هل تستفزّ أستراليا دولَ رابطة آسيان لتستأثر بطاقتها؟ تُخضِع هذه الدراسة تلك التهمة لميزان البيّنة، فتنتهي إلى ما هو أدقّ منها وأبعد أثرًا: ليست أستراليا مُضرِمةَ الحريق، بل مورِّدٌ أحكم التموضع ليجنيَ ثمرةَ كلِّ صدعٍ ينفتح في جدار الإقليم.
الملخّص
تمتحن هذه الدراسة امتحانًا منهجيًّا الأطروحةَ الذائعة القائلة إنّ أستراليا “تستفزّ” دولَ رابطة آسيان لتستولي على طاقتها، متّخذةً من خفض إندونيسيا صادراتها من الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة ابتداءً من 24 أكتوبر 2026 حالةً اختباريّة. وتستند الدراسة إلى الوثائق الرسمية الأسترالية (استراتيجية “Invested” الاقتصادية لجنوب شرق آسيا حتى عام 2040، واستراتيجية الغاز المستقبلية، ونظام احتجاز الغاز للسوق المحلية لعام 2027)، وإلى بيانات سوق الغاز الطبيعي المسال، وسياسة المعادن الحرجة، ومشروع الربط الكهربائي العابر للحدود “صن كيبل” (SunCable)، واتفاقية الاقتصاد الأخضر بين سنغافورة وأستراليا، وتمويل التحوّل الطاقي، والصلات بين الطاقة والدفاع، لتزن البيّنات المؤيِّدة للأطروحة والنافية لها. وتخلص إلى أنّه لا دليل على أنّ أستراليا أشعلت النزاع الإندونيسي–السنغافوري أو شجّعت الانقسام بين دول آسيان؛ بل إنّ كانبرا ضاعفت في العام نفسه إمداداتها من غاز البترول المسال إلى إندونيسيا ثلاث مرّات، ووقّعت معاهدة جاكرتا لعام 2026، ومدّدت شراكة “كينيتيك” (KINETIK) المناخية. غير أنّ البيّنة تسند قراءةً أحدّ وأدقّ: أستراليا بوصفها مستفيدًا بنيويًّا، تورّد نحو ثلث حاجة سنغافورة من الغاز المسال، وتكسب أرضًا جديدة كلّما اتّخذ جيرانُ سنغافورة الطاقةَ أداةً للضغط، في حين يكشف تاريخ بحر تيمور أنّ كانبرا قادرةٌ على ملاحقة مصالحها الطاقية بحدٍّ قاطع. وتقدّم الدراسة سيناريوهات حتى عام 2030، ومؤشّرات للإنذار المبكّر، وتوصياتٍ لإندونيسيا كي لا ينتهي بها المطاف إلى تسليم سوقها للمورِّد القادم من الجنوب.
الأطروحة
لا تستفزّ أستراليا دولَ آسيان لتستولي على طاقتها، وإنّما تُموضِع نفسها بوصفها المورِّدَ الأوثق في إقليمٍ تتملّكه نزعةُ القومية المواردية؛ فكلّما شهرت إندونيسيا الغازَ سلاحًا دبلوماسيًّا، اتّسعت حصّةُ أستراليا السوقية ونفوذُها الاستراتيجي في سنغافورة من غير أن تحرّك كانبرا ساكنًا.
أبرز النتائج
1. لم يُعثَر على دليلٍ يُثبت أنّ أستراليا أشعلت نزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري أو أذكته؛ بل إنّها ضاعفت في عام 2026 إمداداتها من غاز البترول المسال إلى إندونيسيا ثلاثة أضعاف على الأقلّ، ووقّعت معاهدة جاكرتا، ومدّدت شراكة “كينيتيك” المناخية البالغة 600 مليون دولار أسترالي.
2. أستراليا مستفيدٌ بنيويٌّ من النزاع: فهي تورّد نحو 32 في المئة من حاجة سنغافورة إلى الغاز المسال، في حين تتوقّع شركة “سنغافورة غاسكو” (Singapore GasCo) فجوةً في الإمداد تبلغ نحو 3 ملايين طنّ سنويًّا في 2028–2029 مع انقضاء عقود الأنابيب الإندونيسية.
3. للريبة في أستراليا جذورٌ تاريخية مشروعة، وفي مقدّمتها ما يُنسب إليها من تنصّتٍ في ديلي عام 2004 إبّان مفاوضات النفط والغاز في بحر تيمور؛ غير أنّ ذلك النمط كان ثنائيًّا تحرّكه مصالح مباشرة، لا استراتيجيةً لتفريق صفّ آسيان.
الكلمات المفتاحية
أستراليا، رابطة آسيان، أمن الطاقة، الغاز الطبيعي المسال، نزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري، استراتيجية Invested 2040، صن كيبل، المعادن الحرجة، معاهدة جاكرتا 2026، القومية المواردية، غريتر صن رايز، جغرافيا الطاقة السياسية
أولًا: مدخل: السؤال الخاطئ والسؤال الأجدى
كلُّ أزمةٍ طاقيّةٍ تُولِّد ضربين من السؤال: أوّلهما يسأل مَن المُلام، وثانيهما يسأل مَن المستفيد وكيف تجري تلك الاستفادة. فحين شرعت إندونيسيا في خفض صادراتها من الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة في 24 أكتوبر 2026 على خلفية نزاعٍ حول الضباب الدخاني، اتّجه شطرٌ من النقاش العام الإندونيسي سريعًا نحو الجنوب، يتساءل: أليست أستراليا، تلك الدولة التي ظلّت عقودًا موضعَ شبهةٍ بأنّها تُضمر أجندةً خفيّة في الأرخبيل، هي التي تستفزّ دولَ آسيان وتُغريها بالتنازع كي تستحوذ على طاقة الإقليم؟ والأطروحة مغرية لأنّها تختزل عالمًا معقّدًا في محرّكِ دمى واحد، ولهذا السبب بعينه وجب امتحانها بانضباطٍ صارم، لا قبولها أو ردّها تبعًا للهوى. وتعامل هذه الدراسة دعوى “الاستفزاز” بوصفها فرضيّةً قابلة للإثبات أو النقض، جريًا على تقليد “تحليل الفرضيّات المتنافسة” في دراسات الاستخبارات، فتزن ما تفعله أستراليا فعلًا، وأيّ المصالح تحرّكها، وهل تستغلّ الانقسامات بين دول آسيان أو تعمّقها، وأين تقصر البيّنة عن إسناد قراءة الاستفزاز.
وهذه الدراسة هي الحلقة الثالثة في خيطٍ واحدٍ من الحِجاج. فالدراسة الأولى، واحد وثلاثون مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا: استجابة سنغافورة لخفض الغاز الإندونيسي المنقول بالأنابيب وتشريح تبعيّةٍ آخذة في الانكماش، تُشرِّح استجابات سنغافورة الفورية والبنيوية لخفض الإمدادات، وتاريخ عقود الغاز من ناتونا الغربية وسومطرة، وسياسة إندونيسيا في تقديم الغاز المحلي. والثانية، محورٌ بلا جاكرتا؟ دبلوماسية سنغافورة الطاقية بعد نزاع الغاز مع إندونيسيا وامتحانُ فرضيّة الكتلة الطاقية داخل آسيان، تختبر ما إذا كانت سنغافورة تبني داخل آسيان كتلةً طاقيّةً تُهمِّش إندونيسيا عبر استيراد الكهرباء، وشبكة آسيان للطاقة الكهربائية، والشراكات مع ماليزيا وفيتنام وكمبوديا وأستراليا. أمّا هذه الدراسة الثالثة فتأخذ من شبكة الشراكات تلك فاعلًا واحدًا، هو أستراليا، وتسأل: أهي مجرّد شريك، أم هي مهندسة التحوّل؟ والدراسات الثلاث جميعًا في حوارٍ مع سلسلة سنغافورة المنشورة بين 23 و28 أكتوبر 2026، ولا سيّما حقولٌ هنا وأهراءٌ هناك، وسُلَّم التصعيد في مضيق سنغافورة، وظلالٌ على الضفّة الأخرى من المضيق، وكلٌّ منها يُبيّن أنّ علاقات إندونيسيا بجاراتها الشماليّات تتشكّل بمن يتحكّم في عُقَد التسعير والتمويل والإمداد اللوجستي، أكثر ممّا تتشكّل بمن يملك الموارد.
