,

فقهُ الواقع وتجديدُ الاجتهاد: قراءةٌ في منهج الشيخ عبد الله بن بيّه من خلال كتاب «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع»

المرصد الجاوي

غلاف دراسة: فقه الواقع وتجديد الاجتهاد عند الشيخ عبد الله بن بيّه — المرصد الجاوي

حين يضيق النصُّ في أفهام قومٍ حتى يصير سيفًا، ويتّسع الواقعُ في أهواء آخرين حتى يذيب النصّ، يقف الفقيه الراسخ على الجادّة الوسطى: يمسك بالوحي بيد، ويقرأ الزمان بالأخرى. تلك هي الرسالة التي حملها الشيخ عبد الله بن بيّه في «تنبيه المراجع»، وهذه الدراسة محاولةٌ للإصغاء إليها.

22 أكتوبر 2026 · دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر وأصول الفقه

الملخّص

تتناول هذه الدراسة فكر الشيخ عبد الله بن بيّه في كتابه «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع»، فتعرض موجزًا من سيرته، والسياق الذي وُلد فيه الكتاب في خضمّ أزمة الفقه المعاصر، والمنهج الذي يقترحه للخروج منها. فقد شخّص ابن بيّه عللًا شتّى في الممارسة الفقهية الحديثة، كالحرفية الضيّقة في فهم النصوص وظاهرة التكفير، واقترح لها علاجًا جامعًا هو «فقه الواقع». وتمضي الدراسة، بأسلوبٍ سرديٍّ أكاديمي، في خمسة محاور: أزمة الفقه المعاصر في نظر ابن بيّه؛ ومنهج التعامل مع النصّ بمبادئ الأصول، بما فيه مستويا التعامل ودوائر الفقيه الثلاث؛ ومفهوما تحقيق المناط ومقاصد الشريعة بوصفهما مقاربةً سياقية؛ وتحليل قضية التكفير في تفسير آيات سورة المائدة؛ وأهمية فقه الواقع أساسًا للوسطية الإسلامية في الاستجابة لتحدّيات العالم. وتُشفَع كلّ قضيةٍ بشواهد من نصّ الكتاب، مع تحليلٍ مفاهيمي وبيانٍ لصلتها بقضايا العصر.

الكلمات المفتاحية: الفقه المعاصر؛ فقه الواقع؛ الوسطية الإسلامية؛ مقاصد الشريعة؛ التكفير؛ تحقيق المناط؛ عبد الله بن بيّه.

مقدّمة: فقيهٌ من شنقيط وسؤالُ العصر

الشيخ عبد الله بن بيّه علَمٌ من أعلام العلم في زماننا، وُلد في موريتانيا سنة 1935 (بينجانغ شريعة)، ونشأ في بيتٍ من بيوت العلم الشنقيطي العريق، فأخذ عن والده الشيخ المحفوظ بن بيّه، العالم ورئيس رابطة علماء موريتانيا، علومَ التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية منذ نعومة أظفاره. ثم رحل إلى تونس لدراسة القضاء الشرعي، وتولّى القضاء، ودرّس الدراسات الإسلامية في جدّة (المسلمون الخمسمائة). وقد عُرف في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر عالمًا وسطيًّا بعيد النظر، ومن أشهر ما يُؤثَر عنه قولُه إنّ الإسلام «دينُ الرحمة»، يقدّم السلم ويأبى العنف؛ وهي رؤيةٌ تتّسق في مؤلّفاته وفتاواه ومبادراته التي ما فتئت تبشّر بقيم الاعتدال والسلام.

وقد خرج كتابه «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع» من رحم قلقٍ عميق على ما يعتري الفقه الإسلامي في العصر الحديث من تحدّياتٍ وأزمات. صدر الكتاب سنة 2014 (ويكيبيديا الملايوية؛ مجلة كلام)، في حقبةٍ اتّسمت بتكاثر النزاعات باسم الدين، وسوء تأويل النصوص المقدّسة، واستفحال الغلوّ كالتكفيرية. ويرى ابن بيّه أنّ الأمّة في القرن الحادي والعشرين تتنازعها نزعتان متطرّفتان: الأولى نزعة الجمود في الفتوى، تتشبّث بحرفية النصّ ولا تلتفت إلى سياق الزمان؛ والثانية نزعة الغلوّ، ومن أبرز صورها التكفير، أي المسارعة إلى إخراج المخالفين من المسلمين من دائرة الملّة (مسلم فيليج). وكلتاهما، في نظره، نابتةٌ من خللٍ في منهج الاجتهاد: فبعض المنتسبين إلى العلم أو العمل الديني لم يتزوّدوا بفهمٍ كافٍ للواقع، أو قصّروا عن إدراك مقاصد الشريعة الكلّية، فنزّلوا الأدلّة على غير مواقعها. فكانت الثمرة فتاوى وتصرّفاتٍ دينية مجانبةً للحكمة: منها ما جمد حتى انفصل عن حركة الزمان، ومنها ما اشتطّ حتى خرج عن أصل الرحمة والعدل في الإسلام.

ويرى ابن بيّه أنّ من مظاهر هذه الأزمة ما تشهده بلاد المسلمين من خصوماتٍ سياسية وطائفية انتهت إلى صراعاتٍ مسلّحة، ويذكر بمرارةٍ أنه لا تكاد توجد أمّةٌ اليوم أكثر إراقةً لدمائها من هذه الأمّة، تحت شعاراتٍ وذرائع لا يقرّها شرع ولا يقبلها عقل. والإسلام في جوهره دينُ سلام؛ وابن بيّه يكرّر أنّ العدل والخير لا ينبتان إلا في تربة السلم لا في أتون الحرب (بينجانغ شريعة). ومن هذا القلق جاء «تنبيه المراجع» نداءً إلى العلماء وأهل الفتوى، أي «المراجع»، أن يعودوا إلى تأصيل المنهج الذي أثبت جدواه عبر القرون، مع تجديدٍ جوهري: إدخال اعتبار الواقع الحيّ، أو «فقه الواقع»، في صلب عملية الاستنباط. فهو، بعبارةٍ أخرى، يريد أن يبعث الحياة في أصول الفقه بإبراز صلة السياق ومقاصد الشريعة، كي يستطيع الفقه أن يجيب عن أسئلة العصر دون أن يخرج عن أصوله.

وتنتظم هذه الدراسة في أقسامٍ تعرض الأفكار المحورية في الكتاب: يبيّن أوّلها مفهوم أزمة الفقه المعاصر عند ابن بيّه؛ ويعرض ثانيها منهجه في التعامل مع نصوص الكتاب والسنّة، من مبادئ الأصول، إلى مستويي التعامل مع النصّ، إلى «الدوائر المنهجية» التي يجتازها الفقيه؛ ويبسط ثالثها أهمية تحقيق المناط ومقاصد الشريعة بوصفهما جسرًا بين النصّ والواقع؛ ويقدّم رابعها دراسةً تطبيقية لقضية التكفير من خلال قراءة ابن بيّه لآيات سورة المائدة التي طالما أساء الغلاة توظيفها؛ ويناقش خامسها أثر فقه الواقع أساسًا للوسطية واستجابةً لتحدّيات العالم؛ ثم تأتي الخاتمة لتجمع النتائج وتبيّن الثمرة العملية لهذا الفكر في تطوير الفقه المعاصر.

أوّلًا: أزمة الفقه المعاصر في نظر ابن بيّه

يستهلّ ابن بيّه حديثه بتشخيص «أزمة الفقه» في عصرنا؛ فثمة، في نظره، عواملُ أفضت إلى اختلالٍ في ممارسة الاستنباط لدى طوائف من المسلمين المعاصرين، يردّها إلى ثلاثة ضروبٍ من الجهل أو الخلل في التديّن. وهي على وجه الإيجاز: الجهل بالنصّ في كلّيته، أي الميل إلى فهم الدليل مبتورًا حرفيًّا دون التفاتٍ إلى ما يتّصل به من أدلّةٍ أخرى وسياقات؛ والجهل بالواقع، أي قصور الإحاطة بأحوال الزمان وظروف المجتمع وما يترتّب على تنزيل الحكم في الحياة؛ والجهل بالمقاصد، أي الغفلة عن الغايات الكبرى للشريعة، فتذهب الحكمة وتُطفأ روح العدل في تطبيق الأحكام.

وهذه العلل الثلاث، كما يرى ابن بيّه، قد أنبتت نزعةً ظاهريةً في التعامل مع النصوص، نزعةً تجافي المنهج الأصيل الذي سار عليه سلف الأمّة. فقد علق كثيرون بظاهر النصّ دون أن يغوصوا في سياقه ومعناه، مع أنّ منهج الصحابة والأئمة كان دائمًا جامعًا بين الوفاء للنصّ وسعة الإحاطة بالسياق. فأصحاب النبيّ ﷺ في اجتهادهم لم يقفوا عند حرفية اللفظ وحده، بل راعوا المصلحة العامة والأعراف وخصوصيات الأحوال.

فإذا هُجر هذا المنهج الجامع، كان الاضطراب: تُستعمل النصوص على غير هدى، وتستخرج طوائفُ أحكامها من دليلٍ مبتور مع إهمال غيره، فتولد فتاوى مغالية أو مضرّة. ويلحّ ابن بيّه على أنّ الفقه السليم لا يُغفل التأصيل المستمدّ من الأدلّة الحاكمة ومن التجربة التاريخية للأمّة؛ أي أنّ الفتوى ينبغي أن تراعي القواعد الكلّية للكتاب والسنّة، والخبرة الطويلة للعلماء في تنزيل الشريعة عبر التاريخ. ومن أعرض عن هذا الأساس التاريخي سهل عليه الانزلاق إلى التأويل المنحرف أو الغالي.

