابة المعرفة. وتمنح مبادرة هلسنكي بشأن التعدد اللغوي في التواصل العلمي (2019)، التي تدعو إلى حماية البنى التي تنشر الأبحاث ذات الصلة المحلية وإلى التنوع اللغوي في تقييم البحث، هذا المطلب سندًا دوليًّا. والشرط الرابع التوجّه الحضاري، أي القدرة على قراءة الاتجاه: فدفع وزارة الشؤون الدينية مؤتمر AICIS+ 2026 إلى التحوّل من الدراسات النظرية في غالبها نحو البحث التجريبي، كما أوردت إذاعة RRI (أغسطس 2026)، لن يكون ذا معنى إلا إذا لم يقتل العمل المفاهيمي الذي هو شرطٌ مسبق لإنتاج نظريةٍ ذاتية.
ولا بدّ من عرض أقوى حجةٍ مضادة لهذا التحليل كلّه في أفضل صورها. فمن هذا المنظور، ليست مشكلة التعليم العالي الإسلامي الإندونيسي غياب النموذج المعرفي، بل شحّ تمويل البحث، وثقل الأعباء التدريسية، وحوافز وظيفية تلهث وراء الفهارس، وهشاشة الحرية الأكاديمية. ولن يُصلح استعارةٌ صوتية إنفاقًا بحثيًّا لا يتجاوز 0.28 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. بل إن تكاثر النماذج الجديدة عَرَضٌ للمرض ذاته: عادة الإجابة عن المشكلات البنيوية بالتسميات. ومن الجانب اللاهوتي، قد يضيف أنصار الأسلمة أن الاحتكاك بلا مصفاة يخاطر بالنسبية وبتكرار «العقل الأسير» الذي انتقده العطاس، لأن الطرف الأقوى في الاحتكاك، أي العلم الحديث الوافر الرأسمال، سيفوز دائمًا. ولكلا النقدين قوةٌ حقيقية، وتقبل الدراسة معظم مقدماتهما بثقةٍ عالية.
ويقوم الجواب على ثلاث نقاط. أولًا، تُظهر المقارنة الدولية أن الموارد وحدها لا تكفي: فلإيران مجلسٌ وطني ومعاهد بحث وسلطةٌ على المناهج، لكنها ضيّقت فضاء الاحتكاك، في حين استطاعت مؤسساتٌ غربية صغيرة أن تضع الاحتكاك في قلب منهاجها. فالمال شرطٌ ضروري لا كافٍ، ومن غير إجراءاتٍ واضحة تميل الأموال الإضافية إلى أن تُمتصّ في ترتيبٍ جديد. ولهذا جاء الشرطان الثاني والرابع في هذه الدراسة مؤسسيين وماليين لا نموذجيين، ولهذا توجَّه التوصيات في القسم التالي إلى أصحاب الميزانيات لا إلى أصحاب الأفكار وحدهم. ثانيًا، يمكن الردّ على الخوف من النسبية بالتصميم: فالاحتكاكيّة في لحظتها الثالثة تحتفظ بمركز التوحيد الأنطولوجي وتشترط معايير الصلاحية الأربعة معًا، فليست إيكولوجيا معارف بلا معايير. ثالثًا، يُظهر تاريخ آتشيه أن خطر المصفاة التي تفرضها السلطة أعظم وأكثر واقعية من خطر النسبية؛ فإحراق الكتب لم يحمِ الأرثوذكسية بل أفقر أرشيف الحضارة. والخلاصة الصافية أن النموذج المعرفي لا يغني عن المال والحرية، لكن من غير نموذجٍ للإنتاج لن ينتج المال والحرية نظرية.
