, , ,

الشرق الأوسط بعد انهيار النظام القديم: إيران وغزة ولبنان وسوريا واليمن والخليج وتنافس القوى الكبرى في 2026

المرصد الجاوي

غلاف دراسة: الشرق الأوسط بعد انهيار النظام القديم — المرصد الجاوي

بين أكتوبر 2023 ومايو 2026 انهارت الترتيبات التي حكمت الشرق الأوسط سبعة عقود: من هجوم السابع من أكتوبر وحرب غزة، إلى سقوط نظام الأسد، وحرب الأيام الاثني عشر، ثم عملية «الغضب الملحمي» التي قتلت المرشد الإيراني وأشعلت حريقًا إقليميًّا غير مسبوق. تقدّم هذه الدراسة قراءةً شاملة لعشرة ميادين يُعاد فيها تشكيل أمن المنطقة وجغرافيتها السياسية.

22 أكتوبر 2026 · دراسة جيوسياسية وأمنية · الشرق الأوسط (الوقائع حتى مايو 2026)

الملخّص

تحلّل هذه الدراسة الديناميات الأمنية والجيوسياسية الكبرى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط حتى مايو 2026، بعد انهيار المعمار الإقليمي القائم على الضمانات الأمنية الأمريكية لممالك الخليج، واحتواء إيران، وتجميد القضية الفلسطينية، واحتكار إسرائيل النووي. وتتناول تباعًا الأزمة الإيرانية والحرب والخلافة والملف النووي، ونزاع غزة والقضية الفلسطينية، ومعضلة لبنان وحزب الله، والانتقال السوري المتصدّع، وأزمة اليمن والبحر الأحمر، وديناميات الخليج والشرخ السعودي-الإماراتي، وتحوّل الدور الأمريكي، وتنافس الصين وروسيا وتركيا، ورهانات الطاقة والتجارة العالمية، ثم تقييمًا تركيبيًّا لآفاق النظام الإقليمي.

الأطروحة

لم يُفضِ انهيار النظام القديم إلى بنيةٍ بديلة واضحة، بل إلى مشهدٍ أمني متعدّد الأقطاب ومتشظٍّ تتغذّى أزماته بعضها من بعض؛ والأفق الواقعي في المدى القريب ليس الاستقرار، بل «عدم استقرارٍ مُدار» يُبقي الأزمات الحادة دون عتبة الانهيار الشامل.

المحاور: إيران؛ غزة والضفة الغربية؛ لبنان؛ سوريا؛ اليمن والبحر الأحمر؛ الخليج؛ الولايات المتحدة؛ الصين وروسيا وتركيا؛ الطاقة والتجارة؛ الخلاصة والأولويات.

مقدّمة: نهاية النظام القديم

على مدى الجزء الأكبر من سبعة عقود، قامت العمارة الجيوسياسية للشرق الأوسط على مجموعةٍ من الترتيبات المتينة وإن كانت شديدة الإزعاج: ضماناتٌ أمنية أمريكية لممالك الخليج مقابل تدفّقات نفطٍ مستقرة؛ واحتواء إيران عبر العقوبات والضغط المضادّ بالوكالة؛ وقضيةٌ فلسطينية مجمَّدة في حالةٍ من الإنكار المُدار؛ واحتكارٌ نووي إسرائيلي تحرسه سياسة الغموض الاستراتيجي. ولم تتآكل هذه الترتيبات فحسب، بل انهارت. فقد حملت الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 ومايو 2026 سلسلةً متلاحقة من الأحداث حطّمت تقريبًا كل افتراضٍ قام عليه النظام الإقليمي: الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023؛ وحرب غزة التي تلته؛ والاجتياح الإسرائيلي للبنان في أكتوبر 2024؛ وسقوط سوريا الأسد في ديسمبر 2024؛ وحرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025؛ ثم، وهو الأشدّ زلزلةً، إطلاق عملية «الغضب الملحمي» (Epic Fury) في 28 فبراير 2026، وهي الحملة الأمريكية-الإسرائيلية المنسّقة التي قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي وأطلقت حريقًا إقليميًّا بأبعادٍ تاريخية.

فالمنطقة التي تدخل عام 2026 ليست هي المنطقة التي دخلت عام 2024. فـ«محور المقاومة» بقيادة إيران، أي شبكة القوى الوكيلة الممتدة من حزب الله في لبنان إلى حماس في غزة والحوثيين في اليمن والفصائل في العراق، قد دُمّر أو أُضعف إضعافًا شديدًا بوصفه شبكةً استراتيجية متماسكة. غير أن ما حلّ محلّه ليس السلام، بل مشهدٌ أمني أكثر تشظّيًا وأقلّ قابليةً للتنبؤ، تحدّده حركات تمرّد بلا قيادة، وسلطة دولةٍ متنازَع عليها، وفراغُ قوةٍ يتسابق فاعلون عدّة لملئه. وصار الانتقال من الحرب التقليدية بين الدول إلى التنافس بالوكالة عالي المخاطر والاضطرابات الأهلية المدفوعة بالموارد هو النموذج الأمني السائد.

وما يجعل اللحظة الراهنة بالغة الأثر هو تزامن الأزمات. فالمحلّلون وصانعو السياسات معتادون على إدارة حريقٍ إقليمي كبير واحد في كل مرة، وقد بُنيت عمارة الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط على افتراض إمكان ترتيب الأزمات وإدارتها تباعًا. أما اليوم فلا رفاهية كهذه. فوقف إطلاق النار في غزة هشٌّ ومتنازَع عليه، ولبنان في حربٍ مشتعلة، والحكومة الانتقالية في سوريا تترنّح، والصراع في اليمن اكتسب أبعادًا جديدة، وإيران تفاوض تحت الإكراه وتعيد في الوقت نفسه بناء قدراتها العسكرية، ودول الخليج تتلقّى الضربات الإيرانية وهي تعيد معايرة عقائدها الأمنية على عجل. أما مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20 في المئة من النفط المتداول عالميًّا، فقد أُغلق على نحوٍ متقطّع، وهو فعلٌ لا سابقة له في العصر الحديث.

أما الولايات المتحدة، التي كانت لعقودٍ المرساة الأمنية التي لا غنى عنها في المنطقة، فقد تحوّلت من القيادة المؤسسية إلى ما يصفه المحلّلون بـ«الرشاقة الاستراتيجية»: وضعيةٌ أكثر صفقاتيةً وأقلّ قابليةً للتنبؤ، تركت الحلفاء القدامى في حيرة وشجّعت الخصوم. فقد أشعلت واشنطن الحرب الحالية مع إيران، لكن قدرتها أو رغبتها في إدارة عواقبها باتت موضع تساؤلٍ عميق. وأحدث انسحاب إدارة ترامب من أكثر من ستين منظمة دولية، وتبنّيها «دبلوماسية الزوارق الحربية»، وتقلّب إعلانها عن خطوطها الحمراء، فجوةَ مصداقيةٍ يستغلّها المنافسون بنشاط، ولا سيما الصين وروسيا.

وفي هذه البيئة الفوضوية، تبرز ترتيبات قوةٍ جديدة. فالسعودية تنتهج ما يصفه استراتيجيوها بـ«الاستقلالية الاستراتيجية الهجومية»، أي تأكيدًا استباقيًّا للسيادة يضع الرياض مركزًا اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا لنظامٍ شرق أوسطي متعدّد الأقطاب، لا عميلًا تابعًا لواشنطن. وفي المقابل، رسمت الإمارات مسارها الخاص، فعمّقت روابطها مع إسرائيل بينما تحافظ السعودية على مسافةٍ من التطبيع. ووضعت تركيا نفسها بين قلّةٍ من القوى الإقليمية القادرة على العمل في آنٍ واحد حليفًا في الناتو ووسيطًا إقليميًّا وفاعلًا أمنيًّا مستقلًّا. أما الصين، وإن تحرّكت بحذر، فتوسّع بثبات حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، والتكنولوجي على نحوٍ متزايد، في أرجاء المنطقة.

وكانت الكلفة الإنسانية لإعادة الترتيب هذه مذهلة. فقد أنتجت حرب غزة واحدةً من أشدّ الكوارث الإنسانية في الشرق الأوسط منذ الحرب الأهلية اللبنانية على الأقل. وعانى لبنان نزوحًا جماعيًّا لأكثر من مليون شخص، أي نحو عشرين في المئة من سكانه، بسبب استئناف الصراع بين إسرائيل وحزب الله. وامتدّت ارتدادات إغلاق مضيق هرمز عبر أسواق الطاقة العالمية، مهدّدةً اقتصاداتٍ من ألمانيا إلى اليابان وكوريا الجنوبية باضطراباتٍ بمستوى الركود. وعانت إيران نفسها صدمةً اقتصادية كارثية: إذ فقد نحو مليون إيراني وظائفهم بسبب الصراع، فيما كلّف قطع الإنترنت الاقتصادَ عشرات الملايين من الدولارات يوميًّا.

والأهمّ أن انهيار النظام القديم لم يُفرز بنيةً بديلة واضحة. فلا توجد منظمةٌ أمنية إقليمية تملك الشرعية أو القدرة على فرض النظام. وما تزال جامعة الدول العربية منقسمةً بين دولٍ أيّدت ضمنيًّا الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أو سكتت عنها، وأخرى أدانتها. ومجلس الأمن الدولي، المشلول بحقّ النقض المتعارض لروسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهةٍ أخرى، عاجزٌ عن تمرير قراراتٍ ملزمة بشأن أكثر أبعاد الحرب إلحاحًا. والوكالة الدولية للطاقة الذرية، الجهة المسؤولة عن مراقبة البرنامج النووي الإيراني، لم تتمكّن من استئناف التفتيش داخل البلاد منذ ضربات يونيو 2025، ما يترك المجتمع الدولي عاجزًا عن التحقّق من حجم الضرر الذي لحق بالبنية النووية الإيرانية.

وتتجاوز الرهانات الفلسفية لهذه اللحظة الأزمةَ الأمنية الآنية. فالسؤال عمّا إذا كان «النظام الدولي القائم على القواعد»، المنهَك أصلًا بالغزو الروسي لأوكرانيا وبحزم الصين في المحيطين الهندي والهادئ، قادرًا على الصمود أمام حربٍ إقليمية كبرى شُنّت دون تفويضٍ من مجلس الأمن، واغتيل فيها المرشد الأعلى لدولةٍ على عتبة القدرة النووية، ليس سؤالًا أكاديميًّا. فالسوابق التي تُرسى في الشرق الأوسط عام 2026 ستشكّل الطريقة التي تحسب بها الدول في أنحاء العالم كلفة امتلاك الردع النووي ومنافعه، والاصطفاف مع القوى الكبرى أو التحوّط منها، والانخراط في المؤسسات متعدّدة الأطراف أو الإحجام عنها.

ويقتضي فهم الشرق الأوسط الراهن التخلّي عن عدّة فئاتٍ من التحليل البائد. فإطار «عملية السلام» للقضية الفلسطينية، القائم على إمكان حلّ الدولتين بالتفاوض في المدى القريب، صار عمليًّا بلا موضوع بفعل الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية. وإطار «المحور في مواجهة المعتدلين»، الذي وضع إيران ووكلاءها في مواجهة الدول العربية الموالية لأمريكا، تعقّد بفعل واقعٍ صارت فيه دول الخليج «المعتدلة» نفسها هدفًا لهجومٍ إيراني متواصل بينما تسعى إلى تقييد نطاق الحرب. وافتراض أن القوة الأمريكية هي القوة المُثبِّتة في نهاية المطاف لا بدّ من مراجعته في ضوء دور واشنطن نفسها شريكًا في إشعال أكثر أحداث المنطقة زعزعةً للاستقرار مؤخرًا.

وتقدّم هذه الدراسة تحليلًا شاملًا، قسمًا قسمًا، للديناميات الأمنية والجيوسياسية الكبرى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط حتى مايو 2026. وتستند إلى أحدث التقارير والتصريحات الرسمية والتقييمات التحليلية لتقديم روايةٍ رصينة عن موقع المنطقة اليوم، وكيف وصلت إليه، وأين تقع أبرز خطوط الصدع وفرص التثبيت. ويمضي التحليل عبر عشرة ميادين موضوعية، من الأزمة النووية الإيرانية إلى التنافس بين القوى الخارجية، وينتهي بتقييمٍ تركيبي لآفاق النظام الإقليمي في السنوات المقبلة.

أولًا: الأزمة الإيرانية — الحرب والخلافة والفصل الأخير النووي

تُفهم الأزمة الإيرانية لعام 2026 على أفضل وجهٍ لا بوصفها انفجارًا مفاجئًا، بل تتويجًا لسلسلةٍ تصعيدية بدأت بهجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. فذلك الهجوم، الذي مكّنته إيران عبر عقودٍ من الاستثمار الاستراتيجي في محور المقاومة، أطلق سلسلةً من الأحداث كان منطقها النهائي يشير إلى مواجهةٍ إسرائيلية-إيرانية مباشرة. وكانت «حرب الأيام الاثني عشر» في يونيو 2025، التي ضربت فيها إسرائيل منشآت نووية وبنى عسكرية إيرانية في حملةٍ وُصفت على نطاقٍ واسع بأنها غير مسبوقة في نطاقها، نتاجًا لهذا المنطق. لكن حتى ذلك التصعيد الدراماتيكي لم يكفِ لردع أيٍّ من الطرفين. ففي 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية «الغضب الملحمي»، وهي حملةٌ منسّقة من نحو 900 غارة جوية نُفّذت في اثنتي عشرة ساعة، استهدفت المواقع النووية الإيرانية، والبنية التحتية للصواريخ الباليستية، والقيادة العسكرية، وكبار القادة. وفي الساعات الأولى من الصراع، قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي.

وأحدث اغتيال خامنئي، وهو أكثر أعمال العنف السياسي أثرًا في الشرق الأوسط منذ اغتيال أنور السادات عام 1981، موجاتٍ صادمة لم تقتصر على المنطقة بل امتدّت إلى النظام الدولي بأسره. وعيّنت إيران نجله مجتبى خامنئي خلفًا له، في خطوةٍ بدت مستوفيةً للمتطلبات الدستورية لكنها عمّقت التساؤلات حول شرعية القيادة الجديدة وتماسكها. وصرّحت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد في 18 مارس بأن مجتمع الاستخبارات الأمريكي يقيّم النظام الإيراني بأنه «سليم، لكنه متدهورٌ إلى حدٍّ كبير»، مشيرةً إلى أن التوترات الداخلية مرشّحة للتزايد مع تفاقم الوضع الاقتصادي. ولم يُترجَم بقاء النظام إلى تماسكٍ استراتيجي؛ إذ أقرّ وزير الخارجية ماركو روبيو أواخر أبريل بأن القيادة الإيرانية «منقسمة بعمق»، ما يعقّد المفاوضات.

وجاء الردّ الإيراني على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية واسعًا وبعيد الأثر. فقد أطلقت طهران صواريخ باليستية وطائراتٍ مسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي الست، مستهدفةً البنية التحتية المدنية والطاقوية والقواعد العسكرية الأمريكية. وتلقّت الإمارات أكبر عددٍ من الضربات الإيرانية بين جميع الدول، بما فيها إسرائيل. واعترضت السعودية ودمّرت عدّة صواريخ باليستية أُطلقت نحو الرياض، فيما أحدثت الهجمات على منطقتها الشرقية المنتجة للنفط اضطراباتٍ فورية في أسواق الطاقة. وضربت مسيّراتٌ إيرانية بنىً تحتية في الفجيرة وأشعلت النار في منشآتٍ نفطية. واستُهدفت أيضًا قاعدة العديد الجوية في قطر، أكبر منشآت سلاح الجو الأمريكي في الشرق الأوسط. وتعرّضت الكويت والبحرين لضرباتٍ قتلت جنودًا ومدنيين على السواء. وقد قيّم المركز العربي في واشنطن هذه الهجمات بأنها أخطر تهديدٍ للأمن المادي لدول المجلس منذ الاحتلال العراقي للكويت في 1990–1991.