وتتجلّى الأزمة في أوضح صورها في ظاهرة الغلوّ في الدين، كالمسارعة إلى التكفير ومفارقة جماعة المسلمين. ويسمّي ابن بيّه هذه الظاهرة «فتنة»، ويراها في حقيقتها «حربًا على الأمّة» (موقع الشيخ: فتنة التكفير حرب على الأمّة؛ التكفير.. لماذا وكيف الخلاص؟). فقد رفعت جماعاتٌ متطرّفة شعار «الحاكمية» على غير بصيرة، لتصِم الحكومات وعامة المسلمين بالطاغوتية لمجرّد اختلافٍ في تطبيق الأحكام (بوابة الأوقاف المصرية). وهذا الفهم المغلوط للحاكمية لا ينفكّ عن سوء تأويل الأدلّة، ولا سيما آيات سورة المائدة في الحكم بما أنزل الله، كما سيأتي بيانه. ويرى ابن بيّه أنّ هذا التكفير مناقضٌ لأصل أهل السنّة الذين عُرفوا بأشدّ الاحتياط في تكفير المسلم (المجلس الإسلامي السوري: التكفير وضوابطه)؛ فهم لا يحكمون بالكفر إلا ببيّنةٍ «كالشمس في رابعة النهار» على أنّ المرء قد جحد أصلًا من أصول الدين (مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة). أمّا تكفير من يصلّي ويشهد الشهادتين بسبب كبيرةٍ أو خطأٍ في الاجتهاد، فهو انحرافٌ رفعت لواءه الخوارج قديمًا، وأجمع أهل السنّة على ردّه.

وخلاصة القول إنّ ابن بيّه يشخّص أزمة الفقه المعاصر بأنها أزمة منهج: فكثيرٌ من المشكلات لم يأتِ من نقصٍ في تعاليم الإسلام، بل من خللٍ في طرائق فهمها وتنزيلها. ولذلك انصبّ علاجه على إصلاح منهج الاجتهاد، بإحياء ما أُهمل من عناصره: التكامل بين الأدلّة، وفهم الواقع الحيّ، واستحضار مقاصد الشريعة. وقبل أن يعرض منهجه، ينبّه إلى أنّ الفقيه الكامل ينبغي أن يتحرّك في ثلاث «دوائر» حين يواجه النصّ: دائرة التفسير والتأويل، أي استجلاء المعنى واستخراج غوره؛ ودائرة التنزيل، أي ربط النصّ بالواقعة المعيّنة؛ ودائرة التفعيل، أي إعمال الحكم في الحياة إعمالًا ناجعًا. فإن أُهملت دائرةٌ منها جاء الاجتهاد أعرج.

ثانيًا: منهج التعامل مع النصّ — مبادئ الأصول، ومستويا التعامل، ودوائر الفقيه

1. مبادئ الأصول في مقاربة ابن بيّه

منهج ابن بيّه في التعامل مع نصوص الكتاب والسنّة هو في حقيقته امتدادٌ لمنهج العلماء منذ عصر الصحابة؛ وهو يصرّح بأنّ منهجه يستلهم مسلك علماء المسلمين، من الصحابة إلى يومنا، في التعامل مع الوحي قرآنًا وسنّة. وقاعدته الأولى: التثبّت من صحّة الدليل وفهم معناه فهمًا سديدًا قبل تنزيله. ففي الحديث يعني ذلك النظر في السند والمتن معًا، فلا بدّ أن يكون الحديث ثابت الورود عن النبيّ ﷺ، واضح الدلالة على المعنى؛ فإن صحّ ثبوته، وصرحت دلالته، ولم يعارضه ما هو أقوى منه، صلح أن يكون مستندًا للحكم. وهذا جارٍ على القاعدة الأصولية المقرّرة: الدليل القويّ ما أفاد العلم بمقتضاه، كنصّ الكتاب، والسنّة المتواترة، والصحيحة الصريحة غير المنسوخة. أمّا ما كان من أخبار الآحاد أو ما احتملت دلالته وجوهًا، فهو ظنّي، يحتاج تنزيله إلى اجتهادٍ واحتياط، ولا يجوز أن يُعامَل معاملة القطعي.

وبهذه الغربلة في الثبوت والدلالة، يقرّر ابن بيّه أنّ النصوص لا تُنزَل أحكامًا دون نظرٍ وتمحيص؛ فمن أخطاء بعض الناس أنهم يعاملون الظنّي معاملة القطعي، فتخرج أحكامهم متعجّلةً جائرة. ويستشهد في ذلك بقول الإمام الأصفهاني في «شرح المحصول»: «الأحكامُ ما ثبت بأدلّةٍ حصل العلمُ بمقتضاها»؛ أمّا الأحكام المستفادة من النصوص الظنّية، كخبر الواحد المحتمل في سنده أو دلالته، فهي مظنونةٌ لا معلومة. وفي التنبيه على هذا الأصل صيانةٌ من التجرّؤ على نسبة الحكم إلى الله بفهمٍ مفرَدٍ لدليلٍ أو دليلين لم تقطع دلالتهما.

ويذكّر ابن بيّه كذلك بوجوب مراعاة الإجماع المستقرّ؛ فما أجمع عليه العلماء من المعلوم من الدين بالضرورة حدٌّ لا يُتجاوَز، كأركان الإيمان الستّة التي من أنكرها فقد كفر، وكذلك ما اشتهر في الشريعة اشتهارًا لا خلاف فيه. لكنّ ما وراء هذه القطعيات من مسائل الفقه هو في أغلبه ثمرة اجتهادٍ في نصوصٍ ظنّية، فباب الاختلاف فيه مفتوح. وهذا الوعي هو ما يغيب أحيانًا عن بعض الخطاب الديني الحديث، فيُقابَل الاختلاف الاجتهادي بالتبديع، بل بالتكفير.

2. مستويا التعامل مع النصّ: الإيمان والعمل

وبعد التثبّت من الدليل وفهم سياقه، يبيّن ابن بيّه أنّ تعامل المسلم مع النصّ يجري على مستويين. الأوّل: مستوى الإيمان والتصديق، أي التسليم القلبي بالوحي؛ ففي هذا المستوى يجب على المسلم أن يؤمن بكلّ ما ثبت عن الله ورسوله. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [محمد: 2]، مقرّرًا أنّ النصّ متى ثبت ثبوتًا قطعيًّا، فموقف المؤمن منه التسليم بأنه حقٌّ من عند الله، أيًّا كان مضمونه؛ إذ لا موضع هنا للردّ القلبي، فإنّ ردّ الحقّ المنزَّل نقضٌ للإيمان. وقد ضرب الصحابة المثل في هذا المستوى: تلقّوا كلّ آيةٍ وكلّ حديثٍ صحيحٍ بالإيمان والتعظيم، موقنين بأنّ وراءه حكمةً وإن لم تنكشف لهم في الحال.

والثاني: مستوى الأحكام العملية، أي تنزيل الأحكام في واقع الحياة، امتثالًا للأوامر واجتنابًا للنواهي. وفي هذا المستوى تشتدّ الحاجة إلى الاجتهاد والفهم السياقي؛ إذ يبيّن ابن بيّه أنّ العمل بالنصّ يقتضي فهمه فهمًا صحيحًا، وهذا الفهم يستدعي التفسير، أي بيان المعنى الظاهر، وقد يستدعي التأويل حين يحتاج الظاهر إلى ملاءمةٍ مع العقل وسائر الأدلّة. وفي ذلك يقول: «لكي نعتقد أو نعمل يجب أن نفهم».

وتتّضح ضرورة الفهم قبل العمل في أمثلةٍ كثيرة؛ منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو في ظاهر النصّ واجب، لكنّ إمضاءه ليس على إطلاقه؛ فله شروطٌ تضمن أن يُثمر ولا يجرّ مفسدةً أعظم. وقد قال النبيّ ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره…»، ثم بيّن مراتبه، باليد ثم باللسان ثم بالقلب، بحسب الاستطاعة. وقرّر الأصوليون أنّ إنكار المنكر مشروطٌ بألّا يترتّب عليه منكرٌ أكبر منه؛ فإن كان لا يُزال إلا بفتنةٍ أشدّ، حرم الإنكار حينئذٍ. ومن ذلك أيضًا القتال في سبيل الله، فهو مقيّدٌ أبدًا بسياقه: لا يكون إلا بإذن وليّ الأمر الشرعي، وبمراعاة المصلحة، وبآداب الحرب الصارمة. فهذه كلّها من المستوى الثاني، مستوى التنزيل، الذي يقتضي النظر والمرونة، بخلاف المستوى الأوّل، مستوى الإيمان، الذي هو تسليمٌ مطلق.

ويؤكّد ابن بيّه أنّ منهجه ينطلق من اعتبار الشريعة كلّها بمنزلة النصّ الواحد؛ فكلّ حكمٍ عملي ينبغي أن يُفهم في إطار البناء الكلّي للإسلام، لا منعزلًا عنه. ولذلك يلزم الفقيهَ في مستوى التنزيل أن يوازن بين الأدلّة: ما العامّ منها وما الخاصّ، وما الذي قد يخصّص غيره، وأن يستحضر المقاصد العليا من عدلٍ ومصلحةٍ ورحمة. ويصف ابن بيّه هذه المقاربة بأنها طلبٌ للتناغم بين ظواهر النصوص ومقتضيات العقول، تُعايَر فيه الدلالة النصّية بالضرورة العقلية، فيأتي التنزيل حيًّا غير جامد.