حادي عشر: سيناريوهات 2026–2035، والمؤشرات الواجب رصدها، والتوصيات
تُعرض أربعة سيناريوهات للعقد المقبل، باحتمالاتٍ هي تقدير الكاتب لا نتيجة نمذجةٍ إحصائية. سيناريو «الترتيب الجديد»، باحتمالٍ يقارب 40 في المئة، يواصل النمط القديم: تُعتمد الاحتكاكيّة أو نموذجٌ آخر تسميةً في وثائق الاعتماد والخطط الاستراتيجية، وينضمّ شعارٌ جديد إلى المعرض، لكن التدريس والإشراف والترقية لا تتغيّر. وسيناريو «الروحنة بلا إجراء»، باحتمالٍ يقارب 25 في المئة، يقع إذا التقى المنعطف الروحي بدوافع سياساتية مثل المنهاج القائم على المحبة فأثمر خطابًا عن «روح التعليم» بلا معايير صلاحيةٍ قابلة للتحقق، فيصير التقييم القائم على النية طقسًا إداريًّا. وسيناريو «حضارة الاحتكاك»، باحتمالٍ يقارب 20 في المئة، يقع إذا بنت عدة جامعاتٍ إسلامية حكومية مختبراتٍ للنظرية الفوقية، ومشاريع تخرّجٍ عابرة للتقاليد، ونشرًا مفاهيميًّا يُكافأ في منظومة الترقي، فتنشأ أجيالٌ من العلماء ينظّرون من لقاء العلوم. وسيناريو «الأرثوذكسية الدفاعية»، باحتمالٍ يقارب 15 في المئة، يقع إذا حوّلت ضغوط سياسات الهوية أو القلق الأخلاقي أو مصالح السلطة جدلَ النماذج إلى أداةٍ للانضباط، مكرّرةً نمط آتشيه القرن السابع عشر وإيران ما بعد الثورة في صورة فصلٍ وتشهيرٍ وتقييدٍ للبحث. وهذه الاحتمالات متحرّكة: فحضارة الاحتكاك ترتفع إذا عاملت المنتديات العابرة للجامعات، مثل AICIS+ وICIS، العملَ المفاهيمي معاملةً مساويةً للبحث التطبيقي، وتنخفض إذا ظلّت مقاييس النجاح محكومةً بالفهارس والتصنيفات وكمّ النشر.
ويمكن رصد عدة مؤشراتٍ سنويًّا. فمن مؤشرات «حضارة الاحتكاك»: ظهور كتبٍ دراسية وأطاريح ومقالاتٍ محكّمة تستخدم صراحةً منهج التعليق والإفصاح والمساءلة وإعادة التشكيل؛ ومقرراتٌ أو مشاريع تخرّجٍ تجمع تقليدين معرفيين؛ وتعديلاتٌ في قواعد احتساب النقاط تعطي قيمةً للعمل المفاهيمي. ومؤشر «الترتيب الجديد» ازدياد وثائق النماذج دون تغييرٍ في المقررات والإشراف، وهو نمطٌ سجّلته دراسة 2019. ومؤشر «الروحنة بلا إجراء» أدوات تقييمٍ تقيس مواقف الطلبة ونواياهم بلا معايير تصحيحٍ معلنة. ومؤشرات «الأرثوذكسية الدفاعية» تزايد حالات التبليغ عن العلماء أو فصلهم أو تقييدهم بسبب أعمالهم الأكاديمية، وتقييد تخصصاتٍ بعينها بحجة التأثير الفكري الأجنبي، وهو نمطٌ رافق في إيران عام 2010 تقييد اثني عشر تخصصًا. وللمؤشرات العالمية أهميتها أيضًا: إلى أيّ حدٍّ تدخل المتون باللغة الملايوية والجاوية المستودعاتِ المفتوحةَ انسجامًا مع توصية اليونسكو بشأن العلم المفتوح، وإلى أيّ حدٍّ تُقدَّر مجلات الدراسات الإسلامية في جنوب شرق آسيا في منظومات تقييم البحث الوطنية.