والمقاربة المنهجيّة بسيطةٌ في ظاهرها، عسيرةٌ في مطلبها. فكلُّ دعوى واقعيّة ينبغي أن تُردّ إلى مصدرٍ مفتوح، سواءٌ أكان وثيقةً رسميّة صادرة عن حكومات أستراليا وسنغافورة وإندونيسيا، أم تقريرًا إعلاميًّا موثوقًا، أم تحليلًا لمؤسّساتٍ سياساتيّة من قبيل معهد لوي (Lowy Institute) ومعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (IEEFA). ويُفصَل الحكمُ التحليلي عن الواقعة، وتُصرَّح درجاتُ الثقة تصريحًا. وبهذا تطمح الدراسة إلى أن تقدّم ما هو أنفس من الحكم القاطع: خريطةً للمصالح تستعين بها إندونيسيا على اتّخاذ قراراتٍ أرشد، مع اقتراب عقود الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة من أجلها في نهاية عام 2028.
ثانيًا: سياق عام 2026: هرمز، والقومية المواردية، وأنبوبٌ يتضاءل
لا سبيل إلى قراءةٍ منصفة لاستراتيجية أستراليا الطاقية من غير إدراك السنة الاستثنائية التي يعيشها الإقليم. فإغلاق مضيق هرمز منذ أواخر فبراير 2026 في الحرب التي كانت إيران طرفًا فيها، والهجمات على منشآت الغاز القطرية، وإعلان “قطر للطاقة” حالةَ القوّة القاهرة في 3 مارس، وضرب مجمّع رأس لفّان في 18 مارس ضربةً اقتطعت نحو 17 في المئة من طاقة قطر في إنتاج الغاز المسال، كلّ ذلك أعاد رسم خريطة إمدادات الطاقة في آسيا، على نحو ما يلخّصه سجلّ وقائع أزمة الوقود لعام 2026. فقد بلغ خام برنت ذروته عند نحو 118 دولارًا أمريكيًّا للبرميل في 31 مارس، وأُعلن وقفٌ لإطلاق النار في 8 أبريل، غير أنّ الملاحة في المضيق ظلّت دون مستوياتها السابقة للحرب بفارقٍ كبير. وفي أكتوبر 2026 كان وزير الطاقة والتجارة والصناعة السنغافوري، تان سي لينغ (Tan See Leng)، لا يزال يحذّر من أنّ أزمة هرمز “لن تكون الأخيرة من نوعها”، ويصف نزعة القومية المواردية بأنّها مقلقةٌ جدًّا، ولا سيّما حين تقوّض الترتيبات التعاقدية الراسخة، وفقًا لما نقلته وكالة ANI.
في هذا المناخ تحرّكت إندونيسيا. ففي 21 أكتوبر 2026، وعقب اجتماعٍ عامّ لمجلس الوزراء، صرّح وزير الطاقة والثروة المعدنية بهليل لاهادليا (Bahlil Lahadalia) بأنّ إندونيسيا في وضع “البقاء”، وأنّها تنظر في عدم تمديد صادرات الغاز إلى الدول المجاورة، في حين قال الرئيس برابوو سوبيانتو إنّ السياسة العالمية باتت تقوم على القوّة، على ما أوردته صحيفة كومباس. وبعد يومٍ واحد حذّر بهليل الدولَ التي “لا تحترم” إندونيسيا، بحسب موقع ماذرشيب. ثمّ أوضح رئيس هيئة “إس كي كي ميغاس” (SKK Migas) جوكو سيسوانتو أنّ الإمدادات من ناتونا ستُخفَّض بمقدار 15 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا، ومن سومطرة بمقدار 16، أي ما مجموعه 31 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا، وأنّ سنغافورة وحدها هي المتأثّرة لأنّ الأنابيب لا تتّصل إلّا بها، على ما نقلته صحيفة جاكرتا غلوب. وشدّدت الحكومة، عبر وكالة أنتارا، على أنّ صادرات الأنابيب إلى سنغافورة بلغت 409.55 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا، وأنّ الخفض بقي فوق الحدّ الأدنى التعاقدي للتسليم البالغ 91 إلى 92 في المئة. أمّا هيئة سوق الطاقة السنغافورية (EMA) فقالت إنّ الأثر في المستوردين المحليّين لم يتجاوز نحو 17 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا على امتداد 18 يومًا، أي أقلّ من 2 في المئة من طلبٍ يوميٍّ يزيد على ألف مليار وحدة، في حين قال رئيس الوزراء لورنس وونغ إنّ المنتظَر من جميع الأطراف أن تفي بالتزاماتها التعاقدية، على ما أوردته صحيفة ملاي ميل.
والفجوة بين أرقام جاكرتا وأرقام سنغافورة أكبر من أن تكون مسألةً فنيّة. فقد سجّلت دراسة سُلَّم التصعيد في مضيق سنغافورة هذا التباين، ووصفت ورقةَ الغاز الإندونيسية بأنّها أصلٌ متناقص القيمة، لأنّ الغاز المسال استولى على معظم إمدادات سنغافورة، ولأنّ محطّةً ثانية لاستقباله قيد الإنشاء. وهنا تدخل أستراليا إلى المشهد، لا بوصفها الطرف الذي قطع الأنبوب، بل بوصفها الطرف الذي تملأ ناقلاتُه الفراغَ الذي يخلّفه الأنبوب. ومن ثمّ ينتقل السؤال التحليلي من “مَن أشعل النار” إلى “مَن يملأ الفجوة”، وهذا الانتقال هو الذي يحكم حِجاج الدراسة كلّه.
ثالثًا: هندسة الاستراتيجية: “Invested 2040” وعُدّة أستراليا في فنّ إدارة الدولة
تُصاغ استراتيجية أستراليا تجاه جنوب شرق آسيا في العلن لا في الخفاء. فوثيقة Invested: Australia’s Southeast Asia Economic Strategy to 2040، التي أعدّها المبعوث الخاصّ نيكولاس مور وأُطلقت عام 2023، هي الإطار الرئيس. ويقدّر فصلها المخصّص للتحوّل إلى الطاقة الخضراء، المتاح على موقع وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية، أنّ السوق الإقليمية لخدمات التحوّل إلى الطاقة النظيفة الأسترالية قد تبلغ ما يصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي سنويًّا بحلول عام 2030، ويشير إلى حاجة جنوب شرق آسيا إلى نحو 454 غيغاواط من قدرات التوليد الجديدة بحلول عام 2050، ويقرّر أنّ الربط العابر للحدود وتجارة الكهرباء هما أجدى السبل كلفةً لرفع حصّة الطاقة المتجدّدة. ويذكر الفصل نفسه شراكة المناخ والبنية التحتية بين أستراليا وإندونيسيا البالغة 200 مليون دولار أسترالي، وتسهيلًا بقيمة 200 مليون دولار أمريكي تعدّه مؤسّسة تمويل الصادرات الأسترالية لتحوّل إندونيسيا الطاقي. واللافت أنّ الفصل لا يذكر الغاز المسال البتّة: فاستراتيجية أستراليا الرسمية للإقليم مصوغةٌ بوصفها استراتيجيةَ تحوّل، لا استراتيجيةً لبيع الوقود الأحفوري.