وكان إغلاق مضيق هرمز الفعلَ الأشدّ أثرًا اقتصاديًّا في هذا الصراع. فقد تحرّكت إيران، ردًّا على الضربات، لفرض سيطرتها على المضيق الذي يمرّ عبره عادةً نحو 20 في المئة من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، أساسًا من منتجي الخليج إلى أسواق آسيا. وتوقّفت الحركة في المضيق إلى حدٍّ كبير منذ مطلع مارس. وفرضت الولايات المتحدة في الوقت نفسه حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية، فنشأ خناقٌ مزدوج على الملاحة في الخليج. وصرّح روبيو بوضوح بأن الولايات المتحدة لن تقبل نظامًا «يقرّر فيه الإيرانيون من يحقّ له استخدام ممرٍّ مائي دولي وكم عليك أن تدفع لهم لاستخدامه». وقامت وزيرة الخارجية الأسترالية بجولةٍ دبلوماسية إلى اليابان والصين وكوريا الجنوبية خصيصًا لمعالجة «أمن الطاقة المشترك» وسط الأزمة. وفي أبريل، أسقطت روسيا والصين بحقّ النقض مشروع قرارٍ في مجلس الأمن يطالب بإعادة فتح المضيق.

وكانت المفاوضات النووية الساحة الدبلوماسية المركزية في المرحلة الثانية من الصراع. فقد صاغت الولايات المتحدة إطارًا من خمس عشرة نقطة يتضمّن، من بين مطالب أخرى، أن تُنهي إيران استخدامها للوكلاء المسلّحين في المنطقة، وأن تسلّم المواد النووية المخصّبة، وأن تتخلّى نهائيًّا عن طموحاتها في السلاح النووي. وقدّمت إيران أواخر أبريل مقترحًا، بحسب مسؤولين أمريكيين، يؤجّل بحث البرنامج النووي إلى ما بعد انتهاء الحرب، وهي صيغةٌ وصفها ترامب بأنها غير مرضية. وقال روبيو: «تلك القضية الجوهرية ما يزال يتعيّن مواجهتها. إنها تظلّ القضية المركزية هنا». وما تزال الوكالة الدولية للطاقة الذرية عاجزةً عن استئناف التفتيش داخل إيران، ما يعني أن المجتمع الدولي لا يملك صورةً موثّقة عن حجم الضرر الذي لحق ببنية التخصيب، ولا عن كمية المواد الانشطارية التي ربما وُزّعت في أماكن متفرّقة.

ومسألة الصواريخ الباليستية بدورها بلا حلّ، وربما أخطر على المدى القريب. فقبل ضربات فبراير، كانت إيران تنتهج استراتيجية «الردع بالكثرة»: اقتناء معدّات جديدة لخلط الوقود الصلب، وتوسيع إنتاج الصواريخ الباليستية بهدفٍ صريح هو إغراق الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية والأمريكية في أيّ صراعٍ مقبل. وخلافًا للتقييمات المتفائلة المبكرة، نجحت طهران في الحصول على خلّاطاتٍ كوكبية للوقود الصلب من شركاء خارجيين حتى بعد ضربات يونيو 2025. ويعكس تركيز الحرس الثوري على إنتاج الصواريخ بوصفه رادعًا قادرًا على البقاء منطقًا استراتيجيًّا لن ينطفئ بسهولة حتى أمام أشمل الحملات العسكرية. وتمثّل قدرة إيران على إعادة البناء، المستندة إلى منشآتٍ متفرّقة وتقنياتٍ مزدوجة الاستخدام وشبكات توريدٍ خارجية، تحدّيًا انتشاريًّا طويل الأمد يتجاوز الصراع الحالي بكثير.

وحدّد ترامب مواعيد نهائية متتالية لاتفاقٍ تفاوضي، 21 مارس ثم 23 مارس ثم 7 أبريل، انقضى كلٌّ منها دون اتفاق، مع تهديدٍ بأن تهاجم الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة والجسور في إيران إن لم يُبرم الاتفاق. ونُفّذت هذه التهديدات جزئيًّا: إذ أفادت تقارير بضرب محطات كهرباء إيرانية، وأكّدت صور الأقمار الاصطناعية أضرارًا في مواقع ذات صلة بالبرنامج النووي، منها مصنعٌ للكعكة الصفراء. ويعكس نمط المواعيد الممدّدة والعمل العسكري الجزئي والمفاوضات غير الحاسمة الصعوبةَ الجوهرية للموقف الأمريكي: فواشنطن تريد استسلام إيران في الملف النووي، بينما تدير حربًا تجاوز تصعيدها الإقليمي الحدودَ التي تفضّلها.

ويضيف الوضع الداخلي الإيراني طبقةً أخرى من التعقيد. فقد شنّت الحكومة حملةً قاسية على المعارضة الداخلية منذ ضربات فبراير، مع اعتقالاتٍ جماعية بتهم التجسّس لصالح إسرائيل والارتباط بشبكات المعارضة في الخارج. وأعاق قطعٌ متواصل للإنترنت، كلّف الاقتصاد نحو 28 مليون جنيه إسترليني يوميًّا بحسب المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، التنسيقَ بين حركات الاحتجاج المحتملة. بل هدّدت الحكومة بمصادرة أصول الإيرانيين في الخارج الذين يعبّرون عن تأييدهم لإسرائيل أو الولايات المتحدة. وتوحي هذه الإجراءات بقيادةٍ محاصرة ومصمّمة في آن: إذ يبدو أن النظام حسب أن القمع الداخلي أفضل من المخاطر السياسية لتسويةٍ حقيقية مع واشنطن.

ومن المفارقة أن العواقب الإقليمية لإيران ضعيفة لكنها باقية قد تكون، من بعض الوجوه، أخطر من عواقب إيران قوية ومتماسكة. فقيادةٌ إيرانية منقسمة، تحت ضغطٍ اقتصادي هائل واضطرابٍ داخلي وتدهورٍ عسكري، قد تحسب أن التصعيد استراتيجية بقاءٍ أفضل من التهدئة. والحرس الثوري خصوصًا، المرتبطة مصالحه المؤسسية بالقوة العسكرية والإسقاط الخارجي، قادرٌ على التصرّف مستقلًّا عن أيّ مسارٍ دبلوماسي، سواء باستئناف العمليات بالوكالة، أو بهجماتٍ سيبرانية على البنية التحتية الخليجية، أو بمحاولة إعادة بناء القدرات النووية في مواقع متفرّقة أو محصّنة. وكما لاحظ محلّلو «سبيشال يوراسيا»، تضيق نافذة التهدئة الدبلوماسية مع كل شهرٍ يمرّ من إعادة البناء العسكري.

ويبقى السؤال الحاسم بلا جواب: هل سيُسمح لإيران بإعادة البناء نحو العتبة النووية، أم ستُفضي الحملة الحالية إلى توقّفٍ دائم؟ توحي تصريحات روبيو بأن واشنطن ترى نزع السلاح النووي شرطًا لا غنى عنه لأيّ تسوية، بينما يوحي تاريخ إيران التفاوضي بأنها ستسعى إلى أيّ اتفاقٍ يتيح لها الحفاظ على قدرةٍ نووية كامنة، ولو تحت قيودٍ شكلية. والهوّة بين الموقفين شاسعة، وما سيملؤها، سواء أكان إطارًا تفاوضيًّا، أم ضغطًا عسكريًّا متواصلًا، أم انهيار أحد طرفي التفاوض أو كليهما، سيحدّد المسار الأمني للشرق الأوسط في العقد المقبل.

وللمساعدة على استشراف الطوارئ الحرجة والتخطيط لها، لا بدّ من رسم سيناريوهاتٍ مستقبلية معقولة وتداعياتها السياساتية. ويمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات:

  1. تسويةٌ تفاوضية بقيودٍ جزئية: يُفضي الضغط الدولي المتواصل والمحادثات المطوّلة في النهاية إلى اتفاقٍ لا يبلغ نزع السلاح النووي الكامل، لكنه يفرض تحقّقًا صارمًا وسقوفًا مؤقتة على النشاط النووي الإيراني. تحتفظ إيران ببعض القدرة الكامنة، فيما تحصل الولايات المتحدة وحلفاؤها على حقوق تفتيشٍ معزّزة ورفعٍ تدريجي للعقوبات. التداعيات: يثبّت هذا السيناريو المنطقة في المدى القصير لكنه يترك شكوكًا معلّقة حول نوايا إيران بعيدة المدى، ويتطلّب يقظةً مستمرة ووضعية ردعٍ متينة من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
  2. جمودٌ عسكري ممتد: تفشل الجهود الدبلوماسية، ويلجأ الطرفان إلى ضرباتٍ متبادلة وعملياتٍ سرية. تواصل إيران إعادة بناء قدراتها تدريجيًّا، وتلجأ الولايات المتحدة وشركاؤها إلى ضرباتٍ متقطّعة أو ضغطٍ هجين، دون استعادة التوازن الإقليمي السابق، ويظلّ ممرّا هرمز والبحر الأحمر عرضةً للاضطراب الدوري. التداعيات: يسود عدم استقرارٍ مزمن، ويسرّع الفاعلون الإقليميون سلوك التحوّط، ويظلّ خطر سوء التقدير المفضي إلى صراعٍ أوسع مرتفعًا، ويُضطر المجتمع الدولي إلى إدارة الأزمات بردّ الفعل وبكلفةٍ عالية على الطاقة والتجارة العالميتين.
  3. أزمة نظامٍ وتصعيدٌ إقليمي: يُفضي الضغط الداخلي في إيران، المدفوع بالانهيار الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي، إلى فراغٍ في السلطة أو تغييرٍ فوضوي في القيادة، فتتصارع الفصائل على السيطرة، ويسرّع الحرس الثوري أو عناصر متشدّدة أخرى البرامج النووية وغير المتماثلة لفرض سلطتها. التداعيات: قد تطلق الفوضى الناتجة عنفًا واسعًا بالوكالة، وتفتح فرصًا للفاعلين المتطرّفين، وتزيد احتمال سباقات التسلّح الإقليمية، ما يستدعي تدخّلًا دوليًّا عاجلًا لمنع الانتشار النووي أو انهيار الدولة.

ويتطلّب كلّ سيناريو استجاباتٍ سياساتية مفصّلة على مقاسه: من الاستثمار في أدوات النفوذ الدبلوماسي وآليات ضبط التسلّح، إلى تعزيز أطر إدارة الأزمات، والاستعداد للطوارئ الإنسانية وجهود التثبيت متعدّدة الأطراف.

ثانيًا: نزاع غزة والقضية الفلسطينية

دخل نزاع غزة، الذي بدأ بالهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، عامه الثالث بحلول مايو 2026 بوصفه أزمةً أمنية نشطة وكارثةً إنسانية مستمرة. وقد مرّ مسار النزاع بمراحل متعدّدة: الهجوم البري الإسرائيلي الأول؛ وتآكل القدرة العسكرية لحماس؛ ووقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 بوساطةٍ وضغطٍ دبلوماسي متواصل من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا؛ وإنشاء إطارٍ للحكم أقرّه مجلس الأمن؛ ثم الانتهاك المزمن لهذا الإطار من أطرافٍ عدّة. وقد كُرّس وقف إطلاق النار بالقرار 2803 الذي اعتمده مجلس الأمن في نوفمبر 2025، وأقرّ «الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة»، وفوّض «مجلس سلامٍ» دوليًّا برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإشراف على الانتقال السياسي في القطاع. ورغم هذه البنية، ظلّ الوضع على الأرض شديد الهشاشة.

فمنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، أفادت التقارير بأن القوات الإسرائيلية ارتكبت أكثر من 730 انتهاكًا، منها غاراتٌ جوية وقصفٌ مدفعي وإطلاق نارٍ مباشر. وبحسب تحديث الأمم المتحدة في 27 مارس، قُتل 13 فلسطينيًّا بين 17 و25 مارس وحدها، فيما بلغ مجموع من قُتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار 689 فلسطينيًّا. وظلّ «الخط الأصفر» الذي رسمته القوات الإسرائيلية فاصلًا داخل غزة نقطةَ خلافٍ دائمة، يعمل بوصفه تقسيمًا فعليًّا للقطاع. ويطعن مراقبون دوليون في المبرّر الإسرائيلي المعلن لاستمرار الضربات، أي استهداف بقايا حماس وبنيتها، مشيرين إلى أن كثيرًا من الضحايا مدنيون.

ولعلّ فراغ الحكم في غزة هو أحدّ المشكلات البنيوية التي تواجه مستقبل القطاع. فالانتقال إلى سلطةٍ فلسطينية مُصلَحة، المتصوَّرة خلفًا نهائيًّا لحكم حماس، قد توقّف عمليًّا. وقد أرست المرحلة الأولى من الخطة الشاملة وقف إطلاق النار وأمّنت عودة آخر الرهائن، إذ أُعيد آخرهم إلى إسرائيل في 26 يناير 2026. أما المرحلة الثانية، أي تشكيل حكومةٍ تكنوقراطية مؤقتة ثم تسليم السيطرة لسلطةٍ مُصلَحة، فقد أعاقها مزيجٌ من المقاومة الإسرائيلية وعرقلة حماس والضعف المؤسسي للسلطة نفسها. وتسلّلت فصائل متبقية من حماس وعشائر محلية إلى فراغ الحكم، متنافسةً على السيطرة على توزيع المساعدات، فنشأت فعليًّا بنية سلطةٍ موازية تقوّض إعادة الإعمار.

وما يزال الوضع الإنساني في غزة كارثيًّا. فمعبر رفح، المعبر الوحيد الذي لا يحدّ إسرائيل، والمغلق منذ مايو 2024، أُعيد فتحه لفترةٍ وجيزة أمام المشاة في يناير 2026 بعد عودة آخر رهينة، ثم أُغلق مجدّدًا أواخر فبراير مع اشتعال الأعمال العدائية الإقليمية بانطلاق عملية «الغضب الملحمي»، فتوقّف دخول المساعدات الإنسانية كليًّا. وأثار التقييد المستمر للوصول الإنساني نداءاتٍ عاجلة من المنظمات الدولية، وأطلق الأمين العام للأمم المتحدة في مارس نداءً إنسانيًّا كبيرًا من لبنان الذي مزّقته الحرب، متناولًا في الوقت نفسه احتياجات غزة. وغياب مبادرةٍ واسعة لإعادة الإعمار ليس إخفاقًا إنسانيًّا فحسب، بل يهيّئ الظروف لما يصفه المحلّلون بـ«تمرّدٍ دائم» قد يتصاعد في أيّ لحظة إلى قتالٍ حضري عنيف.

أما الوضع في الضفة الغربية، الذي كثيرًا ما تحجبه أزمة غزة، فيتدهور على نحوٍ مستقل وبوتيرةٍ تُقلق المحلّلين الأمنيين الإقليميين. فقد ارتفع المتوسط الشهري للفلسطينيين المصابين في هجمات المستوطنين إلى 105 في 2026، مقارنةً بـ69 في 2025 و30 في 2024. وبلغ عدد الفلسطينيين المهجّرين بفعل عنف المستوطنين وقيود الوصول 1,697 شخصًا، متجاوزًا بالفعل مجموع عام 2025 كاملًا. وسرّعت سلسلةٌ من الإجراءات الحكومية الإسرائيلية النشاط الاستيطاني، وعمّقت السيطرة الإدارية الإسرائيلية، ويسّرت مصادرة الأراضي. ونشر مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان في مارس تقريره السنوي عن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، موثّقًا توسّعًا منهجيًّا يجعل القاعدة الإقليمية المتّصلة لدولةٍ فلسطينية مستقبلية أبعد احتمالًا على نحوٍ متزايد.

