, ,

مفارقة الملوِّث المستفيد: غضب سنغافورة من الضباب الدخاني، وإنكار إندونيسيا، والحاجة إلى ميثاقٍ إقليميٍّ للمسؤولية

المرصد الجاوي

مفارقة الملوِّث المستفيد: غضب سنغافورة من الضباب الدخاني، وإنكار إندونيسيا، والحاجة إلى ميثاقٍ إقليميٍّ للمسؤولية

بينما ارتفع مؤشر معايير التلوث (PSI) في سنغافورة إلى 227 ووُزّعت كمامات N95 قبل موعدها، لوّحت الدولة المدينة بملاحقةٍ قانونية للشركات التي تقف وراء حرائق إندونيسيا، فردّت جاكرتا بأن غاباتها «ترسل الأكسجين» أيضًا. تحاجّ ورقة السياسات هذه بأن الطرفين أسيرا مفارقة «الملوِّث المستفيد»: فأرباح الأرض التي تحترق تُقيَّد وتُموَّل وتُتداوَل في سنغافورة إلى حدٍّ بعيد، في حين يبقى الدخان واللوم في إندونيسيا، ولا يكسر هذه الحلقة إلا ميثاقٌ إقليميٌّ للمسؤولية يقوم على مبدأ أن مَن يربح يدفع.

21 أكتوبر 2026 · ورقة سياسات · ترجمة عربية لدراسة صادرة عن KBA13 Academy

الملخّص

تتناول ورقة السياسات هذه موجةَ الضباب الدخاني في جنوب شرق آسيا عام 2026، وهي الأسوأ منذ أكثر من عقد، وسياساتِ تبادل اللوم التي أفرزتها بين سنغافورة وإندونيسيا. ومن خلال بحثٍ مكتبيٍّ في التصريحات الحكومية، وإشعارات الوكالة الوطنية للبيئة في سنغافورة، وبيانات الإنفاذ الإندونيسية، والإحصاءات الصحية، وتحقيقات المجتمع المدني، والتغطيات السنغافورية والماليزية والإندونيسية والدولية حتى 20 أكتوبر 2026، تعيد الورقة بناء الأزمة وتختبر الدعاوى التي ساقها كل طرف. وتخلص إلى أن الغضب الشعبي في سنغافورة مبرَّر بالأضرار الصحية والاقتصادية التي تُقدَّر بين 3.2 و3.9 مليار دولار سنغافوري، لكن أداتها القانونية، قانون تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود، تحدّ العقوبات بمليونَي دولار سنغافوري ولم تُفضِ إلى أيّ غرامةٍ منذ عام 2014. وتخلص كذلك إلى أن الخطاب الدفاعي الإندونيسي، من القول إن الضباب «يتجاوز الخطأ البشري» إلى سوء قراءة مساحات الحرائق النشطة، قوّض سجلَّ الإنفاذ الإندونيسي نفسه بما فيه من مئات التحقيقات وعشرات أراضي الامتياز المختومة. وتحدّد الورقة مفارقةً في قلب العلاقة هي مفارقة «الملوِّث المستفيد»: فالمقارّ الرئيسة لشركات اقتصاد المزارع واللب، وإدراجاتها في البورصات، وتمويلها التجاري، وهوامش تجارتها، تتمركز في سنغافورة على نحوٍ غير متناسب، في حين تقع الحرائق والدخان عند مصدره والكلفة على السمعة في إندونيسيا. وتقترح الورقة ميثاقًا إقليميًّا للمسؤولية من خمسة عناصر، وترسم ثلاثة سيناريوهات لموسم الحرائق عام 2027.

الأطروحة

ليس الضباب الدخاني مجرد إخفاقٍ إندونيسيٍّ يُصدَّر إلى الجيران، بل هو الأثر الجانبي المرئي لاقتصادٍ إقليميٍّ تستأثر فيه سنغافورة بجزءٍ كبير من قيمة الأرض الإندونيسية، في حين تحتفظ إندونيسيا بالنار والدخان واللوم؛ وما دامت المسؤولية تتوقف عند حدود أرض الامتياز بينما يتدفق الربح إلى المركز الإقليمي، فسيظلّ اللوم والإنكار بديلَين عن المساءلة.

البيانات: قراءات PSI والجسيمات الدقيقة PM2.5 في سنغافورة، وإشعارات التدابير الوقائية الصادرة عن الوكالة الوطنية للبيئة، وبيانات الشرطة ووزارة الصحة في إندونيسيا، وتحقيقات غرينبيس و«والهي» (Walhi)، وتقديرات الكلفة لدى اقتصاديين سنغافوريين، وتصريحات رئيس الوزراء وونغ والوزيرة فو والرئيس برابوو ومسؤولين إندونيسيين

الإطار التحليلي: مفارقة الملوِّث المستفيد، وسياسات اللوم والإنكار، وهندسةُ المسؤولية التي تربط أرض الامتياز بالشركة الأم والمركز الإقليمي والمشتري

الاستشراف: ميثاقٌ إقليميٌّ للمسؤولية من خمس نقاط، وثلاثة سيناريوهات لموسم الحرائق عام 2027 يقدّرها الكاتب

الكلمات المفتاحية: الضباب الدخاني، سنغافورة، إندونيسيا، حرائق الغابات، الأراضي الخثية، قانون تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود، زيت النخيل، اللب والورق، آسيان، المسؤولية البيئية

أولًا. الملخّص التنفيذي: اللوم والإنكار والدفتر الغائب

تجيب ورقة السياسات هذه عن سؤالٍ واحد: لماذا تنتهي كلُّ موجةِ ضبابٍ دخانيٍّ كبرى بلوم سنغافورة لإندونيسيا وإنكار إندونيسيا للمسؤولية، وما الذي يلزم لاستبدال هذا الطقس المتكرر بالمساءلة؟ لقد سارت موجة 2026 على النص ذاته بحدّةٍ غير معتادة. ففي 16 أكتوبر سجّلت المنطقة الوسطى في سنغافورة قراءة PSI على مدى 24 ساعة بلغت 227، وهي الأعلى في العام، وبلغت قراءة PM2.5 الساعية في الغرب ذروتها عند 288، وهو مستوى لم يُشهد منذ 2015، ما دفع الحكومة إلى تقديم موعد توزيع كمامات N95، كما أفاد موقع The Online Citizen في تقريره “Singapore haze reaches 2026 high as central PSI hits 227”. وقبل ذلك بيوم قال رئيس الوزراء لورنس وونغ إن سنغافورة تتحرّى الشركات المسؤولة، وإنها ستتحرك بموجب قانون تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود «حيثما اقتضى الأمر»، بحسب صحيفة The Star في تقريرها “Singapore looking into which companies responsible for haze-causing fires: PM Wong”.