وفي القمّة الخاصّة بين آسيان وأستراليا في ملبورن في 5 مارس 2024، أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي عن تسهيل تمويل الاستثمار في جنوب شرق آسيا بقيمة ملياري دولار أسترالي، تديره مؤسّسة تمويل الصادرات الأسترالية ويتركّز على التحوّل إلى الطاقة النظيفة والبنية التحتية، إلى جانب تمديدٍ بقيمة 140 مليون دولار أسترالي لبرنامج “شراكات من أجل البنية التحتية”. ويسجّل البيان نفسه أنّ التجارة البينية بين أستراليا وآسيان بلغت عام 2022 نحو 178 مليار دولار أسترالي، والاستثمار المتبادل 307 مليارات، أي نحو 15 في المئة من تجارة أستراليا، وهو ما يفوق تجارتها مع اليابان أو الولايات المتحدة. ويضيف تقرير التنفيذ الصادر في أكتوبر 2024 أنّ تسعة فرقٍ لصفقات الاستثمار قد أُنشئت بمراكز في مدينة هو تشي منه وجاكرتا وسنغافورة، وأنّ فريق جاكرتا وقّع في يونيو 2024 مذكّرة تفاهمٍ مع هيئة الاستثمار الإندونيسية (Indonesia Investment Authority). وفي اجتماع وزراء الطاقة لقمّة آسيان–شرق آسيا في كوالالمبور عام 2025، أعلنت أستراليا، في كلمةٍ أُلقيت نيابةً عن الوزير كريس بوين، انضمامها إلى شراكة الربط الطاقي في إطار مبادرة تمويل شبكة آسيان للطاقة الكهربائية، وذكرت مبادرة “مستقبل آسيان” (ASEAN Futures Initiative) البالغة 204 ملايين دولار أسترالي، و200 مليون لإندونيسيا، و105 ملايين لفيتنام، وتعهّدت بأن تبقى شريكًا ومورِّدًا طاقيًّا موثوقًا طوال مرحلة التحوّل.
وتكشف هذه الهندسة أنّ عُدّة أستراليا اقتصاديةٌ تكنوقراطية: تمويلٌ، ومعايير، وفرقُ صفقات، ودبلوماسيةٌ مناخية. بل إنّ أحدّ ما وُجِّه إلى هذه الاستراتيجية من نقدٍ يأتي من الاتّجاه المعاكس، أي أنّ أستراليا أصغر من المطلوب وأبطأ. ففي فبراير 2024 حثّ باحثو معهد لوي، في مقالة Go big or go home، كانبرا على إنشاء تسهيلٍ تمويليٍّ قادر على ضخّ المليارات لا الملايين، مقارنين إيّاه بتسهيل المحيط الهادئ البالغ 4 مليارات دولار أسترالي. ويعسر التوفيق بين نقدٍ يأخذ على دولةٍ أنّها تستثمر أقلّ ممّا ينبغي، وتهمةٍ تنسب إليها إدارة عمليّةٍ ضخمة للاستيلاء على طاقة الإقليم. بيد أنّ صغر الأرقام لا يعني صغر النفوذ، فقوّة أستراليا في جنوب شرق آسيا لا تكمن في أموال المِنَح، بل في جزيئات الغاز التي تبيعها.
رابعًا: الغاز والغاز المسال: مورِّدٌ يربح من حيرة جيرانه
لُبُّ المصلحة الطاقية الأسترالية في جنوب شرق آسيا هو الغاز الطبيعي المسال، وهنا تبلغ البيّنة أوضح صورها. فبحسب تقريرٍ لوكالة الصحافة الفرنسية نشرته صحيفة ملاي ميل في 10 أبريل 2026، تورّد أستراليا نحو 32 في المئة من حاجة سنغافورة إلى الغاز المسال، وهي أكبر مورِّديها، في حين تستورد أستراليا نحو 90 في المئة من منتجاتها النفطية المكرّرة، ربعُها تقريبًا من سنغافورة. وفي ذلك اليوم وقّع البلدان اتفاقًا غير مُلزِم يتعهّدان فيه ببذل “أقصى الجهود” لتلبية احتياجات كلٍّ منهما من أمن الطاقة؛ وزار ألبانيزي مصفاةً ومحطّةً للغاز المسال في جزيرة جورونغ، وطمأنه لورنس وونغ إلى أنّ إمدادات الوقود المكرّر إلى أستراليا ستستمرّ ما استمرّت الإمدادات من المنبع. فليست هذه علاقةَ تحكّمٍ من طرفٍ واحد، بل علاقة اعتمادٍ متبادل: سنغافورة تحتاج إلى الغاز الأسترالي لتوليد كهربائها، وأستراليا تحتاج إلى مصافي سنغافورة لوقود الديزل ووقود الطائرات.
وتؤكّد استراتيجية الغاز المستقبلية لعام 2024 الرسمية مبدأ أنّ أستراليا “شريكٌ تجاريٌّ موثوق في مجال الطاقة، وستبقى كذلك”، وتشير إلى أنّ أستراليا تورّد نحو خُمس تجارة الغاز المسال العالمية بصادراتٍ بلغت 81 مليون طنّ في 2022–2023، وأنّ قرابة 90 في المئة من الغاز المسال الأسترالي يتّجه إلى اليابان والصين وكوريا الجنوبية وتايوان. وسنغافورة هي الموضع الوحيد في جنوب شرق آسيا الذي يُذكَر صراحةً في ذلك الباب. ولهذا دلالته: ففي خريطة أستراليا السوقية لا يزال جنوب شرق آسيا سوقًا ثانوية، ولا يزال كبار المشترين في شمال شرق آسيا. وبحسب إس آند بي غلوبال، صدّرت أستراليا نحو 77.2 مليون طنّ من الغاز المسال عام 2025، فكانت ثالث أكبر مصدِّرٍ في العالم.
وتتجلّى العاقبة البنيوية للنزاع الإندونيسي–السنغافوري حين تُوضع في مقابل خطط الشراء السنغافورية. فقد صرّح الرئيس التنفيذي لشركة “سنغافورة غاسكو”، آلان هنغ (Alan Heng)، لموقع Gas Processing News بأنّ الشركة ستطلب عروضًا طويلة الأجل للغاز المسال لإمداداتٍ تبدأ عام 2028، وتوقّع فجوةً في الإمداد تبلغ نحو 3 ملايين طنّ في 2028–2029 ونحو 6 ملايين طنّ عام 2035، ولاحظ أنّ معظم عقود الغاز المنقول بالأنابيب تنتهي بحلول عام 2028، وأنّ أحجام الأنابيب يُتوقَّع أن تتراجع مع استهلاك ماليزيا وإندونيسيا غازَهما محليًّا. وبعبارةٍ أخرى، كانت سنغافورة تخطّط لعالمٍ بلا غازٍ إندونيسيٍّ منقولٍ بالأنابيب قبل أن يتحدّث بهليل عن وضع “البقاء”؛ ولم تفعل تصريحات أكتوبر 2026 سوى أنّها عجّلت ذلك التحوّل وزادته حدّة. وكلّ طنٍّ ينفتح في الفجوة فرصةٌ لمورِّدي الغاز المسال، وأستراليا، ومعها الولايات المتحدة وقطر والمورِّدون الأفارقة، تقف في الصفّ الأوّل. وقد قال الوزير تان نفسه إنّ الغاز المسال السنغافوري يأتي من محفظةٍ تضمّ الولايات المتحدة وأفريقيا والشرق الأوسط وأستراليا، على ما أوردته صحيفة ذا إيدج ماليزيا.