3. دوائر الفقيه المنهجية: التفسير، والتنزيل، والتفعيل

وكما سبقت الإشارة، يبيّن ابن بيّه أنّ الفقيه الذي يروم إعمال فقه الواقع ينبغي أن يجتاز ثلاث مراحل مفهومية يسمّيها «دوائر»، تضمن التحامًا تامًّا بين النصّ والسياق:

  • الدائرة الأولى: التفسير والتأويل. وهي دائرة فهم النصّ؛ إذ على المجتهد أن يعرض النصّ الشرعي على قوانين العربية: أصل الوضع، وتركيب الجملة، والسياق اللغوي، والحقيقة والمجاز. وهنا تلزم الدقّة في تمييز المشترك والعامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد. فصيغة الأمر بالقتال في القرآن قد تأتي عامّة، لكنّ النظر يقتضي معرفة ما إذا كانت مقيّدةً بسببٍ أو لا. ومن الأمثلة التي يسوقها رأيُ الجماعات المتطرّفة في أنّ «آية السيف» ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] نسخت مئةً وأربع عشرة آيةً من آيات السلم (مجلة كلام). وهذا خطأٌ مردّه إلى الغفلة عن أنّ الآية مقيّدةٌ بسياق قتالٍ دفاعي ضدّ مشركين محاربين، لا أمرٌ مطلق بقتل غير المسلمين حيثما كانوا. ففي دائرة التفسير يجمع المجتهد كلّ ما ورد في المسألة من آياتٍ وأحاديث ليقف على المراد كاملًا. ويحذّر ابن بيّه من بناء الحكم على الدليل الجزئي مع إهمال الكلّي من قيم الشريعة، كما يحذّر من التعلّق بالكلّي دون مستندٍ من دليلٍ خاصّ؛ فلا بدّ من التوازن بينهما. فانتقاء دليلٍ جزئي وإهمال سواه «منهجٌ اجتزائي» معيب، والتعلّق بالروح العامة دون نصٍّ معيّن خطرٌ كذلك. وبهذا تكفل دائرة التفسير أن يجمع المفسّر بين النصّ وسياقه اللغوي ومقاصده، فينكشف المعنى الحقّ.
  • الدائرة الثانية: التنزيل على الواقع. فإذا استقام فهم النصّ، كانت المرحلة التالية ربطه بالواقعة التي هي محلّ الحكم؛ وهذا ما يسمّيه الأصوليون «تحقيق المناط»، أي التحقّق من وجود علّة الحكم أو شرطه في الواقعة المعيّنة قبل إمضاء الحكم فيها (مجلة كلام). ويرى ابن بيّه أنّ التنزيل جوابٌ عن سؤال: كيف «يتنزّل» هذا الحكم الشرعي على حالنا اليوم؟ وفي هذه المرحلة يجب دراسة الواقع دراسةً عميقة، وهو ما يسمّيه «فهم الواقع». فإذا قال النصّ إنّ من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، لزم في مرحلة التنزيل أن يُسأل: هل حال ترك الحكم بما أنزل الله في بلدٍ مسلم اليوم مطابقةٌ لسياق الآية؟ وما طبيعة النظام القانوني، والضغوط الخارجية، وأحوال الأمّة؟ وهل المسؤول الذي لا يقيم الحدود كافرٌ بإطلاق، وقد يكون مؤمنًا بوجوبها محجوزًا عنها بدستور الدولة؟ فهذه الاعتبارات جوهر تحقيق المناط. وفي الفقه الأوّل شواهد بيّنة عليه، منها اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، إذ أوقف حدّ القطع في السرقة. فنصّ المائدة [38] صريحٌ في قطع يد السارق، لكنّ عمر نزّل الحكم على واقع المجاعة، حيث يُكره الجوعُ الناسَ على أخذ الطعام، فكان القطع حينئذٍ مخالفًا لمقصد الشريعة في حفظ النفوس. وهذه الحساسية بالسياق هي ما يريد ابن بيّه بعثه من جديد؛ فهو يرى أنّ اجتهادات الأقدمين كانت صوابًا ملائمًا لزمانهم، وأنّ الاجتهاد الجديد المبنيّ على تحقيقٍ صحيح للمناط سيكون كذلك صوابًا ملائمًا لزماننا (مجلة كلام). فتغيّر السياق يقتضي ملاءمة الحكم دون خروجٍ عن علّته وغايته. ومن دون تنزيلٍ رشيد ينحرف إعمال الدليل؛ إذ النصّ أو الحكم لا يُطبَّق على عواهنه دون نظرٍ في الواقع، فإن اقتُصر على حرفيته فهمًا وتطبيقًا ذهب بمعنى الشريعة وجوهرها.
  • الدائرة الثالثة: التفعيل. وهي المرحلة الأخيرة: إعمال الحكم في حياة الناس بحكمة، ويشمل ذلك وضع الاستراتيجيات والسياسات والضوابط العملية التي تبلغ بالحكم غايته. وتقتضي هذه الدائرة درايةً بالسياسة الشرعية وفقه الأولويات. فبعد تقرير الحكم على وفق السياق، يبقى النظر في المعينات والموانع عند الإعمال. فوجوب الزكاة مثلًا ثابت، والحال مواتية، فتكون مهمّة العلماء وأولي الأمر في دائرة التفعيل إقامة آلياتٍ تجعل أداء الزكاة ناجعًا شفّافًا بالغًا مستحقّيه. وكذلك إذا أُقيم حظرٌ على منكرٍ ما، لزمت خطوات التربية بعد الردع. وفي السياق الحديث، قد تعني دائرة التفعيل استحضار القانون الوضعي وحقوق الإنسان والأوضاع الدولية، حتى لا يُفضي تطبيق الشريعة إلى فتنةٍ أكبر. ويبرز ابن بيّه هنا أهمية الموازنة بين المصالح والمفاسد، مقرّرًا: إذا تعارضت مفسدتان دُفعت أعظمهما بارتكاب أخفّهما، وإذا تعارضت مصلحتان قُدّمت أعظمهما وإن فاتت الصغرى؛ بل إذا اجتمع في الأمر الواحد صلاحٌ وفساد نُظر إلى الغالب منهما، فالحكم للأغلب. وهذا الأصل شديد الحضور في مستوى السياسات؛ فقد تمنع السلطة مباحًا سدًّا للذريعة إذا عمّ ضرره، وقد يُرجأ واجبٌ يتعيّن في فقه الأفراد إذا كان في فقه المجتمع مثارًا لفوضى عامة.

وباجتياز هذه الدوائر الثلاث، يخرج الفقيه بحكمٍ شرعيٍّ موافقٍ للدليل، واقعيٍّ موافقٍ للحال. ويرى ابن بيّه في هذا المنهج طريقًا وسطًا يقوّم انحرافين: الغلاة النصّيين الذين يقيمون في الدائرة الأولى لا يبرحونها، فتأتي أحكامهم جامدةً قاسية أحيانًا؛ والغلاة المتحلّلين الذين يبالغون في السياق، ربما متجاوزين الدائرة الثانية، حتى ينفوا صراحة النصّ، فيعرّضون الحكم للتحريف. وكلاهما إفراطٌ وتفريطٌ يُتّقى. أمّا المنهج الوسط عنده فهو الذي يصل النصّ بالسياق في تكاملٍ وتساند، ويحتاج إلى ما يسمّيه «النظر المركّب»، أي النظر الجامع بين الأدلّة الشرعية والوقائع المشاهدة.

4. محدّدات المنهج: قواعد أصولية سياقية

ويبسط ابن بيّه في «تنبيه المراجع» جملةً من «محدّدات المنهج» التي تميّز مقاربته، وقد مرّ بعضها ضمنًا، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