وفي جاكرتا تأرجحت الاستجابة بين الدفاعية والصرامة. فقد وصف مسؤولٌ رفيع في الاتصال الحكومي الضبابَ بأنه «يتجاوز الخطأ البشري»، وقال إن على الجيران أن يتذكروا أننا «حين لا يكون هناك دخان، نرسل الأكسجين»، وهي عبارةٌ تعرّضت للسخرية في ماليزيا وسنغافورة. وفي الوقت ذاته وصف الرئيس برابوو سوبيانتو الإزالةَ بطريقة القطع والحرق بأنها «إرهابٌ بيئي»، ووعد بعدم التسامح مطلقًا، وأمر الشرطة بملاحقة الشركات. وجواب هذه الورقة في جوهره أن الموقفين، اللوم السنغافوري والإنكار الإندونيسي، يتحاشيان الحقيقة المزعجة ذاتها: فاقتصاد المزارع واللب الذي تحترق أرضه ليس اقتصادًا إندونيسيًّا خالصًا. فمقارّه الرئيسة وإدراجاته في البورصات وتمويله التجاري وتجارة سلعه وكثيرٌ من أرباحه تقع في سنغافورة، في حين تقع الحرائق والدخان عند مصدره والكلفة على السمعة في إندونيسيا. وتسمّي الورقة هذا «مفارقة الملوِّث المستفيد».

ويمكن عرض الأحكام الرئيسة مقرونةً بدرجات الثقة فيها. فبثقةٍ عالية، ألحق ضباب 2026 ضررًا جسيمًا وقابلًا للقياس بالبلدين: إذ تُقدَّر الكلفة الاقتصادية على سنغافورة بين 3.2 و3.9 مليار دولار سنغافوري، أي نحو ضعف موجة 2015، في حين سجّلت وزارة الصحة الإندونيسية أكثر من 280 ألف حالة التهابٍ تنفسيٍّ حادّ في سبع مقاطعات بحلول منتصف أكتوبر. وبثقةٍ عالية أيضًا، لا تتناسب الأداة القانونية الرئيسة لدى سنغافورة مع حجم الضرر، إذ تُحدّ العقوبات بمليونَي دولار سنغافوري، ولم تُغرَّم أيُّ شركة منذ نفاذ القانون عام 2014. وبثقةٍ متوسطة، أضرّ خطاب الإنكار الإندونيسي بمصداقية جهدٍ حقيقيٍّ في الإنفاذ، شمل بحلول منتصف سبتمبر 219 تحقيقًا جنائيًّا و95 شركة قيد التدقيق. وبثقةٍ متوسطة كذلك، فإن أكثر الطرق وعدًا نحو المساءلة ليس مزيدًا من تبادل اللوم بين العواصم، بل ميثاقٌ إقليميٌّ للمسؤولية يتتبّع الربح من أرض الامتياز إلى الشركة الأم والمركز الإقليمي والمشتري. والرهانات تتجاوز العلاقة الثنائية: فالضباب الدخاني اختبارٌ لقدرة جنوب شرق آسيا على حوكمة ضررٍ بيئيٍّ مشترك ينتجه اقتصادٌ إقليميٌّ مشترك.

ثانيًا. الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة

يقوم إطار هذه الورقة على ثلاثة مفاهيم. أولها مفارقة الملوِّث المستفيد. فالقانون البيئي يقوم عادةً على مبدأ «الملوِّث يدفع»، الذي يُحمّل المسؤوليةَ الطرفَ المتسبّب في الضرر. غير أن الطرف المتسبّب في الضرر على الأرض في حالة الضباب العابر للحدود، أي حائز الامتياز أو المقاول أو صغير المزارعين في سومطرة أو كاليمانتان، كثيرًا ما لا يكون الطرف الذي يستأثر بمعظم القيمة الاقتصادية للنشاط. فهذه القيمة تتدفق عبر الشركات الأم والكيانات القابضة المدرجة والأذرع التجارية والمصارف والمشترين، وكثيرٌ منها يقع في سنغافورة. والمفارقة أن الولاية القضائية الأكثر تضررًا من الدخان هي أيضًا من أكثر المستفيدين من الاقتصاد المنتج له، في حين تتحمّل الولاية التي تشتعل فيها الحرائق الضررَ الماديَّ واللومَ معًا. ويبني هذا الإطار على قراءة سنغافورة بوصفها «دولةَ عقدة» كما عرضها مجلّد الأرشيف Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia، وعلى الدراسة المنشورة قبل يومٍ واحد، «سنغافورة في إندونيسيا: هندسة المصالح والثغرات القانونية والضغط على السيادة الاقتصادية»، التي وصفت العلاقة بأنها تكافلٌ غير متكافئ.

والمفهوم الثاني هو سياسات اللوم والإنكار. فاللوم استراتيجيةٌ عقلانية لحكومةٍ يعاني مواطنوها ضررًا آتيًا من وراء حدودها ويطالبون بتحرّكٍ مرئي؛ والإنكار استراتيجيةٌ عقلانية لحكومةٍ تتورّط فيها سيادتُها ونموذجها التنموي ونخبُها المحلية. وكلتا الاستراتيجيتين رخيصةٌ على المدى القصير ومكلفةٌ على المدى الطويل، لأنهما تستبدلان الخطابةَ بالعمل المكلف الذي تتطلبه الأدلة والإنفاذ والتعاون. والمفهوم الثالث هو هندسة المسؤولية. فكلُّ موجةِ ضبابٍ تشمل أربع نقاط على الأقل: أرض الامتياز التي تبدأ فيها النار، والشركة الأم التي تسيطر عليها، والمركز الإقليمي الذي تُموَّل فيه المجموعة وتُدرَج وتُتداوَل، والمشتري الذي يشتري السلعة. وكل نقطةٍ تقع في ولايةٍ قضائية مختلفة، ولا تملك دولةٌ واحدة الأدلةَ وسلطةَ الإنفاذ والنفوذَ الاقتصاديَّ معًا. وهذا التشظّي، لا سوء نيةِ حكومةٍ بعينها، هو ما يفسّر إخفاق المساءلة لأكثر من عقدين، وهو استنتاجٌ يتردّد صداه في دراسة «ما وراء الدخان».