وتواجه السلطة الفلسطينية، المرشّحة نظريًّا لتكون بنية الحكم الخلف في غزة ومرساة أيّ دولةٍ فلسطينية مستقبلية، أزمةً عميقة في الشرعية والقدرة. فحماس ما تزال تحظى بشعبيةٍ واسعة في الضفة الغربية، ويعود ذلك إلى حدٍّ كبير إلى الإحباط الشعبي من غياب أيّ أفقٍ سياسي ذي مصداقية في ظلّ قيادة السلطة. ووصف المحلّلون جهود السلطة الإصلاحية بأنها «خطوات أطفال»، لا تكفي لاستعادة المصداقية المؤسسية والقدرة الأمنية اللازمتين لحكم غزة بعد الحرب. ومن دون شريكٍ فلسطيني ذي مصداقية في الحكم، تقوم طموحات المجتمع الدولي لانتقالٍ سياسي في غزة على أساسٍ غير موجود.

وقد حقّقت مبادرة ترامب للسلام، أي «الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة»، إنجازاتٍ حقيقية وإن محدودة: إطار وقف إطلاق النار، وإطلاق الرهائن، وإنشاء مجلس السلام. لكن طموحات الخطة الأعمق، أي نقل غزة في النهاية إلى سلطةٍ مُصلَحة وتهيئة الظروف لتطبيعٍ إسرائيلي-عربي أوسع، اصطدمت بعقباتٍ متعدّدة في آنٍ واحد. فأولوية ترامب المعلنة، نزع سلاح حماس، لم تُحوَّل إلى آليةٍ تنفيذية واضحة، وما يزال تسلسل نزع السلاح وإعادة الإعمار محلّ خلاف. وسجلّ إسرائيل في استغلال الغموض الدبلوماسي لمواصلة عملياتها العسكرية في غزة، ومقتضيات إدارة نتنياهو لائتلافه التي تتطلّب وضعيةً متشدّدة، شكّلا عائقًا بنيويًّا أمام تنفيذ المرحلة الثانية تنفيذًا ذا معنى.

وتبدو آفاق دولةٍ فلسطينية قابلة للحياة، طالما نوقشت ولم تتحقّق، أبعد منها في أيّ وقتٍ منذ اتفاقيات أوسلو. فسياسات التوسّع الاستيطاني الإسرائيلية، والتثبيت الديموغرافي في الضفة الغربية، ورفض السماح ببنية حكمٍ فلسطينية موحّدة تشمل غزة والضفة، تشكّل معًا مشروع ضمٍّ فعلي. ولم يُترجَم التنديد الدولي إلى ضغطٍ ذي معنى، ويعود ذلك جزئيًّا إلى أن الولايات المتحدة في عهد ترامب رفضت ربط علاقتها الأمنية بإسرائيل بالنشاط الاستيطاني أو بحكم الضفة الغربية. فالرافعة الوحيدة التي دفعت إسرائيل تاريخيًّا إلى المرونة، أي الضغط الأمريكي ذو المصداقية، غائبةٌ حاليًّا.

وما يزال الفاعلون الإقليميون منخرطين بعمق في مآلات غزة، وإن كان نفوذهم مقيّدًا. فقد أدّت تركيا ومصر وقطر دورًا محوريًّا في تأمين وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. ويظلّ استعداد السعودية للتطبيع مع إسرائيل، «الجائزة الكبرى» التي حدّدها نتنياهو وترامب مكافأةً لتسوية غزة، مشروطًا بتقدّمٍ ذي معنى نحو الدولة الفلسطينية، وهو ما لا تريد الحكومة الإسرائيلية الحالية تقديمه. فينشأ مأزقٌ استراتيجي: الحافز الدبلوماسي الأهمّ المتاح، أي التطبيع السعودي، هو بالضبط النتيجة التي تجعلها السياسات الإسرائيلية الحالية الأبعد منالًا. وهذه المفارقة سمةٌ للبيئة الأمنية الشرق أوسطية الأوسع: أهمّ الاتفاقات تمنعها بنيويًّا الأطراف الأكثر استفادةً منها.

واستشرافًا، لا تتضمّن السيناريوهات الأكثر واقعية لغزة نصرًا عسكريًّا إسرائيليًّا حاسمًا على ما تبقّى من حماس، ولا انتقالًا سياسيًّا حقيقيًّا إلى حكم السلطة في المدى القريب. فالمسار الأرجح حالةٌ مطوّلة من «الحسم المعلّق»، لا حرب ولا سلام، بل دورةٌ طاحنة من العمليات العسكرية الإسرائيلية الدورية، والمقاومة المتقطّعة من حماس، وإدارة الأزمة الإنسانية، وفراغ الحكم. وسيكون عدم الاستقرار الدائم هذا حاضنةً مستمرة للتطرّف الإقليمي، واستنزافًا لطاقة الدبلوماسية الدولية، ومصدرَ احتكاكٍ دائم بين إسرائيل وشركائها الإقليميين. وكلفة هذا الجمود، مقيسةً لا بأرواح الفلسطينيين وحدها بل باستقرار المنطقة وتماسك القانون الدولي، تُدفع يوميًّا، بينما تغيب الإرادة السياسية لإنهائه غيابًا لافتًا.

ولترجمة التحليل إلى توصياتٍ قابلة للتنفيذ، لا بدّ من حزمةٍ من التدخلات السياساتية المستندة إلى الأدلة يتبنّاها الفاعلون الإقليميون والدوليون للتخفيف من مخاطر هذا المأزق المطوّل:

  1. إنشاء بعثة رقابةٍ دولية متينة بتفويضٍ لتوثيق انتهاكات وقف إطلاق النار والتحقّق منها وتيسير الوصول الإنساني دون عوائق، تحت رعاية الأمم المتحدة أو تحالفٍ من فاعلين إقليميين موثوقين (كمصر وقطر وتركيا)، بهدف استعادة المصداقية الدولية لإطار وقف إطلاق النار وتقليص الأذى بالمدنيين.
  2. إنشاء آليةٍ مستدامة لإيصال المساعدات الإنسانية تفصل دخول السلع الأساسية عن المفاوضات السياسية، ربما عبر تعيين مبعوثٍ إنساني إقليمي رفيع المستوى بتفويضٍ من مجلس الأمن، استنادًا إلى سوابق مناطق نزاعٍ أخرى في ضمان استمرارية المساعدات.
  3. تحفيز خطواتٍ تدريجية نحو إصلاح الحكم الفلسطيني عبر تمويلٍ دولي مشروط لإعادة الإعمار، يُصرف على مراحل مرتبطة بمعالم محدّدة في بناء القدرات الإدارية والحدّ من الفساد ومساءلة قطاع الأمن في غزة والضفة الغربية.
  4. تشجيع الأطراف الإقليمية، ولا سيما مصر وقطر والسعودية، على تشكيل فريق عملٍ مشترك للتثبيت يركّز على الترتيبات الأمنية المحلية والتنمية الاقتصادية العابرة للحدود في جنوب غزة، بما يبني الثقة وييسّر خطوات تهدئةٍ عملية في غياب تسويةٍ شاملة.
  5. حثّ الشركاء الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على ربط الحوافز الدبلوماسية والاقتصادية لإسرائيل بضبط النفس في العمليات العسكرية والانخراط الجادّ في أفقٍ سياسي محدّد لتقرير المصير الفلسطيني.
  6. دعم مبادرات المجتمع المدني وشبكات الوساطة المحلية لمعالجة المظالم القاعدية ومنع عودة التطرّف في المجتمعات الفلسطينية المتضرّرة، مع استثمارٍ مستدام في التعليم والدعم النفسي-الاجتماعي وخلق الوظائف للحدّ من القوة الطاردة للعنف واليأس.

ورغم أنه لا يوجد تدخّلٌ منفرد قادر على حلّ النزاع الكامن، فإن حزمةً منسّقة من هذه السياسات قادرة على تقليص الكلفة الإنسانية، وصون شروط الدبلوماسية المستقبلية، ومنع تحوّل مأزق غزة إلى مصدرٍ دائم للتقلّب الإقليمي.

ثالثًا: لبنان ومعضلة حزب الله

دخل لبنان عام 2026 في حالةٍ استثنائية من الهشاشة: سياسيًّا متصدّعًا، واقتصاديًّا منهارًا، وجيوسياسيًّا مكشوفًا بين اثنين من أقوى الفاعلين العسكريين في المنطقة. وقد أتاح وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024 نافذةً مؤقتة لإعادة بناء الدولة اللبنانية، إذ أنجز الجيش اللبناني بنهاية 2025 المرحلة الأولى من خطته لنزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني. وأعلن مسؤولون عسكريون لبنانيون في يناير 2026 أن الحزب نُزع سلاحه إلى حدٍّ كبير في المنطقة الجنوبية بين الحدود الإسرائيلية والليطاني، وهو إنجازٌ محتمل جاء بعد أكثر من عامٍ من العمل الأمني الشاقّ والمتنازَع عليه. وكان المجتمع الدولي قد أشاد بجهود الجيش اللبناني، فيما واصلت إسرائيل غاراتٍ شبه يومية على الأراضي اللبنانية متذرّعةً بانتهاكاتٍ مستمرة من حزب الله.

وتحطّم هذا التقدّم الهشّ في 2 مارس 2026، حين استأنف حزب الله هجماته على إسرائيل ردًّا مباشرًا على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فبراير. وأصدر الحزب 124 بيانًا يتبنّى فيها هجماتٍ على أهدافٍ عسكرية وأمنية ومدنية في إسرائيل وعلى القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان بين 2 و9 مارس وحدها، بإطلاق قذائف وصواريخ وطائرات مسيّرة، منها أول صواريخ تُطلق على وسط إسرائيل منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وهو تصعيدٌ لافت أظهر احتفاظ الحزب بقدراته رغم مسار نزع السلاح في الجنوب. وردّت إسرائيل بغاراتٍ في أنحاء لبنان، منها العاصمة بيروت، قتلت 31 شخصًا على الأقل وجرحت 149 في الأيام الأولى. وبحلول 16 مارس بدأ الجيش الإسرائيلي عملياتٍ برية في جنوب لبنان، نشر فيها في النهاية خمس فرق. وفي 24 مارس أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي نيّة إسرائيل هدم القرى الحدودية اللبنانية واحتلال جنوب لبنان حتى نهر الليطاني احتلالًا دائمًا.

وأسفرت حرب لبنان 2026، الداخلة شهرها الثالث عند كتابة هذه السطور، عن أكثر من 2,000 قتيل بين مسلّحين ومدنيين، وتهجير أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المئة من سكان لبنان. والأزمة الإنسانية حادّة: إذ توثّق تقارير من بيروت ارتفاع الإيجارات بنسبة 400 في المئة في بعض المناطق مع تنافس النازحين على السكن، وفرضت بلدياتٌ شروط تسجيل، ورفضت بعض المجتمعات تأجير النازحين. وأطلق الأمين العام للأمم المتحدة نداءً إنسانيًّا كبيرًا من لبنان في مارس. وفجّرت إسرائيل الجسور الرئيسية على نهر الليطاني لعزل الجنوب عن بقية البلاد، فنشأ حصارٌ فعلي لمنطقة الصراع.

ووضع حزب الله الاستراتيجي في هذه الحرب معقّد ومتنازَع عليه داخليًّا. فقد استأنف الحزب هجماته الصاروخية وبالمسيّرات، متبنّيًا 124 هجومًا في الأسبوع الأول. وبحلول أواخر أبريل، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه ضرب في يومٍ واحد أكثر من 20 موقعًا مرتبطًا بالحزب في البقاع وجنوب لبنان، مستهدفًا منشآت تصنيع الأسلحة وتخزينها ومواقع إطلاق الصواريخ. وعثر الجيش الإسرائيلي على مخابئ أسلحة للحزب في الجنوب تضمّ مسيّرات FPV وعبوات مضادّة للدروع وقذائف RPG وأنظمة تفجيرٍ عن بُعد، ما يؤكّد أن إعادة تسلّح الحزب مضت أسرع بكثير مما استطاع مسار نزع السلاح في الجنوب احتواءه. وأشارت تقارير الجزيرة من بيروت إلى أن الجيش الإسرائيلي فوجئ بقدرة الحزب على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الجنوبية وبتصاعد وتيرة عملياته.

أما الدولة اللبنانية نفسها فتقف في موقفٍ بالغ الصعوبة. فقد ندّد رئيس الوزراء نواف سلام علنًا باستئناف الحزب إطلاق الصواريخ ووصفه بأنه «غير مسؤول»، وأمر باعتقال المسؤولين عن الإطلاق، وصرّح بأن الحرس الثوري الإيراني «يدير حزب الله في حربه على إسرائيل» عبر عناصر بجوازات سفرٍ مزوّرة دخلوا البلاد بطرقٍ غير شرعية. وفي 24 مارس أعلنت الحكومة اللبنانية السفير الإيراني شخصًا غير مرغوبٍ فيه، في خطوةٍ غير مسبوقة تعكس مدى ما تعيشه الدولة اللبنانية من أفعال الحزب بوصفها حربًا مفروضة من الخارج لا خيارًا سياسيًّا داخليًّا. واتّهم الرئيس جوزيف عون من جرّوا لبنان إلى الحرب بـ«الخيانة»، فيما انخرط في محادثاتٍ مباشرة مع إسرائيل سعيًا إلى وقف الأعمال العدائية.

وأُلقي مسار نزع السلاح، الذي كان في مرحلته الأولى حين استؤنف الصراع، في حالةٍ من الفوضى. فقد ندّد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بقرار الحكومة تجريم الأنشطة العسكرية للحزب، قائلًا إن «المطالبة بحصر السلاح بينما ترتكب إسرائيل العدوان… تعني أنكم لا تعملون لمصلحة لبنان». ولاحظ محلّلون أن الحزب لن يقبل المرحلة الثانية من نزع السلاح، الممتدة شمال الليطاني، ما دامت إسرائيل تواصل ضرب لبنان. والجيش اللبناني، الذي يفتقر إلى المعدّات والتفويض السياسي لنزع سلاح الحزب بالقوة، عالقٌ بين الضغط الدولي لإتمام نزع السلاح واستحالة ذلك عمليًّا في منطقة حربٍ نشطة. وتوتّرت العلاقات المدنية-العسكرية، مع احتمال احتكاكٍ داخلي في الجيش ومقاومةٍ محلية إن مضى قُدمًا.

واتّسعت الأهداف الأمنية الإسرائيلية المعلنة في لبنان مع استئناف الصراع. فقد أكّد نتنياهو حرية إسرائيل في ضرب أهداف حزب الله في أنحاء لبنان كافة، لا في الجنوب وحده بل شمال الليطاني أيضًا، وأعلن «القضاء» على المنظومة الصاروخية للحزب إنجازًا جوهريًّا، مع إقامة ما يسمّيه «منطقة أمنية» في الجنوب تمنع إمكان التوغّل وإطلاق الصواريخ المضادّة للدروع نحو شمال إسرائيل. وهدّد وزير الدفاع كاتس بـ«إحراق لبنان كلّه» إن واصل الحزب تحدّي محادثات السلام، كما هدّد بعواقب كارثية إن واصلت الحكومة اللبنانية توفير الغطاء له. وتعكس هذه التهديدات نيّةً عسكرية حقيقية ومسرحًا سياسيًّا في آن: فجمهور نتنياهو الداخلي يطالب بإنجازاتٍ أمنية مرئية، بينما يطالب شركاؤه الدوليون بضبط النفس.

ووُضعت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، الموجودة منذ 2006 بموجب القرار 1701، في موقفٍ مستحيل. فقد أعلنت أن إطلاق حزب الله الصواريخ والهجمات الإسرائيلية العابرة للخط الأزرق كليهما انتهاكٌ للقرار 1701. وندّدت روسيا بالضربات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار وبالهجمات على الصحفيين وعناصر اليونيفيل، ودعت إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة والعودة إلى الدبلوماسية. وكان التنديد الدولي من كندا والبرازيل وألمانيا صريحًا، إذ قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إنه «فقد الأوهام» بشأن المقاربة الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران. غير أن هذه الضغوط الدبلوماسية لم تُنتج أيّ قيدٍ عملياتي على النشاط العسكري الإسرائيلي.

