دولةٌ-مدينة لا يتجاوز سكانها خمسة ملايين ونصف المليون، لكنها بنت واحدةً من أكثر المنظومات الاستخباراتية تنظيمًا وتطوّرًا وتكاملًا في آسيا. تفكّك هذه الدراسة بنية الاستخبارات السنغافورية، ومنظومة المعرفة المحيطة بها، وتحالفاتها الدولية، وتقنياتها، وسياسات استقطاب كوادرها، ونفوذها الإقليمي، ثم نقاط ضعفها.
الملخّص
تتناول هذه الدراسة على نحوٍ شامل قوة الاستخبارات السنغافورية خلال السنوات العشر الأخيرة. ويشمل التحليل البنية التنظيمية الرئيسية (إدارة الأمن الداخلي، وشعبة الأمن والاستخبارات، والخدمة الرقمية والاستخباراتية)، ودور مراكز الفكر الاستراتيجية (RSIS وISEAS وCENS)، والتحالفات الدولية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وأستراليا، والابتكار التقني القائم على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والاستخبارات السيبرانية. كما تبحث الدراسة استراتيجيات استقطاب الكوادر، والنشاط الاستخباراتي الإقليمي، وتقييم مخاطر النموذج السنغافوري ونقاط ضعفه، لترسم صورةً متكاملة لموقع سنغافورة قوةً استخباراتية إقليمية في جنوب شرق آسيا.
المحاور: البنية والتنظيم؛ منظومة المعرفة ومراكز الفكر؛ التحالفات الاستراتيجية؛ التكنولوجيا والابتكار؛ استقطاب الكوادر؛ النشاط والنفوذ الإقليمي؛ المخاطر ونقاط الضعف.
أولًا: مقدّمة
بوصفها دولةً-مدينة في بيئةٍ جيوسياسية معقّدة، تولي سنغافورة قدراتها الاستخباراتية أهميةً قصوى لضمان أمنها الوطني. وخلال السنوات العشر الأخيرة، شهدت عمارتها الاستخباراتية تحوّلًا كبيرًا، من إعادة الهيكلة التنظيمية إلى تحديث التكنولوجيا، لمواجهة طيفٍ جديد من التهديدات كالإرهاب العابر للحدود، والتجسّس السيبراني، وحرب المعلومات. وتبحث هذه الدراسة التحليلية سبعة جوانب رئيسية: البنية التنظيمية للاستخبارات السنغافورية، ومنظومة المعرفة ومراكز الفكر، والتحالفات الاستراتيجية الدولية، والابتكار في تكنولوجيا الاستخبارات، واستراتيجيات الكوادر والاستقطاب، والنشاط الإقليمي (في جنوب شرق آسيا خاصة)، ثم تقييم مخاطر النموذج الاستخباراتي السنغافوري ونقاط ضعفه.
ثانيًا: بنية الاستخبارات السنغافورية وتنظيمها
تملك سنغافورة ثلاث مؤسسات استخباراتية رئيسية بوظائف مختلفة: إدارة الأمن الداخلي (ISD) للأمن الداخلي، وشعبة الأمن والاستخبارات (SID) للاستخبارات الخارجية، والاستخبارات العسكرية داخل القوات المسلحة السنغافورية، التي باتت اليوم في صورة «الخدمة الرقمية والاستخباراتية» (DIS). وتعمل المؤسسات الثلاث ضمن إطار تنسيقٍ وطني مركزي:
- إدارة الأمن الداخلي (ISD): نشأت في الحقبة الاستعمارية باسم «الفرع الخاص» (Special Branch)، وأعيد تنظيمها بعد الاستقلال، وتتبع وزارة الداخلية. وتتعامل مع التهديدات الداخلية كالإرهاب المحلي والتجسّس والتخريب السياسي وسائر قضايا الأمن الداخلي (CNA). وبصلاحياتٍ يمنحها قانون الأمن الداخلي، تستطيع الإدارة الكشف المبكر واتخاذ الإجراءات الوقائية، كاعتقال المشتبه بانتمائهم إلى الجماعة الإسلامية في 2001–2002. ولها تاريخٌ طويل يعود إلى زمن التهديد الشيوعي، وقد تحوّلت لمواجهة ظاهرة الأفراد «المتطرّفين ذاتيًّا» في العصر الحديث (وزارة الخارجية الأمريكية).
- شعبة الأمن والاستخبارات (SID): هي جهاز الاستخبارات الخارجية في سنغافورة، تتبع إداريًّا وزارة الدفاع لكنها ترفع تقاريرها مباشرةً إلى مكتب رئيس الوزراء (مدخل SID). أُسّست عام 1966 بُعيد الاستقلال، ومهمّتها جمع المعلومات من أنحاء العالم وتحليلها بما يمسّ الأمن الوطني ومصالح سنغافورة. وهي مستقلة وشديدة السرية؛ لا يعرف أفرادها إلا كبار المسؤولين، ويحمل مديرها رتبةً تعادل «السكرتير الدائم»، ويرفع تقاريره منذ السبعينيات مباشرةً إلى مكتب رئيس الوزراء بعد أن كان يرفعها إلى وزير الدفاع. ويشمل تركيزها القضايا الجيوسياسية والعلاقات الخارجية والإرهاب العابر للحدود والتهديدات السيبرانية، وتعمل بأساليب الاستخبارات البشرية (HUMINT) واستخبارات الإشارات (SIGINT) والتحليل الاستراتيجي والدبلوماسية غير الرسمية؛ فقد شاركت مثلًا في التفاوض في أزمة رهائن «لاجو» (1974)، ودعمت جهود بناء العلاقات مع إندونيسيا بعد المواجهة في أواخر الستينيات.
- الاستخبارات العسكرية — الخدمة الرقمية والاستخباراتية (DIS): كانت الاستخبارات العسكرية السنغافورية تُدار سابقًا عبر «منظمة الاستخبارات العسكرية» (MIO) داخل القوات المسلحة. وفي أكتوبر 2022، وفي إطار تحديث «قوات الجيل التالي»، دمجت سنغافورة وظائف الاستخبارات العسكرية والدفاع السيبراني في فرعٍ جديد هو الخدمة الرقمية والاستخباراتية (صحيفة وقائع وزارة الدفاع)، لتصبح الفرع الرابع للقوات المسلحة إلى جانب البرية والبحرية والجوية، ومهمّتها «الدفاع عن المجال الرقمي والسيطرة عليه». وتنضوي تحتها: مديرية الاستخبارات المشتركة (JID) التي تصوغ العقيدة وتدمج الاستخبارات بالعمليات؛ وقيادة الاستخبارات المشتركة (JIC) التي توفّر الاستخبارات التكتيكية والاستراتيجية وتدرّب ضباط الاستخبارات العسكرية (وتشمل مجموعة دعم الصور ومجموعة استخبارات مكافحة الإرهاب)؛ والأركان السيبرانية وقيادة C4 المعنيتان بالأمن السيبراني الدفاعي وشبكات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب؛ وقيادة الدفاع الرقمي (DDC) التي تطوّر قدرات الحماية الإلكترونية و«الدفاع النفسي» لمواجهة الحرب الإلكترونية وحرب المعلومات؛ ومركز التقنيات التشغيلية الرقمية وقيادة التدريب للابتكار في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي وتطوير الكوادر.
ويعكس إنشاء الخدمة الرقمية والاستخباراتية تزايد تركيز سنغافورة على التهديدات في الفضاء السيبراني، والحاجة إلى دمج الاستخبارات بالعمليات العسكرية؛ فهي تعزّز قدرات استخبارات الإشارات الإلكترونية والحرب السيبرانية، وتضمن التشغيل البيني الرقمي عبر الأفرع كلّها.
التنسيق بين الأجهزة: في عام 2004 أنشأت سنغافورة «أمانة تنسيق الأمن الوطني» (NSCS) في مكتب رئيس الوزراء لتحسين تنسيق السياسات والاستخبارات بين هذه الأجهزة. ويرأسها سكرتيرٌ دائم لتنسيق الأمن الوطني والاستخبارات، وتضمّ مركز تنسيق الأمن الوطني (تخطيط السياسات، وتقييم المخاطر، والمسح الاستشرافي) ومركزًا استخباراتيًّا مشتركًا (كان «المركز المشترك لمكافحة الإرهاب»، وصار «مركز بحوث الأمن الوطني») (RSIS). وتؤدّي الأمانة دور المحور في عمارة الأمن الوطني، إذ تضمن تبادل المعلومات والتحليلات الاستراتيجية بين إدارة الأمن الداخلي وشعبة الأمن والاستخبارات والاستخبارات العسكرية. وقبل إنشائها، كانت الشعبة والإدارة تعملان كلٌّ على حدة وتتحفّظان في تبادل البيانات؛ وبعد 2004 أُلزمتا بفتح قنوات معلوماتٍ مشتركة لمواجهة تهديدات الإرهاب الجديدة. وعبر هذه الآلية، صارت الاستخبارات مدمجةً في صنع القرار الوطني، بتقارير استراتيجية منتظمة إلى مجلس الوزراء ولجنة الأمن الوطني التي يرأسها رئيس الوزراء أو الوزير المنسّق للأمن.