وأعظمُ مفارقات هذا الباب تنقض أطروحة الاستفزاز من وجهٍ آخر. فأستراليا نفسها تنتهج سياسةً يشبه منطقُها منطقَ إندونيسيا. ففي 7 مايو 2026 أعلنت الحكومة الأسترالية نظامًا لاحتجاز الغاز للسوق المحلية يُلزم مصدِّري الغاز المسال بتوريد 20 في المئة من أحجام صادراتهم إلى السوق المحلية ابتداءً من 1 يوليو 2027، مع احترام عقود التصدير الموقّعة قبل 22 ديسمبر 2025، وفقًا لـإس آند بي غلوبال. ووصفت رابطة المنتجين “Australian Energy Producers” ذلك بأنّه تدخّلٌ ثقيل اليد. فكانبرا وجاكرتا كلتاهما تقدّمان الحاجة المحلية؛ والفارق في الطريقة. فقد أعلنت أستراليا سياستها قبل أكثر من عامٍ من نفاذها، وصانت العقود القائمة صراحةً، بينما ربطت إندونيسيا خفضَ إمداداتها بخطابٍ عن الدول التي “لا تحترمها”. وهذا الفارق الإجرائي، لا الاستفزاز، هو ما يفسّر ميلَ المشترين في سنغافورة إلى اعتبار أستراليا المورِّدَ الأقربَ إلى التوقّع.
ليست أستراليا في حاجةٍ إلى استفزاز أحد؛ يكفيها أن تكون الطرفَ الأقربَ إلى التوقّع في إقليمٍ يفقد صبرَه على العقود.
خامسًا: الفحم والمعادن الحرجة: منافسةٌ لإندونيسيا لا سالبةٌ لمواردها
لو صدقت أطروحة الاستفزاز، لوجب أن نعثر على نمطٍ تستولي فيه أستراليا على موارد إندونيسيا. غير أنّ البيّنة في ميدانَي الفحم والمعادن الحرجة تشير إلى الوجهة المعاكسة: فقد تفوّقت إندونيسيا على أستراليا في عددٍ من الأسواق المهمّة. فبحسب موجزٍ لمعهد IEEFA صادرٍ في أكتوبر 2025، تتصدّر إندونيسيا مورِّدي الفحم الحراري إلى الصين وآسيان، واستأثرت بمعظم النموّ في واردات السوقين بين عامَي 2019 و2023، في حين كانت الوجهات الرئيسة للفحم الحراري الأسترالي عام 2024 هي اليابان والصين وتايوان وكوريا الجنوبية. فالفحم الإندونيسي الأدنى رتبةً يلائم السوقين الصينية والآسيانية، بينما تتفوّق أستراليا في الفحم العالي الجودة لليابان وكوريا. أجل، إنّ فيتنام وتايلاند سوقان ناميتان لأستراليا، لكنّ الإقليم في جملته ليس ميدانًا تسوده أستراليا.
وقصّة النيكل أشدّ إثارة. ففي يوليو 2024 أعلنت شركة “بي إتش بي” (BHP) تعليقًا مؤقّتًا لعمليّات “نيكل ويست” ومشروع “ويست موسغريف” في غرب أستراليا ابتداءً من أكتوبر من ذلك العام بسبب تخمة النيكل العالمية، وذُكرت إندونيسيا بوصفها القوّة الإمدادية التي قلبت السوق رأسًا على عقب، على ما أوردته صحيفة ذا جاكرتا بوست. ويوضح الباحثان في معهد لوي روبرت ووكر وهلمان بالاون، في مقالتهما A critical mineral match for Australia and Indonesia المنشورة في مايو 2025، أنّ إندونيسيا صارت أكبر مورِّدٍ للنيكل في العالم بفضل سياسة التصنيع في المصبّ، في حين أنّ أستراليا أكبر منتجٍ لليثيوم، وأنّ الشركات الإندونيسية أنفقت نحو 3 مليارات دولار أسترالي على الاستحواذ على مشروعات تعدين الفحم الأسترالية منذ عام 2016. ويؤكّدان كذلك أنّ أستراليا لن تستطيع أداء الدور الذي أدّته الصين في نجاح إندونيسيا في النيكل. ففي هذا القطاع جرى شطرٌ من رأس المال من إندونيسيا إلى أستراليا، لا العكس.
وسياسة أستراليا في المعادن الحرجة موجّهةٌ إلى منافسة الصين أكثر منها إلى التحكّم في موارد آسيان. ففي أبريل 2025 تعهّد ألبانيزي بإنشاء احتياطيٍّ استراتيجيٍّ للمعادن الحرجة بقيمة 1.2 مليار دولار أسترالي يُتوقَّع أن يبدأ العمل في النصف الثاني من عام 2026، بحسب إس آند بي غلوبال، وفي أكتوبر 2025 اتّفقت أستراليا والولايات المتحدة على إطارٍ لتأمين إمدادات المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة. وفي هذا الإطار تتموضع إندونيسيا شريكًا محتملًا مرغوبًا فيه ومنافسًا مَخُوفًا في آنٍ معًا، لأنّ سلسلة إمداد النيكل لديها وثيقة الارتباط برأس المال والتقنية الصينيّين. وهنا تجد الريبة الإندونيسية أرضًا أصلب: فإطارٌ للمعادن الحرجة تقوده الولايات المتحدة قد يحوّل معايير “سلسلة الإمداد الموثوقة” إلى سياجٍ يُقصي النيكل الإندونيسي عن الأسواق الغربية. لكنّ ذلك تنافسٌ جيو-اقتصاديٌّ بين الكتل، لا استفزازٌ موجَّهٌ إلى آسيان، وأثرُه أنّه يخفض سعر موارد إندونيسيا، لا أنّه يستولي عليها.
سادسًا: الكهرباء العابرة للحدود والهيدروجين: طموحاتٌ كبرى تسير متعثّرة
المشروعُ الأكثر استشهادًا به برهانًا على طموح أستراليا إلى الهيمنة على طاقة الإقليم هو مشروع “الربط الكهربائي الأسترالي–الآسيوي” (Australia–Asia PowerLink) الذي تطوّره شركة “صن كيبل”. ففي 22 أكتوبر 2024 منحت هيئة سوق الطاقة السنغافورية موافقةً مشروطة لاستيراد 1.75 غيغاواط من الكهرباء الخضراء من الإقليم الشمالي الأسترالي، أي نحو 15 في المئة من حاجة سنغافورة إلى الكهرباء، مع إنفاقٍ مباشرٍ مخطَّطٍ قدره 2.5 مليار دولار أمريكي في إندونيسيا على امتداد عمر المشروع. بيد أنّ تاريخ المشروع يكشف من الهشاشة أكثر ممّا يكشف من القوّة. فبحسب خلاصةٍ لـتاريخ المشروع، دخلت “صن كيبل” الإدارةَ الطوعية في يناير 2023 إثر خلافٍ بين مموّليها المليارديرين، ثمّ استحوذ عليها تحالفٌ تقوده “غروك فنتشرز” (Grok Ventures) في سبتمبر 2023، وعُدِّل هدف الإمداد إلى 900 ميغاواط لداروين بحلول عام 2030، على أن تلحقها سنغافورة بعد بضع سنوات. وحتى أكتوبر 2026، لا تُظهر المصادر المفتوحة التي أمكن التحقّق منها لأغراض هذه الدراسة أيَّ قرارٍ استثماريٍّ نهائي. ولو شُيِّد الكابل لعبر المياه الإندونيسية، فهو من الناحية المادّية يمنح إندونيسيا في الحقيقة ورقةَ ضغطٍ على تصاريح العبور والمسح.