  • النظرة الشمولية إلى الأدلّة. يحذّر ابن بيّه المجتهد من أن ينظر إلى الشريعة إلا بوصفها كُلًّا واحدًا، فيقول: «النظرة الشمولية التي تعتبر الشريعة كلّها بمنزلة النصّ الواحد». فلا يُنتزع حكمٌ من آيةٍ أو حديثٍ منفصلًا عن غيره من النصوص والقواعد الكلّية وإجماع العلماء؛ إذ كثيرٌ من الأخطاء ناشئٌ عن الاجتزاء في استخراج الأدلّة. ومثاله الخوارج الأوائل، قرؤوا ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ منعزلةً، فكفّروا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لقبوله التحكيم، غافلين عن أنّ عليًّا والصحابة فهموا الآية في ضوء أدلّةٍ أخرى في وجوب الجماعة وطاعة وليّ الأمر وتحريم البغي. ومن صوره اليوم أن يُستشهد بأحاديث فضل الجهاد والشهادة فيُحصر الجهاد في القتال في كلّ أرض، والجهاد أنواعٌ وسياقات. وهذه النظرة الضيّقة وليدة غياب الشمول؛ ولذلك يقرّر ابن بيّه أنّ من لم يُحط بمعظم فروع الأدلّة، ثم نظر في طرفٍ منها بطريقة الاجتزاء، فلا بدّ أن يخطئ الفهم. وفي هذا تأكيدٌ للشرط القديم في المجتهد: أن يكون محيطًا بالشرع، لا يكفيه دليلٌ أو دليلان.
  • اعتبار المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد. المحدّد الثاني مراعاة المآلات، أي النظر في العواقب البعيدة لكلّ فتوى أو تصرّف شرعي، وهو عند ابن بيّه مفتاح فقه الواقع. وفي عبارته: «لكي نتعامل يجب أن نقبل أن نبدّل رأينا تبعًا للمصلحة في مستوياتها المتعدّدة غايةَ التشريع وحكمةَ الأحكام». وليس هذا تبديلًا لأصول الدين، بل ملاءمةٌ لتنزيل الأحكام بحسب ميزان المصالح والمفاسد. ويستشهد بالقاعدة: «إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفّهما، وإذا تعارضت مصلحتان رُوعي أسبقهما تحقيقًا بتحصيل أعظمهما»، وبقاعدة: «المصلحة الكبيرة تُقدَّم على المصلحة الصغيرة، والمفسدة الكبيرة تُدرأ ولو فاتت مصلحةٌ صغيرة». وتطبيقات ذلك كثيرة: إباحة المحظور للضرورة دفعًا لضررٍ أعظم، ومنع المباح إذا صار ذريعةً إلى الحرام، وتقديم الواجب على المندوب عند التزاحم. والموازنة بين المصالح والمفاسد عنده ليست أمرًا طارئًا، بل جزءٌ أصيل من تقرير الأحكام منذ القديم؛ غير أنّ طوائف من الغلاة أهملتها، فأمضت النصوص إمضاءً «جافًّا» لا يلتفت إلى الأثر. ومن ذلك ما فعلته جماعة «داعش» من إقامة الحدود في فوضى الحرب، فأساءت إلى صورة الإسلام، وهو مخالفةٌ صريحة للمقاصد وإن صحّ أصل الدليل. ولذلك يوجب ابن بيّه على كلّ مفتٍ وداعيةٍ أن يفقه المقاصد، كي لا يفوّت روح الشريعة في ملاحقة حرفها.
  • التمييز بين خطاب التكليف وخطاب الوضع. ومن محدّدات المنهج التمييز بين خطاب التكليف، وهو ما تضمّن طلبًا من إيجابٍ وندبٍ وتحريمٍ ونحوها، وخطاب الوضع، وهو ما جعل الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا أو وصفًا لحكم، كجعل السفر سببًا لرخصة القصر. ويؤكّد ابن بيّه هذا التمييز لأنّ الخلط فيه قد يكون مهلكًا. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفٌ كفائي، لكنّ له شرطًا وضعيًّا: ألّا يُفضي إلى منكرٍ أكبر، فإن انتفى الشرط لم يتوجّه التكليف حينئذٍ. وكذلك الأمر بالقتال له شروطٌ وضعية، منها أن يكون بقيادة إمامٍ شرعي، إذ لا قتال بلا راية إلا فوضى؛ فإن غاب الشرط لم يسقط الحكم التكليفي في أصله، لكنه لا يجوز إمضاؤه. وهذا أصلٌ بسيط في ذاته، كثيرًا ما تنساه الجماعات التي تحمل السلاح بلا إذنٍ من العلماء أو السلطان متذرّعةً بآيات القتال، غافلةً عن أنّ نصوص القتال في القرآن مقرونةٌ أبدًا بأحوالٍ مخصوصة من عدوانٍ وقيادةٍ وغيرهما. ويقرّر ابن بيّه أنّ خطاب الوضع هو «البيئة الأصولية» للحكم التكليفي، تحيط به وتحدّه؛ فالنصّ التكليفي لا يقوم وحده، بل تقيّده العوامل الوضعية. ومن أمثلة الوضع السبب: كطلوع الفجر سببًا لدخول وقت الصبح، فلا يتوجّه التكليف بها قبله. فلا بدّ من التمييز بين ما هو شرطٌ أو سبب وما هو أمرٌ أصلي. وفي ممارسة الفتوى الحديثة يعلّمنا هذا أن نجعل الأحوال الواقعية جزءًا لا ينفصل عن الحكم؛ ففتوى إقامة الشريعة على مستوى الدولة لا بدّ أن تنظر في شروطها الاجتماعية والسياسية، وفتوى التعدّد مثلًا لا بدّ أن تنظر في تحقّق علّتها. وبهذا التمييز يريد ابن بيّه أن يجنّبنا العجلة: إمضاء الأمر دون اعتبار شرطه، أو تقرير الحكم الوضعي دون مراعاة السياق الذي حدّده الشرع.
  • الجمع بين النصوص المتعارضة في الظاهر. يلحّ ابن بيّه على منهج الجمع والتوفيق بين الأدلّة التي يبدو ظاهرها التعارض، فيقول: «إنّ محاولة الجمع بين الأدلّة هي الخطوة الأولى التي يخطوها المجتهد قبل اللجوء إلى وسائل الترجيح». وهذا أصلٌ قديم في علم الأصول، لكنّ كثيرًا من جدالات العصر تُغفله، فتُضرب الأدلّة بعضها ببعض انتصارًا للطائفة. فالخلاف في القنوت في الصبح، أو في نصوص الصفات، كثيرًا ما يُضخَّم كأنّ أحد الدليلين باطلٌ لا محالة، مع أنّ الأدلّة قد تصحّ جميعًا كلٌّ في سياقه. والمجتهدون من السلف كانوا يقدّمون الجمع على الترجيح والنسخ، فإن تعذّر الجمع تعذّرًا تامًّا رجّحوا أحد الدليلين أو حكموا بنسخه. ومن أمثلة الجمع المشهورة أحاديث تحية المسجد والخطيب يخطب: فثمّة أمرٌ نبوي بصلاة ركعتين والخطبة قائمة، وثمّة أمرٌ بالإنصات للخطبة؛ فجمع العلماء بأنّ الممنوع هو التنفّل المطلق المطوَّل أثناء الخطبة، وأنّ الداخل يُسنّ له ركعتان خفيفتان كي لا يجلس قبل أن يصلّي، فعُمل بالحديثين معًا. ومن لم يفقه الجمع قد يسارع إلى ردّ أحدهما. وفي سياق الفقه العالمي اليوم، يعني الجمعُ المواءمةَ بين النصوص التي يبدو ظاهرها حرفيًّا وبين القيم الكلّية للإسلام، كنصوص القتال ونصوص السلم التي ينبغي أن تُفهم معًا. وقد قدّم ابن بيّه في مؤتمر ماردين (2010) صورةً من صور الجمع، إذ وفّق بين أدلّة دار الإسلام ودار الحرب وأدلّة الصلح، ورأى أنّ واقع العالم الحديث، المرتبط بميثاق الأمم المتحدة، أقرب إلى أن يُسمّى «دار العهد» منه إلى ثنائية الحرب ({a(“mv”,”مسلم فيليج”)}). فآيات القتال لم تُلغَ، بل تبقى قائمةً عند وقوع العدوان، غير أنّ آيات السلم هي الأغلب في واقعنا اليوم؛ وتلك المراجعة في حقيقتها جمعٌ يعطي كلّ دليلٍ موضعه.
  • فهم المصطلحات بحسب الاستعمال الشرعي والعرفي. ومن قواعده النظر في مناسبة اللغة والعرف، أي فهم المصطلح بحسب استعماله في الشرع أو في سياقه؛ فاللفظ الواحد تختلف دلالته باختلاف موارده. ومثّل لذلك بلفظ «الكافر» في القرآن، فأصل معناه الجاحد غير المؤمن، لكنه لا يعني في كلّ موضعٍ الردّة عن الإسلام. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] لا يعني لفظ الكفر بالضرورة الخروج من الملّة. وقد أخطأ الخوارج حين جعلوا الآية شعارًا لتكفير كلّ مسلمٍ ارتكب كبيرةً أو لم يُقم الحدود. ويستشهد ابن بيّه بتفسير حبر الأمّة ابن عباس رضي الله عنهما للآية بأنه «كفرٌ دون كفر»، أي كفر نعمةٍ، جحودٌ في العمل لا في الاعتقاد؛ فصاحبه فاسقٌ مسلم ما لم يستحلّ فعله ({a(“ashab”,”أصحاب الحديث”)}). وعلى هذا إجماع أهل السنّة: أنّ مرتكب الكبيرة، ما دام مقرًّا بوجوب حكم الله، لا يُحكم بكفره المخلِّد. أمّا الخوارج قديمًا، والتكفيريون حديثًا، فقد عجزوا عن هذا التفريق، فحسبوا «الكفر» أبدًا كفرَ اعتقادٍ مخلِّدًا في النار، فوصموا أهل الكبائر بالكفر واستحلّوا دماءهم. ومن أسباب هذا الخطأ إهمال سياق القرآن وأسباب النزول؛ إذ يبيّن ابن بيّه أنّ آيات المائدة [44–47] نزلت ابتداءً في أهل الكتاب الذين كتموا حكم التوراة، ثم أنزلها بعض العلماء على المسلمين الذين لا يقيمون الحكم بتفسير «كفرٌ دون كفر» ما لم يكن استحلال. وكذلك لفظا «الظالمون» و«الفاسقون» في الآيتين 45 و47 فُسّرا بالكبيرة لا بالخروج من الدين. ومن هذا الباب لفظ «الجهاد» الذي يحصره كثيرون في القتال، ومعناه الشرعي أوسع، ومنه جهاد النفس؛ و«كلمة الكفر» في الحديث، قد يقولها المرء ولا يرتدّ إذا قام به عذرٌ من جهلٍ أو إكراه. فالمقصود ألّا نتعجّل في ترجمة مصطلحات الدين دون النظر في مواردها؛ فلغة الشرع كثيرًا ما تستعمل ألفاظًا متدرّجة الدلالة، ومن أحسن فهمها لم يسارع إلى التكفير أو التبديع.
  • مراجعة السياقات. وأخيرًا يؤكّد ابن بيّه أهمية الرجوع إلى سياق النصّ وسبب نزوله أو وروده قبل الاستنباط منه؛ وهو أدبٌ أصيل عند المفسّرين، فكلّ آيةٍ نزلت في سياقٍ مخصوص، وكثيرٌ من الأحاديث قيلت جوابًا عن سؤالٍ أو حال. وفهم السياق يقي من سوء الفهم: فحديث «من بدّل دينه فاقتلوه» كثيرًا ما يُستشهد به لتسويغ العنف بالمرتدّين دون إجراءٍ قضائي، مع أنّ من العلماء من قرأه في سياق الحرب والخيانة، كمن ارتدّ ولحق بالعدوّ المحارب. وكذلك آية السيف [التوبة: 5]، إذا نُظر في سبب نزولها، ظهر أنها في حقبة قتال المشركين الناقضين للعهد، فالأمر فيها ردعيٌّ محدود، لا أمرٌ بقتل غير المسلمين على مرّ الدهور. ويدعو ابن بيّه المراجع اليوم إلى الفطنة في هذا الباب، مثنيًا على الصحابة والأئمة المجتهدين الذين كانوا يراجعون النصوص بنظرٍ جديد يلائم تطوّر الزمان، ولا يتحرّجون من الحوار إذا بدا الفهم الحرفي مصادمًا للواقع. فقد راجع عمر رضي الله عنه فهم قسمة أرض السواد في العراق: أتُقسم على الغانمين على ظاهر النصّ، أم تبقى للدولة لمصلحة الأمّة؟ وبعد تشاورٍ عميق مع الصحابة ونظرٍ في آياتٍ أخرى، قرّر أن تبقى الأرض فيئًا للمسلمين عامة. وهذا مثالٌ لمراجعة النصوص في سياقٍ جديد، وبمثل هذا الانفتاح تبقى الشريعة حيّةً صالحةً لكلّ زمان دون أن تفقد أصولها.

ويبيّن هذا العرض المطوّل أنّ منهج ابن بيّه في التعامل مع النصّ قائمٌ على التوازن: بين النصّ والسياق، وبين الدليل الجزئي والمقصد الكلّي، وبين العقل والظاهر، وبين الثوابت والمتغيّرات. فهو في حقيقته إحياءٌ لروح أصول الفقه القديمة مع تأكيدٍ خاصّ على بُعد الواقع المعاصر، وذلك هو فقه الواقع. وسنرى فيما يأتي كيف يتجسّد هذا المنهج في مفهومين مفتاحيين: تحقيق المناط ومقاصد الشريعة، ثم في قضية التكفير من خلال تفسير سورة المائدة.

ثالثًا: تحقيق المناط ومقاصد الشريعة مقاربةً سياقية

يتناول هذا القسم ركيزتين كبريين لفقه الواقع عند ابن بيّه: تحقيق المناط، وإعمال مقاصد الشريعة؛ وهما الأداتان الرئيستان لمدّ الجسر بين أحكام النصوص ووقائع الحياة.