ومن الناحية المنهجية، تقوم الورقة على بحثٍ مكتبيٍّ يعتمد التحليل النوعي للوثائق في متنٍ قصديٍّ جُمع حتى 20 أكتوبر 2026. ويشمل المتن تصريحات رئيس الوزراء وونغ والوزيرة غريس فو، وإشعارات الوكالة الوطنية للبيئة بموجب قانون الضباب العابر للحدود، وتصريحات الرئيس برابوو ومسؤولين إندونيسيين، وبيانات الشرطة ووزارة الصحة في إندونيسيا، وتحقيقات غرينبيس و«والهي»، وتقديرات الكلفة لدى اقتصاديين سنغافوريين، وتغطيات وسائل الإعلام السنغافورية والماليزية والإندونيسية والدولية. ورُمِّزت الدعاوى بحسب الفاعل، والنقطة التي تتصل بها في هندسة المسؤولية، وما إذا كانت تعبّر عن لومٍ أو إنكارٍ أو مساءلة. وتُستخدم ثلاث درجاتٍ من الثقة: عالية حين يقوم الحكم على عدة مصادر مستقلة بينها مصادر رسمية؛ ومتوسطة حين تكون الأدلة قوية لكنها ناقصة أو متنازَع عليها؛ ومنخفضة حين يقوم أساسًا على الاستدلال. ويسري تحفّظان: فأعداد البؤر الحرارية وتقديرات المساحات المحترقة تتوقف على مناهج الأقمار الصناعية وتتباعد تباعدًا حادًّا بين المصادر الرسمية والمستقلة؛ وصلات الملكية بين أرض امتيازٍ وشركةٍ مدرجة ليست دليلًا على هوية مَن أشعل النار، ولم تثبت المسؤولية القانونية لأيّ شركة عند إنجاز هذه الورقة، فكلُّ شركةٍ مذكورة بريئةٌ حتى تثبت إدانتها.

ثالثًا. ضباب 2026 بالأرقام: أسوأ موسمٍ منذ عقد

تطوّر ضباب 2026 على موجتين. فبحسب ما يجمعه “2026 Southeast Asian haze”، امتدّت الموجة الأولى من 1 إلى 16 أغسطس، وبدأت الثانية في 18 أغسطس وظلّت مستمرة في أكتوبر. وقد اجتمعت ظاهرة نينيو قوية، وربما نينيو فائقة، مع طَورٍ موجبٍ لثنائي القطب في المحيط الهندي لتُنتج جفافًا مطوّلًا، وكانت وكالات الأرصاد السنغافورية قد حذّرت منذ مايو من خطرٍ أعلى للضباب بين يونيو وأكتوبر. وأفادت التقارير بأن إندونيسيا تواجه أشدّ حرائقها منذ أحد عشر عامًا. وكانت ماليزيا أول المصابين وأشدّهم تضررًا: فقد أغلقت ولاية سراواك جميع مدارسها البالغ عددها 591 مدرسة التابعة لعشرة مكاتب تعليمية في 20 أغسطس، ما أثّر في نحو 200 ألف تلميذ، وسجّلت منطقة سريان قراءةً خطرة بلغت 302 في 29 أغسطس، وفي 4 سبتمبر أعلن الملك حالة الطوارئ في سريان بعد أن تجاوز مؤشر جودة الهواء 500. ودخلت قراءات بروناي نطاق «غير الصحي جدًّا» في 1 سبتمبر، وبلغ الضباب جنوب فيتنام والفلبين في منتصف سبتمبر.

وتصاعدت التجربة السنغافورية عبر سبتمبر وأكتوبر. ففي 4 سبتمبر سجّلت المنطقة الوسطى قراءة PSI بلغت 101، وهي أول قراءةٍ غير صحية منذ أكتوبر 2023، وفي 15 سبتمبر دخلت المناطق الخمس جميعها النطاق غير الصحي في آنٍ واحد لأول مرة منذ 2019. وبحلول منتصف أكتوبر ساءت الأحوال سوءًا حادًّا. فقد بلغت قراءة PSI على مدى 24 ساعة 227 في المنطقة الوسطى في 16 أكتوبر، بعد أن بلغت قراءة PM2.5 الساعية في الغرب 288 في اليوم السابق، وفُتحت ملاجئ للوقاية من الضباب في المراكز المجتمعية. ولم يُكسر الرقم القياسي، أي قراءة 471 المسجّلة في 19 أكتوبر 2015، لكن طول موجة 2026 وامتدادها الإقليمي جعلاها، في تقدير عددٍ من المراقبين، الأكثر ضررًا منذ ذلك العام.

أما الأرقام من داخل إندونيسيا فأشدّ خطورةً وأكثر عرضةً للخلاف. فقد أفاد موقع Mongabay في تقريره “‘Perpetuating stupidity’: Indonesia comes under fire for response to burning and haze” بأن بيانات وزارة الصحة أظهرت 283,270 حالة التهابٍ تنفسيٍّ حادّ في سبع مقاطعات حتى 13 أكتوبر، بعد أن كانت 113,336 حالة في 9 سبتمبر، وأن مدينة بالانكارايا سجّلت تركيزًا للجسيمات الدقيقة PM2.5 بلغ 308.2 ميكروغرامات لكل متر مكعب في 14 أكتوبر، وأن غرينبيس قدّرت أن نحو 40 مليون شخص في بورنيو الإندونيسية وسومطرة تعرّضوا للضباب على مدى شهرين. وتتباعد تقديرات المساحات المحترقة بمرتبةٍ عشرية كاملة: إذ يشير تحليل «ما وراء الدخان» إلى رقمٍ رسميٍّ قدره 202 ألف هكتار حتى يوليو، في مقابل تقديرٍ مستقلٍّ بنحو 1.92 مليون هكتار بين يناير و20 أكتوبر. وارتفعت البؤر الحرارية إلى 1,104 في 19 أكتوبر. وأيًّا كان الرقم الدقيق، فإن الكلفة الإنسانية داخل إندونيسيا تفوق نظيرتها في أيّ بلدٍ مجاور، وهي حقيقةٌ كثيرًا ما تضيع في نقاشٍ يُؤطَّر بوصفه مظلمةً سنغافورية ضد إندونيسيا.

رابعًا. قلق سنغافورة: الكمامات والإشعارات وقانونٌ غير مُفعَّل

جمعت الاستجابة السنغافورية بين تدابير الصحة العامة والإشارات الدبلوماسية والتهديد القانوني. ففي 15 أكتوبر كتب وونغ أننا «لا نستطيع التحكم في الطقس أو الرياح، ولا نستطيع التحكم مباشرةً فيما يحدث خارج حدودنا»، وأن سنغافورة «ستفعل كل ما في وسعها لحماية السنغافوريين»، وأنها عرضت المساعدة على إندونيسيا، بحسب The Star. وقبل ذلك بيوم قالت وزيرة البيئة غريس فو إن سنغافورة «تُبقي خياراتها مفتوحة». والأداة القانونية وراء هذه التحذيرات هي قانون تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود لعام 2014، الذي يجيز التحرك ضد الكيانات التي تتسبّب في حرائق بالخارج أو تتغاضى عنها إذا أبقى الضبابُ مؤشرَ PSI في النطاق غير الصحي في أيّ جزءٍ من سنغافورة مدةَ 24 ساعة أو أكثر. وقد أصدرت الوكالة الوطنية للبيئة إشعاراتِ تدابير وقائية إلى عشر شركات، سبعٌ منها ذات امتيازاتٍ في سومطرة في 16 أكتوبر، وثلاثٌ في كاليمانتان في 19 أكتوبر، بحسب ملخّص موقع The Financial Coconut في تقريره “Who Is Burning Indonesia’s Forests in 2026, and Who Pays for Singapore’s Haze?”. والإشعار ليس حكمًا بالإدانة.