والمشكلة البنيوية الأعمق في لبنان أن نزع سلاح حزب الله لا يمكن تحقيقه كاملًا بالضغط العسكري الخارجي ما دام الحزب يحتفظ بشرعيةٍ سياسية داخل الطائفة الشيعية. فعلاقة الحزب بالدولة ليست علاقة فاعلٍ مسلّح من غير الدول فحسب، بل هو مؤسسةٌ اجتماعية وسياسية وعسكرية متجذّرة تقدّم الخدمات والوظائف والأمن لشريحةٍ كبيرة من السكان. وأيّ حلٍّ دائم لمشكلة الحزب يتطلّب تسويةً سياسية تعالج التمثيل السياسي الشيعي والتهميش الاقتصادي والمخاوف الأمنية للطائفة، ولا شيء من ذلك تعالجه الغارات الإسرائيلية أو نزع السلاح القسري. وقدرة الدولة اللبنانية على تقديم حكمٍ بديل محدودةٌ بعمق بفعل عقودٍ من تقاسم السلطة الطائفي والفساد والانهيار الاقتصادي.

ويشير مسار حرب لبنان إلى صراعٍ مطوّل بلا حسمٍ عسكري واضح. فإسرائيل لا تستطيع تحقيق نزعٍ دائم لسلاح حزب الله بالغارات وحدها، والحزب لا يستطيع هزيمة إسرائيل عسكريًّا، والسكان المدنيون في لبنان يواصلون دفع الكلفة الكارثية لصراعٍ فرضته عليهم قوى إقليمية أكبر. واضطرّت مجتمعاتٌ في شمال إسرائيل إلى تعليق الدراسة وفرض قيودٍ أمنية ذاتية مع استمرار هجمات المسيّرات رغم إطار وقف إطلاق النار، فيما اتّهم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت الحكومة بـ«العودة إلى سياسة الاحتواء». إن دورة الضغط العسكري الإسرائيلي، وصمود حزب الله، ومعاناة المدنيين اللبنانيين، والدبلوماسية غير الحاسمة، التي طبعت العلاقات الإسرائيلية-اللبنانية منذ 2006، تتكرّر بنبرةٍ أعلى وأشدّ تدميرًا، ولا توجد حاليًّا آليةٌ دبلوماسية ذات مصداقية قادرة على كسرها.

رابعًا: سوريا — الانتقال المتصدّع

يمثّل الانتقال السياسي في سوريا، الذي بدأ بانهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أحد أكثر تحوّلات الدولة أثرًا وخطورة في الشرق الأوسط المعاصر. فسقوط الحكومة البعثية، نتيجة هجومٍ عسكري مفاجئ لتحالفٍ تقوده هيئة تحرير الشام اجتاح من إدلب إلى دمشق في أيام، أنهى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد وحربًا أهلية قتلت أكثر من 500 ألف شخص وأحدثت أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. وحتى يونيو 2025، أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوجود 6.5 ملايين نازحٍ داخليًّا و4.3 ملايين لاجئ سوري ما يزالون مسجّلين في دول الجوار. ووعد الرئيس أحمد الشرع، الذي قاد الحكومة الانتقالية المرتبطة بالهيئة، في البداية بمسارٍ سياسي جامع وبالانخراط مع مكوّنات سوريا العرقية والدينية المتنوعة.

وبعد ثمانية عشر شهرًا من الانتقال، لم يتحقّق وعد الحكم الجامع إلى حدٍّ كبير. فالانقسامات داخل الهيئة، بين عناصر براغماتية مستعدّة للانخراط الدولي ومسؤولين متشدّدين محافظين دينيًّا من إدلب، أعاقت توطيد سلطة الدولة. وما يصفه المراقبون بـ«حكومة الظل» من أعضاء الهيئة المتشدّدين همّش على نحوٍ متزايد الجهاز البيروقراطي الرسمي للحكومة الانتقالية، فنشأت بنية سلطةٍ موازية تقوّض مصداقية الإدارة وقدرتها على الحكم. وأثار المسؤولون المحافظون دينيًّا القادمون من إدلب انقسامًا ثقافيًّا وسياسيًّا كبيرًا مع سكان دمشق الحضريين الأكثر تنوّعًا، ما ولّد احتكاكًا اجتماعيًّا يعقّد بناء هويةٍ وطنية تتجاوز القضية المشتركة لإسقاط نظام الأسد.

وبرزت تركيا بوصفها الفاعل الخارجي الأهمّ في الانتقال السوري، بوجودٍ عسكري في الشمال ونفوذٍ سياسي كبير على الحكومة التي تهيمن عليها الهيئة. وإلى جانب السعودية وقطر، أدّت تركيا دورًا حاسمًا في إقناع إدارة ترامب برفع العقوبات عن سوريا، وهو إنجازٌ دبلوماسي كبير منح الحكومة الجديدة فرصة الاندماج مجدّدًا في المجتمع الدولي والبدء بإعادة الإعمار الاقتصادي. غير أن هذا الدور التركي مصدر توترٍ في ذاته: فمصالح أنقرة في سوريا ليست إيثارية خالصة، بل تشمل قمع الحكم الذاتي الكردي في الشمال الشرقي، وإدارة عودة اللاجئين السوريين، وإسقاط نفوذها الإقليمي في تنافسٍ مع قوى أخرى.

ووضعية إسرائيل تجاه سوريا ما بعد الأسد من أكثر عناصر الانتقال زعزعةً للاستقرار. فبعد أن شنّت ضرباتٍ واسعة على البنية العسكرية السورية فور سقوط الأسد، مستهدفةً مخازن السلاح وأنظمة الدفاع الجوي وأصولًا عسكرية أخرى بهدفٍ صريح هو منع أيّ حكومةٍ سورية جديدة من إعادة بناء قدراتٍ هجومية بسرعة، حافظت إسرائيل على وتيرةٍ عملياتية عالية داخل سوريا. وأقامت القوات الإسرائيلية منطقةً عازلة أو «منطقة أمنية» جنوب غرب دمشق، وتواصل ضرب ما تعدّه تهديداتٍ داخل البلاد. وبحسب محلّلين، فإن الهدف الإسرائيلي النهائي هو ضمان بقاء سوريا ضعيفةً ومجزّأة وعاجزة عن تشكيل تهديدٍ أمني، وهو نقيض ما تسعى إليه الحكومة الانتقالية وداعموها الدوليون، فينشأ تصادمٌ مباشر ومستمر بين العقيدة الأمنية الإسرائيلية وتطلّعات بناء الدولة السورية.

واستغلّ تنظيم «الدولة الإسلامية» صعوبات الحكومة الانتقالية في توطيد سلطتها لإعادة ترسيخ وجوده في سوريا. فقد رُصدت قواعد عملياتية متنقّلة في البادية، الصحراء السورية الوسطى والشرقية الشاسعة التي كانت تاريخيًّا ملاذًا للتنظيم. واستفاد التنظيم من الفراغ الأمني الناتج عن غياب سلطة دولةٍ فاعلة في الشرق، وتسريح قوات الأمن من عهد الأسد، وصعوبات دمج الفصائل المسلحة المتنوعة في جيشٍ وطني متماسك. ولا يشكّل التنظيم بعدُ تهديدًا وجوديًّا للحكومة الانتقالية، لكنه استنزافٌ أمني دائم ونقطة انعطافٍ محتملة: فإن تدهور تماسك الحكومة أكثر، ستتحسّن ظروف إعادة تشكّل التنظيم على قاعدةٍ جغرافية أوسع تحسّنًا كبيرًا.

ولم يحلّ الانتقال السياسي خطوط الصدع العرقية والطائفية في سوريا، بل أخضعها مؤقتًا للقضية المشتركة لإسقاط نظام الأسد. فالطائفة العلوية، التي شكّلت القاعدة الاجتماعية لحكم الأسد وزوّدت جزءًا كبيرًا من الجيش والأجهزة الأمنية، تعيش قلقًا حادًّا على أمنها ومكانتها في النظام الجديد. ووُثّقت تقارير عن أعمال انتقامية ضد مجتمعاتٍ علوية، وتمثّل المقاومة العلوية المسلحة على الساحل بؤرة اشتعالٍ محتملة لصراعٍ طائفي متجدّد. أما الأكراد في الشمال الشرقي، المنظّمون حول الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وجناحها العسكري قوات سوريا الديمقراطية، فهم في مفاوضاتٍ عسيرة مع الحكومة الانتقالية حول تسويةٍ سياسية تعترف بالحكم الذاتي الكردي دون إقرارٍ كامل بحكمٍ ذاتي رسمي تعارضه تركيا والحكومة المركزية كلتاهما.

والاقتصاد السوري في حالة انهيارٍ شبه تام. فعقود الحرب والعقوبات الدولية ونهب النظام، ثم اضطرابات الانتقال، تركت البنية التحتية مدمّرة والقدرة الصناعية منهَكة. وفتح رفع بعض العقوبات الأمريكية بعد الانتقال قنواتٍ للانخراط الاقتصادي، لكن الاستثمار الدولي لن يتدفّق إلى سوريا دون بيئةٍ أمنية ذات مصداقية وسيادةٍ للقانون، ولا يتوافر أيٌّ منهما حاليًّا. والوضع الإنساني ما يزال مزريًا: ملايين السوريين يعتمدون على المساعدات الدولية، وقدرة الحكومة الانتقالية على تقديم الخدمات الأساسية خارج دمشق وبضع مدنٍ كبرى محدودةٌ جدًّا. وعاد لاجئون من تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر بأعدادٍ متواضعة، لكن الوتيرة مقيّدة بغياب البنية التحتية والفرص الاقتصادية والثقة في ديمومة الحكومة الجديدة.

وتعقّدت البيئة الدبلوماسية الدولية للانتقال السوري ببدء الحرب الأمريكية-الإيرانية في فبراير 2026. فالانسحاب الأمريكي من سوريا، المعلن في أبريل 2026 والذي وصفه محلّلو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بأنه «لحظةٌ محورية للمنطقة»، يخلق فراغ قوةٍ كبيرًا في الشمال الشرقي، حيث كانت القوات الأمريكية الضامن الأساسي لأمن الإدارة الذاتية الكردية في مواجهة الضغط العسكري التركي والتمدّد المحتمل للهيئة. ويترك الانسحاب قوات سوريا الديمقراطية في موقعٍ مكشوف على نحوٍ خاص، ويُرجّح أن يسرّع الضغط التركي على المناطق الكردية. كما يزيل أهمّ نقطة نفوذٍ أمريكية في الانتقال السياسي السوري، في اللحظة التي كان يمكن فيها توظيف هذا النفوذ على أنفع وجه.

وما لم تتمكّن الحكومة الانتقالية من عقد حوارٍ وطني جامع حقًّا، وتشكيل حكومة وحدةٍ وطنية تضمّ ممثّلين عن الطيف السياسي والعرقي والطائفي السوري، وصياغة دستورٍ جديد عبر مسارٍ تشاركي واسع، فإن آفاق التثبيت المستدام ضعيفة. والوقت ليس مفتوحًا: إذ لاحظ محلّلون أنه إن لم يوسّع الرئيس الشرع ائتلافه توسيعًا ذا معنى بحلول منتصف 2026، فإن خطر «ثورةٍ مضادة» أو حربٍ أهلية طائفية متجدّدة بين السنّة والعلويين يرتفع كثيرًا. ويُرجّح أن تتدخّل القوات التركية والإسرائيلية أكثر في سيناريو كهذا، وربما على جانبين متقابلين، فتعود سوريا مسرحًا لتدخّلاتٍ خارجية متنافسة.

وتجسّد الحالة السورية تحدّيًا جوهريًّا للانتقال ما بعد السلطوي في الشرق الأوسط المعاصر: فإزاحة الدكتاتور تخلق فراغ قوةٍ يندفع لملئه الفاعلون الخارجيون وسماسرة السلطة الداخليون والجماعات المسلحة من غير الدول، بينما دمّرت عقود الحكم السلطوي القدرة المؤسسية اللازمة لإدارة هذا التنافس: خدمةٌ مدنية محترفة، وقضاءٌ مستقل، وجيشٌ غير حزبي. ويُقاس طريق سوريا من انهيار نظام الأسد إلى دولةٍ مستقرة فاعلة بالعقود لا بالسنوات، ويوحي المسار الحالي بأن السنوات الأولى من هذه الرحلة ستتّسم بالتشظّي لا بالتوطيد. واهتمام المجتمع الدولي، الموزّع أصلًا على أزماتٍ متزامنة عدّة، لا يرقى إلى حجم التحدّي.

خامسًا: اليمن وأزمة أمن البحر الأحمر

يمثّل الصراع اليمني متعدّد الأبعاد إحدى أعقد البيئات الأمنية في الشرق الأوسط المعاصر؛ إذ يجمع بين حربٍ أهلية تتجاوز عقدًا من الزمن، وأزمةٍ أمنية بحرية ذات أثرٍ عالمي، وكارثةٍ إنسانية بأبعادٍ مذهلة، وتنافسٍ خليجي داخلي متزايد الاحتدام يعيد رسم الجغرافيا السياسية لشبه الجزيرة العربية. فحركة الحوثيين، المعروفة رسميًّا بـ«أنصار الله» والمدعومة إيرانيًّا منذ سيطرتها على صنعاء عام 2014، تسيطر على معظم شمال غرب اليمن بما فيه العاصمة، فيما يحكم مجلس القيادة الرئاسي المعترف به دوليًّا ما تبقّى من الأراضي بدعمٍ سعودي. وتعقّد هذا التقسيم الجغرافي الأساسي منذ أواخر 2025 بنشوء صراعٍ جديد داخل المعسكر المناهض للحوثيين: بين مجلس القيادة المدعوم سعوديًّا والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا، الساعي إلى حكمٍ ذاتي فعلي أو تقسيمٍ رسمي لجنوب البلاد.

وبلغت أزمة البحر الأحمر، التي بدأت في أكتوبر 2023 حين أطلق الحوثيون صواريخ ومسيّرات على إسرائيل تضامنًا مع الفلسطينيين في غزة ثم توسّعت إلى مهاجمة الملاحة الدولية، ذروتها بين أواخر 2023 ومنتصف 2025. ففي أوج الحملة، حوّلت الهجمات الملاحة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح، وضاعفت تكاليف تشغيل السفن التجارية في المنطقة أكثر من مرة، وعطّلت التدفّق الحرّ لنحو اثني عشر في المئة من التجارة العالمية عبر ممرّ قناة السويس. وأطلقت الولايات المتحدة حملةً موسّعة من الضربات على مواقع الحوثيين من مارس إلى مايو 2025 لإرغامهم على وقفٍ دائم للهجمات البحرية، وانتهت الحملة باتفاقٍ بوساطةٍ عُمانية وافق فيه الحوثيون على الكفّ عن استهداف السفن الأمريكية مقابل وقف الضربات الأمريكية. ثم استأنف الحوثيون في يوليو 2025 هجماتهم على بعض السفن غير الأمريكية، مع مواصلة ضرباتهم بعيدة المدى على إسرائيل.

وعلّق الحوثيون هجماتهم البحرية والجوية بعد وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، لكنهم أعلنوا صراحةً استعدادهم لاستئنافها إن عادت الحرب. وحين بدأت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، هدّدوا فورًا بالتصعيد، وأصدروا بيانات دعمٍ لإيران ولمحور المقاومة. وفي 28 مارس أطلقوا صاروخًا باليستيًّا على إسرائيل، منضمّين رسميًّا إلى الحرب الإقليمية الأوسع. وحذّر المتحدث العسكري باسمهم يحيى سريع من أن إغلاق مضيق باب المندب «مرجّح» إن تصاعد الصراع ضد إيران ولبنان تصاعدًا حادًّا أو إن انضمّت دول الخليج العربية رسميًّا إلى الحرب. وتترقّب نحو 30 ناقلة قرب ميناء ينبع السعودي، الواقع ضمن مدى ضربات الحوثيين، مجرى التطوّرات. ورصدت قوات الحوثيين عن كثب انتشار حاملة الطائرات «جيرالد آر. فورد» في البحر الأحمر، فيما حذّرت شخصياتٌ عسكرية مرتبطة بصنعاء من ضرباتٍ محتملة ضد الأصول البحرية الأمريكية.