والإطار المؤسّسي لذلك هو اتفاقية الاقتصاد الأخضر بين سنغافورة وأستراليا. ففي الاجتماع السنوي العاشر للقادة في كانبرا في 8 أكتوبر 2025، أطلق البلدان إطارًا لتجارة الكهرباء العابرة للحدود وُصف بأنّه مرجعٌ للأعراف والممارسات وسندٌ لشبكة آسيان للطاقة الكهربائية، بحسب بيانٍ صحفيٍّ لوزارة التجارة والصناعة السنغافورية. وهنا يكمن بُعدٌ ينبغي لإندونيسيا أن ترقبه: فسنغافورة وأستراليا تكتبان قواعدَ تجارة الكهرباء الإقليمية، ومَن يكتب القواعد يقرّر في الغالب مَن يقطف القيمة المضافة. لكنّ هذا يختلف عن الاستفزاز؛ إنّه تنافسٌ في صياغة الأعراف تستطيع إندونيسيا أن تنخرط فيه إن شاءت.
أمّا على الجانب الإندونيسي نفسه، فإنّ صادرات الكهرباء الخضراء إلى سنغافورة تعوقها الأنظمة المحلية. فقد سجّلت دراسة حقولٌ هنا وأهراءٌ هناك أنّ سنغافورة وافقت مشروطًا عام 2024 على استيراد 3.4 غيغاواط من الكهرباء المنخفضة الكربون من إندونيسيا، وأنّ بهليل حجب في فبراير 2025 ترخيصَ تصدير الكهرباء الخضراء مطالبًا بالمعاملة بالمثل. وفي سبتمبر 2026 أفادت ذا جاكرتا بوست بأنّ مشروع “فاندا” (Vanda) في جزر رياو، بقدرة 2 غيغاواط ذروة من الطاقة الشمسية و4.4 غيغاواط ساعة من البطاريات، لا يزال ينتظر نظام تصدير الكهرباء وسياسة التزام السوق المحلية. وفي الأثناء منحت هيئة سوق الطاقة السنغافورية شركة “سيمبكورب” (Sembcorp) موافقةً مشروطة لاستيراد ما يصل إلى 1.3 غيغاواط من الكهرباء المتجدّدة من شبه جزيرة ماليزيا وعبرها، بحسب Energy Tracker Asia. فإن ولّت سنغافورة وجهها شطرَ ماليزيا وأستراليا، فذلك في جانبٍ منه لأنّ إندونيسيا لم تفتح بابها بعد.
أمّا الهيدروجين الأخضر، الذي كثيرًا ما يُصوَّر سلاحَ أستراليا للمستقبل، فقد مُني بانتكاساتٍ حقيقية. ففي يوليو 2025 تخلّت شركة “فورتسكيو” (Fortescue) عن مشروعَي PEM50 وأريزونا مع شطبٍ محاسبيٍّ متوقَّع بنحو 150 مليون دولار أمريكي، بحسب Mining Weekly، وأُلغي كذلك مشروع CQ-H2 بقدرة غيغاواط في كوينزلاند، على ما سجّله موقع Hydrogen Insight. وما زال طموح أن تصير أستراليا “قوّةً عظمى في الطاقة المتجدّدة” سرديّةً أكثر منه بنيةً تحتيّة توصل الطاقة إلى آسيان.
سابعًا: تمويل التحوّل والدبلوماسية المناخية: نفوذٌ يُشترى بثمنٍ زهيد
الأداة الثالثة لأستراليا هي التمويل والدبلوماسية المناخية. ففي مارس 2024 أعلنت وزيرة الخارجية بيني وونغ عن نافذة المناخ والطاقة النظيفة بقيمة 10 ملايين دولار، ضمن برنامج الشراكات الحكومية مع جنوب شرق آسيا. وفي أغسطس 2026 رحّب البيان المشترك للاجتماع العاشر لوزراء الخارجية والدفاع الأستراليين والإندونيسيين (2+2) بالمرحلة الثانية من “كينيتيك”، وهي شراكةٌ للمناخ والبنية التحتية المستدامة بقيمة 600 مليون دولار أسترالي للفترة 2026–2035. وإذا قيست هذه المبالغ بحاجات الإقليم بدت ضئيلة. فقد وجد تحليلٌ لمعهد لوي أعدّه ألكسندر دايانت ورولاند راجاه في يونيو 2024 بعنوان International partners fall short أنّ مجموع التمويل المناخي الذي قدّمه الشركاء الدوليّون لجنوب شرق آسيا كان دون 11 مليار دولار أمريكي عام 2022، في حين تقدّر وكالة الطاقة الدولية أنّ استثمار الإقليم في الطاقة النظيفة ينبغي أن يرتفع إلى نحو 130 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.
ومنطق النفوذ هنا زهيد الكلفة لكنّه ناجع. فبمبالغ متواضعة نسبيًّا تبني أستراليا شبكاتٍ من التكنوقراط، ومعاييرَ لتصنيف التمويل المستدام، وعلاقاتٍ مؤسّسية تجعل الشركات والمستشارين الأستراليّين شركاءَ طبيعيّين حين تُموَّل المشروعات الكبرى في نهاية المطاف. وهذا ضربٌ مألوف من القوّة البنيوية في الدبلوماسية الاقتصادية للقوى المتوسّطة، وهو يُنشئ فعلًا تبعيّةً معرفيّة. لكنّ هذه التبعيّة، مرّةً أخرى، يقبلها طوعًا شركاءُ يحتاجون إلى رأس المال والخبرة، ولا يتوقّف نجاحها على نشوب صراعٍ بين دول آسيان. بل على العكس، إنّ صراعًا بين إندونيسيا وسنغافورة من شأنه أن يعقّد أجندة الشبكة الإقليمية التي تروّج لها أستراليا، لأنّ مثل هذه الشبكة يقتضي الثقة ويقتضي مساراتٍ عبر المياه الإندونيسية.
والنقد الأوزن للدبلوماسية المناخية الأسترالية هو تناقضها. فقد رأى جيمس بوين، في مقالةٍ لمعهد لوي في مايو 2024 بعنوان Australia’s new gas strategy makes for flawed foreign policy، أنّ استراتيجية الغاز المستقبلية تُقيِّد أستراليا وشركاءها الآسيويّين بالغاز الأحفوري لعقود، وتناقض طموحَ أن تصير قوّةً عظمى في الطاقة المتجدّدة. وهذا النقد وثيق الصلة بآسيان: فأستراليا تتحدّث بلغة التحوّل في المنابر الدبلوماسية، بينما تُطيل اعتمادَ الإقليم على الغاز المسال عبر العقود الطويلة الأجل. وليس هذا التناقض استفزازًا، لكنّه يكشف أنّ المصلحة التجارية في الغاز تظلّ مِرساةَ الاستراتيجية، وأنّ الخطاب المناخي يؤدّي وظيفةَ الغلاف الذي يجعل بيع الغاز أيسرَ قبولًا من الناحية السياسية.