ويتّضح ضعف الأداة حين تُقاس العقوبات بالضرر. فبموجب القانون تواجه الشركة المدانة غراماتٍ تصل إلى 100 ألف دولار سنغافوري يوميًّا، بسقفٍ إجماليٍّ قدره مليونا دولار سنغافوري. وقد قال الاقتصادي السنغافوري يوستون كواه إن أضرار 2026 تجاوزت بالفعل أضرار 2015، وقدّر موقع Eco-Business فاتورة 2026 بين 3.2 و3.9 مليار دولار سنغافوري، في مقابل 1.83 مليار عام 2015، بحسب الملخّص ذاته. والعقوبة القصوى التي تعادل نحو واحدٍ من ألفين من الضرر المقدَّر ليست رادعًا، بل رمز. والأبلغ من ذلك أن أيّ شركةٍ لم تُغرَّم ولم تُقاضَ بموجب القانون منذ نفاذه عام 2014. وقد أوضح الباحث القانوني آلان تان من جامعة سنغافورة الوطنية أن سنغافورة لا تستطيع إثبات الوقائع على الأرض دون تعاونٍ إندونيسي. ويتضمن القانون أيضًا مسارًا مدنيًّا يتيح لأيّ شخصٍ في سنغافورة لحقته خسارة أن يقاضي طلبًا للتعويض دون سقف، لكنه لم يُختبر قط.

ومن ثمّ ينطوي المزاج العام في سنغافورة على تناقضٍ نادرًا ما يظهر في نقاشها الداخلي. فالغضب حقيقيٌّ ومبرَّر: فالسكان يتنفّسون هواءً ضارًّا، والعمال يخسرون إنتاجيتهم، والفئات الهشّة تمرض. غير أن الأدوات التي اختارتها الدولة مُعايَرةٌ لإرسال الإشارات لا للعضّ، وأهدافها هي حائزو الامتيازات في إندونيسيا لا الشركات القابضة الإقليمية والشركات الأم المدرجة والأذرع التجارية التي تعمل من سنغافورة نفسها. والمقارنة بالمالية العامة السنغافورية لافتة. فقد سجّل تحليل “Singapore’s Political Crossroads: Power, Integrity, and Recalibration in the Wong Era” أن موازنة 2026 توقعت فائضًا يقارب 3.2 مليار دولار سنغافوري؛ والكلفة المقدَّرة لموسم ضبابٍ واحد من المرتبة ذاتها. ودولةٌ بهذه القدرة المالية والتنظيمية تملك من الروافع على اقتصاد الضباب أكثر مما يوحي به خطاب العجز أمام «ما يحدث خارج حدودنا».

خامسًا. الخطاب الدفاعي الإندونيسي: الأكسجين والطقس وسجلُّ إنفاذٍ مُقوَّض

انقسمت الاستجابة الإندونيسية بين خطابٍ ينكر المسؤولية وسياساتٍ تقرّ بها. فعلى صعيد الخطاب، قال رئيس الاتصال الحكومي شاهغندا نينغولان إن الضباب «يتجاوز الخطأ البشري»، وإن على الجيران أن يروه ظاهرةً طبيعية في معظمه، مضيفًا: «نحن لا نرسل الدخان فحسب؛ فحين لا يكون هناك دخان نرسل الأكسجين». وقد سُخر من هذه العبارة في ماليزيا وسنغافورة، كما أفادت صحيفة Malay Mail في تقريرها “We send oxygen when there’s no smoke: Indonesian official brushes off haze criticism”. وفي 12 أكتوبر قال الرئيس برابوو إن المساحة المتأثرة بالحرائق انخفضت انخفاضًا حادًّا، مستشهدًا بـ639 هكتارًا في ست مقاطعات، لكن الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث ووزارة الغابات أوضحتا في 14 أكتوبر أن الرقم يغطي فقط المناطق التي يعمل فيها رجال الإطفاء لا إجمالي المساحة المحترقة، بحسب Mongabay. وحتى 16 أكتوبر لم يصدر أيُّ اعتذارٍ علني، خلافًا للاعتذار الذي قدّمه الرئيس سوهارتو عام 1997.

أما على صعيد السياسات، فكان السجلّ أمتن مما أوحى به الخطاب. فقد وصف برابوو الإزالةَ بالقطع والحرق بأنها «إرهابٌ بيئي»، ووعد بعدم التسامح مطلقًا، وأمر حكومات الأقاليم بإنهاء الاستثناءات التي كانت تسمح لصغار المزارعين بحرق قطعٍ صغيرة، ووجّه الشرطة إلى ملاحقة الشركات جنائيًّا. وبحلول 17 سبتمبر أعلنت الشرطة 219 تحقيقًا جنائيًّا، و162 مشتبهًا بهم مسمَّين، و95 شركة قيد التحقيق، ثم ختمت جاكرتا لاحقًا عشرات أراضي الامتياز التابعة لشركات. وفي 15 أكتوبر قال وزير الخارجية أرماناتا ناصر إن إندونيسيا ستقبل المساعدة الأجنبية لمكافحة الحرائق. وهذه خطواتٌ مهمة. ومأساة الاتصال الإندونيسي أن خطاب الإنكار قوّضها: فحين يزعم مسؤولٌ أن موسمَ حرائق «يتجاوز الخطأ البشري»، فإنه يناقض شرطةَ حكومته التي تلاحق بشرًا بتهمة التسبّب فيه. وكما يلاحظ تحليل «ما وراء الدخان»، فإن الطقس يفسّر كيف تنتشر الحرائق، لا كيف تبدأ.