الموقع في عمارة الأمن الوطني: تحتلّ الاستخبارات موقعًا مركزيًّا في مفهوم «الدفاع الشامل» السنغافوري. فالشعبة والإدارة هما عينا الحكومة وأذناها الاستراتيجيتان: الأولى تقدّم الإنذار المبكر بشأن التحولات الجيوسياسية والإرهاب العالمي لصانعي القرار (مهمة SID)، والثانية تحفظ الاستقرار الداخلي وتكشف التهديدات المحلية. وتُصفّى مخرجات الجهازين ومخرجات الاستخبارات العسكرية وتُنسَّق عبر الأمانة لدعم صياغة سياسات الأمن الوطني. وتشبه هذه البنية نموذج «مجتمع الاستخبارات» حيث تتبادل الأجهزة المعلومات مع احتفاظ كلٍّ منها بنطاقه (داخلي أو خارجي)، ومكتب رئيس الوزراء يؤدّي دور قائد الأوركسترا، بما يضمن دورة استخباراتية (جمع–تحليل–نشر) شاملة تغطّي تهديدات متعددة الأبعاد، عسكرية وغير عسكرية.
وتحافظ سنغافورة كذلك على درجةٍ عالية من السرية والسيطرة السياسية على استخباراتها. فلا يعرف تفاصيل أفراد الشعبة وعملياتها إلا قلّةٌ من كبار المسؤولين، والرقابة العامة على الاستخبارات محدودة نسبيًّا مقارنةً بالديمقراطيات الكبرى؛ إذ تُوكَل المساءلة إلى دائرة القيادة العليا. ويُعدّ ذلك ضروريًّا لأن صِغر الدولة يتطلّب عملًا استخباراتيًّا سريعًا ومتكاملًا بلا بيروقراطية معقّدة، وإن أثار تحدّياتٍ تتعلّق بضعف الضوابط والتوازنات الخارجية.
ثالثًا: منظومة المعرفة ومراكز الفكر في سنغافورة
لا تقوم قوة الاستخبارات السنغافورية على أجهزتها الرسمية وحدها، بل على منظومةٍ معرفية تدعم تحليل الاستراتيجية الأمنية. فالحكومة توظّف بفاعلية مراكز الفكر ومؤسسات البحث المحلية لإثراء الرؤية الاستخباراتية وبناء مناعة المجتمع في وجه التهديدات. ومن أكثرها تأثيرًا:
- مدرسة إس. راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS): مدرسةٌ ومركز فكر تابع لجامعة نانيانغ التكنولوجية، نشأت أصلًا باسم معهد الدراسات الدفاعية والاستراتيجية (IDSS)، وتُعرف بتركيزها على الدفاع والإرهاب والأمن غير التقليدي والسياسة الخارجية. وتضمّ خمسة مراكز بحثية وثلاثة برامج تغطّي هذه القضايا. ومن أبرزها «مركز التميّز للأمن الوطني» (CENS) المكرّس للتحليل الرصين ذي الصلة بالسياسات، والذي يدرس قضايا كالأمن السيبراني والتضليل والتدخّل الأجنبي والتهديدات الهجينة والاستقطاب الاجتماعي (CENS). وتشير أمانة تنسيق الأمن الوطني رسميًّا إلى المركز بوصفه شريكًا معرفيًّا استراتيجيًّا للحكومة (NSCS). وإلى جانب البحث، تنظّم المدرسة منتدياتٍ استراتيجية مثل برنامج آسيا والمحيط الهادئ لكبار مسؤولي الأمن الوطني (APPSNO) ودورة تدريب محلّلي الإرهاب (TATC)، فتجمع مسؤولي الاستخبارات والخبراء لتبادل الرؤى، بما يُبقي مجتمع الاستخبارات على تماسٍ دائم بأحدث النظريات والممارسات.
- معهد ISEAS–يوسف إسحاق: مركز فكرٍ رائد مكرّس لدراسة السياسة والأمن والاقتصاد في جنوب شرق آسيا (وصف المعهد)، يرصد الاتجاهات الإقليمية، بما فيها ديناميات السياسة في الدول المجاورة، والحركات المتطرفة، وعلاقات القوى الكبرى في المنطقة. وكثيرًا ما تُتّخذ منشوراته عن السياسة الداخلية في إندونيسيا وماليزيا أو تطوّرات بحر الصين الجنوبي مراجعَ للتحليل. ويساعد المعهد في الإنذار المبكر وفهم السياقات لصانعي القرار؛ ففي قضية المقاتلين الإرهابيين الأجانب بعد «داعش» مثلًا، درس أنماط حركتهم وجهود اجتثاث التطرّف في إندونيسيا والفلبين، وهي معرفةٌ تفيد الأجهزة في منع امتداد التهديد إلى سنغافورة. ويسهم المعهد مع RSIS في «دبلوماسية المسار الثاني» عبر حواراتٍ إقليمية يشارك فيها كثيرًا مسؤولون استخباراتيون أو عسكريون سابقون.
- مركز التميّز للأمن الوطني (CENS): يستحقّ إبرازًا خاصًّا لموقعه الفريد؛ فقد أُنشئ بعد هجمات 11 سبتمبر لدراسة الأمن غير التقليدي، ويدور في فلك RSIS ومكتب رئيس الوزراء. ويعقد ورشًا حول الإرهاب والتهديدات السيبرانية والنفوذ الأجنبي، بل وتحليلات وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض أمنية، ويساعد الاستخبارات على فهم «التطرّف عبر الإنترنت» واستراتيجيات السرديات المضادة والمسح الاستشرافي للتهديدات غير التقليدية. وكثيرًا ما تدعو الحكومة باحثيه للمشاركة في صياغة السياسات، كقانون التدخّل الأجنبي (التدابير المضادة) لعام 2021 (FICA) (OneAsia). وبذلك تغدو هذه المراكز «عقلًا مستشارًا» يكمّل قدرات التحليل الاستخباراتي الرسمي.
- جامعة نانيانغ التكنولوجية (NTU) والجامعة الوطنية في سنغافورة (NUS): يدعم المجتمع الأكاديمي الجامعي أيضًا هذه المنظومة؛ فبرامج العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية وعلوم البيانات واللغات الأجنبية تخرّج محلّلين وعملاء محتملين ذوي كفاءة عالية، ويُستقطب كثيرٌ من موظفي الاستخبارات من أفضل الخرّيجين. بل إن الشعبة كانت تدعو طلاب السنوات النهائية إلى «جلسات شاي» مغلقة لاستكشاف رغبتهم في الانضمام (CNA). والتعاون البحثي بين المؤسسات الأمنية والأكاديميين شائع؛ إذ تتشارك مختبرات DSO الوطنية للبحث الدفاعي مع NTU في أبحاث الذكاء الاصطناعي الأمني (GovInsider).
وبالمجمل، فإن المنظومة المعرفية السنغافورية متكاملة مع النظام الاستخباراتي ضمن «حلقة تغذيةٍ راجعة» متكاملة: تقدّم مراكز الفكر التحليلات والسيناريوهات البديلة، وتمدّها الحكومة بالتمويل والنفاذ إلى البيانات، وتُدمج النتائج في الاستراتيجية الوطنية. ويُثري هذا النموذج المنظور الاستخباراتي ويحول دون الانغلاق في «صوامع» أو الوقوع في «تفكير القطيع». بل إن كبار المسؤولين، كرئيس الوزراء لي، كثيرًا ما استشهدوا بنتائج هذه المراكز في خطب السياسة الخارجية. ويعزّز وجود مراكز فكرٍ قوية القوةَ الناعمة لسنغافورة، لأن السرديات والأفكار الاستراتيجية التي تنتجها، مثل «مركزية آسيان» و«المكافحة الشاملة للإرهاب»، تتردّد إقليميًّا وترسّخ موقع سنغافورة مزوّدًا لرؤى عالية الجودة في جنوب شرق آسيا.
