في شقّةٍ بالطابق الرابع من شارع الوزير في الرياض، وعلى شجرةٍ عاليةٍ عُلّق عليها جهاز البثّ، وُلد مطلعَ ستينيات القرن الماضي صوتٌ أهليٌّ يقرأ الأخبار بلهجة أهل نجد ويختمها بقوله: «يقرؤها لكم أنا». لم يعش ذلك الصوت ثلاث سنوات، لكنّ قصّته تختصر سؤالًا كبيرًا: لمن الفضاء المسموع في الدولة الحديثة؟
الملخّص
تعيد هذه الدراسة قراءة تجربة «إذاعة طامي»، أوّل إذاعةٍ أهلية في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية، التي أسّسها عبد الله بن سليمان العويد الملقّب بـ«طامي» في الرياض سنة 1381هـ (نحو 1961م)، وتوقّفت بتوجيهٍ حكومي بعد أقلّ من ثلاث سنوات مع اقتراب الافتتاح الرسمي لإذاعة الرياض. وتتّخذ الدراسة من هذه التجربة القصيرة مدخلًا لفهم الإعلام في الشرق الأوسط بوصفه أداةً للسلطة والضبط، وساحةً للتعبير في آن، وتتتبّع خيطها من زمن الحرب الإذاعية العربية في الستينيات إلى زمن المنصّات الرقمية في عهد وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان.
الأطروحة
لم تكن إذاعة طامي أداة دعايةٍ رسمية، بل كانت صوتًا أهليًّا وطنيَّ الهوى، ولم تُطوَ صفحتها لأنها خالفت الدولة، بل لأنّ الدولة الحديثة قرّرت أن تتولّى الفضاء المسموع بنفسها؛ وفي هذا الانتقال من المبادرة الأهلية إلى الاحتكار الرسمي يكمن مفتاح فهم العلاقة بين الإعلام والسلطة في المملكة حتى اليوم.
الكلمات المفتاحية: إذاعة طامي؛ عبد الله العويد؛ إذاعة الرياض؛ الإعلام السعودي؛ صوت العرب؛ الفضاء العام؛ الاتصال السياسي؛ أنثروبولوجيا الإعلام؛ وسائل التواصل الاجتماعي.
مقدّمة: الفضاء المسموع بوصفه سؤالًا سياسيًّا
حين يُكتب تاريخ الشرق الأوسط السياسي، ولا سيما تاريخ المملكة العربية السعودية، تحضر في الغالب ثلاثيةٌ مألوفة: الملكية، والنفط، والدين. غير أنّ بُعدًا آخر كثيرًا ما يغيب عن دائرة الضوء: الإعلام بوصفه أداةً للسلطة والضبط، وميدانًا للتعبير والمنازعة في آن. فالدولة الحديثة لا تحكم الأرض والثروة وحدهما، بل تحكم أيضًا ما يمكن تسميته «الفضاء المسموع»: من يحقّ له أن يتكلّم في الأثير، وبأيّ لسان، ولمن يتوجّه بالخطاب.
وفي هذا الأفق تكتسب تجربة «إذاعة طامي» دلالةً تتجاوز حجمها المتواضع. فهي ليست مؤسّسةً عملاقة ولا جهازًا دعائيًّا، بل مبادرةٌ فردية لرجلٍ شغوفٍ بالأجهزة والأصوات، أطلق من الرياض إذاعةً أهلية في مطلع الستينيات، ثم أُوقفت حين نضجت الدولة لامتلاك صوتها الخاص. وفي هذا المسار القصير، من الولادة الأهلية إلى الطيّ الرسمي، تتكثّف أسئلةٌ ما تزال حيّةً في زمن المنصّات الرقمية: من يملك الكلمة المسموعة؟ وأين تنتهي المبادرة المجتمعية ويبدأ احتكار الدولة؟ وهل يمكن للسرد أن يُضبط ضبطًا كاملًا؟
أوّلًا: إذاعة طامي في سياقها التاريخي
عرفت المملكة البثّ الإذاعي الرسمي سنة 1368هـ (1949م)، حين انطلقت أولى الإذاعات السعودية من جدّة بمرسومٍ ملكي، بفكرةٍ تُنسب إلى الأمير سعود بن عبد العزيز حين كان وليًّا للعهد (سعوديبيديا). وقد بيّن الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، مؤرّخ الإعلام السعودي، أنّ البثّ بدأ من جدّة ليلة عيد الأضحى، لا من خيمةٍ في عرفات كما شاع، وأنّ استوديو مكّة افتُتح بعد ذلك بنحو عامين (صحيفة الوطن). أمّا المنطقة الوسطى، وفي قلبها الرياض، فقد بقيت سنواتٍ دون إذاعةٍ تخاطبها بصوتها وهمومها اليومية، إلى أن بدأ البثّ الرسمي من الرياض سنة 1965م.