وتُرتَّب التوصيات للفاعلين الوطنيين بحسب آجالها. ينبغي للمديرية العامة للتعليم الإسلامي في وزارة الشؤون الدينية، قبل دورة AICIS+ 2027، أن تستحدث فئةً للمخرجات المفاهيمية، كالمونوغرافات النظرية والأطر التحليلية والتحقيقات النقدية للمخطوطات، يُعترف بها مساويةً للبحث التجريبي في تقييم أداء المحاضرين، وأن تخصّص منحًا تنافسية لمختبرات النظرية الفوقية العابرة للكليات. وينبغي لمديري الجامعات الإسلامية الحكومية، ومنها جامعة الرانيري بوصفها مهد الاحتكاكيّة، أن يجرّبوا في العام الأكاديمي 2027/2028 المنهج الرباعي في برنامج ماجستير أو دكتوراه واحدٍ على الأقل، بمعايير تصحيحٍ معلنة وتقييمٍ مستقل تُنشر نتائجه، كي يمكن دحض دعاوى النموذج بالبيانات. وينبغي لمحرّري مجلات الدراسات الإسلامية في إندونيسيا أن يفتحوا ابتداءً من 2027 بابًا دائمًا للنقاش والردود، هو المعادل الحديث لتقليد الشرح والردّ. وينبغي لوزارة الشؤون الدينية وهيئات البحث الوطنية أن تجعل رقمنة المخطوطات الجاوية وتحقيقها نقديًّا أولويةً متعددة السنوات، لأنه من غير ذلك المتن لا يمكن استيفاء شرط اللغة المعرفية الذاتية. وثمة ضمانةٌ واحدة تسري على جميع الفاعلين: لا يجوز أن يصير اختلاف النماذج المعرفية سببًا لإجراءٍ تأديبي بحقّ المحاضرين أو الطلبة.
والتوصيات للفاعلين الدوليين لا تقلّ أهمية. يمكن لمعهد «إستاك» ولكلية معارف الوحي في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ولمركز «إيسام» في إسطنبول، ولمركز «سيلي» في الدوحة، ولمؤسساتٍ مثل كلية كامبريدج الإسلامية وكلية الزيتونة، أن تشكّل خلال العامين المقبلين شبكةً لمقارنة النماذج تجمع نموذج المصفاة، ونموذج البنية المرجعية، ونموذج الأخلاق التطبيقية، ونموذج الفنون الحرّة، ونموذج الاحتكاك، في برنامجٍ دراسي مشترك تكون دراسات حالة المخطوطات الجاوية إحدى مواده الأساسية. وللمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وارثِ مسار هيرندن، مصلحةٌ مباشرة في إعادة فحص تأطير «العلّة» الذي شكّل مشروعه منذ مطلع الثمانينيات. ويمكن لليونسكو وشركائها، في تنفيذ توصية العلم المفتوح، أن يجعلوا التقليد الفكري لإسلام جنوب شرق آسيا حالةَ اختبارٍ لفكرة الحوار مع نظم المعرفة التقليدية، لأن هذا التقليد يحتفظ بأرشيفٍ مكتوب لجدالاته الداخلية. وبالنسبة إلى الباحثين التفكيكيين خارج العالم الإسلامي، تقدّم التجربة الجاوية درسًا نادرًا: إن تفكيك استعمار المعرفة لا يقتصر على استعادة أصواتٍ أُسكتت من الخارج، بل يشمل أيضًا تصميم مؤسساتٍ تمنع الإسكات من الداخل.