والدولة الإندونيسية متورّطةٌ أيضًا على نحوٍ أكثر مباشرة مما يعترف به خطابها. فقد وجدت دراسة «والهي»، التي لخّصها موقع The Financial Coconut، 807 بؤر حرارية في مشروع الغذاء والطاقة في ميراوكي بجنوب بابوا، منها 674 داخل مجمّعات «حقول الغذاء» التي تديرها الحكومة، ما يعني أن جزءًا من الحرق وقع على أراضٍ فتحتها برامج التنمية الحكومية لا المزارع الخاصة. وضاعفت إخفاقاتُ الحوكمة المشكلة: ففي 14 أكتوبر داهم محققو مكافحة الفساد مكاتب الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث ووجّهوا الاتهام إلى خمسة أشخاص في قضية اختلاسٍ مزعوم لأموال الإغاثة، وأُعفي رئيس الوكالة في تعديلٍ وزاريٍّ في اليوم التالي. وحثّ منتقدون مثل تيمر ماناورونغ من منظمة «أوريغا نوسانتارا» المسؤولين على الكفّ عن «إدامة هذا الغباء»، وحمّلت «والهي» المسؤوليةَ لعقودٍ من التراخيص التي أجازت إزالة الغابات وتجفيف الأراضي الخثية. والإنكار، في ضوء ذلك، ليس مجرد موقفٍ دبلوماسيٍّ تجاه سنغافورة، بل درعٌ داخليٌّ لنموذجٍ تنمويٍّ ولمَن يستفيدون منه.

سادسًا. مفارقة الملوِّث المستفيد: مَن يربح من الأرض التي تحترق

جوهر المسألة اقتصادي. فالصناعات الأوثق ارتباطًا بالحرائق، أي زيت النخيل واللب والورق، من أكثر الصناعات طابعًا إقليميًّا في جنوب شرق آسيا. فمزارعها في إندونيسيا، لكن السيطرة المؤسسية عليها وتمويلها وتجارتها تتركّز في مراكز قليلة، أبرزها سنغافورة. وقد تتبّعت «والهي» 93 شركة ظهرت فيها مؤشرات حرائق إلى مجموعاتٍ تجارية من سنغافورة وماليزيا، منها «سينار ماس» و«ويلمار» و«موسيم ماس» و«فيرست ريسورسز»، مع التنبيه إلى أن صلات الملكية ليست دليلًا على هوية مَن أشعل النار. وربط تقرير غرينبيس الصادر في 5 أكتوبر أراضيَ امتيازٍ متصلة بشركتين لزيت النخيل مدرجتين في سنغافورة، هما «بوميتاما أغري» و«فيرست ريسورسز»، وبشركة «فيرست بورنيو بلانتيشنز» الخاصة التي لها صلات ملكية بشركاتٍ مسجّلة في سنغافورة، بمناطق رُصدت فيها حرائق ودخان؛ والشركات تنازع في المسؤولية. وأقوى صلةٍ موثّقة، بحسب «ما وراء الدخان»، تمرّ عبر مورِّدي أخشاب اللب لشركة «آسيا بالب آند بيبر»، المسجّلة في سنغافورة والتابعة لمجموعة «سينار ماس».

وحين يُنظر إلى هذه الصلات من منظور مفارقة الملوِّث المستفيد، فإن أهميتها لا تكمن في كونها دليلَ إدانةٍ في حرائق بعينها، بقدر ما تكمن في كونها خريطةً لمواضع تراكم القيمة. فاقتصاد المزارع واللب يولّد إيراداته في إندونيسيا، لكنه يقيّد كثيرًا من أرباحه ويجمع كثيرًا من رأسماله ويجري كثيرًا من تجارته عبر سنغافورة. وقد وثّقت الدراسة المنشورة قبل يوم كيف كانت سنغافورة أكبر مصدرٍ مسجَّل للاستثمار الأجنبي في إندونيسيا، وكيف تستأثر الشركات التجارية الشقيقة في سنغافورة بهوامش صادرات السلع، وكيف حقّقت وزارة المالية عام 2026 مع مصدّري زيت نخيلٍ يُشتبه في بيعهم عبر شركاتٍ تابعة في سنغافورة بأسعارٍ تقلّ كثيرًا عن سعر السوق. وكلُّ آليةٍ من هذه الآليات تعني أن جزءًا من الإيرادات التي تولّدها أرضٌ قد تحترق لاحقًا يُفرض عليه الضريبة ويُموَّل ويُحتفى به في سنغافورة. وقد عبّر المشرّع الإندونيسي مروان داسوبانغ عن الصيغة السياسية لهذه الفكرة حين انتقد ماليزيا وسنغافورة لعدم إسهامهما بما يكفي رغم أن شركات زيت النخيل التابعة لهما تعمل في إندونيسيا.

ولا تجعل المفارقةُ سنغافورةَ سببًا للحرائق، ولا تُعفي إندونيسيا من مسؤوليتها عن حوكمة الأرض في إقليمها. ما تفعله هو كشف قصور السرديتين الوطنيتين كلتيهما. فالسردية السنغافورية تعامل الضباب ضررًا خارجيًّا ألحقه جار؛ والإندونيسية تعامله ظاهرةً طبيعية أو شأنًا سياديًّا داخليًّا من شؤون الإنفاذ. ولا تتّسع أيٌّ منهما لحقيقة أن الضباب أثرٌ جانبيٌّ لاقتصادٍ إقليميٍّ الدولتان فيه شريكتان. ومن الوجوه النادرة في الحياة العامة السنغافورية التي كتبت عن هذا الاعتماد المتبادل بصراحة الدبلوماسيُّ والمفكر الذي يتناوله مجلّد الأرشيف Kishore Mahbubani: Singapore’s Diplomat-Philosopher and the Case for an Asian Century، وحجّته القائلة إن نجاح آسيان يقوم على استعداد أعضائها لإدارة المشكلات المشتركة إدارةً براغماتية تنطبق على الضباب بقوةٍ خاصة. والمقاربة البراغماتية لا تبدأ بسؤال مَن يُلام، بل بسؤال مَن يربح، ثم تطلب ممن يربح أن يتقاسم الكلفة.

سابعًا. هندسة المسؤولية: لماذا تسقط المساءلة بين الولايات القضائية

الإطار الإقليمي الذي كان يُفترض أن يسدّ هذه الفجوة قائمٌ منذ أكثر من عقدين. فـاتفاقية آسيان بشأن تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود، الموقّعة عام 2002، تُلزم الأعضاء بمنع الحرائق ورصدها وتبادل المعلومات والتعاون في حالات الطوارئ، ولم تصادق عليها إندونيسيا، البلد الذي تقع فيه معظم الحرائق، إلا عام 2014، بعد اثني عشر عامًا من توقيعها وفي العام ذاته الذي أقرّت فيه سنغافورة قانونها للضباب. والاتفاقية خاليةٌ من آلية إنفاذ ومن أحكام المسؤولية ومن أيّ وسيلةٍ لبلوغ المجموعات المؤسسية عبر الحدود؛ فهي إطارٌ للتعاون بين الدول، لا نظامٌ لمساءلة الشركات. وتُظهر سلسلة الموجات منذ ذلك الحين، 2015 و2019 و2023 والآن 2026، أن التعاون في الطوارئ تحسّن، بطائراتٍ ومروحياتٍ وفرق إطفاءٍ عرضتها ماليزيا وسنغافورة واليابان، في حين ظلّت البنية الاقتصادية المنتجة للحرائق على حالها. والدرس أن نظامًا إقليميًّا قائمًا على التعاون بين الدول وحده لا يستطيع ضبط اقتصادٍ إقليميٍّ منظَّمٍ عبر مجموعاتٍ مؤسسية خاصة.