1. تحقيق المناط: التحقّق من العلّة في الواقعة

تحقيق المناط، في أبسط معانيه، هو التثبّت من وجود العلّة أو الوصف الذي نيط به الحكم في المحلّ الذي يُراد تنزيل الحكم عليه (مجلة كلام). ففي بناء الاجتهاد القديم، بعد أن يقرّر المجتهد أنّ وصفًا ما هو علّة الحكم العام (تخريج المناط)، عليه أن ينظر في كلّ واقعةٍ: أتتحقّق فيها العلّة أم لا؟ ويصف ابن بيّه تحقيق المناط بأنه عملية تنزيل الحكم المنصوص على محلّه اللائق به، بفهم علّة الحكم وأحوال المسألة؛ وهو اجتهادٌ لا يبلى، يجب على كلّ مجتهدٍ في كلّ عصر.

ولمَ كان تحقيق المناط بهذه الأهمية؟ لأنّ أحوال الناس والدنيا في تقلّبٍ دائم؛ فالحكم المقرَّر في حالٍ قد يحتاج إلى ملاءمةٍ إذا تبدّلت الحال. ويضرب ابن بيّه مثلًا بالقبلة: فالفتوى في جهتها لا بدّ أن تراعي موضع المصلّي وموقع الكعبة منه؛ فالأمر في النصّ يسير: استقبال القبلة، لكنّ تحقيقه في الواقع يقتضي تحديد الجهة الصحيحة، وهي تختلف باختلاف المواضع (مجلة كلام). ومثالٌ آخر: يأمر القرآن بالعدل وينهى عن الظلم، وعلّة الأمر بيّنة: العدل قوام المجتمع؛ لكن كيف يتجسّد العدل في كلّ سياق؟ أيكون القطع في السرقة عدلًا في كلّ حال؟ لقد رُئي في عام المجاعة أنّ القطع ليس من العدل، إذ سرق الناس من الجوع. فيقودنا تحقيق المناط إلى أنّ مناط القطع، أي السرقة في حال الكفاية، لم يتحقّق زمن المجاعة؛ فتغيّرت العلّة، فأُوقف الحكم.

ويقرّر ابن بيّه أنّ تحقيق المناط هو ما جعل اجتهادات السلف ملائمةً لزمانهم، وهو ما سيجعل الاجتهادات الجديدة ملائمةً لزماننا إن أُحسن (مجلة كلام). وينتقد بشدّة من يأبى هذا المفهوم ويُصرّ على إمضاء النصوص على عواهنها دون اعتبارٍ لتغيّر السياق؛ فذلك عنده خروجٌ عن منهج السلف أنفسهم. فقد كان العلماء الأوائل شديدي الالتفات إلى تغيّر الأزمنة واختلاف الأحوال، ومن القواعد المشهورة: «لا يُنكَر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمنة والأمكنة». والمراد بالتغيّر هنا لا أصول الدين ولا القطعيات، بل الفروع الاجتهادية والسياسات المجتمعية.

ومن الأمثلة المعاصرة مسألة فوائد المصارف؛ فقد نظر العلماء المعاصرون في الظاهرة المصرفية نظرَ تحقيقٍ للمناط: أتتحقّق علّة الربا، من استغلالٍ وظلم، في كلّ معاملةٍ مصرفية؟ وكيف يُصنع إذا صار النظام الاقتصادي العالمي على نحوٍ يعسر فيه العيش بلا فائدة؟ وقد أثمر النقاش الطويل فتاوى مفصّلة، كإجازة الودائع بنسبةٍ من الربح على أساس المشاركة لاختلاف علّتها عن الربا التقليدي، أو الترخيص للأقليات المسلمة في الانتفاع بالمصارف التقليدية عند الضرورة؛ بل ذهب بعضهم إلى أنّ ليس كلّ فائدةٍ ربًا إذا لم تتحقّق فيها علّة التحريم. وفي ذلك كلّه يعمل تحقيق المناط: ما علّة الربا؟ أهي الفائدة الثابتة أم الاستغلال؟ وهل كلّ فائدةٍ ربا؟ والسؤال نفسه هو جوهر المنهج، وإن اختلفت أجوبة المجتهدين.

ويشير ابن بيّه كذلك إلى العرف في تحقيق المناط؛ فالنصّ ينهى عن التبذير، لكنّ حدّ التبذير نسبيٌّ يتبع أعراف الناس، فقد يُعدّ إنفاقٌ ما سرفًا في مجتمعٍ ومألوفًا في آخر، فيلزم المجتهدَ أن يجعل عرف البلد جزءًا من السياق. وقاعدة «العادة محكَّمة» من القواعد المتّسقة مع روح تحقيق المناط.

وجوهر الأمر أنّ تحقيق المناط يقتضي من العلماء فهم الواقع فهمًا عميقًا علميًّا؛ ولذلك يدعو ابن بيّه إلى تعاونٍ بين التخصّصات: فالعالِم يحتاج إلى بصيرةٍ بعلوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة كي يحلّل الأحوال تحليلًا دقيقًا، وإلا جاءت فتواه صحيحةً في نصّها، متعذّرةً في تطبيقها أو جالبةً للضرر. وهنا يؤدّي فقه الواقع دوره الحقيقي: أن تتنزّل الشريعة على كلّ سياقٍ مع الثبات على العلل والمقاصد.

2. مقاصد الشريعة إطارًا للنظر

وتكمّل مقاصد الشريعة تحقيقَ المناط في منهج ابن بيّه؛ فهو يجعلها بوصلةً أخلاقية يُعرف بها أيوافق الحكمُ روحَ الإسلام أم لا. والمقاصد العليا للشريعة معروفةٌ بحفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويضيف بعض المعاصرين العِرض والبيئة؛ وكلّ حكمٍ شرعي إنما شُرع لحفظ هذه الأصول.

ويرجع ابن بيّه في كتابه كثيرًا إلى المقاصد، ولا سيما جلب المصالح ودرء المفاسد، ويلحّ على أنّ «غاية التشريع وحكمة الأحكام» ينبغي أن تُستحضر دومًا في الفتوى؛ وهو موافقٌ للمقرّر في الأصول من أنّ الحكم يدور مع علّته ومصلحته، فإذا تغيّرت المصلحة المعتبرة شرعًا جاز أن تتغيّر مقاربة الحكم ما لم يخرج عن الأصل.

ويظهر إعمال المقاصد في فقه الواقع خاصةً في القضايا المركّبة التي يبدو أصل حكمها في النصّ شديدًا، فإذا نُظر في المقاصد أمكن الأخذ بالرخصة. ومن أمثلة ذلك العلاقة بين أتباع الأديان في العصر الحديث: ففي النصوص نهيٌ عن موالاة غير المسلمين المحاربين للإسلام، لكنّ مقصد الشريعة حفظ الدعوة والسلم؛ ولذلك يميل ابن بيّه إلى التعاون مع غير المسلمين في الخير، تحقيقًا لمقصد الأخوّة الإنسانية. ويتجلّى ذلك في قوله إنّ فرص العدل في النموّ إنما تكون حين يكون السلام لا الحرب (بينجانغ شريعة)؛ وهو قولٌ مبنيّ على وعيٍ مقاصدي: فالسلم الشرط الأوّل لتحقّق غايات الشريعة من عدلٍ وعمران. ولذلك جاءت فتاواه ومبادراته شديدة الانحياز إلى السلم العالمي، كمبادرته «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» سنة 2014، الذي جمع مئات العلماء لدرء النزاعات بين المسلمين. فهو يرى حفظ النفوس، ووحدة الأمّة بوصفها من حفظ الدين في معناه الجماعي، أولى من إذكاء نار الحرب التي يستثمرها الخصوم؛ وذلك إعمالٌ للمقاصد في سياق السياسة الدولية.

ومن الأمثلة في المعاملات الحديثة التأمين التجاري؛ ففيه في ظاهر النصّ غررٌ نهى عنه الحديث، لكنّ مقصده حماية النفس والمال، وهو موافقٌ لمقصدي حفظ النفس والمال؛ ولذلك سعى كثيرٌ من العلماء المعاصرين، ومنهم ابن بيّه، إلى صيغٍ تجعله مشروعًا، كالتأمين التعاوني، بدل التحريم المطلق الذي قد يسدّ بابًا عظيمًا من المصلحة.

ويضرب ابن بيّه في «تنبيه المراجع» أمثلةً على مستوى الأفراد أيضًا: فإذا أفضى العمل بدليلٍ إلى انتهاكٍ لمقصدٍ أعظم، وجبت مراجعة الحكم. ويستحضر القول المأثور عن ابن تيمية: «ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشرّ، إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشرّ الشرّين». وهذه القاعدة ترشدنا إلى أن يرجع كلّ قرارٍ إلى سلّم الأولويات المقاصدية.

ومن تطبيقات المقاصد في فقه الحكم: أنّ أحكام البغاة في الفقه قد تكون حاسمة، تبيح قتالهم؛ لكنّ مقصد حقن الدماء قد يدفع وليّ الأمر إلى التفاوض قبل القتال، وإن كان في النصوص الأمرُ بقتال الباغين. وليس هذا إهمالًا للنصّ، بل عملٌ بنصوصٍ أخرى في الإصلاح، تحقيقًا لمقصدٍ أعظم.

وبفهم المقاصد يستطيع العلماء أيضًا استنباط أحكام النوازل التي لم يرد فيها نصّ، كتنظيم الجرائم السيبرانية، وحماية البيانات الشخصية، وصيانة البيئة؛ فكلّها تُستخرج أحكامها بالرجوع إلى المقاصد، لتعلّقها بحفظ النفس والمال والعرض. وقد كان ابن بيّه نفسه من أنشط المشتغلين بفقه الأقليات الذي يفتقر أشدّ الافتقار إلى المقاربة المقاصدية لمعالجة أحوال المسلمين في البلاد غير المسلمة. وفي كتابه «صناعة الفتوى» يرجع كثيرًا إلى المقاصد مرشدًا لمرونة الفتوى في حقّ الأقليات، كتهنئة غير المسلمين بأعيادهم حفظًا للوئام، إذ أجازها على وجه المجاملة، لأنّ مقصدها توثيق الأخوّة ما لم تمسّ العقيدة.