ثاني عشر: الحدود والخاتمة
لهذه الدراسة حدودٌ يجب الإفصاح عنها بأمانة. فهي تقوم على البحث المكتبي وتحليل الوثائق لا على عملٍ ميداني جديد، والدليل على الفجوة بين النموذج والممارسة في إندونيسيا يأتي أساسًا من دراسةٍ واحدة لعام 2019 عن كليتين للشريعة، فينبغي الحذر في تعميمه على مؤسسات التعليم العالي الديني الإسلامي كافة في 2026. وقد جرى الوصول إلى بعض المراجع عن حمزة الفنصوري والرانيري والسنكيلي عبر ملخّصاتٍ موسوعية ومراجعات لا عبر تحقيقاتٍ نقدية، فبعض التواريخ، كسنة عودة السنكيلي إلى آتشيه، ما يزال موضع خلاف. وتعتمد المقارنة الدولية على وثائق المؤسسات والتغطيات الصحفية لا على تقييمٍ منهجي للإنتاج العلمي، ولذا يُتبنّى التصنيف رباعي النماذج بثقةٍ متوسطة، والدعاوى المتعلقة بأثر النموذجين التركي والخليجي بثقةٍ منخفضة. وبعض العروض في متن الاحتكاكيّة لا يُقرأ إلا عبر أوصاف الفهارس، ويبقى القرب المؤسسي بين المقترح والجهة الناشرة لهذه الدراسة مصدرًا محتملًا للتحيّز وإن عُوِّض بالتقييم الخارجي. كما أن اختيار الحلقات التاريخية، بغداد والتهافت وابن خلدون وآتشيه، ليس محايدًا؛ فقد ترسم المدارس النظامية أو إصلاح التعليم في مصر صورةً مختلفة للعلاقة بين الأرثوذكسية والإبداع. واحتمالات السيناريوهات تقديرٌ نوعي للكاتب، وهي أداةٌ للنقاش أكثر منها تنبؤًا. وأكثر برامج البحث التالية إلحاحًا: دراسةٌ ميدانية متعددة الجامعات لكيفية فهم نماذج المعرفة واستعمالها، ودراسةٌ فيلولوجية لأجناس الجدل في المخطوطات الجاوية، وتجاربُ مضبوطة للمنهج الرباعي في الإشراف على الرسائل والأطاريح.
ويمكن صوغ خلاصة الدراسة بحزم. لا تحتاج حضارة المعرفة الإسلامية إلى توفيقٍ يمحو التوتر، بل إلى بنيةٍ تحتية تحوّل التوتر إلى معرفة، وإلى سياجٍ يمنع تسليم ذلك التوتر إلى السلطة العقابية. لقد أحيت أسلمة المعرفة الأسئلة المتعلقة برؤية العالم لكنها قرأت الانقسام «علّة»؛ ووسّع التكامل والترابط الآفاق لكنهما توقفا عند الترتيب؛ وكلٌّ من النماذج في ماليزيا وتركيا وإيران والخليج والغرب يستوفي بعض الشروط، لكن لا أحد منها يستوفيها جميعًا. وتقدّم الاحتكاكيّة لغةً نافعة لفهم الانقسام بوصفه مضيقًا يجعل صوت المعرفة ممكنًا، لكن قيمتها للعالم ستتحدّد بأدلةٍ قابلةٍ للتحقق على التطبيق، لا ببلاغة استعارتها. وتملك إندونيسيا الحجم والتنوع وغياب نموذجٍ واحد تفرضه الدولة، وهو مزيجٌ يجعل نموذجًا خامسًا ممكنًا إذا وُجِّهت الموارد والحرية الأكاديمية نحو الإنتاج لا الترتيب.
لا تشتعل «السُّوَا» لأن الريح تكفّ عن الهبوب، بل لأن النَّفَس يُوجَّه بدقة. وكذلك المعرفة: لا تولد من زوال الاحتكاك، بل من احتكاكٍ يحرسه الأدب ويُسيَّج عن السلطة.