وأفضل ما يفسّر إخفاق المساءلة لأكثر من عقدين تشظّي المسؤولية عبر أربع نقاط. فعند أرض الامتياز، تملك إندونيسيا الأدلة المادية وسجلات الأراضي وصلاحيات الشرطة، لكن إنفاذها تركّز تاريخيًّا على الأفراد وصغار المزارعين لا على الشركات، وظلّت مترددةً في نشر أسماء الشركات التي خُتمت أراضيها. وعند الشركة الأم، قد يكون صانعو القرار الذين يحدّدون أهداف الإزالة وموازناتها في جاكرتا أو ميدان أو كوالالمبور أو سنغافورة، بعيدًا عن متناول محكمةٍ محلية في كاليمانتان. وعند المركز الإقليمي، تملك سنغافورة سجلات الشركات وقواعد الإفصاح في البورصة والعلاقات المصرفية وقانونًا للضباب ذا امتدادٍ خارج الإقليم، لكنها تفتقر إلى الوصول إلى الأدلة على الأرض. وعند المشتري، تملك شركاتُ السلع الاستهلاكية والتجارُ في أوروبا والصين والهند وغيرها نفوذَ الشراء، لكنها تعتمد على أنظمة الاعتماد وإقرارات المورّدين.

ولأن أيَّ ولايةٍ قضائية لا تجمع بين الأدلة والإنفاذ والنفوذ، يستطيع كلٌّ منها أن يزعم على نحوٍ مقبول أن الخطوة التالية تقع على عاتق غيره. فتقول إندونيسيا إن ملاحقة الشركات الأم الأجنبية شأنٌ سنغافوري؛ وتقول سنغافورة إنها لا تستطيع التحرك دون أدلةٍ إندونيسية؛ ويقول المشترون إنهم يعتمدون على الاعتماد؛ وتقول الشركات إن الحرائق امتدّت من أراضٍ مجاورة، كما فعل عددٌ منها عام 2026. وقد خطت بورصة سنغافورة خطوةً متواضعة حين طلبت إيضاحاتٍ من «غولدن أغري ريسورسز» و«ويلمار» و«إندوفود أغري» و«تي إس إتش ريسورسز» وغيرها، بحسب «ما وراء الدخان»، وانخفضت أسهم «فيرست ريسورسز» 9.1 في المئة بعد تقرير غرينبيس، ما يُظهر أن انضباط السوق يمكن أن يعمل حين تكون المعلومات علنية. لكن انضباط السوق متقطّع، والبنية القانونية لا تزال مصمَّمةً حول حدود أرض الامتياز لا حول المجموعة المؤسسية.

ويتطلّب سدُّ الفجوة نقلَ المسؤولية صعودًا في السلسلة إلى حيث يتراكم الربح. وثمة ثلاثة مساراتٍ قانونية قائمةٌ من حيث المبدأ. الأول هو المادة 3 من قانون الضباب السنغافوري، التي تشمل الكيانات التي «تتغاضى» عن الحرائق، ويمكن اختبارها في مواجهة الشركات الأم والمساهمين المسيطرين لا حائزي الامتياز وحدهم. والثاني هو المسار المدني غير المسقوف في القانون، الذي يتيح للمقيمين أو الشركات في سنغافورة ممن لحقتهم خسارة المقاضاةَ طلبًا للتعويض؛ وقضيةٌ واحدة ناجحة ضد شركةٍ أمٍّ مدرجة ستغيّر الحوافز أكثر من مئة إشعارٍ وقائي. والثالث هو الإفصاح: إذ تستطيع بورصتا سنغافورة وكوالالمبور أن تشترطا على مجموعات المزارع واللب المدرجة نشرَ خرائط أراضي الامتياز وحوادث الحرائق وخطط الإصلاح شرطًا للإدراج. ولا يتطلّب أيٌّ من هذه المسارات أن تتنازل إندونيسيا عن سيادتها، لكنها جميعًا تتطلّب تعاونًا إندونيسيًّا في الأدلة، ولهذا كان خطاب اللوم والإنكار السياسي مكلفًا إلى هذا الحد.

ثامنًا. أبعد من جنوب شرق آسيا: ما يشترك فيه الضباب مع الأضرار العابرة للحدود الأخرى

كثيرًا ما يُعامَل الضباب الدخاني بوصفه مشكلةً خاصة بجنوب شرق آسيا، لكن بنيته مشتركة بين كثيرٍ من الأضرار العابرة للحدود في الاقتصاد العالمي. ففي كل حالةٍ تُنتَج سلعةٌ في ولايةٍ قضائية ضعيفة الحوكمة في شؤون الأرض، وتُموَّل وتُتداوَل عبر مركزٍ ذي مؤسساتٍ قوية، وتُستهلك في أسواقٍ بعيدة، في حين يقع الأثر الخارجي، دخانًا كان أو إزالةً للغابات أو تلوثًا أو انتهاكًا لحقوق العمال، على سكانٍ لا صوت لهم يُذكر في المركز. والابتكارات السياساتية التي اكتسبت أرضًا في أماكن أخرى تشترك في سمةٍ واحدة: إنها تنقل الالتزامات من نقطة الإنتاج إلى نقطتي التمويل والشراء، فتُلزم الشركات التي تربح من سلسلة توريدٍ بإثبات خلوّها من أضرارٍ محدّدة. والمنطق هو منطق مبدأ الملوِّث المستفيد المقترَح هنا.

وتكشف المقارنة أيضًا الخطرَ السياسيَّ لهذه المقاربة. فالدول المنتجة كثيرًا ما تعيش الالتزامات التي تفرضها الأسواق المستوردة تدخّلًا استعماريًّا جديدًا، وإندونيسيا شديدة الحساسية خاصةً تجاه القواعد التي تراها تمييزًا ضد زيت النخيل. ولن يتجنّب ميثاقٌ إقليميٌّ للمسؤولية هذا الفخّ إلا إذا تفاوض عليه أعضاء آسيان بوصفهم شركاء لا إذا فرضه المستهلكون، وإلا إذا سرى على المركز بالقدر ذاته. ولهذا بالضبط تكتسب مشاركة سنغافورة أهميتها: فميثاقٌ تقبل فيه سنغافورة التزاماتٍ تخصّ الشركات الأم والإدراجات والأذرع التجارية التي تستضيفها سيُثبت أن العبء مشترك لا مُصدَّر، وسيمنح إندونيسيا سببًا سياسيًّا لقبول تبادلٍ أقوى للأدلة في المقابل.