وتحوّلت العمارة البحرية الغربية في البحر الأحمر من عمليات المرافقة الارتدادية إلى ما يصفه المحلّلون بـ«بنية ردعٍ شبه دائمة»، تشمل دفاعًا صاروخيًّا متعدّد الطبقات في البحر، واستخباراتٍ ومراقبةً واستطلاعًا استباقيًّا لمواقع الإطلاق الحوثية، وأطرًا لضرباتٍ انتقامية سريعة، وتنسيقًا بحريًّا أوروبيًّا إلى جانب الأصول العسكرية الأمريكية. واعتمد مجلس الأمن القرار 2812 في يناير 2026، ممدّدًا لستة أشهر إضافية التزام الأمين العام بتقديم تقريرٍ شهري عن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، مع امتناع الصين وروسيا عن التصويت. وتسجّل بيانات مشروع ACLED انخفاض الهجمات الحوثية في البحر الأحمر بنسبة 84 في المئة خلال 2025 مقارنةً بـ2024، وهو تراجعٌ كبير يُعزى إلى الأثر المشترك للضغط العسكري الأمريكي ووقف إطلاق النار في غزة والاتفاق بوساطةٍ عُمانية. أما ما إذا كان هذا التراجع يمثّل تحوّلًا استراتيجيًّا دائمًا أم توقّفًا مؤقتًا، فسيحدّده مسار الصراع الإقليمي الأوسع.

وأدخل الصراع اليمني الداخلي بين مجلس القيادة المدعوم سعوديًّا والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا بُعدًا جديدًا مزعزعًا. ففي مطلع ديسمبر 2025، تحرّكت قوات المجلس الانتقالي شرقًا من قاعدتها في عدن وشمالًا على امتداد الساحل نحو محافظتي حضرموت والمهرة، سعيًا إلى توطيد السيطرة على الأراضي الجنوبية المنتجة للنفط وذات الموقع الاستراتيجي. وردّت السعودية بتدخّلٍ عسكري مباشر في ديسمبر 2025 ويناير 2026، فأفشلت سيطرة المجلس الانتقالي على المحافظات الشرقية وعلى عدن، مقرّ الحكومة المعترف بها دوليًّا. واتّهمت السعودية علنًا الإمارات بتقديم دعمٍ عسكري للمجلس الانتقالي، وهو توبيخٌ علني استثنائي بين بلدين كانا حليفين اسميًّا طوال عقد. وردّت الإمارات، وغادرت القوات الإماراتية المتبقية اليمن. ويمثّل هذا الشرخ العلني بين الرياض وأبوظبي حول اليمن تحوّلًا جوهريًّا في الديناميات السياسية الخليجية، بتداعياتٍ تتجاوز المسرح اليمني بكثير.

ويعكس تقييم السعودية للسلوك الإماراتي في اليمن قلقًا استراتيجيًّا أوسع تراكم على مدى سنوات. فقد باتت الرياض تفسّر التحرّكات الإماراتية في جنوب اليمن والسودان والقرن الإفريقي وليبيا لا بوصفها تدخّلاتٍ تكتيكية، بل جزءًا من نمطٍ متعمّد لإعادة التشكيل البنيوي للدول الضعيفة، يهدّد بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية المحيطة بالمملكة. وطالما عدّت العقيدة السعودية وحدةَ اليمن الإقليمية، على علّاتها، أفضل من رقعةٍ من الكيانات المرتبطة بالخارج ذات الولاءات والقدرات العسكرية المتنافسة. ومن منظور الرياض، فإن تطبيع تشظّي الحكم في دولةٍ مجاورة طالما أدّت دور المنطقة العازلة سابقةٌ استراتيجية غير مقبولة. ويقدّر صانعو القرار السعوديون على نحوٍ متزايد أن التحرّكات الإماراتية «أحادية، وغير منسّقة بما يكفي، ومستخفّة بالخطوط الحمراء السعودية».

ويظلّ الوضع الإنساني في اليمن من الأسوأ في العالم. فأكثر من عقدٍ من الحرب الأهلية، وحصارٌ بقيادة سعودية، وتدمير الاقتصاد، أنتجت ظروفًا أسهمت في ما وصفته الأمم المتحدة بإحدى أسوأ المجاعات في العالم منذ 2016. وانكمش الناتج المحلي اليمني بنحو النصف منذ بدء الصراع، ويعتمد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية الدولية للبقاء. ويفاقم الإغلاق الدوري لممرّ تجارة البحر الأحمر، سواء بالهجمات الحوثية أو الآن بإغلاق إيران لمضيق هرمز، الأزمةَ الإنسانية بتعطيل سلاسل الإمداد التي تصل عبرها السلع الأساسية. وليس التداخل بين الأزمة الأمنية البحرية والطارئ الإنساني عرضيًّا: إنه يعكس مدى تحوّل اليمن إلى مسرحٍ للتنافس الجيوسياسي على حساب سكانه المدنيين.

ويضيف بُعد تهريب السلاح في الصراع اليمني تهديدًا أمنيًّا عابرًا للحدود. فقد وثّقت تقارير حديثة تنسيقًا عملياتيًّا بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب وتنظيم «الدولة الإسلامية» في الصومال، تمحور في البداية حول تبادل الأسلحة، لكنه قد يتطوّر إلى شبكةٍ استراتيجية مدعومة إيرانيًّا قادرة على تأجيج عدم الاستقرار في حوض البحر الأحمر. ويُصدر الحوثيون مراسيم تنظيمية، منها حظر صادرات النفط الخام الأمريكي وفرض عقوبات على كياناتٍ أمريكية، تؤكّد سلطةً شبه دولتية على التجارة البحرية الدولية، ما يكشف طموحات الجماعة التي تتجاوز الصراع اليمني المباشر بكثير.

ومسألة كيفية حلّ الصراع اليمني، إن حُلّ، متشابكةٌ بعمق مع المسار الإقليمي الأوسع. فالتسوية اليمنية الشاملة تتطلّب، في الحدّ الأدنى، وقفًا تفاوضيًّا لإطلاق النار بين الحوثيين ومجلس القيادة؛ وإطارًا سياسيًّا يعالج تطلّعات المجلس الانتقالي إلى الحكم الذاتي الجنوبي مع الحفاظ على وحدةٍ إقليمية اسمية؛ وانسحابًا للقوات الأجنبية أو تقليصًا لها؛ وجهدًا دوليًّا مستدامًا لإعادة الإعمار والتثبيت الاقتصادي. ولا يتوافر أيٌّ من هذه الشروط حاليًّا. وتراجع مسار السلام العُماني، الذي ولّد تفاؤلًا حذرًا في 2022–2024، بفعل استئناف الصراع الذي أطلقته الحرب الأمريكية-الإيرانية. واهتمام السعودية المعلن بإنهاء الملف اليمني صادق، فالحرب كانت مكلفةً جدًّا للمملكة ماليًّا ومعنويًّا واستراتيجيًّا، لكن قدرتها على إنجاز التسوية مقيّدة بانهيار المحور السعودي-الإماراتي الذي كان الأساس الاسمي للتحالف المناهض للحوثيين.

واستشرافًا، يُرجّح أن يتحدّد المسار الأمني اليمني لبقية 2026 بمتغيّرين: مآل الصراع الأمريكي-الإيراني، وديمومة التفاهم الفعلي بين السعودية والحوثيين. فإن أفضت الحرب على إيران إلى تسويةٍ تفاوضية تقيّد الدعم الإيراني للحوثيين، قد يتحوّل حسابهم الاستراتيجي نحو التفاهم مع الرياض. وإن استمرّت الحرب أو اشتدّت، يُرجّح أن تُستأنف العمليات البحرية الحوثية، فتنطلق دورةٌ جديدة من التدخّل البحري الدولي والاضطراب الاقتصادي ومعاناة المدنيين اليمنيين. أما التنافس السعودي-الإماراتي، فيضمن أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا ستكون التسوية السياسية في اليمن محلّ منازعةٍ من قوى إقليمية تتباين مصالحها في مستقبل البلاد تباينًا جوهريًّا. وبالنسبة إلى اليمنيين، وهم أصلًا بين أفقر شعوب العالم العربي، يظلّ السلام الدائم تطلّعًا بعيدًا.

سادسًا: ديناميات الخليج — التنافس وإعادة المعايرة والشرخ السعودي-الإماراتي

دخل مجلس التعاون الخليجي عام 2026 في حالةٍ غير مسبوقة من الإجهاد الداخلي. فالمنظمة التي تأسّست عام 1981 منصةً للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الممالك الخليجية العربية الست، البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، حافظت تاريخيًّا على قدرٍ من التماسك يكفي لتقديم جبهةٍ موحّدة في قضايا الأمن الإقليمي الكبرى. وقد قوّض هذا التماسكَ جوهريًّا تصادمُ اتجاهين: التصعيد الدراماتيكي للتنافس الخليجي الداخلي بين السعودية والإمارات، وانكشاف دول المجلس كافة أمام الانتقام الإيراني نتيجة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. فضربات 28 فبراير 2026، التي لم تطلبها أيّ دولةٍ خليجية بل حذّرت منها عدّة دول صراحةً، جرّت كل الممالك الخليجية إلى حربٍ ليست من صنعها ولا تخدم مصالحها.

وشكّلت الضربات الإيرانية الانتقامية على دول المجلس بعد عملية «الغضب الملحمي» أخطر صدمةٍ أمنية للخليج منذ أكثر من ثلاثة عقود. فقد استهدفت إيران الدول الست، مطلقةً آلاف المسيّرات والصواريخ على البنية التحتية المدنية والطاقوية. وتلقّت الإمارات أكبر عددٍ من الهجمات بين جميع الدول، بما فيها إسرائيل، تعبيرًا عن تقدير إيران بأن علاقة أبوظبي الدافئة بإسرائيل وقربها من المصالح الإيرانية جعلاها هدفًا ذا أولوية. واعترضت السعودية عدّة صواريخ باليستية استهدفت الرياض، وتلقّت ضرباتٍ على منطقتها الشرقية المنتجة للنفط، وتعرّضت قطر والبحرين والكويت أيضًا للقصف. وحطّمت الهجمات الافتراض المريح الذي قام عليه الحساب الأمني الخليجي لسنوات: أن الحرب الإيرانية بالوكالة ستوجَّه أساسًا ضد إسرائيل والقوات الأمريكية، وأن دول الخليج تستطيع الحفاظ على نوعٍ من الحياد المدروس يعزلها عن الانتقام الإيراني المباشر.

وفي أعقاب الضربات مباشرة، أعلنت الولايات المتحدة صفقة أسلحةٍ بقيمة 16.5 مليار دولار للإمارات والكويت والأردن، إقرارًا بالفجوة بين الاحتياجات الدفاعية الخليجية والقدرات المتاحة. غير أن لهذا الدعم حدودًا واضحة: فنداءات دول الخليج المتكرّرة لواشنطن بتجنّب استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية لم تُلبَّ، ما تركها عرضةً لضرباتٍ انتقامية متواصلة حتى وهي تتلقّى الدعم الدفاعي الأمريكي. وكما لاحظ المجلس الأطلسي، يجسّد ذلك الدور المزدوج الذي تؤدّيه الولايات المتحدة في الحرب: فأنظمتها العسكرية لا غنى عنها للدفاع الخليجي، بينما أسهم إشعال واشنطن للحرب وإحجامها عن إدارة عواقبها الإقليمية في الأزمة ذاتها التي يواجهها الخليج الآن. وقد تعهّدت دول الخليج بنحو تريليوني دولار من الاستثمارات في الولايات المتحدة، وعملت بدأبٍ على استمالة إدارة ترامب، لكن هذا القرب من واشنطن لم يمنحها حقّ النقض على قرار إطلاق الحرب.

وكانت الاستجابة الاستراتيجية لدول الخليج لهذا الانكشاف تسريعَ جهودها لتطوير قدراتٍ دفاعية مستقلة. فقد وقّعت السعودية وقطر والإمارات اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا أواخر مارس 2026، وهو تطوّرٌ استثنائي يعكس حجم تهديد المسيّرات الإيرانية واستعداد دول الخليج لطلب المساعدة التقنية من شركاء غير تقليديين. فخبرة أوكرانيا في مواجهة نسخٍ من المسيّرات المشتقّة من التصاميم الإيرانية جعلت كييف مصدرًا غير متوقّع للخبرة ذات الصلة، ويمثّل الدمج المحتمل لأنظمة الاعتراض الأوكرانية في المعمار الدفاعي الخليجي شكلًا جديدًا من التعاون الأمني. وأبعد من أوكرانيا، يتّجه الدفع الأوسع نحو توطين الصناعات الدفاعية، أي بناء قدرةٍ محلية بدلًا من الاعتماد إلى أجلٍ غير مسمّى على الواردات من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وجعل الشرخ السعودي-الإماراتي حول اليمن احتمالَ استجابةٍ أمنية خليجية موحّدة للتهديد الإيراني أصعب بكثير. فالقطيعة العلنية بين الرياض وأبوظبي، التي بدأت بضرباتٍ عسكرية سعودية على شحنة أسلحةٍ مرتبطة بالإمارات في اليمن وتصاعدت إلى اتهاماتٍ علنية متبادلة غير مسبوقة في تاريخ علاقة البلدين، كشفت عمق التباعد الاستراتيجي بين أقوى دولتين خليجيتين. ووصف محلّلو معهد بيكر ومركز صوفان هذا التباعد بأنه متجذّر في تصوّراتٍ مختلفة جوهريًّا للتهديد، وطموحاتٍ إقليمية، ورؤى للبحر الأحمر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فصانعو السياسة السعوديون يرون الأنشطة الإماراتية في السودان والصومال واليمن وغيرها نمطًا من إعادة التشكيل البنيوي للدول الضعيفة يعيد رسم الخريطة المحيطة بالمملكة بما يهدّد عمقها الاستراتيجي. أما الإمارات، فقد «استعدت أصحاب مصلحةٍ آخرين» منهم مصر وتركيا، وتواجه احتمال تحالفٍ إقليمي غير مسبوق ضد سياساتها.

وصارت مسألة كيفية التعامل مع إسرائيل خطّ صدعٍ رئيسيًّا آخر داخل الخليج. فالإمارات، التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل عام 2020 في إطار «اتفاقيات أبراهام»، عمّقت تعاونها معها رغم الضغط السياسي الذي تواجهه دول خليجية أخرى من شعوبها، المتزايدة عداءً لإسرائيل في سياق حرب غزة، للحفاظ على المسافة. واستعداد السعودية للتطبيع، الذي كان محور دبلوماسية إدارة ترامب الإقليمية عام 2025، صار مستحيلًا سياسيًّا فعليًّا بفعل سلوك إسرائيل في غزة ولبنان. فوليّ العهد الأمير محمد بن سلمان يواجه بيئةً داخلية يكون فيها التطبيع مكلفًا سياسيًّا، حتى وترامب ما يزال يسعى إلى جائزة اتفاقٍ سعودي-إسرائيلي. ويرى تحليلٌ لمؤسسة كارنيغي أنه إن عمّقت الإمارات اصطفافها مع إسرائيل، فقد يدفع ذلك ولي العهد إلى السعي لتفاهماتٍ مع طهران، في نتيجةٍ مفارِقة يُفضي فيها الضغط الأمريكي للتطبيع إلى تقاربٍ إيراني-سعودي أكبر.