رابعًا: التحالفات الاستراتيجية والتعاون الدولي
تستند قوة الاستخبارات السنغافورية أيضًا إلى شبكة تحالفاتٍ استراتيجية وتعاونٍ مع الدول الصديقة، ولا سيما في التكنولوجيا والاستخبارات السيبرانية والتشغيل البيني الإقليمي. وفي العقد الأخير، باتت سنغافورة أكثر مبادرةً في نسج التعاون الاستخباراتي مع القوى الكبرى والدول الإقليمية لتعزيز قدرتها على الكشف والردع:
- العلاقة مع الولايات المتحدة: تنظر واشنطن إلى سنغافورة شريكًا استراتيجيًّا موثوقًا في آسيا (وزارة الخارجية السنغافورية)، وبينهما اتفاقية تعاون دفاعي ومذكرات تفاهم أمنية عديدة. وتتبادل الاستخبارات السنغافورية بانتظام معلومات مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة منذ ما بعد 11 سبتمبر؛ فبعد الكشف عن خطة الجماعة الإسلامية لتفجير السفارة الأمريكية ومنشآت أخرى في سنغافورة عام 2001، عملت الأجهزة السنغافورية عن قرب مع وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي لتعقّب الشبكات الإقليمية. وتقنيًّا، وقّعت وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع السنغافورية في يوليو 2024 «بيان نوايا» للتعاون في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز التشغيل البيني بين أنظمة التحليل الاستخباراتي وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي (وزارة الدفاع الأمريكية). وتشارك سنغافورة في تدريباتٍ استخباراتية متعددة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة، وكثيرًا ما تُدعى، وإن لم تكن عضوًا في «العيون الخمس»، إلى تبادل المعلومات في قضايا بعينها كالإرهاب. ومن مؤشرات عمق التعاون تسريباتُ عام 2013 التي أفادت بتعاون الشعبة مع مديرية الإشارات الأسترالية ووكالة الأمن القومي الأمريكية في عمليات التنصّت على كابلات الإنترنت البحرية في المنطقة (مدخل SID)، ما يدلّ على إسهام سنغافورة في شبكة استخبارات الإشارات العالمية بقيادة أمريكية-أسترالية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي على خطوط الاتصال الدولية. كما تشارك القوات السنغافورية في تدريباتٍ سيبرانية ثنائية مع القيادة السيبرانية الأمريكية، ويتبادل البلدان ضباط الارتباط في مراكز الدمج الاستخباراتي الإقليمية.
- التعاون مع بريطانيا: تمتدّ جذور العلاقة الاستخباراتية إلى التاريخ (إرث «الفرع الخاص» الاستعماري)، وتعزّزها اليوم شراكةٌ استراتيجية جديدة. ففي سبتمبر 2023 وقّع رئيسا الوزراء لي هسين لونغ وريشي سوناك إعلانًا مشتركًا للشراكة الاستراتيجية يتضمّن ركيزةً خاصة لـ«التعاون في الدفاع والأمن والاستخبارات والسياسة الخارجية» (وزارة الخارجية السنغافورية)، وهو اعترافٌ رسمي بالبعد الاستخباراتي في العلاقة الثنائية. ويشمل التعاون العملي تعميق الشراكة السيبرانية، كبرامج تبادل معلومات التهديدات، والتدريب المشترك على مواجهة التهديدات الهجينة، وتبادل الخبرة مع الخدمة الرقمية والاستخباراتية الناشئة. كما تدعم بريطانيا تعزيز قدرات سنغافورة في الذكاء الاصطناعي (GOV.UK). وتقليديًّا، تتعاون الاستخبارات العسكرية للبلدين ضمن «ترتيبات الدفاع بين القوى الخمس» (FPDA) التي تشمل تبادل معلومات المراقبة البحرية والجوية للدفاع عن ماليزيا وسنغافورة. وتستفيد سنغافورة من الخبرة البريطانية الواسعة في مكافحة التجسّس (MI5) والاستخبارات الخارجية (MI6)، فيما تستفيد بريطانيا من فهم سنغافورة العميق لديناميات جنوب شرق آسيا.
- علاقة وثيقة مع أستراليا: أستراليا شريكٌ استخباراتي رئيسي، كما يظهر في التعاون في استخبارات الإشارات وفي مكانتها بين أقرب الشركاء الدفاعيين. ويتبادل البلدان معلوماتٍ آنية عن تحرّكات الإرهابيين في جنوب شرق آسيا، كالبيانات عن مواطني المنطقة المنضمّين إلى «داعش» في سوريا. وفي 2018 انضمّت سنغافورة إلى مبادرة «عيوننا» (Our Eyes) التي أطلقتها إندونيسيا بدعمٍ أسترالي، وهي منصة لتبادل الاستخبارات داخل آسيان لرصد الإرهابيين العابرين للحدود (دراسة عن مبادرة عيون آسيان). وفي الاستخبارات السيبرانية، وقّع البلدان برنامجًا للتعاون السيبراني يشمل تدريبات الاستجابة الإقليمية للحوادث. ويشارك ضباطٌ أستراليون في مرافق الدمج المعلوماتي التي تستضيفها سنغافورة. وتعاونُ المديرية الأسترالية والشعبة السنغافورية في التنصّت على الكابلات البحرية يدلّ على مستوى رفيع من الثقة المتبادلة في موادّ بالغة الحساسية.
- الشراكة الدفاعية-الاستخباراتية مع إسرائيل: تعود العلاقة إلى بدايات استقلال سنغافورة حين ساعدت إسرائيل في تدريب قواتها المسلحة. وفي العقد الأخير، تركّز التعاون على تكنولوجيا الاستخبارات والفضاء السيبراني، وصارت سنغافورة سوقًا رئيسية لشركات الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية. وأفاد تقريرٌ عام 2019 بأن سنغافورة تعاقدت مجدّدًا مع شركات تجسّس سيبراني إسرائيلية للحصول على قدرات اعتراضٍ وتحليلٍ سيبراني متقدّمة (Intelligence Online)، بعد فضيحة برنامج «بيغاسوس»، بحثًا عن حلولٍ من شركاتٍ أقلّ ظهورًا. ويُعتقد بوجود تفاعلٍ رسمي يشمل تدريبًا مغلقًا لوحدات استخبارات الإشارات السنغافورية مع الوحدة 8200 الإسرائيلية. وأبرمت وكالة الأمن السيبراني السنغافورية مذكرة تفاهم مع المديرية الوطنية الإسرائيلية للأمن السيبراني لتبادل أفضل الممارسات وإجراء تمارين مشتركة (SGInnovate). ويتحاور البلدان استراتيجيًّا حول تهديدات التطرّف، وتزوّد إسرائيل سنغافورة بمعدّاتٍ استخباراتية متقدّمة من طائرات استطلاع مسيّرة وأنظمة رادار للاستخبارات الإلكترونية وبرمجيات تحليل البيانات الضخمة، بينما صارت سنغافورة مركزًا لتوسّع شركات التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية في جنوب شرق آسيا (Calcalist). ويمنح هذا التحالف غير الرسمي الوثيق سنغافورة تفوّقًا تقنيًّا على سائر دول آسيان.
- التعاون الإقليمي مع آسيان والجوار: تدفع سنغافورة بنشاط نحو التشغيل البيني الاستخباراتي إقليميًّا، فتشارك في منتديات آسيان الاستخباراتية مثل تبادل الاستخبارات في «آسيانابول» ومنصّات تبادل معلومات مكافحة الإرهاب ضمن اجتماع وزراء دفاع آسيان الموسّع (ADMM-Plus). وتجمع مبادرة «عيون آسيان» (AOE) منذ 2018 سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند وبروناي والفلبين لتبادل ملفات الإرهابيين العابرين للحدود. ورغم العوائق البيروقراطية في بعض الدول، تدفع سنغافورة نحو فاعليتها، وأنشأت «مرفق معلومات مكافحة الإرهاب» (CTIF) بوصفه منصة مكمّلة تضمّ شركاء آخرين كأستراليا والولايات المتحدة. ومع إندونيسيا وماليزيا، تحافظ الاستخبارات السنغافورية على تواصلٍ وثيق في رصد تحرّكات المسلّحين في مضيق ملقا والمناطق الحدودية. ورغم حساسياتٍ سابقة (كاتهام سنغافورة يومًا بالتجسّس على ماليزيا)، تحسّنت العلاقات الاستخباراتية الثنائية في العقد الأخير بفعل التهديدات المشتركة. وضمن ترتيبات القوى الخمس، تسهم سنغافورة في دمج الصورة الرادارية والوعي بالمجال البحري مع ماليزيا وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا.