لقد بدأ العطاس، الذي رحل في مارس 2026، رحلته الفكرية بدراسة النزاع بين حمزة الفنصوري والرانيري في آتشيه. وأليق تكريمٍ لجيله ليس أن نختار فائزًا في ذلك النزاع، بل أن نستخلص درسه المؤسسي: إن تقليدًا قادرًا على أن يحتضن إبداع الفنصوري، ودقّة الرانيري الموسوعية، وصبر السنكيلي، دون أن يُحرق كتب أحد، هو تقليدٌ جديرٌ باسم حضارة المعرفة. وبالنسبة إلى صانعي السياسات في جاكرتا وكوالالمبور وإسطنبول والدوحة، وفي مؤسسات الدراسات الإسلامية في الغرب، فإن مقياس النجاح في العقد المقبل ليس عدد النماذج المعلنة، بل عدد المفاهيم المولودة من لقاء التقاليد التي تصمد أمام النقد وتستعملها جماعاتٌ من المختلفين. وهذا المقياس يتطلّب صبرًا يعادل عقدَي السنكيلي في طلب العلم بالمدينة المنورة، وشجاعةً مؤسسية تسمح بأن يُردّ على كل عملٍ بعملٍ آخر، لا بحكم.
المراجع والمصادر
- Presidential Regulation No. 64 of 2013 on the Change of IAIN Ar-Raniry into UIN Ar-Raniry (1 October 2013)
- UNESCO: Recommendation on Open Science (2021)
- World Bank via Trading Economics: Indonesia Research and Development Expenditure, % of GDP (2020 data)
- IIUM News: Thirty Years of Serving Humanity (1990–2020), history of KIRKHS
- CILE, Hamad Bin Khalifa University: About Us
- Abu Dhabi Media Office: Law Establishing Mohamed bin Zayed University for Humanities (16 November 2020)
- Research Institute of Hawzah and University: RIHU at a Glance
- Helsinki Initiative on Multilingualism in Scholarly Communication (10 April 2019)
- Ghulam Nabi Saqeb, Some Reflections on Islamization of Education since 1977 Makkah Conference, Intellectual Discourse 8(1), 2000
- American Journal of Islamic Social Sciences 5(1), Editorial, September 1988
- Ahmad Farid Saifuddin & Kholid Karomi, An Analysis of Fazlur Rahman’s Response to the Islamization of Knowledge, Kalimah 21(2), 2023
- Ahmad Shidqi Mukhtasor & Jeihan Kamilla Rizal, A Critical Assessment on Kuntowijoyo’s Pengilmuan Islam, Forum Paedagogik, 2022
- Alparslan Açıkgenç, The Rise and Progress of Islamic Scientific Tradition (CASIS UTM, 2013)
- Aaron W. Hughes, review of Shahab Ahmed, What Is Islam? (Reading Religion, 2017)
- Khaled El-Rouayheb, Islamic Intellectual History in the Seventeenth Century (Cambridge University Press, 2015)
- Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture (Routledge, 1998)
- Leif Stenberg, The Islamization of Science: Four Muslim Positions Developing an Islamic Modernity (Lund University, 1996)
- Mona Abaza, Debates on Islam and Knowledge in Malaysia and Egypt: Shifting Worlds (Routledge, 2002)
- Lahouari Addi, review of Wael Hallaq, Restating Orientalism (Reading Religion)
- Ebrahim Moosa, What Is a Madrasa? (UNC Press, 2015)
- Boaventura de Sousa Santos, Epistemologies of the South: Justice Against Epistemicide (Routledge, 2014)
- Review of Raewyn Connell, Southern Theory (Polity, 2007), Policy and Practice
- Syed Farid Alatas, Alternative Discourses in Asian Social Science (Sage, 2006)
- Sangidu et al., Revisiting Wujudiyyah and the Politics of Religious Orthodoxy in the Seventeenth-Century Aceh Sultanate, Al-Adabiya 21(1), 2026
- Studia Islamika 11(2): review of Azyumardi Azra, The Origins of Islamic Reformism in Southeast Asia (2004)
- Fridiyanto, The Transformation of UIN Ar-Raniry Banda Aceh, Ta’dib 22(2), 2017