وفي هذه الفجوة وُلدت إذاعة طامي. فمؤسّسها عبد الله بن سليمان العويد، المولود في بريدة سنة 1341هـ، والملقّب بـ«طامي»، رجلٌ شغف بالراديو مبكّرًا حتى افتتح في مكّة أوّل ورشةٍ لإصلاح أجهزة الراديو في المملكة، ثم أطلق إذاعته من الرياض سنة 1381هـ (نحو 1961م) بجهوده الذاتية، فكانت أوّل إذاعةٍ أهلية في المنطقة الوسطى (موسوعة أرشيف الشارخ؛ مجلة المجلة). ولم تكن إذاعةً خارجة عن الدولة، بل حظيت بترخيصٍ من مجلس الوزراء في عهد الملك سعود، وبشيءٍ من الدعم الحكومي (أرشيف الشارخ).
وكانت الإذاعة بسيطةً حدّ الدهشة: تُبثّ من شقّةٍ في الطابق الرابع من شارع الوزير، وقد ثُبّت جهاز الإرسال على شجرةٍ عالية قرب مبنى قبالة شرطة النجدة (موقع محتويات). وبرامجها عفوية بلهجة أهل البلد، غير مقيّدةٍ بمواعيد صارمة: أخبارٌ يجمعها طامي من الصحف اليومية ومن الإذاعات الأخرى، ثم يختمها بعبارته الشهيرة «يقرؤها لكم أنا»؛ وأغانٍ عربية ومحلية؛ ونقلٌ لبعض المباريات؛ وإعلاناتٌ عن المواشي الضائعة وأسعار الخضار (مجلة المجلة). بل نقلت سنة 1382هـ حفلًا جامعيًّا نقلًا حيًّا، وكان بثّها يبلغ أحيانًا أطرافًا من العراق والأردن (أرشيف الشارخ؛ المجلة).
غير أنّ هذا الصوت الأهلي لم يعش طويلًا؛ فلم تكمل الإذاعة ثلاث سنوات حتى صدر التوجيه الحكومي بإيقافها مع اقتراب الافتتاح الرسمي لإذاعة الرياض. ونال المؤسّس مكافأةً مالية، وتعذّر تعيينه في وزارة الإعلام، فالتحق بوزارة الدفاع حتى تقاعده، ثم انصرف إلى الابتكار، فصنع أجهزة تكييفٍ وجهاز «الراديو الهاتفي» الذي استُعمل في مدارس ودوائر حكومية، ورفض عرضًا من شركة فيليبس لشراء اختراعه خشية ضياع حقّه فيه (موقع محتويات).
لم تُطوَ إذاعة طامي لأنها خالفت الدولة، بل لأنّ الدولة الحديثة قرّرت أن تتكلّم بصوتها هي.
ثانيًا: زمن الحرب الإذاعية العربية
لا يمكن فهم تلك اللحظة بمعزلٍ عن المشهد العربي في الخمسينيات والستينيات، حين صارت الإذاعة سلاحًا سياسيًّا بامتياز. فقد بلغت إذاعة «صوت العرب» من القاهرة، في عهد جمال عبد الناصر، ذروة تأثيرها في الوطن العربي، تبثّ خطاب القومية العربية وتهاجم الأنظمة الملكية، ومنها المملكة. وفي هذا المناخ كان الأثير ساحة صراعٍ بين مشروعين: قوميةٍ ثوريةٍ تتّخذ من القاهرة مركزًا، ومحافظةٍ دينيةٍ ملكيةٍ تتّخذ من الرياض وجدّة مرتكزًا.