ثامنًا: الطاقة والدفاع: داروين، ومعاهدة جاكرتا، والارتباط المزدوج لأستراليا
يكشف البُعد الدفاعي أنّ الطاقة عند أستراليا شأنٌ من شؤون الأمن القومي أيضًا. فمنشأةٌ عسكرية لتخزين الوقود بسعة نحو 300 مليون لتر في “إيست آرم” بداروين، تبلغ قيمتها قرابة 270 مليون دولار، شيّدتها شركة “كراولي” (Crowley) بموجب عقدٍ مع الحكومة الأمريكية لدعم العمليّات العسكرية الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ، بحسب تقريرٍ نشرته صحيفة ذا كانبرا تايمز في يناير 2022. وداروين كذلك منطلقُ خطط “صن كيبل” ومنطقة “ميدل آرم” (Middle Arm) للصناعة الخضراء. وهكذا يغدو شمال أستراليا عقدةً تلتقي فيها وقودُ الحلفاء العسكري، وصادراتُ الغاز المسال، وطموحاتُ الكهرباء الخضراء. ويُصيب المخطّطون الدفاعيّون الإندونيسيّون حين يرقبون هذا التركّز في الوظائف، كما ترقب إندونيسيا تركّز الوظائف في سنغافورة الذي تناولته مقالة سنغافورة في مضيق ملقا.
غير أنّ أهمّ بيّنةٍ دفاعيّة في عام 2026 تبتعد عن أطروحة الاستفزاز. ففي 6 فبراير 2026 وقّع ألبانيزي وبرابوو معاهدة جاكرتا لعام 2026، المسمّاة أيضًا “معاهدة الأمن المشترك”، مصحوبةً بمذكّرة تفاهمٍ بين الحكومة الأسترالية وصندوق “داناتارا” (Danantara) لتحديد فرص الاستثمار المتبادل. وقال ألبانيزي إنّه لا دولة أهمّ لأستراليا من إندونيسيا. وبحسب وكالة أنتارا، تنصّ المعاهدة على مشاوراتٍ منتظمة رفيعة المستوى وعلى الدعم المتبادل في مواجهة التهديدات الجسيمة، وفي أغسطس 2026 اقترح وزير الخارجية سوجيونو شراكةً للصمود تتركّز على الغذاء والطاقة، مؤكّدًا أنّها “ليست كتلةً جديدة”. وقد خلصت دراسة سُلَّم التصعيد في مضيق سنغافورة إلى أنّ أستراليا، المرتبطة بإندونيسيا عبر معاهدة جاكرتا وبسنغافورة عبر ترتيبات الدفاع بين القوى الخمس (FPDA) التي أُعيد تأكيد جدواها في أغسطس 2026، تؤدّي وظيفةَ المكابح، ولها مصلحةٌ في الحيلولة دون الخيارات القسرية.
ومنطق الارتباط المزدوج هذا هو أقوى الحجج في نقض أطروحة الاستفزاز. فدولةٌ تقع عليها التزاماتُ تشاورٍ أمنيٍّ تجاه إندونيسيا، وهي في الوقت ذاته شريكٌ دفاعيٌّ لسنغافورة، هي التي تتحمّل الكلفة الأعظم إن تخاصم البلدان. فالصراع المكشوف سيُكره كانبرا على الاختيار، ويُصيب معاهدةَ جاكرتا التي لم يمضِ على توقيعها سوى أشهر، ويُربك الممرّات البحرية التي تسلكها صادراتها من الغاز المسال ووارداتها هي من الوقود المكرّر. ومن منظور العقلانية الاستراتيجية، تكسب أستراليا من نزاعٍ محصورٍ يدفع سنغافورة إلى تنويع إمداداتها أكثر ممّا تكسب من صراعٍ يُضرم النار في المضيق كلّه. والفرق بين “الانتفاع من التوتّر” و”إشعال التوتّر” هو جوهر التقدير الذي تنتهي إليه هذه الدراسة.
تاسعًا: السجلّ التاريخي: بحر تيمور، و”غريتر صن رايز”، والجذور المشروعة للريبة
لم تولد الريبة الإندونيسية في أستراليا في فراغ، والدراسة المنصفة لا بدّ أن تعترف بذلك. فمجموعة كتابات الصحافة الإندونيسية عن أستراليا بين عامَي 1973 و1988، التي حرّرها فيليب كيتلي وريتشارد شوفيل وديفيد ريف بعنوان Australia di Mata Indonesia (أستراليا في عيون إندونيسيا، دار غراميديا، 1989)، تُبيّن أنّ الارتياب في نوايا كانبرا ظلّ عقودًا جزءًا من المتخيَّل السياسي الإندونيسي. وتستعيد دراسة ظلالٌ على الضفّة الأخرى من المضيق أنّ تسريبات عام 2013 كشفت أنّ وكالة الاستخبارات الإلكترونية الأسترالية تعقّبت هاتف الرئيس سوسيلو بامبانغ يودويونو في أغسطس 2009، وأنّ ثمّة تقاريرَ عن تعاونٍ أستراليٍّ–سنغافوريٍّ في النفاذ إلى الكابلات البحرية، وأنّ الأزمة سُوِّيت بـ”تفاهمٍ مشترك بشأن مدوّنة سلوك” وُقِّع في بالي في 28 أغسطس 2014.
والحالة الأوثق صلةً بالطاقة هي بحر تيمور. فجهاز الاستخبارات الأسترالي السرّي (ASIS) يُدّعى أنّه زرع أجهزة تنصّتٍ في مكاتب حكوميّة في ديلي عام 2004 أثناء مفاوضاتٍ على عائدات النفط والغاز؛ ولم تؤكّد أستراليا ذلك ولم تنفه. واعترف الضابط السابق المعروف بـ”الشاهد K” (Witness K) بالذنب ونال حكمًا موقوف التنفيذ عام 2021، في حين أسقطت حكومة حزب العمّال عام 2022 الملاحقةَ القضائية عن محاميه برنارد كولاري (Bernard Collaery)، على ما أوردته مجلّة ذا ديبلومات. ثمّ اتّفقت أستراليا وتيمور الشرقية على معاهدةٍ جديدة للحدود البحرية في مارس 2018، بحسب Baird Maritime. وتدلّ الحالة على أنّ كانبرا لم تتورّع عن توظيف أدواتها الاستخبارية لانتزاع الأفضلية في مفاوضات الطاقة مع جارٍ أضعف منها بكثير.
وقد اكتسبت تلك القصّة فصلًا جديدًا في اللحظة التي احتدم فيها نزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري. ففي 27 أكتوبر 2026 وافقت شركة “وودسايد” (Woodside) على بيع حصّتها البالغة 33 في المئة في مشروع “غريتر صن رايز” (Greater Sunrise) لشركة النفط الوطنية “تيمور غاب” (Timor Gap) بما يصل إلى 200 مليون دولار أمريكي، فآلت إلى تيمور الشرقية الملكيّةُ الكاملة لمشروعٍ يُقدَّر أنّه يضمّ 5.1 تريليون قدم مكعّبة من الغاز، بحسب صحيفة ذا ستار. وكان التطوير قد تعثّر سنواتٍ بسبب الخلاف على ما إذا كان الغاز سيُوجَّه إلى منشأةٍ للتسييل في داروين أم إلى الساحل الجنوبي لتيمور الشرقية. ووصف متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية خروجَ “وودسايد” بأنّه قرارٌ تجاري، في حين يتوقّع محلّلون نقلت عنهم هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) أن يزداد احتمال دخول خاطبٍ صينيٍّ، وذكروا “بتروناس” وإندونيسيا شريكين محتملين. وقد صارت تيمور الشرقية رسميًّا العضوَ الحادي عشر في رابطة آسيان في أكتوبر 2025، بحسب صحيفة فيت نام نيوز، فغدا مشروع “غريتر صن رايز” شأنًا آسيانيًّا. والعبرة هنا ذات وجهين: لقد لعبت أستراليا في الطاقة لعبًا خشنًا من قبل، لكنّها في عام 2026 هي التي انسحبت من “غريتر صن رايز” بدلًا من أن تستولي عليه، والباب أمام إندونيسيا شريكًا مفتوحٌ على مصراعيه.