وخلاصة القول إنّ مقاصد الشريعة في نظر ابن بيّه ليست أمرًا منفصلًا عن الأدلّة، بل هي الروح التي تسري في النصّ. وقد أكّد مرارًا أنّ الشريعة إنما نزلت لجلب المصالح ودرء المفاسد (مسلم فيليج)؛ فإذا أفضى تأويلٌ إلى فسادٍ عظيم ومناقضةٍ ظاهرة لأصل الرحمة، فلا بدّ أنّ في التأويل خللًا. وبفقه المقاصد يتّقي المفتي الفتاوى الشاذّة المهلكة؛ ففتوى إباحة العمليات الانتحارية باسم الجهاد مخالفةٌ صريحة للمقاصد، إذ قتل النفس وقتل المدنيين الأبرياء مناقضٌ لحفظ النفوس. ولهذا ثابر ابن بيّه وعلماء الاعتدال على نقض كلّ شرعيةٍ للإرهاب، مبيّنين أنّ الأدلّة الشرعية لا تسنده، وأنه في ميزان المقاصد هدمٌ للإسلام من داخله.

وهكذا يكون تحقيق المناط ومقاصد الشريعة وجهين لعملةٍ واحدة في منهج ابن بيّه: أحدهما يضمن موافقة الحكم للسياق في واقعيته، والآخر يضمن موافقته للغاية في بعدها الأخلاقي والروحي؛ وبهما معًا يصير فقه الواقع الذي دعا إليه أساسًا متينًا لاجتهادٍ رشيدٍ في العصر الحديث.

رابعًا: قضية التكفير في تفسير سورة المائدة عند ابن بيّه

من أبرز تطبيقات هذا المنهج تصدّيه للأدلّة التي كثيرًا ما حرّفها الغلاة لتسويغ التكفير، أي الحكم بالكفر على مسلمين آخرين. وأشهر ما في هذا الباب قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [44]، و﴿…فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [45]، و﴿…فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [47]. وتبدو الآيات في بادئ الرأي شديدة الوقع، تصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق.

وقد اتّخذت الجماعات التكفيرية، كالخوارج قديمًا وبعض الحركات المتطرّفة حديثًا، الآية الرابعة والأربعين خاصةً أساسًا لشعارها: أنّ كلّ مسلمٍ لا يطبّق الشريعة تطبيقًا رسميًّا كافرٌ خارجٌ من الملّة. فكفّروا الحكومات المسلمة التي لا تحكم بالإسلام كاملًا، وكفّروا القضاة الذين يقضون بالقوانين الوضعية الحديثة، بل كفّروا المجتمعات التي ارتضت تلك الأنظمة؛ ثم ذهبوا أبعد فاستحلّوا الدماء والأموال، وحسبوا أنفسهم مجاهدين في قتال «الطواغيت». وهذه هي الأيديولوجيا التي تغذّي الإرهاب المتلبّس بشعار «إقامة حكم الله».

وابن بيّه، بوصفه عالمًا وسطيًّا، يرفض هذا الفهم رفضًا قاطعًا، ويعالج المسألة في «تنبيه المراجع» بحذرٍ بالغ. فهو يبدأ بدعوتنا إلى النظر في سياق الشريعة وإجماع العلماء في حكم مرتكب الكبيرة؛ فقد أجمع أهل السنّة والجماعة منذ عهد الصحابة على أنه «لا يُكفَّر أحدٌ من أهل القبلة بذنب»، ما دام مقرًّا بوجوب ما شرعه الله (أصحاب الحديث). فعقيدة أهل السنّة وسطٌ بين الخوارج الذين كفّروا بالكبيرة، والمرجئة الذين هوّنوا الذنب مهما عظم في شأن الإيمان؛ فمرتكب الكبيرة عندهم فاسقٌ، لكنه مسلم ما لم يكن ذنبه كفرًا صريحًا في الاعتقاد.

ثم يورد ابن بيّه، في خصوص آية المائدة، تفسير الصحابيّ الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، إذ قال في الردّ على فهم الخوارج: «إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه»، وإنما هو «كفرٌ دون كفر». وفي روايةٍ أخرى أنه كفر نعمة، أي جحودٌ لنعمة الله المتمثّلة في شريعته، وهو كبيرةٌ لا تُخرج من الإيمان. ويتّخذ ابن بيّه هذا التفسير أصلًا متينًا في أنّ المسلم الذي لا يحكم بما أنزل الله، فسقًا أو اتّباعًا للهوى، لا يصير مرتدًّا إلا إذا جحد وجوب حكم الله. فالفارق في موقف القلب من الحكم: فإن ترك حكم الله كسلًا أو خوفًا أو فسادًا، فتلك كبيرة، وهو فاسقٌ ظالم، لكنه ما دام لا يستحلّ فعله محكومٌ بإسلامه (أصحاب الحديث). أمّا إن تركه معتقدًا أنّ حكم الله قبيحٌ أو غير لائق، فذلك الكفر الأكبر. وهذا فارقٌ بالغ الأهمية كثيرًا ما يُغفله التكفيريون.

ويبيّن ابن بيّه كذلك أنّ الآية نزلت ابتداءً في أهل الكتاب، في يهود المدينة الذين كتموا بعض ما في التوراة وحكموا بغير ما أنزل الله (أصحاب الحديث). ويشهد لذلك ما في صحيح مسلم من سبب نزولها: إذ أتى نفرٌ من اليهود النبيَّ ﷺ في قضية زنًا وقعت من بعض أشرافهم، يرجون منه حكمًا مخفّفًا، فحكم بالرجم كما في التوراة، فاعترضوا، فطلب ﷺ التوراة، ونزلت الآيات في أنّ من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون. فالسياق الأصلي تقريعٌ لأحبار يهود الذين حرّفوا كتابهم. ومع ذلك وسّع علماؤنا دلالتها تحذيرًا عامًّا للمسلمين أيضًا، غير أنّ هذا التوسيع يستلزم الحذر، كي لا يتجاوز مقصود الشرع.

وخلاصة التفسير الوسطي، تفسير أهل السنّة، لهذه الآيات أنّ ألفاظ الكفر والظلم والفسق في الآيات 44–47 ليست ثلاثة أوصافٍ منفصلة لثلاث طوائف مختلفة، بل ثلاث صفاتٍ قد تجتمع في فعلٍ واحد: فترك الحكم بما أنزل الله في القضاء كفرٌ أصغر لا كفر اعتقاد، وهو في الوقت نفسه ظلمٌ وفسق (أصحاب الحديث). فهو كفرٌ لأنه جحودٌ عملي، إذ ترك أمانة الحكم بما أنزل الله تركٌ لشكر شريعته؛ وظلمٌ لأنه عدوانٌ على حقوق الناس بغير حكم الله؛ وفسقٌ لأنه كبيرة. فليس المعنى أنّ تارك الحكم كافرٌ، فإن لم يكن كافرًا فظالمٌ أو فاسق؛ بل التفسير الصحيح يجمع الآيات الثلاث صفاتٍ متضامّة.

ويدرك ابن بيّه أنّ العامّة يعسر عليهم فهم دقيقة «الكفر الأصغر» و«الكفر الأكبر» دون إرشاد العلماء؛ ولذلك يحذّر مرارًا من خطر الحرفية، ويرى أنّ خطر التكفير في إطلاق المصطلحات بغير علم، ويدعو الدعاة إلى أن يبيّنوا للناس أنّ ليس كلّ لفظ كفرٍ في النصوص يعني الخروج من الإسلام (مركز سلف: الإعلام بخطورة تكفير أئمّة الإسلام). فكثيرٌ من الأحاديث يرد فيها لفظ الكفر على وجه التغليظ، كقوله ﷺ: «سِبابُ المسلم فسوق، وقتاله كفر» [متفق عليه]، والمراد كبيرةٌ يُتوعَّد صاحبها لا الردّة؛ وكحديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، وليس معناه أنهما كافران، بل إنهما أتيا ذنبًا عظيمًا يشبه فعل الكفّار. وقد تأوّل علماء السلف أمثال هذه الألفاظ كي لا يسيء العامّة فهمها.

ويبيّن ابن بيّه بالنظر المقاصدي الآثار المدمّرة لأيديولوجيا التكفير: فهي تمزّق الأمّة، وتزهق الأرواح البريئة، وتُضعف الإسلام في نهاية المطاف (مسلم فيليج)؛ بل إنّ التكفيرية «سرطانٌ» في جسد الأمّة. فمن المحال أن يأمر الإسلام، وهو رحمةٌ للعالمين، بما يفضي إلى هذا الهدم الداخلي؛ فلا بدّ أنّ في فهم القوم خللًا، وأصله أنهم لم يسلكوا المنهج الصحيح في فهم النصّ: بتروا الآيات من سياقها، وأعرضوا عن شروح العلماء، وأبوا أن يزنوا المصالح.

ويضرب ابن بيّه مثلًا لتصويب الانحراف في توظيف أدلّة التكفير بقصّة «فتوى ماردين». فهي فتوى قديمة لابن تيمية في بلدة ماردين التي كانت تحت حكم المغول وأهلها مسلمون، قرّر فيها أنها ليست دار إسلامٍ محضة ولا دار كفرٍ محضة، بل يُعامَل كلٌّ بما يستحقّه. غير أنّ النصّ في بعض الطبعات وقع فيه تصحيفٌ جعل كلمة «يُعامَل» «يُقاتَل» (مسلم فيليج)، فاتّخذته جماعاتٌ متطرّفة زمنًا طويلًا ذريعةً لقتال الحكومات المسلمة، ظنًّا أنّ ابن تيمية أمر بقتال من لا يحكم بالشريعة. فلمّا رُوجعت المخطوطة الأصلية لم يكن فيها «يُقاتَل»، بل «يُعامَل». ففي تصويب حرفٍ واحد تصويبٌ لدماءٍ أُريقت باسم قراءةٍ خاطئة. والعبرة جليّة: الخطأ اليسير في فهم النصّ قد يثمر فسادًا عظيمًا، فالدقّة المنهجية ليست ترفًا، بل هي صمّام أمان الأمّة.