ولم يعد البعد الاقتصادي للأمن الخليجي منفصلًا عن البعد الجيوسياسي. فقد التزمت السعودية والإمارات وقطر مجتمعةً بنحو 2.5 تريليون دولار من الاستثمارات في التكنولوجيا الأمريكية بوصفها تأمينًا جيوسياسيًّا، يجعلها أساسية للمصالح الاقتصادية الأمريكية في سباق الذكاء الاصطناعي، ويضمن بالتالي أن يصبح خصوم واشنطن خصومها. وأثمرت هذه الاستراتيجية، التي يصفها المحلّلون بتحويل العلاقات التجارية إلى ضماناتٍ أمنية، نتائج ملموسة: فاستثمار غوغل البالغ 10 مليارات دولار في البنية التحتية السعودية للذكاء الاصطناعي يجعل الشركة صاحبة مصلحةٍ مباشرة في استقرار المملكة، وكذلك استثمار مايكروسوفت البالغ 7.9 مليارات دولار في الإمارات، واستثمار أمازون البالغ 5.3 مليارات دولار في مراكز البيانات السعودية. لكن حدود الاستراتيجية انكشفت في حرب فبراير 2026: فالالتزامات المالية الخليجية تجاه التكنولوجيا الأمريكية لم تمنع واشنطن من إطلاق صراعٍ تتحمّل دول الخليج الآن عواقبه.

وتحتلّ عُمان موقعًا مميّزًا ومتزايد القيمة في المعمار الأمني الخليجي. فهي الدولة الخليجية العربية الوحيدة التي انتقدت مباشرةً الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ورحّبت باختيار المرشد الإيراني الجديد، وحافظت على طريقٍ وسطٍ محسوب بين إيران والولايات المتحدة والخليج العربي، وهي وضعيةٌ جعلتها القناة التي لا غنى عنها للاتصالات الخلفية الأمريكية-الإيرانية والمكان الأرجح لأيّ تسويةٍ تفاوضية. وسعت قطر، التي قالت إننا «سنبقى جيرانًا لإيران ما بقيت البشرية»، إلى تقديم نفسها منبرًا للحوار. وتعكس هذه المواقف إدراكًا مشتركًا بين الدول الخليجية الأصغر بأن المواقف القصوى لواشنطن وطهران، إن استمرّت، ستقود إلى نتائج كارثية للمنطقة بأسرها.

والتماسك المؤسسي لمجلس التعاون نفسه تحت الضغط. فقد لاحظ محلّلو كارنيغي أن الضغوط الجديدة الناشئة عن حرب إيران قد تشجّع تفكيرًا صفريًّا بين السعودية والإمارات؛ فإن لم تتوافقا، قد تنخرطان في مزايدةٍ على مخزونات الدفاع الجوي الأمريكية الشحيحة، فترتفع الأسعار على كلتيهما وتُقصى الدول الخليجية الأخرى. واحتمال أن تعزّز الإمارات روابطها الأمنية مع إسرائيل بينما تعطي السعودية الأولوية للدبلوماسية الإقليمية قد يقسم المجلس عمليًّا إلى معسكرين: أحدهما مصطفّ مع واشنطن وتل أبيب، والآخر يسعى إلى التكيّف مع البيئة الإقليمية الأوسع، بما في ذلك طهران في نهاية المطاف. وانقسامٌ كهذا سيقوّض جوهريًّا وظيفة المجلس منظمةً أمنية.

واستشرافًا، سيتحدّد المسار الاستراتيجي للخليج بعدّة أسئلة رئيسية: هل ستُفضي الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى تسويةٍ تثبّت البيئة الأمنية الإقليمية، أم تمتدّ إلى صراعٍ مطوّل منخفض الحدّة؟ وهل يمكن إدارة التنافس السعودي-الإماراتي دون عتبة القطيعة التي لا رجعة فيها؟ وهل تستطيع دول الخليج تطوير قدراتٍ دفاعية مستقلة كافية لصون أمنها دون الاعتماد على ولاياتٍ متحدة قد لا تكون دائمًا راعيًا موثوقًا؟ وتمثّل استراتيجية السعودية «الأمن عبر الازدهار»، التي تضع الرياض مركزًا اقتصاديًّا لمشرقٍ وخليجٍ مسالمَين ومتكاملَين، أكثر الرؤى الخليجية طموحًا، لكن تحقيقها مرهونٌ باستقرارٍ إقليمي يجعله الصراع الحالي أبعد. وفي الوقت الراهن، تبحر الممالك الخليجية في عاصفةٍ من صنع جيرانها، مستندةً إلى عقودٍ من الثروة المتراكمة ورأس المال الدبلوماسي للنجاة من زلزالٍ جيوسياسي لم تسعَ إليه ولم تؤيّده.

سابعًا: الولايات المتحدة — من الشرطي إلى البراغماتي

يمثّل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط عام 2026 أحد أهمّ الخروجات عن الوضعية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة، لا انسحابًا من الانخراط، بل تحوّلًا جذريًّا في طبيعته. فعلى مدى سبعة عقود، قامت القوة الأمريكية في الشرق الأوسط على التزاماتٍ متشابكة: ضماناتٌ أمنية لممالك الخليج، ودعمٌ غير مشروط لإسرائيل، والتزامٌ بحرية الملاحة، ونزوعٌ عام إلى صون النظام الإقليمي لا إعادة صنعه. واحتفظت مقاربة إدارة ترامب بالعلاقة الأمنية مع إسرائيل والالتزام بحرية الملاحة، بينما تخلّت عن المعمار الأوسع للانخراط متعدّد الأطراف والالتزامات التعاهدية وإدارة التحالفات الذي منح تلك الالتزامات ثقلها الاستراتيجي.

وكان قرار إطلاق عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير 2026، أي الاشتراك في تفويض الضربات التي قتلت خامنئي وأطلقت أشدّ الحروب الإقليمية أثرًا منذ حرب الخليج على الأقل، الفعلَ المُعرِّف لهذه الوضعية المتحوّلة. فلم تسبق الضرباتِ مشاوراتٌ متعدّدة الأطراف مستدامة، ولم يفوّضها مجلس الأمن، وعارضها صراحةً عددٌ من حلفاء أمريكا وشركائها. وحسبت إدارة ترامب أن ضربةً عسكرية حاسمة للبنية النووية والقيادية الإيرانية ستُنتج تسويةً مواتية أسرع من أيّ مسارٍ دبلوماسي، وهو تقديرٌ لم تؤكّده الأشهر التالية من الصراع. فبدلًا من ذلك، أنتجت الحرب حريقًا إقليميًّا متواصلًا، وإغلاق مضيق هرمز، وضرباتٍ إيرانية على دول المجلس، وجمودًا دبلوماسيًّا لم يُبرم فيه أيّ اتفاق.

وتظلّ القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة هائلة. فالولايات المتحدة تحتفظ بأكبر انتشارٍ عسكري في الشرق الأوسط، وتعمل من قواعد في أرجاء الخليج، منها قاعدة العديد في قطر، وبأصولٍ بحرية في الخليج والبحر الأحمر، وبقوةٍ استشارية متبقية في إقليم كردستان العراق حتى سبتمبر 2026. ويُظهر انتشار مجموعة حاملة الطائرات «جيرالد آر. فورد» في البحر الأحمر مطلع مارس 2026 قدرة واشنطن المستمرة على إسقاط القوة. وتعكس صفقة الأسلحة البالغة 16.5 مليار دولار التي أُعلنت في مارس للإمارات والكويت والأردن الالتزامَ الأمريكي المستمر بقدرات الشركاء الخليجيين الدفاعية. لكن ترجمة العتاد العسكري إلى نتائج سياسية ظلّت بعيدة المنال: فإيران لم تستسلم، وهرمز ما يزال متنازَعًا عليه، والجمود التفاوضي مستمر.

وأوجد نمط إدارة ترامب في تحديد المواعيد النهائية المتتالية والعمل العسكري الجزئي، من التهديد بضرب الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية إلى تحديد مواعيد 21 و23 مارس و7 أبريل ثم تجاوزها، انطباعًا بتخبّطٍ تفاوضي عقّد الموقف الدبلوماسي الأمريكي. فحين أعلن ترامب في 6 مارس أن «الاستسلام غير المشروط» لإيران وحده مقبول، شدّد هذا التأطير الأقصى المواقف الإيرانية دون أن يُنتج الاستسلام المنشود. ويوحي التعديل اللاحق، أي التفاعل مع المقترحات الإيرانية مع رفض شروطها، بأن واشنطن تدرك حدود الاستراتيجية القسرية الخالصة، لكنها لم تصغ بعدُ مخرجًا دبلوماسيًّا ذا مصداقية يُرضي متطلباتها الأمنية المعلنة (نزع السلاح النووي، وإنهاء دعم الوكلاء) ومتطلبات البقاء الدنيا لإيران (استمرارية النظام، وقدرٌ من الانفراج الاقتصادي).

وأعادت وضعية «أمريكا أولًا» الأوسع تشكيل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط بطرقٍ تتجاوز الصراع مع إيران. فانسحاب واشنطن من أكثر من ستين منظمة دولية قلّص قدرتها على تنظيم استجاباتٍ متعدّدة الأطراف للأزمات الإقليمية. وتراجعت مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية، طالما حجر الأساس في حسابات دول الخليج الاستراتيجية، تراجعًا كبيرًا بعد انكشاف أن الحلفاء الخليجيين لم يملكوا حقّ نقضٍ فعليًّا على قرارٍ عرّضهم لانتقامٍ إيراني مدمّر. وكما يلاحظ برنامج الشرق الأوسط في CSIS، يمثّل الانسحاب الأمريكي من سوريا لحظةً محورية للمنطقة، إذ يزيل النفوذ الأمريكي على الانتقال السوري في لحظةٍ حرجة. ويعكس الخفض المعلن للوجود في العراق، مع إبقاء قوةٍ متبقية في كردستان حتى سبتمبر 2026، نمطًا أوسع لتقليص البصمة الأمريكية، يخلق فراغاتٍ يملؤها سريعًا فاعلون أقلّ قدرةً على التثبيت.

وتعكس السياسة الأمريكية تجاه نزاع غزة توتراتٍ مماثلة. فـ«الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة» التي أقرّها مجلس الأمن بالقرار 2803 مثّلت إنجازًا دبلوماسيًّا حقيقيًّا بإرساء إطارٍ لوقف إطلاق النار. لكن تنفيذها تعثّر بفعل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وعرقلة حماس لانتقال الحكم، وغياب آلياتٍ ذات مصداقية للانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية. ولم تقترن تصريحات ترامب المشيدة بالتزام نتنياهو بالخطة، مع تهديده حماس في الوقت نفسه، بضغطٍ فعّال على أيٍّ من الطرفين لاستيفاء متطلبات الخطة. فنزع سلاح حماس، المحدَّد أولويةً، لم يتحقّق، ولم تبدأ إعادة الإعمار التي توفّر بنية الحوافز للتعاون السياسي الفلسطيني.

ويمثّل الكونغرس متغيّرًا مستقلًّا في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط؛ إذ أجاز الكونغرس التاسع عشر بعد المئة، في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، للجيش الأمريكي معاملة الأسلحة المضبوطة من شحنات الحوثيين بوصفها مخزوناتٍ أمريكية متاحة للسحب. وكانت الرقابة البرلمانية الأوسع على العمليات العسكرية لإدارة ترامب في اليمن وإيران محلّ خلاف، مع تشكيك بعض الأعضاء في الصلاحية الدستورية للرئيس في توجيه عملياتٍ عسكرية دون تفويضٍ من الكونغرس. واستحضر منتقدو الحملة على إيران «قرار صلاحيات الحرب»، الذي طالما اختُبر دون حسمٍ نهائي لتطبيقه، لكن دون ائتلافٍ سياسي كافٍ لإجبار السلطة التنفيذية على استجابةٍ ذات معنى.

وجاء ردّ الفعل الدولي على السياسة الأمريكية انتقاديًّا على نحوٍ لافت، حتى بين الحلفاء المقرّبين. فقد قال المستشار الألماني ميرتس إنه «فقد الأوهام» بشأن المقاربة الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران، وندّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالاجتياح الإسرائيلي للبنان بوصفه غير قانوني وانتهاكًا للسيادة الإقليمية اللبنانية، وندّدت البرازيل بالضربات الإسرائيلية في لبنان بعد وقف إطلاق النار بوصفها خرقًا للقانون الدولي، ودعت روسيا والصين إسرائيل إلى «التخلّي عن الاعتماد على القوة وحدها» والعودة إلى الدبلوماسية. وتعكس هذه الردود تآكلًا أوسع لشرعية القيادة الأمريكية الإقليمية، لا بسبب ضعفٍ عسكري أمريكي، بل بسبب فجوةٍ متصوَّرة بين التزام واشنطن المعلن بنظامٍ دولي قائم على القواعد واستعدادها للتصرّف خارجه حين ترى ذلك ضروريًّا.

وستتجاوز العواقب الاستراتيجية لهذه الوضعية عمرَ الإدارة الحالية. فالدول في الشرق الأوسط وخارجه تستخلص من أزمة 2026 دروسًا عن موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، وجدوى الردع النووي، وكلفة الاصطفاف مع واشنطن. وتجربة إيران، التي اغتيل فيها مرشدها الأعلى رغم عقودٍ من الاستثمار في الردع والشبكات الوكيلة، ستسرّع ضغوط الانتشار النووي في المنطقة وخارجها. والدول التي اعتمدت سابقًا على الردع الأمريكي الممتدّ للإحجام عن برامج نووية خاصة بها، كالسعودية وتركيا ومصر، تعيد النظر. واستراتيجية التأمين الجيوسياسي التي انتهجتها دول الخليج عبر استثماراتٍ مالية ضخمة في التكنولوجيا الأمريكية ثبت أنها غير كافية للحماية من أخطر قرارٍ أمريكي في السنوات الأخيرة.

واستشرافًا، سيتحدّد الموقع الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط بما إذا كان الصراع مع إيران سيُنتج تسويةً مستقرة، وإن قسرية، أم سيتحوّل إلى مواجهةٍ مطوّلة تستنزف الموارد العسكرية ورأس المال الدبلوماسي الأمريكيين وتسرّع التحوّل متعدّد الأقطاب في المنطقة. فتسويةٌ تفاوضية تقيّد البرنامج النووي الإيراني بصورةٍ قابلة للإثبات، ولو دون نزعٍ كامل للسلاح النووي، ستتيح لواشنطن ادّعاء نجاحٍ استراتيجي. أما جمودٌ تعيد فيه إيران البناء، ويظلّ هرمز متنازَعًا عليه، وتتحوّط دول المجلس نحو الصين، فسيمثّل انتكاسةً استراتيجية بأبعادٍ تاريخية. ويبدو أن نافذة تحقيق الأول تضيق، بينما يبدو أن المسار نحو الثاني يكتسب زخمًا حتى مايو 2026.

ثامنًا: الصين وروسيا والتنافس متعدّد الأقطاب

صار الشرق الأوسط أهمّ ساحات التنافس بين القوى الكبرى خارج أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويعكس مسارا الصين وروسيا في المنطقة منذ 2024 تحدّيين متمايزين لكن متكاملين للمعمار الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة. فلم تُشعل بكين ولا موسكو الأزمة الحالية، لكن كلتيهما استغلّتاها. فقد أُضعف موقع روسيا في الشرق الأوسط إضعافًا كبيرًا بسقوط الأسد، أهمّ عملائها في العالم العربي، وبمتطلبات حرب أوكرانيا على مواردها العسكرية والاقتصادية. أما الصين، فانتهجت استراتيجية انخراطٍ صبورة مرتكزة على الاقتصاد جعلتها شريكًا اقتصاديًّا لا غنى عنه لكل دولةٍ إقليمية كبرى تقريبًا، مع تجنّبٍ حذر لتورّطات الانخراط العسكري المباشر. ومع تكشّف الحرب الأمريكية-الإيرانية، قدّمت القوتان نفسيهما منتقدتين للعمل العسكري الغربي وداعيتين إلى الحلّ الدبلوماسي، وهي وضعيةٌ تجني منافع دبلوماسية دون أن تتطلّب التزاماتٍ مادية.