عاشرًا: امتحان أطروحة “الاستفزاز”: البيّنات المؤيِّدة والبيّنات النافية
يمكن صوغ أطروحة الاستفزاز في أقوى صورها على النحو الآتي: إنّ أستراليا تشجّع عمدًا الانقساماتِ بين دول آسيان، ولا سيّما بين إندونيسيا وسنغافورة، أو تستغلّها أو تعمّقها، كي تظفر بحصّةٍ سوقيّة أو بنفاذٍ إلى الموارد أو بأفضليّةٍ استراتيجيّة في مجال الطاقة. ولامتحانها تقارن هذه الدراسة بين أربع فرضيّاتٍ متنافسة. الأولى هي الاستفزاز الفاعل: أستراليا تُشعل الصراع. والثانية هي الاستغلال الانتهازي: أستراليا لا تُشعل الصراع، لكنّها تستغلّه عمدًا وتُطيل أمده. والثالثة هي التموضع البنيوي: أستراليا تبني موقعها مورِّدًا موثوقًا، فتنتفع تلقائيًّا من اضطراب جيرانها، من غير نيّةٍ ولا فعلٍ لإطالته. والرابعة هي الدور المُثبِّت: أستراليا تعمل بنشاطٍ على تهدئة الصراع لأسبابٍ تخصّها.
إنّ البيّنات المتّسقة مع الاستفزاز أو الاستغلال موجودةٌ فعلًا، ولا يجوز إغفالها. فأستراليا أكبر مورِّدي الغاز المسال إلى سنغافورة، وستكسب تجاريًّا من انقضاء عقود الأنابيب الإندونيسية؛ وأستراليا وسنغافورة تصوغان أعرافَ تجارة الكهرباء الإقليمية؛ والإطار الأمريكي للمعادن الحرجة الذي تنضوي فيه أستراليا قد يُقصي النيكل الإندونيسي المرتبط بالصين؛ وداروين تتحوّل إلى مركزٍ لوقود الحلفاء العسكري؛ وتاريخ بحر تيمور والتنصّت الهاتفي عام 2009 يُظهران استعداد كانبرا لاتّباع أساليب خشنة. وكلّ ذلك وقائعُ قابلةٌ للتحقّق، ومن حقّ القارئ الإندونيسي أن يتّخذها مسوِّغاتٍ لليقظة.
بيد أنّ البيّنات النافية لأطروحة الاستفزاز أكثر تحديدًا بكثير وأقرب عهدًا. فلم يعثر هذا البحث على تصريحٍ أو وثيقةٍ أو فعلٍ للحكومة الأسترالية يحثّ سنغافورة أو إندونيسيا على تصعيد نزاع الضباب الدخاني أو نزاع الغاز؛ فالمُسبِّبات المباشرة كانت حرائق الغابات، والإشعارات القانونية التي وجّهتها سنغافورة إلى الشركات، والقرار السياسي لجاكرتا. وفي العام نفسه ضاعفت أستراليا أضعافًا إمداداتها من غاز البترول المسال إلى إندونيسيا: فقد ذكر بيانٌ للسفارة الأسترالية في جاكرتا في 22 يونيو 2026 أنّ شحنات غاز البترول المسال الأسترالية إلى إندونيسيا في عام 2026 بلغت ثلاثة أضعاف رقم عام 2025 على الأقلّ، مصدرها مشروع “إكثيس” (Ichthys) الذي صُنِّعت بنيته التحتية الأساسية في باتام. وأكّد بيان (2+2) الصادر في أغسطس 2026 ذلك، ورحّب بصفقةٍ لليوريا، ونصّ على أنّ استعادة حرّية الملاحة في مضيق هرمز أمرٌ حاسم لاستقرار أسواق الطاقة الإقليمية. وما كانت دولةٌ عازمةٌ على الاستيلاء على طاقة إندونيسيا لتسارع إلى سدّ عجزها من غاز الطهي المنزلي في خضمّ أزمةٍ عالمية.
ويقود وزنُ البيّنات إلى أنّ فرضيّة التموضع البنيوي هي الأكثر اتّساقًا مع المعطيات، مع عناصر من الدور المُثبِّت في العلاقات الدفاعية، وعنصرٍ ضئيلٍ من الاستغلال السلبي في سوق الغاز المسال. أمّا فرضيّة الاستفزاز الفاعل فلا تسندها بيّنة، ويُحكم بأنّها بعيدة الاحتمال جدًّا؛ وفرضيّة الاستغلال الانتهازي، بمعنى الإطالة المتعمّدة للصراع، لا تسندها بيّنةٌ كذلك، وإن كان الانتفاع السلبي ممّا لا يُنكَر. ودرجة الثقة بهذا الحكم متوسّطةٌ إلى عالية، مع التحفّظ بأنّ العمليّات السرّية، إن وُجدت، مصمَّمةٌ ألّا تترك أثرًا مكشوفًا، فغيابُ الدليل ليس دليلًا قاطعًا على الغياب. غير أنّ عبءَ الإثبات يقع على المدّعي، ولم يُوفَ بذلك العبء حتى الآن.
حادي عشر: حيث تلتقي أستراليا بنزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري
إن لم تكن أستراليا هي المحرِّض، فكيف ينبغي أن تُقرأ في نزاع الغاز؟ يكمن الجواب في آليّةٍ تسمّيها أدبيات العلاقات الدولية “الاعتماد المتبادل المُسلَّح”. فهنري فاريل وأبراهام نيومان، في دراستهما Weaponized Interdependence، يُبيّنان أنّ الدول المتحكّمة في عُقَد الشبكات تستطيع توظيفها لإكراه غيرها، غير أنّ تكرار ذلك يدفع المستهدَفين إلى شقّ مساراتٍ بديلة. وقد وظّفت إندونيسيا عقدةَ أنابيبها في أكتوبر 2026، فجاءت استجابة سنغافورة طبقَ ما تتنبّأ به النظرية: تسريع محطّة الغاز المسال الثانية، وتمكين “غاسكو” مشتريًا مركزيًّا، وتجديد مذكّرة الطاقة مع ماليزيا في 26 أكتوبر، والنظر في دراسة جدوى نووية، على ما أوردته مجلّة فورتشن. وكلّ مسارٍ من تلك المسارات البديلة يعزّز موقع مورِّدي الغاز المسال الموثوقين، وأستراليا في طليعتهم.
فالدراسة الأولى في هذه السلسلة، واحد وثلاثون مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا: استجابة سنغافورة لخفض الغاز الإندونيسي المنقول بالأنابيب وتشريح تبعيّةٍ آخذة في الانكماش، تعرض كيف تمتصّ سنغافورة الصدمة في المدى القصير. والثانية، محورٌ بلا جاكرتا؟ دبلوماسية سنغافورة الطاقية بعد نزاع الغاز مع إندونيسيا وامتحانُ فرضيّة الكتلة الطاقية داخل آسيان، تختبر ما إذا كانت شبكة شراكات سنغافورة تؤلّف كتلةً تُهمِّش إندونيسيا. وتضيف هذه الدراسة الثالثة طبقةً واحدة: ففي داخل تلك الشبكة، أستراليا هي الشريك الوحيد الذي يورّد الغاز، ويكتب مع سنغافورة أعرافَ الكهرباء، ويرتبط بإندونيسيا بمعاهدةٍ أمنيّة، وهو شريكُ سنغافورة في ترتيبات الدفاع بين القوى الخمس، في آنٍ واحد. وهذا الموقع لا يجعل أستراليا محرّكَ دمى، بل يجعلها محورَ ارتكاز. فإن نجحت سنغافورة في توطيد شراكاتٍ تجعل إندونيسيا غيرَ ضروريّةٍ لأمنها الطاقي، كانت أستراليا من أهمّ أعمدة ذلك البناء، ولو لم تكن لديها أيّ نيّةٍ لعزل إندونيسيا.