وثمة درسٌ جيوسياسيٌّ أوسع كذلك. فمجلّد الأرشيف Intelligence as Statecraft: Singapore’s Strategic Transformation in the Indo-Pacific يصف دولةً مدينة بنت قدرةً استثنائية على جمع المعلومات والتصرّف بناءً عليها لمصلحتها. وعادةً ما تُناقش هذه القدرة بلغة الأمن، لكنها وثيقة الصلة بالحوكمة البيئية بالقدر ذاته. فسنغافورة القادرة على رسم خرائط التدفقات المالية والبنى المؤسسية وتجارة السلع بدقة تستطيع، إن أرادت، أن تصبح أنجع جهةٍ في الإقليم لإنفاذ المسؤولية عن الضباب. وما إذا كانت ستختار ذلك، على حساب ضبط شركاتٍ تسهم في ازدهارها هي، هو الاختبار الحقيقي لالتزامها بالهواء النظيف.

تاسعًا. أقوى الحجج المضادّة والردّ عليها

للحجة المضادّة الأقوى لهذه الورقة ثلاث طبقات. الأولى ترى أن إطار الملوِّث المستفيد ينقل المسؤولية ظلمًا من إندونيسيا، التي تسيطر على أرضها وتصدر التراخيص وتلاحق الحرائق، إلى سنغافورة، التي لا تفعل سوى استضافة الشركات كما يفعل أيُّ اقتصادٍ مفتوح. فالسيادة على الأرض تستتبع المسؤولية عنها، ولن يغيّر ذلك أيُّ قدرٍ من رسم خرائط الشركات. والثانية ترى أن الصلات المؤسسية دليلٌ ضعيف: فبيانات غرينبيس نفسها تُظهر أن خمسة كياناتٍ لزيت النخيل مرتبطةٍ بالخارج لا تمثّل إلا نحو 110 من أصل 6,811 نقطةً لمصادر الدخان، أي نحو 1.6 في المئة، بحسب «ما وراء الدخان»، في حين يمثّل صغار المزارعين والمشغّلون المحليون والمشاريع الحكومية جزءًا كبيرًا من الحرق. ومن ثمّ قد يُضلّل التركيزُ على الشركات المرتبطة بسنغافورة الانتباهَ. والثالثة ترى أن التصعيد القانوني سيرتدّ على أصحابه، لأن تحرّكًا سنغافوريًّا عدوانيًّا ضد امتيازاتٍ إندونيسية أو مجموعاتٍ تسيطر عليها جهاتٌ إندونيسية سيؤجّج النزعة القومية في جاكرتا ويقلّل التعاون الذي يتوقف عليه أيُّ إنفاذ.

لكل طبقةٍ وزنها، وقد شكّلت كلٌّ منها التوصيات. ففي الأولى لا تنازع الورقة في مسؤولية إندونيسيا؛ بل وثّقت خطاب الإنكار وسوء قراءة المساحات المحترقة وبؤر «حقول الغذاء» وإخفاقات الحوكمة في وكالة الكوارث. ودعواها أن المسؤولية موزّعةٌ على سلسلة القيمة لا منقولة. وفي الثانية تقبل الورقة بأن الشركات المرتبطة بالخارج تمثّل أقليةً من مصادر الدخان في بيانات 2026، وبأن الملكية ليست إدانة. لكن مبدأ الملوِّث المستفيد يتعلق بتوزيع الربح والقدرة، لا بموضع الاشتعال وحده: فالمجموعات ذات الجيوب الأعمق والإدارة الأرقى للأراضي هي أيضًا الأقدر على منع الحرائق عبر قواعد إمدادها، ومنها صغار المزارعين الذين يوردون إليها. وفي الثالثة تتفق الورقة على أن التصعيد الأحادي محفوفٌ بالمخاطر، ولهذا توصي بميثاقٍ يُتفاوض عليه بين شركاء، يجمع بين التزاماتٍ سنغافورية على المركز والتزاماتٍ إندونيسية في الأدلة والشفافية.

وينبغي للورقة أن تحدّد أيضًا ما الذي من شأنه أن يغيّر أحكامها. فإذا أثبتت تحقيقاتٌ مستقلة أن امتيازات الشركات وقواعد إمدادها لم تؤدِّ دورًا يُذكر في حرائق 2026، فستضعف الحجّة الداعية إلى نقل المسؤولية صعودًا في السلسلة. وإذا حقّقت سنغافورة إدانةً ناجحة أو حكمًا مدنيًّا بموجب القانون القائم دون أيّ إطارٍ جديد، فسيلزم مراجعة القول بأن الأداة رمزية. وإذا نشرت إندونيسيا من تلقاء نفسها قوائمَ كاملة بالامتيازات المختومة والشركات المشتبه بها، فستتعزّز الحجّة القائلة إن فجوة الأدلة بنيويةٌ لا سياسية. وإلى أن يحدث ذلك، يقدّم إطار الملوِّث المستفيد أكملَ تفسيرٍ لاستمرار اللوم والإنكار.

عاشرًا. التوصيات: ميثاقٌ إقليميٌّ للمسؤولية وثلاثة سيناريوهات لعام 2027

تقترح الورقة ميثاقًا إقليميًّا للمسؤولية من خمسة عناصر. أولها الشفافية عند المصدر: ينبغي لإندونيسيا أن تنشر أسماء الامتيازات المختومة والشركات المشتبه بها ونتائج التحقيقات في غضون مدةٍ محدّدة، كما أوصت «ما وراء الدخان»، كي يتمكّن الجيران والمستثمرون والمشترون من التحقق من الإنفاذ. وثانيها المسؤولية عند المركز: ينبغي لسنغافورة أن تختبر حكم «التغاضي» في قانونها للضباب في مواجهة الشركات الأم والمساهمين المسيطرين، وأن ترفع سقف العقوبة القانونية بحيث يتناسب مع الضرر، وأن تدعم أول دعوى مدنية للتعويض قضيةً اختبارية. وثالثها الإفصاح عند البورصة: ينبغي لبورصة سنغافورة و«بورصة ماليزيا» أن تُلزما مجموعات المزارع واللب المدرجة بنشر حدود أراضي الامتياز وحوادث الحرائق ووضع الأراضي الخثية والتزامات الإصلاح في عقاراتها وقواعد إمدادها. ورابعها صندوقٌ إقليميٌّ للإطفاء والاستصلاح يُموَّل برسمٍ صغير على التجارة الإقليمية لزيت النخيل واللب المقيَّدة عبر المراكز، كي يسهم الرابحون من التجارة في الوقاية وإعادة ترطيب الأراضي الخثية والإطفاء المجتمعي حيث تقع الحرائق. وخامسها مشاعٌ للبيانات في آسيان يكون مستودعًا محايدًا لبياناتٍ موحّدة عن البؤر الحرارية والمساحات المحترقة وخرائط الامتياز وقواعد الإثبات، كي تُحسم الخلافات على أرقامٍ مثل 639 أو 202 ألف أو 1.92 مليون هكتار بالمنهج لا بالبيانات الصحفية.