وتغيّرت حصّة روسيا في الشرق الأوسط جوهريًّا بانهيار نظام الأسد. فقد استثمرت موسكو عقودًا في علاقتها السورية، مستخدمةً البلاد منصةً لإسقاط القوة في شرق المتوسط، ومحافظةً على النفاذ البحري في طرطوس والجوي في حميميم، ومبرهنةً على قدرتها على إسناد حليفٍ محاصَر، في تناقضٍ مباشر مع ما وصفته بتخلّي الولايات المتحدة عن شركائها. ولذلك لم يكن سقوط الأسد في ديسمبر 2024 خسارةً جيوسياسية فحسب، بل ضربةً لسمعتها، قوّضت ادّعاءها بأنها راعٍ أوثق من الولايات المتحدة. وسارعت موسكو إلى الحفاظ على موطئ قدمٍ في الواقع السوري الجديد، فانخرطت مع الحكومة الانتقالية بعروضٍ لاستمرار النفاذ إلى القواعد والتعاون الاقتصادي، بنجاحٍ محدود؛ إذ تحفّظت الحكومة السورية الجديدة على استمرار ترتيباتٍ ترمز إلى تشابكات النظام القديم الخارجية.

وفي سياق الحرب الأمريكية-الإيرانية، تبنّت روسيا موقف الانتقاد العلني الحادّ للعمل العسكري الغربي: إدانة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، ومعارضة قرارات مجلس الأمن التي قد تُضفي الشرعية على الحملة أو تضغط على إيران لإعادة فتح هرمز، وتصوير الصراع نتاجًا للعدوان الأمريكي والإسرائيلي لا للاستفزاز الإيراني. وأسقطت روسيا والصين معًا بحقّ النقض مشروع قرار أبريل 2026 المطالب بإعادة فتح المضيق، مقدّمتين نقضهما دفاعًا مبدئيًّا عن السيادة الإيرانية لا حكمًا تقنيًّا في قانون البحار. وأكسب هذا الموقفُ روسيا رصيدًا دبلوماسيًّا في طهران وفي قطاعاتٍ من الرأي العام العربي المعادي للتدخّل الأمريكي، بكلفةٍ ضئيلة نسبيًّا. لكن قدرة روسيا العملية على تشكيل مآل الصراع محدودةٌ بالتزاماتها في أوكرانيا وتدهور مجمّعها الصناعي-العسكري.

وتجسّد مقاربة الصين للشرق الأوسط عام 2026 استراتيجية «الصبر الاستراتيجي مقرونًا بالعمق الاقتصادي» التي يعدّها المحلّلون السمة المُعرِّفة لبكين في المنطقة. فقد صارت الصين الشريك التجاري الأول لمعظم دول الشرق الأوسط، وأكبر مستهلكٍ لنفط الخليج، ومصدرًا متزايد الأهمية للاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، والآن لقدرات الذكاء الاصطناعي. وقابل الاستثمارَ الخليجي البالغ 2.5 تريليون دولار في التكنولوجيا الأمريكية انخراطٌ اقتصادي صيني متعمّق: نشر هواوي لبنية الجيل الخامس في الخليج، والموانئ والمرافق اللوجستية المبنية صينيًّا، ودمج إمدادات الطاقة الخليجية في التخطيط الاستراتيجي الصيني. وقد أدمجت رؤية السعودية 2030 المشاركة الصينية عمدًا تحوّطًا من الاعتماد الحصري على الشراكات الاقتصادية الغربية.

وكان أهمّ إنجازٍ دبلوماسي صيني في الشرق الأوسط قبل 2026 هو تطبيع العلاقات السعودية-الإيرانية بوساطةٍ صينية عام 2023، وهو اتفاقٌ صمد لفترةٍ قبل أن تتجاوزه حرب يونيو 2025 ثم صراع 2026. وقد أظهر هذا الاتفاق قدرة بكين على تحقيق نتائج دبلوماسية في المنطقة عجزت واشنطن عنها أو أحجمت عنها. وكشف أيضًا المصلحة الجوهرية للصين في الاستقرار الإقليمي، لا لأن بكين قوةٌ محافِظة على الوضع القائم، بل لأن عدم الاستقرار يهدّد إمدادات الطاقة الصينية، ويعطّل طرق التجارة التي تمرّ عبرها مشاريع الحزام والطريق، ويعقّد إدارة الحضور الاقتصادي الصيني المتّسع. فالحرب الأمريكية-الإيرانية الحالية، من منظور بكين، تهديدٌ أساسًا للمصالح الصينية: في إمدادات الطاقة المعتمدة على هرمز، وفي استقرار دول الخليج، وفي مصداقية الادّعاءات الصينية بأنها بديلٌ عن النظام الذي تقوده أمريكا.

وفي سياق الحرب، انتهجت الصين موقفًا محسوبًا بعناية: انتقاد الضربات علنًا، والدعوة إلى حلٍّ دبلوماسي، والحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، والعمل بهدوءٍ مع دول الخليج لإدارة العواقب الاقتصادية لإغلاق هرمز. وأصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانًا بعد الضربات الإسرائيلية على لبنان يؤكّد وجوب عدم انتهاك سيادته. وقدّم ممثّلو الصين في مجلس الأمن الصراعَ باستمرار نتاجًا للعدوان الأمريكي والإسرائيلي لا للطموح النووي الإيراني. وفي الوقت نفسه، لم تقدّم الصين دعمًا عسكريًّا ماديًّا لإيران، وحرصت على ألّا تتحدّى العمليات العسكرية الأمريكية مباشرةً بطرقٍ قد تجرّ إلى مواجهةٍ صينية-أمريكية مباشرة.

والبعد الطاقوي للتنافس بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط بالغ الأهمية. فالصين أكبر مستوردٍ للنفط في العالم، وجزءٌ كبير من إمداداتها يعبر الخليج ومضيق هرمز. وقد خلق إغلاق هرمز ما يمكن وصفه، على نحوٍ مفارِق، بمصلحةٍ صينية-أمريكية مشتركة في حلٍّ تفاوضي؛ فكلا البلدين متضرّر من الإغلاق، وإن اختلفا في تحميل المسؤولية. وللصين نفوذٌ كبير على إيران بوصفها مشتريًا رئيسيًّا لنفطها رغم العقوبات الأمريكية، ومورّدًا للتكنولوجيا والمعدّات الصناعية التي تحتاجها. أما هل ستمارس بكين هذا النفوذ نحو تسوية، أم ستحسب أن صراعًا أمريكيًّا-إيرانيًّا مطوّلًا يستنزف المصداقية والاهتمام الأمريكيين يخدم مصالحها الاستراتيجية، فذلك من المجاهيل الحاسمة في اللحظة الراهنة.

وتحتلّ تركيا موقعًا مميّزًا في التنافس الإقليمي بين القوى الكبرى، إذ تعمل عضوًا في الناتو بطموحاتٍ استراتيجية مستقلة لا تتوافق باستمرار مع الأجندة الأمريكية ولا الروسية ولا الصينية. فوجودها في سوريا، ودورها في تأمين الانتقال الذي تهيمن عليه الهيئة في دمشق، ووساطتها بين السعودية والحكومة السورية الجديدة بشأن رفع العقوبات، وتنافسها المستمر مع إسرائيل على النفوذ الإقليمي، تمثّل رؤيةً استراتيجية متماسكة وإن كانت هجومية: تركيا قوةً إقليمية لا غنى عنها في شرق أوسط متعدّد الأقطاب، توظّف مركزيتها الجغرافية وقدرتها العسكرية وروابطها التاريخية لإسقاط النفوذ في العالم العربي. وقد استعدى هذا التموضعُ إسرائيلَ، مع كون سوريا وغزة من أبرز نقاط الخلاف، بينما بنى علاقاتٍ بنّاءة مع السعودية وقطر ومصر.

والتنسيق الروسي-الصيني في قضايا الشرق الأوسط، وإن لم يكن تحالفًا رسميًّا، كان متّسقًا بما يكفي ليمثّل كتلةً دبلوماسية فعلية داخل مجلس الأمن. فقد نقضت روسيا والصين معًا أو امتنعتا عن قراراتٍ بشأن نزاع غزة والحرب على إيران وأزمة هرمز بطرقٍ منعت المجتمع الدولي من تبنّي مواقف موحّدة. ويخدم هذا التنسيق مصلحة البلدين في إظهار أن «النظام الدولي القائم على القواعد»، الذي يُتّهمان بتقويضه، هو نفسه مفهومٌ متنازَع عليه ومُوظَّف سياسيًّا لا إطارٌ محايد. وبالنسبة إلى الدول الإقليمية، قلّص موقف روسيا والصين المعطِّل في مجلس الأمن الشرعيةَ المتصوَّرة للآليات متعدّدة الأطراف لحلّ النزاعات، مشجّعًا أكثر المقاربات الثنائية والصفقاتية للأمن التي تطبع البيئة الراهنة.

واستشرافًا، سيتشكّل مسار التنافس بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط بما إذا كان الصراع الأمريكي-الإيراني سيُفضي إلى نتيجةٍ مستقرة أو جمودٍ مطوّل أو انهيارٍ إيراني. فانهيار إيران سيقضي على المحاور الاستراتيجي الرئيسي للصين في المنطقة، ويخلق فراغ قوةٍ لا يستطيع أيّ فاعلٍ خارجي منفرد ملأه، وهو سيناريو أشدّ تهديدًا للاستقرار الإقليمي بكثير من إيران تحت الضغط. وجمودٌ مطوّل سيسرّع على الأرجح الانتقال متعدّد الأقطاب، مع تحوّط دول الخليج بقوةٍ أكبر بين واشنطن وبكين، وتوطيد روسيا وتركيا مواقعهما الإقليمية. أما النتيجة الأكثر تثبيتًا، أي تسويةٌ تفاوضية تقيّد البرنامج النووي الإيراني مع السماح ببقاء النظام، فتتطلّب قدرًا من التنسيق الأمريكي-الصيني بشأن إيران لم يظهر في الصراع الحالي. ويتوقّف استعداد بكين لممارسة نفوذها على إيران في خدمة نتيجةٍ كهذه على حسابها: هل يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى شرقٌ أوسط مستقر أم أمريكا أضعف؟

تاسعًا: الطاقة والتجارة والرهانات العالمية

لم تكن الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط يومًا قابلةً للاختزال في الصراعات التي تتصدّر عناوينه؛ فهو أيضًا، وربما في المقام الأول، مفصل منظومة الطاقة العالمية وعقدةٌ حاسمة لطرق التجارة الدولية التي يحدّد استقرارها الرفاه الاقتصادي لمليارات البشر البعيدين عن حدوده. ولم يتجلَّ هذا الواقع بحدّةٍ كما تجلّى عام 2026. فقد أطلق إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره عادةً نحو 20 في المئة من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، اضطراباتٍ في أسواق الطاقة لم تُشهد بهذه الحدّة منذ حظر النفط عام 1973، مبرهنًا مرةً أخرى على أن عدم الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط ليس مشكلةً إقليمية بل عالمية. وتتحمّل كلفة هذا الاضطراب لا أطراف الصراع وحدها، بل الاقتصادات والشعوب في آسيا وأوروبا والعالم النامي.

وكان مضيق هرمز بؤرة أمن الطاقة المركزية في أزمة 2026. فتحرّك إيران لفرض سيطرتها على المضيق ردًّا على الضربات تصعيدٌ محسوب يرمي إلى تعظيم الضغط الاقتصادي على واشنطن وحلفائها الخليجيين. وخلق الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، المفروض في الوقت نفسه، خناقًا مزدوجًا علّق فعليًّا التجارة البحرية الطبيعية في الخليج. وبالنسبة إلى اليابان، خامس أكبر اقتصاد في العالم وثاني أكبر مستوردٍ للغاز الطبيعي المسال بعد الصين، يمثّل الاضطراب حالة طوارئ اقتصادية حادّة. وتواجه كوريا الجنوبية، المعتمدة بشدّة على نفط الخليج، ضغوطًا مماثلة. أما الاقتصادات الأوروبية، المنهَكة أصلًا بأسعار الطاقة المرتفعة منذ الحرب الروسية-الأوكرانية، فتواجه صدمةً تضخّمية جديدة.

وأبعد من هرمز، تمثّل أزمة البحر الأحمر، السابقة للحرب الحالية على إيران والتي أعادت الحرب تنشيطها، نقطة اختناقٍ ثانية تحت الضغط. فقبل نوفمبر 2023، كان نحو 12 في المئة من التجارة العالمية و30 في المئة من حركة الحاويات العالمية يعبر قناة السويس، ناقلًا سلعًا تزيد قيمتها على تريليون دولار سنويًّا. وأضاف تحويل الملاحة التجارية إلى رأس الرجاء الصالح أسابيع إلى أزمنة العبور ورفع تكاليف الشحن كثيرًا. ولاحظ الممثل اليوناني في مجلس الأمن في يناير 2026 أن شركات الشحن «مضطرة على نحوٍ متزايد إلى تحويل سفنها نحو طرقٍ بديلة أكثر أمانًا لكنها أعلى كلفةً وأطول بكثير»، محذّرًا من أن استعادة الثقة في الطرق البحرية الدولية الحيوية تظلّ أمرًا أساسيًّا. ويمثّل الأثر المركّب لإغلاق هرمز واضطراب البحر الأحمر ضغطًا متزامنًا غير مسبوق على منظومة التجارة البحرية العالمية.

وكانت العواقب على سوق الطاقة فورية وحادّة. ومن المفارقة أن إيران استفادت من إغلاق هرمز من وجهٍ واحد: فكما أفادت بلومبرغ في مارس 2026، ارتفعت عائداتها النفطية بعد أن صارت المصدّر الوحيد القادر على العمل خارج المضيق عبر بحر قزوين والطرق البرية. أما السوق الأوسع فشهدت قفزاتٍ حادّة في الأسعار ونقصًا في الإمدادات وتفعيل الاحتياطيات الاستراتيجية لدى كبار المستهلكين. وصارت البنية التحتية السعودية للأنابيب، ومنها خط شرق-غرب الذي يتجاوز هرمز عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، بالغة الأهمية طريقًا بديلًا للإمداد، وإن كانت حلًّا جزئيًّا لا يخدم كل منتجي الخليج. وأثبتت الأزمة صواب الاستثمار في البنى المتجاوزة لهرمز، وسرّعت النقاشات الخليجية حول مشروع سكك حديد الخليج المقترح منذ أمدٍ طويل لربط شبكات السكك القائمة في أرجاء المنطقة.

وأفرز تقاطع أمن الطاقة والاستثمار في الذكاء الاصطناعي إحدى أكثر الحكايات الجيوسياسية غير المتوقّعة في 2026. فقد التزمت صناديق الثروة السيادية والحكومات الخليجية بنحو 2.5 تريليون دولار من الاستثمارات في التكنولوجيا الأمريكية، ما جعل دول الخليج لاعبًا أساسيًّا في المنظومة الأمريكية للذكاء الاصطناعي، ونسج شبكة اعتمادٍ اقتصادي متبادل تكمّل الضمانات الأمنية التقليدية. وجعل صندوق السعودية السيادي للذكاء الاصطناعي البالغ 100 مليار دولار، وصفقة غوغل-«هيوماين» البالغة 10 مليارات دولار، وتعهّدها الاستثماري الإجمالي البالغ 600 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، شركاتِ غوغل وأمازون ومايكروسوفت أصحاب مصلحةٍ مالية مباشرة في استقرار المملكة. ولذلك صار تعطيل البنية التحتية الخليجية بالضربات الإيرانية لا مشكلةً أمنية إقليمية فحسب، بل تهديدًا للمصالح التجارية لبعض أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية، وهو تطوّرٌ قد يخلق مع الوقت دوائر جديدة داعمة لأمن الخليج داخل الأوساط التجارية والسياسية الأمريكية.