التشغيل البيني الإقليمي: بوصفها مركزًا لوجستيًّا عسكريًّا أمريكيًّا ومضيفةً لمراكز معلومات متعدّدة، تيسّر سنغافورة التشغيل البيني الاستخباراتي في المنطقة. ومن أبرز الأمثلة «مرفق معلومات مكافحة الإرهاب» في قاعدة تشانغي، الذي بدأ العمل في يناير 2021 وافتتحه رسميًّا وزير الدفاع نغ إنغ هين في سبتمبر 2022 (وزارة الدفاع السنغافورية)، وهو مرفقٌ متعدّد الأطراف يجمع دولًا «متقاربة التوجّه» لتبادل الاستخبارات والإنذار المبكر بشأن الإرهاب الإقليمي عبر استخباراتٍ جماعية وأساليب قائمة على البيانات. واللافت أن رئاسة المرفق دورية؛ ففي 2023 تولّاها ضابطٌ فلبيني (سفارة الفلبين)، ما يدلّ على ثقة المنطقة بسنغافورة «وسيطًا نزيهًا». وإلى جانبه، يعدّ «مركز دمج المعلومات» (IFC) الذي أسّسته البحرية السنغافورية عام 2009 مركزًا بحريًّا يشارك فيه 24 بلدًا بضباط ارتباط مقيمين في سنغافورة. وقد أسهم في خفض حوادث القرصنة والسطو البحري في مضيقي ملقا وسنغافورة بنسبة 92 في المئة بين 2015 و2018 (صحيفة وقائع IFC)؛ ومن ذلك مساعدته البحرية الإندونيسية على اعتراض السفينة «صن رايز غلوري» المهرِّبة للمخدّرات بعد تتبّعها ثلاثة أشهر. وهكذا تغدو الاستخبارات السنغافورية مُمكِّنًا للأمن الجماعي، يزيد نفوذ سنغافورة في آسيان عبر دور «مزوّد المعلومات الحرجة» لجيرانها.
ويحمل هذا التعاون الدولي منافع متبادلة: تحصل سنغافورة على نفاذٍ أوسع إلى الاستخبارات العالمية والتكنولوجيا المتقدّمة، ويحصل الشركاء الأجانب على شبكةٍ إقليمية موثوقة عبرها. وعلاقات الثقة هذه، إذ وصف وزير الدفاع الأمريكي سنغافورة بأنها من أثمن الشركاء الدفاعيين في المحيطين الهندي والهادئ (وزارة الدفاع الأمريكية)، ترسّخ موقع الاستخبارات السنغافورية قوةً تفوق حجمها بكثير.
خامسًا: التكنولوجيا والابتكار الاستخباراتي
استثمرت سنغافورة في العقد الأخير موارد كبيرة لتحديث تكنولوجيا الاستخبارات، مركّزةً على تعزيز قدرات استخبارات الإشارات، والاستخبارات السيبرانية، وتوظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، ودمج المنظومة الاستخباراتية الوطنية. ومن أبرز الإنجازات والمبادرات:
- التحوّل الرقمي للاستخبارات العسكرية: كان إنشاء الخدمة الرقمية والاستخباراتية عام 2022 علامةً فارقة؛ إذ باتت لسنغافورة قيادةٌ سيبرانية مخصّصة داخل الجيش تجمع وحدات استخبارات الإشارات والدفاع السيبراني والحرب الإلكترونية والعمليات النفسية، بما يتيح استجابةً متكاملة للتهديدات الهجينة. وتعزّزت استخبارات الإشارات بدمج قدرات الاعتراض والمراقبة: التنصّت على الاتصالات، ورصد الطيف الكهرومغناطيسي، والاستخبارات الجغرافية المكانية عبر مجموعة دعم الصور. كما أنشأت الخدمة مركز التقنيات التشغيلية الرقمية لتدريب الأفراد على علوم البيانات والذكاء الاصطناعي (وزارة الدفاع)، ما يعني أن تحليل البيانات الضخمة، من المصادر المفتوحة كوسائل التواصل الاجتماعي أو من المستشعرات العسكرية، صار جزءًا جوهريًّا من المنظومة. وتُستخدم قدرات تعلّم الآلة لكشف أنماط الإرهاب، كالمعاملات المالية المريبة أو الآثار الرقمية للدعاية المتطرّفة. وأطلقت القوات المسلحة عام 2024 مركزًا عسكريًّا للذكاء الاصطناعي لتطوير تقنياتٍ كالحوسبة السحابية العسكرية والجيل الخامس، وجُرّب في التدريبات تحويل الكلام إلى نص لإدخال الأوامر دون استخدام اليدين (GovInsider). وتشارك سنغافورة بنشاط في صياغة المعايير العالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي العسكري، عبر المشاركة في تنظيم قمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول في المجال العسكري» 2024 وتقديم مقترحٍ أممي للاستخدام الآمن، ما يدلّ على رغبتها في القيادة لا في المتابعة.
- الاستخبارات السيبرانية والأمن السيبراني: بوصفها الدولة الأكثر ترابطًا رقميًّا في جنوب شرق آسيا، بنت سنغافورة قدراتٍ متفوّقة في الاستخبارات السيبرانية. ففي 2015 أُنشئت وكالة الأمن السيبراني (CSA) التي تركّز على حماية البنية التحتية الحرجة وتعمل عن قرب مع الإدارة والشعبة لكشف التهديدات. وتنسّق الأركان السيبرانية المشتركة في الخدمة الرقمية سياسات الدفاع السيبراني في القطاع الدفاعي وتدعم الوكالة عند الحاجة، وتُجرى تمارين مشتركة بين الأجهزة كتمرين الدفاع عن البنية التحتية الحرجة (CIDeX). وتتعزّز الاستخبارات السيبرانية بالتعاون الدولي، كبرنامج آسيان لبناء القدرات السيبرانية، وتبادل تغذيات معلومات التهديدات مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا. وفي الجانب الهجومي، ورغم تكتّم التفاصيل، يمكن الافتراض بوجود وحدة تجسّس سيبراني قادرة على النفاذ إلى أهدافٍ في المناطق ذات الأولوية؛ والأنباء عن استخدام سنغافورة برمجيات تجسّس متقدّمة من شركات إسرائيلية (Intelligence Online) تعزّز هذا الافتراض.
- دمج تحليلات البيانات الضخمة: تتّسم الاستخبارات الحديثة بالمقاربة القائمة على البيانات. وتقرّ الشعبة بأن مهمّتها اتّسعت لتشمل تحليل أيّ تطوّرٍ عالمي قد يمسّ سنغافورة (CNA)، بما في ذلك التحليل الآني لوسائل التواصل الاجتماعي العالمية بشأن المشاعر المعادية لسنغافورة أو السرديات المتطرّفة. ويستخدم مرفق معلومات مكافحة الإرهاب أساليب قائمة على البيانات لكشف انتشار الأيديولوجيات المتطرّفة مبكرًا؛ ومن الإنجازات التي ذكرها الوزير نغ أن المرفق رصد اتجاهات انتشار الفكر المتطرّف عبر الإنترنت قبل أن تتحوّل إلى أفعال، فتمكّنت الأجهزة الإقليمية من التحرّك الوقائي (وزارة الدفاع). وعلى الصعيد الداخلي، يتضمّن البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي مشاريع أمنية، منها أمن الحدود والكشف الآلي عن التهديدات (Global Legal Insights). ووقّعت سنغافورة والولايات المتحدة في 2024 مذكرة للابتكار الدفاعي تتيح البحث السريع عن التقنيات المتقدّمة، بما قد يفتح النفاذ إلى حلول الذكاء الاصطناعي الأمريكية كالتحليل الآلي لصور الأقمار الاصطناعية وكشف الشذوذ في الشبكات. وتتبنّى سنغافورة مقاربة «الحكومة الكاملة»؛ إذ تدفع وكالة علوم وتكنولوجيا الدفاع (DSTA) نحو تكييف التقنيات التجارية للاستخدام العسكري لانخفاض كلفتها وسرعة ابتكارها، كالحوسبة السحابية السيادية الآمنة لتسريع تبادل المعلومات بين الأجهزة.