واللافت أنّ إذاعة طامي، على أهليتها وعفويتها، لم تكن بعيدةً عن هذا الصراع؛ إذ تذكر الروايات أنّ من غاياتها الردّ على الحملات الإعلامية الموجّهة ضدّ المملكة وتعزيز الروح الوطنية (موقع محتويات). فهي صوتٌ مجتمعيٌّ تطوّع للدفاع عن الوطن في معركة الأثير، قبل أن تتسلّم الدولة هذه المعركة بأجهزتها الرسمية. وهنا تكمن المفارقة: فالمبادرة الأهلية التي سدّت فراغًا في لحظة حرجة، صارت هي نفسها فائضةً عن الحاجة حين قرّرت الدولة أن تخوض الحرب الإعلامية بمؤسّساتها. ولم يكن إيقافها عقابًا، بل إعادة ترتيبٍ للفضاء المسموع تحت مظلّةٍ واحدة.
ثالثًا: الإعلام والسياسة والسلطة في الشرق الأوسط
تذكّرنا هذه القصّة بأنّ الإعلام في الشرق الأوسط لم يكن «سلطةً رابعة» على النحو الذي تتصوّره الديمقراطيات الغربية، بل كثيرًا ما أدّى ثلاث وظائف متشابكة:
- أداةً لضبط الدولة: لتوجيه الرأي العام وحفظ الاستقرار السياسي، ولتحديد من يحقّ له أن يتكلّم في الفضاء العام.
- منبرًا للخطاب الديني الرسمي: لنشر الفهم الديني الذي تتبنّاه الدولة وتراه أساسًا لشرعيتها.
- سلاحًا في الدبلوماسية الإقليمية: فالإذاعات كانت أدوات تنافسٍ على النفوذ بين العواصم العربية، كما في المواجهة بين القاهرة والرياض في الستينيات.
وقد اجتمعت هذه الوظائف الثلاث في الإذاعة الرسمية التي ورثت الفضاء الذي شغلته إذاعة طامي. فقصّة طامي، من هذه الزاوية، ليست تاريخ إذاعةٍ صغيرة فحسب، بل نافذةٌ على كيفية تشكّل إدارة الخطاب العام في المملكة: من تعدّديةٍ عفوية محدودة، إلى مركزيةٍ رسمية تمسك بالأثير.
رابعًا: فضاءٌ عامٌّ أهليٌّ قصير العمر
في مجتمعٍ كانت فيه القراءة محدودة الانتشار، كانت الإذاعة فضاءً عامًّا بديلًا، يجمع الناس على صوتٍ واحد، ويصنع لهم «جماعةً متخيَّلة» تتقاسم الأخبار والأغاني وهموم السوق اليومية. وإذاعة طامي، بإعلاناتها عن المواشي الضائعة وأسعار الخضار، كانت أقرب ما تكون إلى «مجلسٍ مسموع» يمتدّ من الحيّ إلى أطراف البادية.
غير أنّ هذا الفضاء ظلّ، كسائر الفضاءات العامة في المنطقة، مشروطًا بالسلطة. فقد وُلد بترخيص، وعاش بدعم، وطُوي بتوجيه. ومن هنا تتّضح ثلاث خلاصات:
- الفضاء العام ليس محايدًا أبدًا: فهو يتشكّل دائمًا في ظلّ السلطة، يتّسع بإذنها ويضيق بقرارها.
- الإعلام أداةٌ للهيمنة بالمعنى الغرامشي: فالأصوات الحاضرة هي الأصوات المأذون لها، وما سواها يُدفع إلى الهامش أو يُستوعب في المؤسّسة.
- الإذاعة تصنع وهم المشاركة: يشعر الجمهور بأنه شريكٌ في الحدث، وهو في الحقيقة مستمعٌ يتلقّى ولا يتكلّم.
وتكتسب إذاعة طامي في هذا السياق قيمةً رمزيةً خاصة: فهي لحظةٌ نادرة تكلّم فيها فردٌ من عامّة الناس في الأثير بصوته ولهجته، قبل أن يصير الأثير شأنًا من شؤون الدولة وحدها.
خامسًا: من الإذاعة إلى وسائل التواصل الاجتماعي
إن كانت الإذاعة في الستينيات ساحة السيطرة على الصوت، فإنّ المنصّات الرقمية هي ساحتها اليوم. والمفارقة أنّ منطق العصر الرقمي يكاد يعيد المنطق القديم: فالدولة ما تزال تسعى إلى إدارة السرد، لكن بأدواتٍ جديدة: الرقابة السيبرانية، والدعاية الرقمية، وصناعة «الوسوم الرائجة».