وكانت سياسة «أوبك+» بُعدًا آخر للتنافس الجيوسياسي في قطاع الطاقة الشرق أوسطي. فإدارة السعودية لقرارات الإنتاج في «أوبك+»، التي كثيرًا ما وضعتها في خلافٍ مع الولايات المتحدة (المفضّلة لأسعارٍ أدنى) ومع روسيا (المفضّلة لأسعارٍ أعلى لاحتياجاتها المالية)، صارت أداةً من أدوات «الاستقلالية الاستراتيجية الهجومية». وتشكّلت السياسة النفطية السعودية في 2025 و2026 بضرورتين: رؤية 2030 التي تتطلّب عائداتٍ نفطية مستدامة لتمويل التحوّل الاقتصادي، والرغبة في الحفاظ على النفوذ في أسواق الطاقة العالمية حتى مع تزايد الشكوك حول المسار طويل الأمد للطلب على الهيدروكربونات. وخلقت الأزمة الإيرانية دينامياتٍ جديدة في «أوبك+»، إذ يتعيّن على قرارات الإنتاج السعودية الآن أن تأخذ في الحسبان اضطراب الطاقة الإنتاجية الإيرانية والخليجية إلى جانب الاعتبارات السوقية التقليدية.

وتتجاوز التداعيات المالية العالمية للأزمة الشرق أوسطية أسواقَ الطاقة. فصناديق الثروة السيادية الخليجية، كصندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز أبوظبي للاستثمار وجهاز قطر للاستثمار وغيرها، تدير مجتمعةً تريليونات الدولارات من الأصول في أسواق رأس المال العالمية، واستقرارها وقدرتها الاستثمارية مرتبطان مباشرةً بأمن دول الخليج نفسها. فتهديدٌ إيراني مطوّل للبنية التحتية الخليجية للطاقة، قوّض الثقة في أمان المشاريع العملاقة كنيوم والمناطق الصناعية في أبوظبي وتوسّع الغاز المسال القطري، سيُحدث آثارًا متتالية في المشهد الاستثماري العالمي. وقدّر بنك غولدمان ساكس أن شركات التكنولوجيا الكبرى التزمت بـ50 مليار دولار للبنية التحتية الخليجية بين 2022 و2026؛ وهذا الرأسمال مرتبطٌ الآن باستقرار الخليج، ما ينشئ روابط مباشرة بين أمن الشرق الأوسط والأسواق المالية العالمية.

ويمتدّ دور الشرق الأوسط في تدفّقات التجارة العالمية إلى ما بعد الطاقة. فممرّ قناة السويس والبحر الأحمر، ودور الخليج مركزًا عالميًّا للطيران، وموقع المنطقة مركزًا رقميًّا ولوجستيًّا صاعدًا، كلّها وظائف تعتمد على حدٍّ أدنى من الأمن الإقليمي يتعرّض حاليًّا لاضطرابٍ شديد. وقد استثمرت دبي وأبوظبي بكثافة لتقديم نفسيهما مركزين ماليين ولوجستيين عالميين ينافسان سنغافورة ولندن ونيويورك في إدارة تدفّقات التجارة العالمية، وهدّدت الضربات الإيرانية على البنية التحتية الإماراتية هذه الطموحات مباشرةً، محدثةً خسائر اقتصادية تتجاوز كثيرًا الضرر المباشر بالمباني والمعدّات. والسؤال الأوسع، أي هل يستطيع الخليج مواصلة أجندة التحديث الاقتصادي وسط تهديداتٍ عسكرية متكرّرة، سيكون من الأسئلة الاستراتيجية المُعرِّفة للعقد المقبل.

ويضيف التحوّل إلى الطاقة الخضراء بُعدًا آخر إلى المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط. فرؤية السعودية 2030 تتوقّع صراحةً تنويعًا بعيدًا عن الاعتماد على النفط حتى وهي تواصل تعظيم العائدات النفطية في المدى القريب. وصارت دول الخليج مستثمرًا رئيسيًّا في الطاقة الشمسية والهيدروجين وتقنيات الطاقة النظيفة الأخرى، مقدّمةً نفسها مصدّرًا عالميًّا محتملًا للطاقة حتى ما بعد الهيدروكربونات. ومن المفارقة أن الاضطراب الذي أحدثته الأزمة الحالية عزّز إلحاح هذا التحوّل: لدول الخليج نفسها، التي تدرك الهشاشة بعيدة المدى للاقتصاد المعتمد على الهيدروكربونات، وللمستهلكين العالميين الذين تذكّروا المخاطر السياسية الكامنة في الاعتماد على طاقة الشرق الأوسط.

وتعكس توقّعات البنك الدولي لنمو اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نطاق 2.6 إلى 2.8 في المئة لعام 2025 القيودَ البنيوية على التنمية الإقليمية: نموٌّ بطيء، وبطالةٌ مرتفعة بين الشباب، وضغوطٌ مالية من التحوّل الطاقوي، وكلفةٌ اقتصادية للصراعات. وتغذّي هذه الضغوط الإحباطاتِ الاجتماعية التي تديرها الحكومات السلطوية بمزيجٍ من القمع والتحديث الانتقائي، وهو نموذجٌ يُشكّ في استدامته بعيدة المدى، ولا سيما مع دخول «الكتلة الشبابية» العربية سوق العمل. ويخلق غياب الانفتاح السياسي الحقيقي، مقرونًا بتحديثٍ اقتصادي يفيد أساسًا قلّةً متّصلة بالسلطة، ظروفًا لعدم الاستقرار الاجتماعي الذي سبق تاريخيًّا الاضطرابات الإقليمية.

وتتطلّب معالجة هذه المخاطر إصلاحاتٍ اجتماعية واقتصادية أجرأ تتجاوز التحديث الشكلي. ويمكن أن تشمل الخيارات السياساتية توسيعًا كبيرًا للاستثمار في إصلاح التعليم، مع التركيز على إعداد الشباب للعمل في القطاع الخاص والاقتصادات الرقمية لا في الوظائف الحكومية وحدها. ويمكن لتحرير سوق العمل وتعزيز دعم ريادة الأعمال أن يساعدا على استيعاب الكتلة الشبابية الكبيرة. ومن شأن شبكات أمانٍ اجتماعي أقوى، كالتحويلات النقدية الموجّهة وتأمين البطالة والخدمات الأساسية الشاملة، أن تخفّف وطأة المراحل الانتقالية على الفئات الهشّة. ويمكن لإصلاحات تحسين الحوكمة، وضمان توزيعٍ أعدل لمنافع النمو، وزيادة المشاركة المدنية تدريجيًّا، أن تنزع فتيل المظالم الشعبية. ويظلّ دمج النساء والمجتمعات المهمّشة في القوى العاملة رافعةً حيوية لإطلاق مصادر نموٍّ جديدة وتقليص عدم الاستقرار طويل الأمد في أرجاء المنطقة.

واستشرافًا، سيعتمد المسار الاقتصادي للشرق الأوسط اعتمادًا كبيرًا على حلّ الأزمة الأمنية الراهنة. فتسويةٌ تفاوضية تعيد فتح هرمز، وتستعيد أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتهيّئ الظروف لاستثمارٍ جادّ في إعادة الإعمار الخليجي، قد تحفّز استئناف النمو الاقتصادي ودفعًا متجدّدًا نحو طموحات التحوّل في رؤية 2030 ونظيراتها الإماراتية والقطرية. أما صراعٌ مطوّل، فسيُلحق ضررًا دائمًا بجاذبية الخليج وجهةً للاستثمار، ويسرّع استراتيجيات التنويع لدى الدول المستوردة للطاقة، ويولّد نوع التدهور الاقتصادي الإقليمي الذي أنتج تاريخيًّا عدم استقرارٍ سياسي واسع النطاق. فالرهانات الاقتصادية للقرارات الأمنية المتّخذة في واشنطن وطهران والرياض وأبوظبي والقدس عام 2026 تمتدّ إلى كل زاويةٍ من الاقتصاد العالمي، وهي حقيقةٌ جعل الصراع الحالي تجاهلها مستحيلًا.

خاتمة: إدارة ما لا يُدار

يجد المجتمع الدولي نفسه في مايو 2026 غير مهيّأ لحجم التحدّيات التي يطرحها الشرق الأوسط وتزامنها. فأزمات المنطقة ليست منفصلة أو قابلةً للإدارة كلٌّ على حدة، بل مترابطةٌ بعمق، يغذّي بعضها بعضًا في حلقاتٍ ارتدادية من عدم الاستقرار تتحدّى المقاربة المتسلسلة والمجزّأة التي تعتمدها إدارة الأزمات الدولية عادةً. فالحرب الأمريكية-الإيرانية أعادت تنشيط الصراع في لبنان، وهدّدت بجرّ الحوثيين، وعرّضت دول الخليج لهجومٍ مباشر غير مسبوق، وجمّدت فعليًّا مسار الحكم في غزة. وهشاشة وقف إطلاق النار في غزة تخلق بدورها مخاطر قد تعيد إشعال العمليات البحرية الحوثية وتقوّض أيّ زخمٍ قائم نحو تسويةٍ أمريكية-إيرانية. وهشاشة الانتقال السوري تتيح فرصًا لإعادة تشكّل تنظيم «الدولة الإسلامية» قد تفرض، إن تحقّقت، عبئًا أمنيًّا جديدًا على منطقةٍ مُنهَكة أصلًا. وليست هذه الترابطات عرضية؛ إنها تعكس مدى اشتراك صراعات الشرق الأوسط في جذورٍ مشتركة: هشاشة الدولة، والتدخّل الخارجي، والانقسام الطائفي، والحرمان الاقتصادي، وغياب الحكم الشرعي.

ولم تعد الأطر التحليلية القديمة كافيةً لتعقيد المنطقة. فنموذج «محور المقاومة في مواجهة العرب المعتدلين»، الذي هيمن على التحليل الأمني الشرق أوسطي عقدين، تحطّم بالضربات الإيرانية على دول الخليج «المعتدلة»، مبرهنًا على أن فئتي الحليف والخصم أكثر سيولةً بكثير مما افترضه الإطار. وإطار «حلّ الدولتين» للقضية الفلسطينية صار عمليًّا بلا موضوع بفعل الوقائع على الأرض، وإن احتفظ برواجه الدبلوماسي الرسمي. وإطار «النظام الأمريكي»، الذي وضع واشنطن ضامنًا أمنيًّا لا غنى عنه يمنع حضورُه، على علّاته، أسوأ نزوعات المنطقة من أن تصير نتائج كارثية، تعقّد بانكشاف أن واشنطن نفسها قد تكون مُشعِلة أشدّ أحداث المنطقة زعزعةً للاستقرار.

وما يتشكّل في الشرق الأوسط معمارٌ أمني متعدّد الأقطاب ما تزال الصراعات الجارية ترسم ملامحه. فالسعودية تقدّم نفسها مركزًا اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا لنظامٍ إقليمي جديد، «سلامٍ سيادي» يقوم على التكامل الاقتصادي وتقليص الحرب بالوكالة والاستقلالية الاستراتيجية عن واشنطن وبكين كلتيهما. والإمارات ترسم مسارًا أكثر تطوّرًا تقنيًّا وحزمًا عسكريًّا، تعمّق فيه علاقتها بإسرائيل وتبني قدرةً دفاعية مستقلة. وتركيا تؤكّد دورها قوةً إقليمية لا غنى عنها لعالمٍ عربي سنّي فقد الثقة في موثوقية أمريكا وفي القدرة المؤسسية العربية. والصين توسّع بثبات بصمتها الاقتصادية وتقدّم نفسها بديلًا عن النظام الذي تقوده أمريكا. وإيران، المنهَكة والمنقسمة داخليًّا، تحتفظ بقدرتها على زعزعة المنطقة وإن تراجعت طموحاتها الهيمنية تراجعًا شديدًا.

وعلى هذه الخلفية، تبقى آفاق التثبيت الإقليمي الحقيقي في المدى القريب محدودة. فالأفق الأكثر واقعية ليس الاستقرار، بل «عدم الاستقرار المُدار»: حالةٌ تُحتوى فيها الأزمات الأشدّ حدّةً دون عتبة الانهيار الشامل، ويستمرّ الانخراط الدبلوماسي حتى وسط الصراع النشط، ويطوّر الفاعلون الإقليميون قدرةً تكيّفية على البقاء في بيئةٍ متقلّبة على الدوام. ليست هذه رؤيةً ملهمة، لكنها رؤيةٌ صادقة. وقد أظهر الشرق الأوسط، عبر قرونٍ من تاريخه المضطرب، قدرةً لافتة على امتصاص العنف، والتكيّف مع الظروف المتحوّلة، وتوليد أنظمةٍ جديدة من أنقاض المنهارة في النهاية. والأزمة الحالية، على شدّتها، ليست بلا سابقة في تاريخ المنطقة، وسيتشكّل حلّها، متى جاء، بالقوى الجوهرية ذاتها، القوة والمصلحة والهوية والتطلّع، التي طالما عرّفت الحالة الشرق أوسطية.

ولا بدّ من ترتيب أولويات المهامّ الأكثر إلحاحًا وأهمية للمجتمع الدولي لمنع الصراع الحالي من التصاعد إلى نقطة اللاعودة. وبحسب الإلحاح والأثر المحتمل، ينبغي ترتيب الإجراءات السياساتية التالية وتسلسلها على النحو الآتي:

  1. أولًا: السعي العاجل إلى تسويةٍ تفاوضية للصراع الأمريكي-الإيراني تقيّد القدرة النووية الإيرانية على نحوٍ قابل للتحقّق وتؤمّن إعادة فتح مضيق هرمز، حتى لو تطلّب ذلك تنازلاتٍ لا تستوفي المطالب الأمريكية القصوى. فهذا هو التدخّل المُثبِّت الأهمّ المتاح، وهو أساسي لاحتواء التصعيد الإقليمي وتجنّب حربٍ أوسع.
  2. ثانيًا: تنفيذ جهدٍ دولي منسّق ومتين لتعزيز وقف إطلاق النار في غزة ومراقبته، مع التزامٍ جادّ ببناء قدرات الدولة الفلسطينية، يستبدل الدبلوماسية الرمزية بدعمٍ ملموس بالموارد والحوكمة، لتقليص خطر بقاء غزة مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار والتطرّف الإقليمي.
  3. ثالثًا: الحفاظ على انخراطٍ دولي مستدام، سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، في سوريا ولبنان لصون مسارات الانتقال الجارية، فهذا الانخراط حاسم لمنع انهيار انتقالاتٍ هشّة ما بعد الصراع قد تنزلق خلافًا لذلك إلى سلطويةٍ متجدّدة أو حربٍ أهلية أو عودةٍ للتهديدات المتطرّفة.

وينبغي أن يُسند كلٌّ من هذه الإجراءات بتنسيقٍ دبلوماسي وثيق بين الفاعلين الدوليين المعنيين، ودعمٍ إنساني متزايد حيث تلزم الحاجة، ورصدٍ يقظ للمخاطر الناشئة في كل المسارح الإقليمية. فترتيب هذه التدخلات وتسلسلها يساعدان على تركيز الموارد والاهتمام الدوليين على روافع التثبيت الأعلى أثرًا.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدّده القوى الخارجية، التي تأتي مصالحها، مهما عظمت، في المرتبة الثانية بعد مصالح شعوب المنطقة نفسها، بل خيارات الحكومات الإقليمية والحركات الاجتماعية والمجتمع المدني في السنوات المقبلة. ويظلّ نشوء معمارٍ أمني إقليمي حقيقي، تملكه الدول الإقليمية وتديره بدلًا من أن تفرضه القوى الخارجية، تطلّعًا بعيدًا لكنه غير مستحيل. وقد أثبتت الأزمة الحالية، على كلفتها المدمّرة، بما لا يدع مجالًا للشكّ أن الترتيبات القديمة لم تعد كافية، وأن نظامًا إقليميًّا جديدًا لا بدّ أن يُبنى. أما شكل هذا النظام، ومن يبنيه، وبأيّ ثمن، فتلك هي الأسئلة المفتوحة المُعرِّفة للشرق الأوسط المعاصر.

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). الشرق الأوسط بعد انهيار النظام القديم: إيران وغزة ولبنان وسوريا واليمن والخليج وتنافس القوى الكبرى في 2026. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الجيوسياسة والأمن الدولي وجنوب شرق آسيا والإسلام في العالم الملايوي.

من المرصد

تحليلات أخرى