- المراقبة القائمة على التكنولوجيا الذكية: بوصفها دولةً-مدينة كثيفة السكان، توظّف سنغافورة مبادرة «الأمة الذكية» لدعم الاستخبارات. فشبكات كاميرات المراقبة الذكية ومستشعرات إنترنت الأشياء في الفضاءات العامة يمكن للأجهزة الأمنية النفاذ إليها لرصد التهديدات المحتملة، مع تحليلات فيديو آلية تكشف السلوك المريب. وتدمج برامج مثل «المدينة الآمنة» بيانات الكاميرات والطائرات المسيّرة ودوريات الشرطة، فتمنح إدارة الأمن الداخلي والشرطة وعيًا ظرفيًّا عاليًا، وهو أمرٌ مهم في مكافحة الإرهاب والتجسّس. ورغم عدم الإعلان عن التفاصيل، يُرجّح أن سنغافورة جرّبت أنظمة التعرّف على الوجوه على نطاقٍ وطني لإنفاذ القانون، مع الحفاظ على التوازن عبر سياساتٍ صارمة لحماية البيانات.
وخلاصة القول، تسعى سنغافورة إلى أن تكون في طليعة الابتكار الاستخباراتي في جنوب شرق آسيا. فبالجمع بين القدرات التقنية المتقدّمة وتطوير الكوادر، تستطيع استخباراتها مواجهة التهديدات «عالية التقنية» كالإرهاب السيبراني والتجسّس السيبراني والدعاية عبر الإنترنت. ويبقى التحدّي المقبل ضمان التكامل السلس بين الأنظمة العسكرية والمدنية، وإبقاء هذا النموّ التقني آمنًا وأخلاقيًّا؛ وقد أظهرت سنغافورة جدّيةً في الأمرين معًا، بالاستثمار التقني وبالمشاركة في مبادرات حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية.
سادسًا: استراتيجيات الاستقطاب وتعزيز الكوادر الاستخباراتية
الموارد البشرية المتفوّقة هي أساس قوة الاستخبارات السنغافورية. فبعدد سكان يقارب 5.5 ملايين، تواجه سنغافورة محدودية في الكوادر، لكنها تتجاوزها بالاستقطاب الانتقائي، والتدريب المكثّف، وتوظيف نظام الخدمة الوطنية الإلزامية لالتقاط المواهب. وتبرز استراتيجيات العقد الأخير في الآتي:
- الاستقطاب المدني المهني: تستقطب الشعبة والإدارة موظفين مدنيين محترفين من الخرّيجين الجدد وأصحاب الخبرة. وتقليديًّا كانت الشعبة تستقطب سرًّا أفضل الخرّيجين عبر دعواتٍ حصرية إلى «جلسات شاي». ثم تغيّر هذا النمط؛ ففي 19 يوليو 2021 أطلقت الشعبة لأول مرة موقعًا رسميًّا وفتحت باب التوظيف علنًا (CNA)، لاستقطاب مواهب من خلفياتٍ متنوعة ربما لم تكن في المتناول من قبل. وأوضح مديرٌ في الشعبة، أُشير إليه باسم مستعار «مايكل»، أن التهديدات ازدادت تعقيدًا، فاحتاجت الشعبة إلى طيفٍ أوسع من الخبرات؛ فهي تبحث اليوم عن اقتصاديين ومحامين وخبراء ماليين وعلماء بيانات إلى جانب المتخصّصين في المناطق واللغات، بل ضمّت مصرفيًّا سابقًا للمساعدة في تحليل الأنظمة المالية للإرهاب. ويؤشّر ذلك إلى تحوّلٍ من التركيز على العموميين من خرّيجي العلوم السياسية نحو تعدّد التخصصات. كما يسعى فتح الموقع إلى تبديد التصوّرات الخاطئة؛ فالعمل الاستخباراتي ليس «برّاقًا» كما في الدراما التلفزيونية، ولا يعني التضحية الكاملة بالحياة الشخصية، وتهدف الحملة إلى تقديم المهنة بوصفها «ذات معنى، فكرية، ووطنية» لاجتذاب الموهوبين الباحثين عن غايةٍ في حماية بلدهم.
- التنوّع ومنع «تفكير القطيع»: تؤكّد الشعبة صراحةً حاجتها إلى «منظوراتٍ متنوعة» كي لا تقع في تفكير القطيع، وتشجّع عمدًا النقاش الداخلي و«التوتر الخلّاق» في المنظمة. ولذلك صار استقطاب كوادر من خلفياتٍ اجتماعية وثقافية وتعليمية وجندرية مختلفة استراتيجيةً بحدّ ذاته. وقد ازداد عدد المحلّلات؛ إذ روت محلّلةٌ باسم مستعار «صوفي» تجربتها لثماني سنوات في الشعبة، وما أُتيح لها من فرص تعلّم لغاتٍ أجنبية إضافية والتدريب على تحليل البيانات. وتفخر الشعبة بتكوين «محترف استخبارات متكامل» (موقع SID)، وتقدّم برامج تدريبٍ ومنحٍ دراسية للطلاب، وإن ظلّت التفاصيل محصورةً عبر بريد التوظيف (SID: التدريب والمنح). ويشبه ذلك نهج البيروقراطية السنغافورية عمومًا: التقاط المواهب مبكرًا، وربطها بالتزام خدمة، ثم منحها مسارًا وظيفيًّا منظّمًا يضمن استمرارية الكوادر.
- التدريب والتطوير الوظيفي: يحصل ضباط الاستخبارات بعد التحاقهم على تدريبٍ مكثّف؛ فللشعبة «فلسفة لتطوير الأفراد» و«عائلات وظيفية» ترسم مسارات تنمية المهارات في التحليل والعمليات والتكنولوجيا. ويُعمل بالتدريب المتقاطع بين الأقسام كي يفهم المحلّلون حاجات المشغّلين والعكس. وكثيرٌ من الموظفين يُكلَّفون بمهامّ خارجية في السفارات بصفة ارتباطٍ ثنائي، أو في مراكز استخبارات الحلفاء، أو للدراسات العليا؛ فالرئيس الأسبق س. ر. ناثان، المدير السابق للشعبة، عمل يومًا في السفارة السنغافورية في واشنطن بصفة استخباراتية (مدخل SID). وعلى الصعيد الوطني، ثمّة تدريبٌ مشترك بين الشعبة والإدارة والاستخبارات العسكرية في مجالات كتحليل الإرهاب ومكافحة التجسّس الداخلي. ومع إنشاء قيادة التدريب في الخدمة الرقمية (2023)، صار التدريب الاستخباراتي العسكري أكثر انتظامًا.
- دور الخدمة الوطنية (التجنيد الإلزامي): الخدمة الوطنية واجبٌ على الذكور السنغافوريين في سنّ الثامنة عشرة لمدة سنتين تقريبًا في الجيش أو الشرطة أو الدفاع المدني. وترى سنغافورة فيها وسيلةً لفرز المواهب السيبرانية والاستخباراتية لا لتلبية الحاجات العسكرية فحسب. ففي 2018 أطلقت وزارة الدفاع «برنامج المجنّدين السيبرانيين» (Cyber NSF) الذي يضع الشباب ذوي الكفاءة العالية في تقنية المعلومات في الوحدات السيبرانية خلال خدمتهم (وزارة الدفاع). ويخضع المرشّحون لاختباراتٍ صارمة (التشفير، وأمن الشبكات، وغيرها)، ومن ينجح ينال «جائزة المتخصّص السيبراني»، ويجمع البرنامج بين المهامّ التشغيلية (الاستجابة للحوادث، وتحليل البرمجيات الخبيثة، واختبار الاختراق) وبرنامج «العمل والتعلّم» الجامعي لثلاث إلى أربع سنوات بالشراكة مع معهد سنغافورة للتكنولوجيا والجامعة الوطنية، بساعاتٍ معتمدة تُحتسب في درجة البكالوريوس في أمن المعلومات. وحتى 2020 انضمّ نحو 170 شابًّا إلى البرنامج، وتخرّجت الدفعة الأولى من دورة المتخصّصين السيبرانيين (35 أسبوعًا) في أغسطس 2019 (Pioneer). وإلى جانب ذلك، تمدّ الخدمة الوطنية الاستخبارات العسكرية بالمواهب عبر مسار «خبراء C4» للفنيين ومسار «خبراء الدفاع السيبراني» المدني. وهكذا لم تعد الخدمة الوطنية «وقتًا ضائعًا» بل قناةً لتدفّق المواهب، يُستوعب كثيرٌ من خرّيجيها لاحقًا موظفين دائمين في وزارة الدفاع.