ويمكن التمييز بين ثلاثة سيناريوهات لموسم الحرائق عام 2027، باحتمالاتٍ تمثّل تقدير الكاتب. الأول، «التكرار الطقوسي»، باحتمالٍ يقارب 55 في المئة، تُنهي فيه أمطارُ ما بين الموسمين في أواخر أكتوبر ونوفمبر الأزمةَ، وتسقط الإشعارات الوقائية دون عقوبات، وتعلن إندونيسيا ملاحقاتٍ لأفرادٍ وحفنةٍ من الشركات، وتستأنف حلقة اللوم والإنكار مع النينيو التالية. والثاني، «المساءلة التدريجية»، باحتمالٍ يقارب 35 في المئة، تمضي فيه سنغافورة في قضيةٍ واحدة على الأقل بموجب قانونها للضباب، وتشدّد بورصة سنغافورة الإفصاح على مجموعات المزارع المدرجة، وتنشر إندونيسيا أسماء الامتيازات المختومة، فتنتج تغيّراتٌ متواضعة لكنها حقيقية في سلوك الشركات. والثالث، «الميثاق الإقليمي»، باحتمالٍ يقارب 10 في المئة، تتفق فيه آسيان، بقيادة إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا، على قواعد مشتركة للإثبات، وصندوقٍ للإطفاء والاستصلاح، ومسؤوليةٍ على مستوى المركز، فيتحوّل الضباب من مصدرٍ للتلاوم الثنائي إلى نموذجٍ للحوكمة الإقليمية.

وستكشف عدة مؤشرات أيَّ سيناريو يتحقق: هل يُفضي أيٌّ من الإشعارات الوقائية العشرة إلى عقوبةٍ أو ملاحقة؛ وهل تنشر إندونيسيا هويات الشركات التي خُتمت امتيازاتها؛ وهل تغيّر بورصة سنغافورة قواعد الإفصاح لمُصدري المزارع واللب؛ وهل يتقدّم التشريع الماليزي المزمع بشأن الضباب العابر للحدود؛ وهل تتجاوز العملية الوزارية في آسيان بشأن الضباب العابر للحدود بياناتِ القلق إلى ترتيباتٍ ملموسة لتبادل البيانات. وكلُّ مؤشرٍ من هذه المؤشرات يقيس المتغيّر الكامن ذاته: هل تتحرك المسؤولية من حدود أرض الامتياز نحو المواضع التي يتراكم فيها الربح.

حادي عشر. حدود الدراسة

لهذه الورقة حدودٌ عدة. فهي بحثٌ مكتبيٌّ أُنجز وموسم الضباب لا يزال جاريًا، ولذلك فإن أرقام الصحة والبؤر الحرارية والكلفة مؤقتة. وتتباعد تقديرات المساحات المحترقة بمرتبةٍ عشرية بين المصادر الرسمية والمستقلة، وتتوقف أعداد البؤر الحرارية على رؤية الأقمار الصناعية. وتعتمد الورقة على تحقيقات المجتمع المدني في الصلات المؤسسية، وهي نتائج تنازع فيها الشركات المعنية؛ فصلات الملكية ليست دليلًا على المسؤولية عن أيّ حريقٍ بعينه، ولم تثبت المسؤولية القانونية لأيّ شركة عند إنجاز الورقة. ويبقى عرض الورقة لتوزيع الربح على سلسلة القيمة بنيويًّا لا كمّيًّا، لأن البيانات اللازمة لقياس مقدار ما يُقيَّد من أرباح اقتصاد المزارع في سنغافورة ليست علنية. وأخيرًا، فإن الميثاق المقترح تصميمٌ سياساتيٌّ لا برنامجٌ مُقيَّم، وتتوقف جدواه على خياراتٍ سياسية في ثلاث عواصم على الأقل.

ثاني عشر. خاتمة: من اللوم إلى الدفتر

ينتج كلُّ موسم ضبابٍ الطقسَ ذاته. يغدو هواء سنغافورة رماديًّا، ويحذّر قادتها من ملاحقةٍ قانونية، ويصرّ مسؤولو إندونيسيا على أن الطقس هو الملوم أو أن غاباتهم ترسل الأكسجين أيضًا، ثم تهطل الأمطار ويُنسى الأمر حتى النينيو التالية. وقد كشف موسم 2026، الأسوأ منذ عقد، كلفةَ هذا الطقس بوضوحٍ غير معتاد: مليارات الدولارات من الأضرار، ومئات الآلاف من الإندونيسيين المصابين بأمراضٍ تنفسية، وقانونٌ لم يُغرّم أحدًا قط، وجهودُ إنفاذٍ قوّضها خطاب حكومتها نفسها.

وقد حاجّت هذه الورقة بأن الطقس يستمرّ لأن السرديتين الوطنيتين تُغفلان الحقيقة ذاتها. فالضباب أثرٌ جانبيٌّ لاقتصادٍ إقليميٍّ تُستأثر فيه قيمة الأرض الإندونيسية إلى حدٍّ كبير عبر سنغافورة، في حين تبقى النار والدخان عند مصدره واللوم في إندونيسيا. وكسرُ الحلقة يتطلّب استبدال لغة اللوم بمنطق الدفتر: تتبّع مَن يربح من الأرض التي تحترق، ومطالبته بدفع كلفة حمايتها. ويتطلّب هذا التحوّل أن تفتح إندونيسيا أدلتها، وأن تضبط سنغافورة الشركات التي تستضيفها، وأن توفّر آسيان الأرض المحايدة التي يلتقي عليها الطرفان. إنها أجندةٌ شاقّة، لكنها الوحيدة التي تعامل الهواء النظيف بما صار إليه في جنوب شرق آسيا: سلعةٌ مشتركة ينتجها، ويدمّرها، اقتصادٌ مشترك.

المراجع والمصادر

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). مفارقة الملوِّث المستفيد: غضب سنغافورة من الضباب الدخاني، وإنكار إندونيسيا، والحاجة إلى ميثاقٍ إقليميٍّ للمسؤولية. المرصد الجاوي. الأصل الإنجليزي: The Polluter–Beneficiary Paradox: Singapore’s Haze Anger, Indonesia’s Denial, and the Case for a Regional Liability Compact، KBA13 Academy Research Center.

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، ومؤسس KBA13 Insight وKBA13 Academy، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب.

من المرصد

تحليلات أخرى