- Tarmizi M. Jakfar et al., Models of Knowledge Integration at UIN Ar-Raniry and UIN Sumatera Utara, Jurnal Ilmiah Islam Futura 18(2), 2019
- TDV İslâm Ansiklopedisi: İslâm Araştırmaları Merkezi (İSAM)
- Syed Muhammad Naquib al-Attas (encyclopedic entry)
- ISTAC (encyclopedic entry)
- International Institute of Islamic Thought (encyclopedic entry)
- Islamization of Knowledge: General Principles and Work Plan (encyclopedic entry)
- Islamization of knowledge (encyclopedic entry)
- Hamzah Fansuri (encyclopedic entry)
- Nur al-Din al-Raniri (encyclopedic entry)
- Abd al-Rauf al-Fansuri / Abdurrauf as-Singkili (encyclopedic entry)
- Cultural Revolution in Iran (encyclopedic entry)
- Ibn Haldun University (encyclopedic entry)
- Cambridge Muslim College (encyclopedic entry)
- KBA13 Insight (2026): From Islamisation to Fricativisation: Four Paradigms Transforming Indonesia’s State Islamic Universities
- KBA13 Insight (2025): The Fricativization Paradigm: A Cosmic Breath in the Architecture of Islamic Knowledge
- KBA13 Insight (2026): Tahāfut al-Tahāfut and the Problem of the Necessary Existent in Islamic Philosophy
- KBA13 Insight (2025): The Malay Perspective: From Inner Spirituality to a Cosmology of Knowledge
- KBA13 Academy (2026): The Authority of Fluency on the Islamic Campus
- KBA13 Academy: School of Islamic Civilization
- Islamic Economics Project: A Critical Survey of Islamization of Knowledge (20 January 2026)
- NU Online: Malaysian Scholar Syed Naquib al-Attas Dies at 94 (9 March 2026)
- New Straits Times: Merdeka and the Captive Mind (September 2019)
- Radio Zamaneh: Khamenei Condemns Teaching of Humanities (31 August 2009)
- Ynet: Iran to ‘Islamise’ Humanity Studies (7 September 2009)
- NBC News: Iran Restricts Social Sciences Seen as ‘Western’ (2010)
- Christian Century: Zaytuna College Recognized as First Accredited Muslim College in US (2015)
- JPNN: Ministry of Religious Affairs Launches the Love-Based Curriculum (25 July 2025)
- RRI: Indonesia Prepares AICIS+ 2026 for Impactful Research (5 August 2026)
- NU Online: UM-PTKIN 2026 Entrance Exam Held Simultaneously (8 June 2026)
- Arsip & Pustaka: From Islamization to Fricativization: Four Paradigms (ICIS 2026, Ponorogo)
- Arsip & Pustaka: Contemporary Discourse in Islamic Studies (ICIS Ponorogo, 2026)
- Arsip & Pustaka: From Islamisation to Fricativisation (book, 2026)
- Arsip & Pustaka: Islam in the Malay World and the Indian Ocean (book, 2026)
- Arsip & Pustaka: The Fricativization Paradigm: Reviving Knowledge as Light and Breath (2025)
- Arsip & Pustaka: The Fricativization Paradigm: A Summary for UIN Ar-Raniry (2025)
- Arsip & Pustaka: Understanding Knowledge Paradigms in PTKI (PKDP 2026)
- Arsip & Pustaka: A Retrospective on the Knowledge Paradigms of PTKIN (PKDP 2025)
- Arsip & Pustaka: Aceh’s Traces in the Malay World (Riau, 2013)
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). الاحتكاك الذي يوقد الحضارة: من أسلمة المعرفة إلى الاحتكاكيّة في التاريخ الفكري الإسلامي والعالم الجاوي والمقارنة العالمية. المرصد الجاوي. الأصل الإنجليزي: The Friction That Kindles Civilization: From the Islamization of Knowledge to Fricativization in Islamic Intellectual History, the Jawi World and Global Comparison، KBA13 Academy Research Center.