- المسار العسكري النظامي: تتعزّز الاستخبارات العسكرية أيضًا بالمسار الوظيفي النظامي في القوات المسلحة، حيث بات للضباط الاستخباراتيين سلكٌ يعادل الأسلاك القتالية. وأوضح إنشاء الخدمة الرقمية السلّم الوظيفي، إذ صار منصب «رئيس الخدمة الرقمية والاستخباراتية» رتبةً جديدة بنجمتين، ما يفتح آفاق الطموح أمام الضباط الشباب. وتُدرج الأكاديمية العسكرية مبادئ الحرب السيبرانية والاستخبارات في مناهج جميع المرشّحين للضباطية، كي تترسّخ العقلية الاستخباراتية في كل مستويات القيادة.
وبهذا المزيج من الاستراتيجيات، تسعى سنغافورة إلى أن يشغل أفضل الأفراد مواقع الاستخبارات دائمًا، متجاوزةً صِغر عدد السكان بالبحث النشط عن المواهب والتطوير الداخلي طويل الأمد. ويمنحها توظيف الخدمة الوطنية رافعةً تفوّقًا كمّيًّا ونوعيًّا في الكوادر السيبرانية على جيرانها الذين لا يملكون غالبًا برامج مماثلة. وتبقى تحدّياتٌ كحفظ سرية هوية العاملين في مجتمعٍ يعرف أفراده بعضهم بعضًا؛ ويعالج موظفو الشعبة ذلك عادةً بالقول لأقاربهم إنهم يعملون في وزارة الدفاع في «عملٍ حساس» (CNA). ومع نهاية العقد، صارت الاستخبارات السنغافورية أكثر ملاءمةً لجيل الألفية: توظيفٌ أكثر انفتاحًا عبر الإنترنت، وتوازنٌ نسبي بين العمل والحياة، واستنهاضٌ للحسّ الوطني لدى الشباب، استباقًا لمنافسة القطاع التقني الخاص على المواهب الرقمية.
سابعًا: النشاط الإقليمي ونفوذ الاستخبارات السنغافورية في جنوب شرق آسيا
بوصفها دولةً صغيرة في قلب جنوب شرق آسيا، تحمل سنغافورة مصالح حيوية في استقرار المنطقة، ولذلك تنشط استخباراتها في طيفٍ واسع من الأنشطة الأمنية الإقليمية، من مكافحة الإرهاب إلى الأمن البحري وحرب المعلومات. ومن أبرز أدوارها ونفوذها، بما في ذلك على إندونيسيا وسائر دول آسيان:
- مكافحة الإرهاب إقليميًّا: كانت سنغافورة من رواد الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب الجهادي منذ مطلع الألفية. فبعد هجمات 11 سبتمبر، فكّكت إدارة الأمن الداخلي خلية الجماعة الإسلامية في سنغافورة عام 2001، واعتقلت عددًا من أعضائها، وأحبطت خططًا لتفجير أهدافٍ منها السفارة الأمريكية ومنشآت عسكرية ومحطات مترو. وفرّ بعض المشتبه بهم إلى ماليزيا وإندونيسيا، فشنّت الاستخبارات السنغافورية عملياتٍ متعدّدة الأجهزة مع شركاء آسيان لتعقّبهم (CNA)، وكان نجاحها، بحسب «مايكل»، في تقديم إنذارٍ مبكر للشركاء والحكومة قبل وقوع الهجمات. واعتُقل أحد الفارّين، ماس سلامات كاستاري، في جوهور عام 2009 بفضل التنسيق السنغافوري-الماليزي. ومع صعود «داعش» عادت سنغافورة إلى المبادرة: ففي 2016 ساعدت إندونيسيا في إحباط خطة مجموعةٍ في باتام لإطلاق صاروخ على مارينا باي ساندز، إذ رصدت الأجهزة اتصالاتهم ونسّقت مع وحدة «دنسوس 88» في الشرطة الإندونيسية لاعتقالهم قبل التنفيذ. كما تتبادل الإدارة قوائم مراقبة المقاتلين الأجانب العائدين مع ماليزيا وإندونيسيا، وصار برنامج «مجموعة إعادة التأهيل الديني» (RRG)، حيث يرافق علماءُ الدين المعتقلين في قضايا الإرهاب، نموذجًا تحتذيه دولٌ مجاورة.
- ميسّر المنصّات الاستخباراتية متعدّدة الأطراف: تعزّز سنغافورة نفوذها باستضافة مرافق استخباراتية مشتركة. فمرفق معلومات مكافحة الإرهاب في تشانغي، الذي يضمّ ضباطًا من آسيان وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها، يوفّر إطارًا للتحليل المشترك ويمنح كل دولة صورةً شاملة للتهديدات الإقليمية، وقد أنتج منذ 2021 استخباراتٍ في وقتها دفعت إلى تحرّكٍ جماعي (وزارة الدفاع). وفي المجال البحري، صار مركز دمج المعلومات نموذجًا معترفًا به عالميًّا؛ فبتسعة عشر ضابطًا أجنبيًّا مقيمًا بنت سنغافورة شبكة استخباراتٍ بحرية عالمية، ودرّب المركز الدول على عادة تبادل المعلومات التي كانت تتحفّظ عليها. والنتيجة الملموسة: تراجع حوادث القرصنة في مضيق ملقا من 104 حوادث عام 2015 إلى 8 فقط عام 2018، ويُنسب جزءٌ كبير من ذلك إلى التعاون الذي نسّقه المركز (صحيفة وقائع IFC)، ما عزّز موقع سنغافورة في منتديات آسيان والمنظمة البحرية الدولية.
- الحدود والقضايا البحرية: لسنغافورة مصلحةٌ في أمن المضائق وحدودها البحرية الضيقة مع إندونيسيا وماليزيا، فتراقب استخباراتها عن كثب الحركة في مضيق سنغافورة وجوهور، ولا سيما التهريب (سلاحًا ومخدّراتٍ ومهاجرين). ففي فبراير 2018، تتبّع مركز دمج المعلومات السفينة «صن رايز غلوري» ثلاثة أشهر للاشتباه في تهريبها المخدّرات، ونُقلت المعلومات عبر ضابط الارتباط الإندونيسي في المركز، فاعترضت البحرية الإندونيسية السفينة وعثرت على طنٍّ من الميثامفيتامين. وفي مايو 2016، حين اختُطفت ناقلة «هاي سون 12»، استخدم المركز جهاز تتبّع احتياطيًّا لتحديد موقعها وأبلغ البحرية الإندونيسية التي أنقذت السفينة وطاقمها الأحد والعشرين دون إصابات (صحيفة وقائع IFC). وفي النزاعات البحرية، كقضايا الحدود مع ماليزيا قبالة توا س أو بيدرا برانكا، تعتمد سنغافورة على الاستخبارات للإنذار المبكر بتحرّكات الآخرين، بحذرٍ يتجنّب تصعيد التوتر، لكنها توفّر فهمًا دقيقًا للموقف يسند التفاوض الدبلوماسي.
- عمليات المعلومات والرأي العام: تدرك سنغافورة خطر «نفوذ المعلومات» في عصر الأخبار الزائفة والحرب السياسية، فتنشط استخباراتها في مواجهة الدعاية والنفوذ الأجنبي. وفي 2017 واجهت قضية «عملاء النفوذ» مع الأكاديمي هوانغ جينغ، الذي قالت وزارة الداخلية إنه عمل لصالح دولةٍ أجنبية للتأثير في السياسات العامة السنغافورية؛ فجمعت إدارة الأمن الداخلي الأدلة على تواصله مع استخباراتٍ أجنبية، وطردته الحكومة وزوجته (TODAY). وتردّد صدى الرسالة إقليميًّا بأن سنغافورة لا تتسامح مع اختراق الرأي العام من قِبَل دولٍ أجنبية، وظنّ كثيرون أن الدولة المقصودة هي الصين نظرًا لمقالات هوانغ المؤيدة لبكين. ثم أقرّ البرلمان قانون التدخّل الأجنبي (التدابير المضادة) عام 2021، مدعومًا بمعطياتٍ استخباراتية عن أساليب العملاء الأجانب في وسائل التواصل الاجتماعي (OneAsia). ورغم الانتقادات الحقوقية، تتمسّك الحكومة بضرورته لسدّ ثغرات حرب المعلومات. كما تساعد الاستخبارات السنغافورية جيرانها في مواجهة النفوذ المتطرّف عبر تبادل خبرات اجتثاث التطرّف والرسائل المضادة في المنتديات الإقليمية.