وفي سياق إندونيسيا والبلاد المسلمة الحديثة، تهبّ رؤية ابن بيّه نسمةً منعشة على جهود مكافحة التطرّف: فإقامة الشريعة لا تعني فرض تقنين العقوبات الإسلامية فرضًا دون نظرٍ في الأحوال؛ والقاضي أو المسؤول المسلم العامل في نظامٍ قانوني حديث ليس كافرًا تلقائيًّا ما لم يرفض الشريعة من حيث المبدأ؛ ولا يجوز للعامّة أن يرموا الحكومات بالطاغوتية لمجرّد القانون الوضعي. والذي ينبغي أن يُشجَّع هو التدرّج في تنزيل قيم الإسلام عبر الأنظمة القائمة، مع الدعوة إلى إصلاح المجتمع. ذلك هو النهج الوسطي الذي يحمله ابن بيّه ومن سار في دربه من العلماء. ولا عجب أن يكون في طليعة من ردّوا فتاوى «داعش» وأمثالها (بينجانغ شريعة)، مبيّنًا بالقرآن والسنّة وأقوال السلف أنّ أعمالها الإرهابية مخالفةٌ للشريعة، ومصحّحًا مفهوم الجهاد: فليس الجهاد حمل السلاح فحسب، بل أعظمه مجاهدة النفس وبناء عمران الإنسان في طاعة الله. وهو خطابٌ مستمدٌّ من المصادر التراثية، مقدَّمٌ في سياقٍ حديث، كي لا يقع الشباب في شَرَك الدعاية التبسيطية للجماعات المتطرّفة.

وهكذا يجسّد تحليل ابن بيّه لقضية التكفير في سورة المائدة كيف يعمل فقه الواقع: يبدأ من الدليل القويّ (تفسير ابن عباس وغيره)، ويراعي السياق التاريخي للآية، ويميّز المصطلحات بدقّة، ويزن عواقب تنزيل الحكم (مفسدة التكفير). فيخرج بفهمٍ عادل لا يميل إلى طرفٍ: لا يهوّن من خطر ترك الحكم بما أنزل الله، ولا يجعل الآية سيفًا مسلطًا على رقاب أهل الذنوب. وذلك هو التوسّط الذي هو سمة أهل السنّة والجماعة.

خامسًا: فقه الواقع أساسًا للوسطية الإسلامية واستجابةً لتحدّيات العالم

وبعد عرض المنهج وتطبيقاته، نلتفت في هذا القسم الأخير إلى الآثار الواسعة لفقه الواقع عند ابن بيّه في حياة المسلمين اليوم. فهو، في جملته، أساسٌ للوسطية، وإطارٌ للاستجابة لتحدّيات الحضارة الحديثة من نزاعاتٍ وتعدّديةٍ وتقدّمٍ علمي وعولمة.

1. فقه الواقع والوسطية الإسلامية

الوسطية الإسلامية نموذجٌ متوازن في التديّن: لا ينحرف إلى ليبراليةٍ علمانية تترك أصول الدين، ولا إلى تعصّبٍ متشدّد يأبى الجديد ويقسو على المخالف. وقد عُرف ابن بيّه رائدًا من روّاد الوسطية والسلم (بينجانغ شريعة)، وفقه الواقع الذي يدعو إليه وثيق الصلة بهذه الوسطية؛ لأنّ الوسطية تقتضي فهمًا للدين سياقيًّا متسامحًا حكيمًا، وتلك كلّها ثمرات فقه الواقع حين يُحسَن.

فأوّلًا، يقي فقه الواقع من الجمود الحرفي في التديّن؛ فمن فهم الواقع لم يفرض التفسير الحرفي إذا لم تكن الحال مناسبة، بل يبحث عن حلٍّ شرعيٍّ أوفق بالسياق. وفي ذلك بُعدٌ عن تطرّف «التجريد» الحرفي. فبغير فقه الواقع قد يصرّ امرؤٌ على معاملة غير المسلمين دائمًا معاملة الحربيين استنادًا إلى نصوصٍ تراثية؛ أمّا بفقه الواقع فيدرك أنّ في العالم الحديث الدولة الوطنية، والمعاهدات الدولية، وحقوق المواطنة، فتُلاءَم أحكام العلاقة بغير المسلمين لتكون سلمًا ما سالموا. وهذا موقفٌ وسطيٌّ يحترم الإنسانية، موافقٌ لروح ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

وثانيًا، يقي فقه الواقع من التحلّل المتعجّل في هدم الأحكام؛ فمنهج ابن بيّه راسخٌ في الأدلّة الصحيحة والمقاصد الشرعية، فتأتي الملاءمة في إطارٍ منضبط، بعيدًا عن الطرف الآخر الذي يُعرض عن الشريعة بذريعة السياق. ففهم السياق لا يعني ردّ أحكام المواريث أو الحدود بدعوى انقضاء صلاحيتها، بل البحث عن كيفية إعمال القطعيات بحكمةٍ في عصرنا دون فتنة: فقد يكون ذلك بإرجاءٍ لا يُنكر الحكم في أصله، أو ببديلٍ تعزيري يقارب مقاصده حين يتعذّر التطبيق الحرفي. وهذا يختلف عن غلوّ المتحلّلين القائلين إنّ حدّ السرقة لم يعد صالحًا فليُلغَ؛ فذلك خروجٌ عن المنهج، بينما يقول فقه الواقع: حدّ السرقة من الشريعة، وتُحفظ صلاحيته بإعمال وظيفته الزجرية وتشديد شروطه حتى لا يقع إلا حيث تقوم الحاجة الحقيقية إليه. فذلك هو التوازن.

ويرى ابن بيّه أنّ الوسطية في المذهب والوسطية في الفتوى من أسباب درء الفرقة (مجلة الحقوق الإسلامية)؛ فهو لا يوافق النزعة اللامذهبية التي كثيرًا ما تسم الحرفيين، بل يرى المذاهب الفقهية ثروةً غنية تُستمدّ منها الحلول الموافقة للسياق. ففقه الواقع يتيح الأخذ برخص المذاهب الأخرى عند الحاجة، على وجهٍ علمي، فلا تخلو الشريعة من حلٍّ دون خرقٍ للإجماع؛ ففي بلاد الأقليات قد تأخذ الفتوى بقولٍ مرجوحٍ أيسر إذا كان له مستند، تحقيقًا للمصلحة، وذلك من الوسطية.

وبوصفه رائدًا للسلم، يقدّم ابن بيّه بفقه الواقع «فقه السلم» جزءًا من الوسطية، ويقرّر أنه لا عذر للعلماء والقادة في التقاعس عن إطفاء نار النزاعات حقنًا للدماء (بينجانغ شريعة). فهو يريد أن يوازن فقهَ الحرب والجهاد الذي غلب على خطاب الجماعات المتشدّدة بفقهٍ للسلم مستمدٍّ من قيم الإسلام في الصلح والعفو والتعايش؛ وكلّها من الكتاب والسنّة، لكنها تحتاج إلى فقه الواقع لتقديمها في عالمٍ صار فيه «السلم هو الأصل والحرب استثناء» (مسلم فيليج). فالوسطية تقتضي تقديم الرحمة على العنف، كما في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهو موافقٌ لأصل ابن بيّه في أنّ الإسلام دين الرحمة.

وفي الداخل، يعين فقه الواقع على الوسطية في مسائل الخلاف؛ فمن فهم الواقع الاجتماعي تجنّب تأجيج الخلاف في الفروع السائغة، وعرف ما هو أولى بالأمّة. ففي مجتمعٍ متعدّد يلزم التسامح، ولا يجوز فرض رأيٍ فقهيٍّ واحد؛ أمّا من لا بصيرة له بالسياق فقد يجادل في الصغائر على المنابر حتى يفرّق الجماعة.

وفي المآل، يولّد فقه الواقع روح المرونة في التديّن دون تفريطٍ في المبادئ، وتلك المرونة مفتاح الوسطية. وكثيرًا ما يستشهد ابن بيّه بقوله ﷺ: «إنّ الدين يسر»، وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛ فبفهم السياق يستطيع العلماء أن يفتوا بما ييسّر على الناس في حدود الشرع. ومن الأمثلة اليسيرة فتوى جواز الجمع بين الصلوات لبعض العاملين في بلادٍ غير مسلمة إذا تعذّر عليهم أداء كلّ صلاةٍ في وقتها لظروف العمل، فهي فقهٌ واقعيٌّ وسطيّ يقيهم طرفين: ترك الصلاة، أو فقد العمل.

ويتّضح من ذلك أنّ فقه الواقع ركيزةٌ منهجية للوسطية الإسلامية، بل لعلّ الدعوة إلى الوسطية تفقد سندها الشرعي بغير فقهٍ يقظٍ بالواقع. وقد أثبت ابن بيّه أنّ الوسطية ليست شعارًا يُرفع، بل ثمرة اجتهاد علماء عمُق علمهم واتّسع نظرهم.

2. فقه الواقع في مواجهة تحدّيات العالم

تواجه الأمّة اليوم تحدّياتٍ عالمية شتّى: نزاعاتٍ ممتدّة في بعض الأقاليم، وإرهابًا، وإسلاموفوبيا، وفقرًا وتفاوتًا اقتصاديًّا، وتراجعًا أخلاقيًّا، وقضايا بيئية. ويقدّم فكر ابن بيّه إطار فقه الواقع للاستجابة لها جميعًا استجابةً مبادِرة.

فمن ذلك درء النزاعات والإرهاب؛ إذ يوقن ابن بيّه أنّ العنف لا يحلّ مشكلات الأمّة بل يزيدها (مسلم فيليج)، ولذلك بادر إلى الحوار السلمي، كمؤتمر ماردين سنة 2010 الذي أثمر «إعلان ماردين»، ومنتدى تعزيز السلم في أبوظبي منذ 2014. ويتجلّى فقه الواقع هنا في قدرته على قراءة خريطة العالم المتبدّلة: فالتقسيم التراثي إلى دار الحرب ودار الإسلام لم يعد يصحّ تطبيقه تبسيطًا (مسلم فيليج)؛ إذ ينتظم العالم اليوم في نظام الدول الوطنية والقانون الدولي، والحرب فيه ليست الأصل. ولذلك لا يرى الدعوة إلى جهادٍ مسلّحٍ عالمي ملائمةً إلا في حالة احتلالٍ حقيقي، ويدعو إلى قراءةٍ جديدة لعقيدة الجهاد وللعلاقات بين الدول توافق أحوال العصر، كقبول الدولة الوطنية والأمم المتحدة إطارًا للإصلاح، لا «طاغوتًا عالميًّا». فجاءت فتاواه في السياسة الدولية أكثر واقعيةً وسلمًا.