غير أنّ الفضاء الرقمي فتح أيضًا أبوابًا جديدة؛ فقد اتّخذ جيلٌ من الشباب السعودي، ولا سيما بعد 2010، من منصّات مثل تويتر ويوتيوب وإنستغرام فضاءً للتعبير عن تطلّعاته ونقده، بل عن سخريته السياسية أحيانًا. وفي عهد وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث تتسارع التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية، تزداد هذه الساحة حساسيةً وأهمية. وهنا تظهر الاستمرارية بين إذاعة طامي والمنصّات الرقمية: كلتاهما ساحة شدٍّ وجذب بين ضبط الدولة وتطلّعات المجتمع. والفارق أنّ طامي كان صوتًا واحدًا يمكن إيقافه بتوجيه، أمّا الملايين المتكلّمون في الفضاء الرقمي فيصعب إسكاتهم بالطريقة ذاتها، وإن أمكن توجيههم وتأطيرهم.
سادسًا: القيمة الأكاديمية — نظرية الاتصال، وأنثروبولوجيا الإعلام، ودراسات الشرق الأوسط
يمكن قراءة تجربة إذاعة طامي من زوايا أكاديمية متعدّدة:
- نظرية الاتصال السياسي: فهي مثالٌ ملموس على انتقال سلطة «ترتيب الأولويات» و«التأطير» من مبادرةٍ أهلية إلى مؤسّسةٍ رسمية، وعلى الكيفية التي تحتكر بها الدولة الحديثة أدوات تشكيل الرأي العام.
- أنثروبولوجيا الإعلام: فالإذاعة ليست أداةً تقنية فحسب، بل وسيطٌ ثقافي شكّل طريقة فهم السعوديين لهويتهم؛ ولهجة طامي، وإعلانات السوق، وعبارة «يقرؤها لكم أنا»، كلّها علامات على إعلامٍ نابعٍ من الحياة اليومية لا من المكتب الرسمي.
- دراسات الشرق الأوسط: فقصّة طامي لا تنفصل عن جيوسياسة المنطقة، من التنافس السعودي-المصري في زمن عبد الناصر، إلى التنافس الإعلامي اللاحق مع إيران، إلى معارك السرد في الفضاء الرقمي اليوم.
وتذكّرنا مثل هذه الدراسات بضرورة النظر إلى الإعلام لا بوصفه نصًّا فحسب، بل ممارسةً اجتماعية وسياسية وثقافية.
خاتمة: إعادة قراءة الشرق الأوسط بعدسة الإعلام
لقد وُلدت إذاعة طامي في زمنٍ غير زمننا، وعاشت أقلّ من ثلاث سنوات، لكنّ دلالتها ما تزال حيّة. فهي تعلّمنا أنّ فهم الشرق الأوسط لا يكتمل بالنظر إلى الملكية والنفط والصراعات الجيوسياسية وحدها، بل يقتضي النظر إلى الإعلام بوصفه ميدان معركةٍ على الخطاب. لقد كانت إذاعة طامي صوتًا أهليًّا وطنيَّ الهوى، ثم صار الأثير من بعدها شأنًا من شؤون الدولة؛ واليوم تقوم المنصّات الرقمية مقام الأثير، ويعود السؤال القديم بصيغةٍ جديدة: إلى أيّ حدٍّ يمكن ضبط السرد ضبطًا كاملًا؟
إنّ إعادة قراءة هذه التجربة دعوةٌ إلى قراءة السياسة في الشرق الأوسط عبر بُعدها الإعلامي، فبه نفهم ديناميات أدقّ، لكنها حاسمة في رسم اتجاه المنطقة. وفي تذكّر رجلٍ علّق جهاز إرساله على شجرةٍ في الرياض، ثم أطفأه حين طُلب منه ذلك، درسٌ عن العلاقة الملتبسة بين المبادرة والسلطة، وبين الصوت والإذن، ما يزال صالحًا لقراءة الحاضر.
المراجع والمصادر
- عبد الله بن بجاد العتيبي: الراديو وإذاعة «طامي»، مجلة المجلة
- موسوعة أرشيف الشارخ: إذاعة طامي
- محتويات: ما هي قصة إذاعة طامي، الإذاعة الشعبية بالرياض
- Saudipedia: Timeline of the Development of Saudi Radio
- عبد الرحمن الشبيلي: مقالٌ في نشأة الإذاعة السعودية، صحيفة الوطن
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). إذاعة طامي: من صوتٍ أهليٍّ في الرياض إلى سؤال الإعلام والسلطة في المملكة العربية السعودية. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