- القوة الناعمة للاستخبارات عبر مراكز الفكر والدبلوماسية: لا يكون النفوذ قسريًّا دائمًا، بل يظهر أحيانًا بلطف عبر إنتاج الخطاب الاستراتيجي. فمدرسة RSIS تنشر تعليقاتٍ عن الأمن الإقليمي تقرؤها النخب في آسيان على نطاق واسع، كالدعوة إلى «المقاربة المشتركة بين الأجهزة» في الأمن الوطني (RSIS)، ما يشجّع دولًا أخرى على محاكاة نموذج أمانة تنسيق الأمن الوطني. ويُدعى متقاعدو الدولة والاستخبارات كثيرًا إلى المؤتمرات الدولية ليعبّروا عن المنظور السنغافوري؛ فالدبلوماسي السابق بلاهاري كاوسيكان، القريب من المجتمع الأمني، يكتب بنشاط عن مخاطر النفوذ الصيني في جنوب شرق آسيا، بما يؤثّر في الرأي العام الإقليمي ويعزّز شرعية سياسة عدم التدخّل السنغافورية (رويترز).
وبالمجمل، جعلت هذه الأنشطة من سنغافورة لاعبًا رئيسيًّا في أمن المنطقة رغم صِغر حجمها. فالدول المجاورة، ومنها إندونيسيا، ترحّب عمومًا بالتعاون في مكافحة الإرهاب والأمن البحري لأنه يخدم المصالح المشتركة. لكن الغيرة تظهر أحيانًا، مع النظر إلى سنغافورة بوصفها «عين الغرب وأذنه» في آسيان. وتحاول سنغافورة الموازنة بشفافيةٍ محدودة، كإتاحة رئاسة مرفق مكافحة الإرهاب لضباط من دولٍ شريكة، أو فتح بيانات مركز دمج المعلومات للمصلحة المشتركة. ونمطها هو «الأمن التعاوني»: تبادل الاستخبارات لأجل الأمن الجماعي مع تثبيت موقعها الخاص. ومع التحدّيات الجديدة كتزايد حضور الصين، يُرجّح أن تواصل الاستخبارات السنغافورية دور «الحكم المحايد» الذي ينبّه دول آسيان إلى المخاطر، ويحرص في الوقت نفسه على ألّا تُحشر سنغافورة في زاوية التنافس بين القوى الكبرى.
ثامنًا: تقييم مخاطر النموذج الاستخباراتي السنغافوري ونقاط ضعفه
مهما بلغت قوته، فإن النموذج السنغافوري ليس بلا ثغرات. ومن منظور مكافحة التجسّس الإقليمي، يمكن تحديد عدة مخاطر ونقاط ضعف:
- الاختراق والتجسّس الأجنبي: بوصفها دولةً منفتحة متعدّدة الأعراق، قد تكون سنغافورة هدفًا سهلًا لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، الصينية والغربية خاصة، لتجنيد العملاء أو التأثير في السياسات. فقضية هوانغ جينغ (2017)، الأكاديمي البارز في كلية لي كوان يو، الذي اتُّهم بالتعاون مع استخباراتٍ أجنبية وتقديم «معلوماتٍ مميّزة» للتأثير في المسؤولين (TODAY)، تدلّ على أن الأجهزة الأجنبية ترى في سنغافورة موقعًا استراتيجيًّا لزرع النفوذ. وكذلك فضيحة ديكسون يو (2020)، حامل الدكتوراه السنغافوري الذي جنّدته الاستخبارات الصينية لجمع معلوماتٍ في الولايات المتحدة، واعترف أمام محكمة أمريكية بأنه عمل عميلًا غير قانوني للصين. وقالت وزارة الداخلية إنها كانت على علمٍ بالقضية منذ اعتقاله من قِبَل مكتب التحقيقات الفدرالي، لكن يو تمكّن من العمل سنواتٍ قبل أن يُضبط في الخارج. ووصفت رويترز القضية بأنها «أيقظت المخاوف من أن الصين تجنّد أصولًا استخباراتية في الدولة الجزيرة التي يثق بها الغرب وتبقى على وفاقٍ مع بكين» (رويترز). أي إن صورة سنغافورة الصديقة للجميع قد يستغلّها الطرفان، وجواز سفرها «الذهبي» وحراك مواطنيها العالي يجعلانهم أهدافًا جذّابة للمجنِّدين؛ وهو تحدٍّ داخلي لإدارة الأمن الداخلي في رصد «تسرّب المعلومات» دون خلق مناخ ريبةٍ في المجتمع.
- إشكاليات الثقة مع دول الجوار: رغم إسهام سنغافورة الكبير في الأمن الإقليمي، ما يزال بعض دول آسيان يحتفظ بالتشكّك. فقد سجّلت دراسةٌ أكاديمية عن مبادرة «عيون آسيان» أن المقاومة البيروقراطية في إندونيسيا والفلبين أعاقت تبادل الاستخبارات، وأن عوامل كتسرّب المعلومات وثقافة المحسوبية تجعل الأجهزة تتحفّظ على البيانات الحساسة (Global: Jurnal Politik Internasional). وهذا ضعفٌ خارجي: فمهما بلغت جودة الاستخبارات السنغافورية، ستبقى صورة التهديد ناقصة إن لم يبادلها الشركاء. كما قد تكبح ذكريات التنافس القديم، كالاشتباه الماليزي يومًا في تنصّت سنغافورة على اتصالاتها الدبلوماسية، التعاونَ الكامل.
- الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية: سعيًا وراء التكنولوجيا المتقدّمة، تتشارك سنغافورة كثيرًا مع جهاتٍ خارجية (الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا)، ما يخلق اعتمادًا استراتيجيًّا؛ فالبرمجيات الأجنبية قد تحمل «أبوابًا خلفية». ولعلاقتها الوثيقة بالاستخبارات الغربية ثمن: فقد تُجرّ إلى صراع القوى العظمى. وقد ظهرت أعراض ذلك عام 2020 حين تبادلت واشنطن وبكين اتهامات التجسّس وإغلاق القنصليات، فأثارت قضية يو مخاوف من أن تصبح سنغافورة ساحة حربٍ استخباراتية بالوكالة (رويترز). وفي حالٍ متطرّفة، قد ترى الصين سنغافورة شديدة القرب من الولايات المتحدة، كمشاركتها المزعومة في التنصّت على كابلات الاتصالات لصالح وكالة الأمن القومي، فتصعّد عملياتها الاستخباراتية فيها ردًّا؛ وهي حرب ظلٍّ محفوفة بالمخاطر.
- محدودية الموارد البشرية: رغم تقدّم برامج الاستقطاب، تبقى قاعدة الكوادر محدودة، والعمل الاستخباراتي شاقٌّ يتطلّب التزامًا عاليًا، مع مخاوف من الإنهاك أو خسارة المواهب لصالح القطاع الخاص الذي قد يفوق أجورًا. وتقرّ الشعبة بأن التوظيف يستغرق وقتًا طويلًا بسبب التدقيق الأمني الصارم (3–6 أشهر) (CNA)، ما قد يبطئ التجدّد. كما يصعب التنويع في مهنةٍ مغلقة، وقد تبقى أقلياتٌ ما ممثّلةً تمثيلًا ناقصًا؛ وفي مجتمعٍ متعدّد كسنغافورة، يظلّ ضمان ولاء الضباط من مختلف الإثنيات وكسب الثقة بهم تحدّيًا تاريخيًّا. والخدمة الوطنية، على ما فيها من ميزة، قد تصبح نقطة ضعف إن لم تُدَر جيدًا؛ فقصر مدّتها (سنتان) قد لا يكفي لتكوين خبراءٍ متعمّقين إلا في البرامج التخصصية.
- التهديد من الداخل وأمن المعلومات: كسائر الأجهزة، يأتي الخطر أيضًا من الداخل عبر تسريب الأسرار أو الانشقاق. ولم تتعرّض سنغافورة تقريبًا لفضائح تسريبٍ من طراز «ويكيليكس»، لكن ذلك ليس مستحيلًا. ونظام التكريم المغلق، إذ لا ينال ضباط الشعبة أوسمةً علنية بل أوسمةً سرية تعادل جوائز اليوم الوطني (مدخل SID)، قد يُحبط بعضهم ويجعلهم أكثر عرضةً للتأثير الخارجي. وتعمل الاستخبارات في مجتمعٍ رقمي بامتياز، فاحتمال اختراق شبكاتها قائمٌ دائمًا. ففي 2018 سُرقت البيانات الشخصية لنحو 1.5 مليون مريض من «سينغ هيلث»، بينهم رئيس الوزراء لي، على يد قراصنة يُشتبه في ارتباطهم بدولة. ورغم أنها ليست بيانات استخباراتية، فإنها إشارةٌ تحذيرية إلى أن الأنظمة السنغافورية قابلة للاختراق؛ ولو اختُرقت قاعدة بيانات إدارة الأمن الداخلي مثلًا لكانت العواقب وخيمة، ما يجعل الأمن السيبراني الداخلي بالغ الأهمية.