وفي مواجهة الإسلاموفوبيا وسوء التفاهم مع الغرب، يوظّف ابن بيّه فقه الواقع أيضًا؛ فهو حاضرٌ في المنتديات العالمية، كالمنتدى الاقتصادي العالمي (المنتدى الاقتصادي العالمي)، يشرح حقيقة الموقف الإسلامي، ويفهم مخاوف الغرب، ويجيب عنها بخطابٍ مقاصدي: الإسلام يصون النفس ويحرّم التطرّف. ويؤكّد فقه الأقليات كي يندمج المسلمون في الغرب دون أن يفقدوا هويتهم، كفتوى جواز الالتزام بالقانون المحلي ما لم يأمر بمعصية، وفي ذلك تخفيفٌ للتوتر العالمي، وبيانٌ لتوافق الإسلام مع الحداثة السلمية.

ولم تغب قضايا الاقتصاد والعدالة العالمية؛ فبوصفه خبيرًا بالمقاصد، نبّه ابن بيّه إلى مشكلات الربا العالمي والفقر في إفريقيا ونحوها، ويعلّم فقه الواقع هنا مقاربةً حلّية: الدعوة إلى زكاةٍ دولية، وعدالةٍ في التجارة، ومعالجة ديون الدول الفقيرة. وفي هذا السياق يعبّر عن أنّ أزمات الاقتصاد العالمي تحتاج إلى حلولٍ أخلاقية، وأنّ مبادئ الإسلام في عدالة المعاملات تصلح أن تُقدَّم للعالم؛ ويؤيّد نموّ المالية الإسلامية بديلًا، مع تحذيره من أن تفقد روحها، فتكون منحازةً إلى الفقراء موافقةً للمقاصد، لا تبديلًا للأسماء وحسب.

وفي حقوق الإنسان، ينفع فقه الواقع في صياغة رؤيةٍ إسلامية حريصةٍ على الحقوق؛ فحقوق الأقليات غير المسلمة في البلاد المسلمة، في ضوء فقه السياق التاريخي والمعاصر، يؤيّد فيها ابن بيّه مفهوم المواطنة المتساوية التي تحمي غير المسلمين بلا تمييز ما داموا أوفياء للدولة، وهي قراءةٌ متجدّدة لمفهوم الذمّة التراثي. وقد توّج ذلك «إعلان مراكش» سنة 2016، الذي أكّد الحماية الكاملة للأقليات الدينية في البلاد المسلمة الحديثة استنادًا إلى «صحيفة المدينة»، ووقّع عليه جمعٌ كبير من العلماء والمفكّرين. وهي خطوةٌ يقودها فقه الواقع للإجابة عن سؤال حقوق الإنسان عالميًّا مع الاستناد إلى السوابق الشرعية.

ومن التحدّيات تطوّر التقنية والعلوم: فالفقه المعاصر يواجه أسئلة الأخلاقيات الحيوية، كالاستنساخ وأطفال الأنابيب، والذكاء الاصطناعي ونحوها. ومبدأ فقه الواقع هنا حاسم: على العلماء أن يفهموا العلم أوّلًا، فهم الواقع، ثم يجترئوا على الفتوى. ويؤكّد ابن بيّه ضرورة التشاور مع أهل الاختصاص، أي التعاون بين العلماء والخبراء؛ وفي مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي الذي يرأسه، يُشرَك الخبراء في النقاش، كما في مسائل اللقاحات والأوبئة، فتخرج الفتوى أدقّ وأقبل لدى الناس. وتلك استجابةٌ لتحدّيات الصحة والبيئة في العالم.

وجملة القول إنّ فقه الواقع يجعل الشريعة «حاضرةً» في الحوار العالمي؛ فلا تبقى حبيسة برجٍ عاجيٍّ من النصوص، بل تنخرط في البحث عن حلول مشكلات الإنسانية. وكثيرًا ما يستشهد ابن بيّه بقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، أي أنّ على الإسلام أن يبادر بتقديم الرحمة للعالمين؛ وبالمنهج الصحيح يستطيع أن يجيب عن تحدّيات العصر دون أن يفقد هويّته. فالوسطية وفقه الواقع ليسا علامة ضعفٍ في الدين، بل مرآةٌ لمرونة شريعةٍ صادرةٍ عن العليم بكلّ زمان. ولقد أثبت الشيخ عبد الله بن بيّه أنّ العالم التقليدي الراسخ في علوم الكتب التراثية يستطيع أن يكون شديد الصلة بالقرن الحادي والعشرين حين يبعث روح أصول الفقه في فهم العالم الحديث؛ ولذلك لم يكن من المبالغة أن يصفه كاتبٌ مصري بأنه فقيهٌ مجدّدٌ يقود الفكر الإسلامي إلى الوسطية (ميمري). وإسهامه الأكبر في المنهج الذي يقدّمه، منهجٍ يجمع بين الوفاء للنصّ المقدّس والجرأة على مواجهة الواقع.

خاتمة

يقدّم كتاب «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع» للشيخ عبد الله بن بيّه منهجًا تجديديًّا في ميدان الفقه والفتوى المعاصرين. وقد رأينا أنه ينطلق من القلق على أزمة الفقه، الموسومة بجمودٍ حرفيٍّ من جهة وغلوٍّ متطرّف من جهةٍ أخرى، وهي أزمةٌ متجذّرة في العجز عن فهم النصّ فهمًا شاملًا سياقيًّا. وعلاجه العودة إلى منهج أصول الفقه الأصيل، مع تأكيدٍ جديد على فقه الواقع، أي الفهم العميق للواقع الحيّ بوصفه جزءًا لا يتجزّأ من الاجتهاد.

وأركان منهجه: التثبّت من صحّة الدليل ووضوح دلالته قبل جعله مستندًا للحكم؛ والتعامل مع النصّ على مستويين: الإيمان بتصديق الوحي، والعمل بتنزيلٍ يقتضي الفهم والحكمة؛ واجتياز دوائر الاجتهاد الثلاث: تفسير النصّ وتأويله، وتنزيل الدليل على الواقع، وتفعيل الحكم تفعيلًا ناجعًا؛ وإعمال القواعد الأصولية: الموازنة بين الجزئي والكلّي، وتقديم المصلحة ودرء المفسدة، والتمييز بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، والجمع بين ما ظاهره التعارض، وفهم المصطلح في سياقه الشرعي، والرجوع إلى أسباب النزول والورود. وكلّ ذلك يصبّ في تفسيرٍ للأحكام لا هو بالحرفية الضيّقة ولا بالتحلّل المنفلت، بل وسطٌ مرنٌ متمسّكٌ بمقاصد الشريعة.

ويتجلّى التطبيق العملي لهذا المنهج في معالجة ابن بيّه وعلماء الوسطية لقضايا العصر؛ فدراسة آية المائدة [44] في التكفير تُظهر أنّ المقاربة السياقية والرجوع إلى تفسير السلف، كتفسير ابن عباس، يمنعان توظيف الآية في تكفير المسلمين جزافًا. فرمي المسلم بالكفر ليس أمرًا هيّنًا، والأدلّة نفسها تعلّم الاحتياط، وتحمل لفظ الكفر في بعض النصوص على «الكفر الأصغر» لا الأكبر؛ وهذا التوازن هو ما يصون الأمّة من الفرقة وسفك الدماء.

وأوسع من ذلك، صار فقه الواقع أساسًا علميًّا للوسطية الإسلامية ولاستجابة الأمّة لتحدّيات العالم؛ ففي رؤية ابن بيّه تستطيع الشريعة أن تتكيّف لتجيب عن أسئلة العصر، من النزاعات والتطرّف، إلى العلاقات بين الأديان، إلى مشكلات الإنسانية الحديثة، إذا أعمل العلماء أدوات الأصول من قياسٍ ومقاصد مع مراعاة تغيّر السياق. فالمواطنة المتساوية، والسلم الدولي، وحقوق الإنسان، والعلوم الحديثة، يمكن أن تستوعبها أطر الشريعة باجتهادٍ يهتدي بالمقاصد والواقع، وفي ذلك تثبيتٌ لوجه الإسلام رحمةً للعالمين، ودفعٌ لدعاية من يراه جامدًا أو قاسيًا.

ليس الفقه أن تعرف النصّ فحسب، بل أن تعرف كيف يحيا النصّ بين الناس.

وختامًا، يردّد هذا الكتاب الرسالة الجوهرية للتراث الفقهي الإسلامي: أنّ الفقه ليس معرفة النصّ فحسب، بل فهم كيف يحيا النصّ بين الناس. فـ«تنبيه المراجع» يذكّر العلماء القدوة ألّا يغرقوا في دوّامة النصوص حتى ينسوا السياق، ولا ينجرفوا مع تيّار التغيّر حتى ينسوا النصّ؛ والطريق الوسط هو تأصيل فقه الواقع، أي إدخال فهم الواقع في صلب علم الفقه. وبه يُرجى أن ينشأ جيلٌ جديد من الفقهاء ذوي بصيرةٍ نافذة، وفقهٍ مرنٍ صحيح، فيبقى التراث الفقهي هاديًا للأمّة في عصرٍ دائم التبدّل دون أن يفقد وجهته الربانية، وتتحقّق الوسطية والتسامح والعدل المنشودة على أساسٍ منهجيٍّ متين. إنّ هذا الكتاب ليس مجرّد دراسةٍ لنصّ، بل بيانٌ فكري لتجديد الفقه نحو مستقبلٍ إسلاميٍّ أكثر سلمًا وصلةً بالحياة.

ملاحظة: الشواهد المنقولة عن «تنبيه المراجع» في هذه الدراسة مستندةٌ إلى الطبعة العربية، وما لم يُنقل بلفظه منها عُرض بمعناه.

المراجع والمصادر

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). فقهُ الواقع وتجديدُ الاجتهاد: قراءةٌ في منهج الشيخ عبد الله بن بيّه من خلال كتاب «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع». المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الفكر الإسلامي والإسلام في العالم الملايوي والجيوسياسة.

من المرصد

تحليلات أخرى