- ضعف الرقابة المستقلة: من منظور الحوكمة الرشيدة، يفتقر النموذج السنغافوري إلى آليات رقابةٍ تشريعية أو قضائية كافية، وتُتّخذ كثيرٌ من القرارات الاستخباراتية في دوائر تنفيذية مغلقة. وهذا فعّال، لكنه يجعل تصحيح الأخطاء الاستخباراتية أو إساءة استخدام السلطة أصعب. فالاحتجاز دون محاكمة بموجب قانون الأمن الداخلي يعتمد كليًّا على تقديرات الإدارة. وإقليميًّا، قد يُوظَّف ذلك للتشكيك في سنغافورة واتهام استخباراتها بالتعسّف تجاه الناشطين. ورغم أن الأثر لم يكن كبيرًا حتى الآن، فإن هذه السردية قد تُنفخ في عصر وسائل التواصل لتقليص «السلطة الأخلاقية» لسنغافورة حين تدعو إلى سيادة القانون.
- محدودية الاستخبارات البشرية الخارجية: قد تجد الشعبة، بسريتها الشديدة وأفرادها المحدودين، صعوبةً في مجاراة امتداد الاستخبارات البشرية للدول الكبرى في المنطقة. فلرصد الجماعات المسلحة في مينداناو أو كاليمانتان مثلًا، تحتاج إلى التعاون أو إلى إرسال ضباط «يبدون محليين»، وقد يكون إرسال سنغافوريين من أصلٍ صيني إلى الميدان أقلّ فاعلية لأنه لافت. ورغم وجود مجتمعات ملايوية وهندية، قد لا يكثر الراغبون في عملياتٍ ميدانية طويلة في الخارج، وهي نقطة ضعف إن تمادى الاعتماد على الاستخبارات التقنية. وتعالج سنغافورة ذلك جزئيًّا بالدبلوماسية غير الرسمية وقنوات التعاون الرسمية لتجنّب زرع أصولٍ بشرية عالية المخاطر؛ لكن في حالاتٍ كتسلّل «داعش» إلى مراوي عام 2017، ربما تأخّرت لعدم امتلاكها أصولًا ميدانية مباشرة هناك واعتمادها على معلومات الفلبين والولايات المتحدة.
وفي ضوء ذلك، تسعى سنغافورة إلى تخفيف نقاط الضعف بسياساتٍ تكيّفية: تشديد التدقيق لمنع التهديد الداخلي، وقانون التدخّل الأجنبي لمنع النفوذ الخارجي، وتنويع الاستقطاب لسدّ ثغرة الاستخبارات البشرية، وتوسيع التعاون لتعويض محدودية الامتداد. غير أن الجيران والقوى الكبرى سيواصلون اختبار المنظومة السنغافورية، وسيتحدّد نجاحها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الانفتاح الاقتصادي والأمن الوطني بقدرة استخباراتها على صدّ التهديدات الخفية دون أن تعزل نفسها.
خاتمة
خلال العقد الأخير، تطوّرت الاستخبارات السنغافورية لتصبح من أكثر الأجهزة تنظيمًا وتطوّرًا وتكاملًا في آسيا. فالبنية الثلاثية (إدارة الأمن الداخلي، وشعبة الأمن والاستخبارات، والخدمة الرقمية والاستخباراتية) بتنسيقٍ من مكتب رئيس الوزراء تضمن تغطيةً للتهديدات بزاوية 360 درجة، من الإرهاب المحلي إلى تنافس القوى الكبرى عالميًّا. وبدعمٍ من مراكز فكرٍ مؤثّرة، وتحالفاتٍ استراتيجية مع الدول المتقدّمة، ودفعٍ نحو الابتكار التقني في استخبارات الإشارات والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، تستطيع سنغافورة أن «تضرب فوق وزنها» في الاستخبارات والأمن. وقد عزّز دورها محرّكًا للتكامل الاستخباراتي في جنوب شرق آسيا الأمنَ الجماعي في المنطقة، وحمى مصالحها الوطنية في آن. ومع ذلك، عليها أن تواصل التكيّف مع مخاطر الاختراق الأجنبي والتحوّلات الجيوسياسية المتسارعة. ويبدو نموذجها المغلق والرشيق ناجحًا حتى الآن؛ فنادرًا ما تنكشف إخفاقاته علنًا، بل كثيرًا ما يُعترف بإسهامه في منع الأزمات. وبالنسبة إلى إندونيسيا وسائر الجيران، تمثّل الاستخبارات السنغافورية وجهين لعملةٍ واحدة: شريكًا تكتيكيًّا موثوقًا، وفاعلًا يقظًا ينبغي فهم قدراته وأجندته الاستراتيجية باستمرار. ومع مشهد تهديداتٍ يشمل الحرب السيبرانية وعمليات «المنطقة الرمادية» والإرهاب المتحوّل، ستُختبر براعة الاستخبارات السنغافورية ويقظتها من جديد. لكن سجلّ عقدٍ كامل يُظهر قدرتها على الموازنة بين الأمن والمصالح الاستراتيجية برشاقةٍ وحزم، ما يجعلها نموذجًا فريدًا لاستخبارات الدولة الصغيرة على المسرح العالمي. ولقراءةٍ مكمّلة عن البعد الاقتصادي للنفوذ السنغافوري في إندونيسيا، انظر دراسة المرصد: هيمنة الشركات السنغافورية على الاقتصاد الإندونيسي.
المراجع والمصادر
- CNA (2021): Singapore intelligence officers open up as SID seeks to recruit more diverse talent
- U.S. Department of State: Country Reports on Terrorism 2021 — Singapore
- Wikipedia: Security and Intelligence Division
- MINDEF Singapore (2022): Fact Sheet — The Digital and Intelligence Service
- RSIS (2004): Assessing the Structure of the New National Security Strategy
- Security and Intelligence Division: Our Mission
- Security and Intelligence Division: Official website
- Security and Intelligence Division: Internship & Scholarships
- Wikipedia: ISEAS – Yusof Ishak Institute
- National Security Coordination Secretariat: Useful Links
- RSIS: Centre of Excellence for National Security (CENS)
- Security & Sustainability: ISEAS – Yusof Ishak Institute
- Chaula Rininta Anindya: Bureaucratic Resistance and the Challenge of Implementing ASEAN Our Eyes, Global: Jurnal Politik Internasional 24(2)
- OneAsia Legal: Singapore — Foreign Interference (Countermeasures) Act
- GovInsider: Singapore’s defence sector sees more coordinated efforts in AI and cybersecurity
- MFA Singapore: About Singapore-US Relations
- U.S. Department of Defense (2024): U.S., Singapore Cooperate on Data Analytics, Artificial Intelligence
- MFA Singapore (2023): UK-SG Strategic Partnership
- GOV.UK: UK agrees new strategic partnership with Singapore
- Intelligence Online (2019): Singapore turns to Israeli cyber spies again
- SGInnovate: National Cybersecurity Partnership — Singapore and Israel
- Calcalist: “The most strategic country in the world”: Singapore and Israel
- MINDEF Singapore (2022): CTIF Supports Regional Security Agencies in the Collective Fight against Terrorism
- Embassy of the Philippines in Singapore: Philippines assumes leadership of the CTIF
- MINDEF Singapore (2019): Fact Sheet on the Information Fusion Centre (IFC) and IRIS
- Global Legal Insights: AI, Machine Learning & Big Data Laws 2025 — Singapore
- MINDEF Singapore (2020): Fact Sheet — Update on the Cyber Specialist Award
- PIONEER: Pioneer cohort of NSF cyber specialists graduate
- TODAY: Huang Jing, academic expelled by Singapore, is working in Beijing
- Reuters (2020): Singapore spy case reawakens fears China recruiting on island state
- CNA (2022): New SAF Digital and Intelligence Service inaugurated
- CNA (2022): CT Information Facility officially inaugurated in Singapore
- RSIS: Centre of Excellence for National Security
- ISEAS–Yusof Ishak Institute: About ISEAS
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). قوة الاستخبارات السنغافورية: البنية والتحالفات والتكنولوجيا في العقد الأخير. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