ولذلك كلّه تبعاتٌ ملموسة على إندونيسيا. أوّلها أنّ لورقة الغاز المنقول بالأنابيب تاريخَ انتهاء: فالعقود مع سنغافورة تنقضي في نهاية عام 2028، كما أكّد مسؤولون سنغافوريّون نقلت عنهم صحيفة ملاي ميل. وثانيها أنّ كلّ طنٍّ من الغاز تكفّ إندونيسيا عن بيعه لسنغافورة يُرجَّح أن يحلّ محلّه غازٌ مسال من مورِّدين آخرين بعقودٍ طويلة الأجل تمتدّ إلى ثلاثينيّات هذا القرن، فلن تُستعاد تلك السوق بيُسر. وثالثها أنّ الغاز المحتجَز للاستعمال المحلي لا تكون له قيمةٌ استراتيجيّة إلّا إذا استوعبته فعلًا الصناعاتُ البتروكيماوية ومحطّاتُ الكهرباء المحليّة؛ وتلاحظ “جاكرتا غلوب” أنّ نحو 70 في المئة من إنتاج إندونيسيا من الغاز يذهب أصلًا إلى الاستعمال المحلي، وأنّ الحكومة تريد رفع هذه النسبة تدريجًا. وقد سبق لدراسة حقولٌ هنا وأهراءٌ هناك أن نبّهت إلى أنّ قيمة موارد إندونيسيا كثيرًا ما تُقطَف على الضفّة الأخرى من المضيق، لأنّ عُقَد التسعير والتمويل قائمةٌ هناك؛ ونزاع الغاز لعام 2026 يُنذر بمدّ ذلك النمط بلاعبٍ إضافيٍّ قادمٍ من الجنوب.
وتمسّ هذه العلاقة كذلك الاقتصادَ السياسي للحدود الذي تناولته دراسة ورشةٌ على الضفّة الأخرى من المضيق. فكون البنية التحتية الأساسية لمشروع “إكثيس” قد شُيِّدت في باتام يُبيّن أنّ منطقة باتام–بينتان–كاريمون ليست مجرّد متفرِّجٍ على اقتصاد الغاز الأسترالي، بل حلقةٌ في سلسلة إمداده. فبيد إندونيسيا ورقةٌ صناعيّة أنفس من صمّام أنبوب، وفي وسعها أن تلعبها في التفاوض مع أستراليا وسنغافورة كلتيهما.
ثاني عشر: سيناريوهات حتى عام 2030 ومؤشّرات الإنذار المبكّر
تأخذ السيناريوهات الآتية في الحسبان ثلاثةَ مواعيد فاصلة جرى تحديدها عبر هذه السلسلة: نفاذ نظام احتجاز الغاز المحلي في أستراليا في 1 يوليو 2027، وانقضاء عقود الغاز الإندونيسي المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة في نهاية عام 2028، وبدء تشغيل محطّة الغاز المسال الثانية في سنغافورة قبل عام 2030. والاحتمالات المذكورة أحكامٌ تحليليّة لا حساباتٌ إحصائيّة، وينبغي تحديثها كلّما تحرّكت المؤشّرات.
في السيناريو الأساسي تغدو أستراليا المورِّدَ المنتفِع من غير أن تصير عدوًّا لأحد؛ فتوقّع سنغافورة عقودًا طويلة الأجل للغاز المسال تتضمّن أحجامًا أسترالية، وتمدّد إندونيسيا جزءًا يسيرًا من عقود أنابيبها أو تُنهيها، وتبقى العلاقات الأسترالية–الإندونيسية دافئةً بفضل غاز البترول المسال و”كينيتيك” ومعاهدة جاكرتا. وفي سيناريو الجسر الثلاثي تتوصّل إندونيسيا وسنغافورة إلى صفقةٍ انتقاليّة تُقايض الغازَ المنقول بالأنابيب بصادرات الكهرباء الخضراء المشروطة بقيمةٍ مضافة محليّة، وتُسهم أستراليا في تمويلها عبر تسهيلها الاستثماري لجنوب شرق آسيا. وفي سيناريو الاستقطاب يتصاعد النزاع، ويبدأ خطاب جاكرتا في وضع أستراليا داخل محورٍ سنغافوريٍّ–أستراليٍّ، وتواجه معاهدة جاكرتا امتحانها الأوّل. أمّا السيناريو الأخير فهو الصدمة المزدوجة، إذ يتزامن تصعيدٌ جديد في هرمز مع الاحتجاز المحلي الأسترالي، فيعجز حتى المورِّد القادم من الجنوب عن تلبية حاجات سنغافورة.
أربعة مسارات لدور أستراليا في طاقة آسيان، 2026–2030
- المورِّد المنتفِع (نحو 50 في المئة): تُعلن “غاسكو” عقودًا طويلة الأجل للغاز المسال تشمل مشروعاتٍ أسترالية؛ ويُتَّخذ قرار إندونيسيا بشأن تمديد عقود الأنابيب في 2027–2028 من غير صفقةٍ بديلة؛ وتظلّ شحنات غاز البترول المسال الأسترالية إلى إندونيسيا مرتفعة.
- الجسر الثلاثي (نحو 25 في المئة): تُصدر إندونيسيا نظامَي تصدير الكهرباء والتزام السوق المحلية؛ وتنتقل مشروعاتٌ مثل “فاندا” إلى قرارات الاستثمار؛ ويصدر بيانٌ مشترك إندونيسيٌّ–سنغافوريٌّ–أستراليٌّ، أو يموّل تسهيلُ تمويل الاستثمار في جنوب شرق آسيا (SEAIFF) و”كينيتيك” مشروعاتٍ عابرة للحدود.
- الاستقطاب الطاقي (نحو 20 في المئة): يُسمّي مسؤولون إندونيسيّون أستراليا في خطاب النزاع؛ وتُطلَب مشاوراتٌ بموجب معاهدة جاكرتا؛ وتُقرأ مناورات ترتيبات الدفاع بين القوى الخمس إشاراتٍ سياسيّة؛ ويدخل مستثمرون صينيّون “غريتر صن رايز” من دون إندونيسيا.
- الصدمة المزدوجة (نحو 5 في المئة): تصعيدٌ متجدّد في الخليج وهجماتٌ على البنية التحتية للطاقة؛ وتشديدٌ لنظام احتجاز الغاز الأسترالي؛ وعودةُ سنغافورة إلى طلب الغاز الإندونيسي المنقول بالأنابيب بأسعارٍ أعلى.
الاحتمالات أحكامٌ تحليليّة بتاريخ 29 أكتوبر 2026، وينبغي مراجعتها كلّ ثلاثة أشهر، ولا سيّما بعد إعلانات “غاسكو” عن العقود، وصدور نظام تصدير الكهرباء الإندونيسي، والقرار بشأن تمديد عقود الأنابيب قبيل نهاية عام 2028.
ثالث عشر: إلى أين تمضي الجغرافيا السياسية لرابطة آسيان؟
السؤال الأكبر هو: ماذا يعني لآسيان أن توطّد سنغافورة شراكاتها الطاقية مع ماليزيا وأستراليا ومورِّدي الغاز المسال العالميّين والشبكة الإقليمية، في حين تختار إندونيسيا طريقَ القومية المواردية؟ لقد أوضح مايكل لايفر، في كتابه الكلاسيكي Singapore’s Foreign Policy: Coping with Vulnerability، أنّ السياسة الخارجية السنغافورية يصوغها وعيٌ عميق بالهشاشة؛ فالتنويع غريزةُ بقاءٍ لدى الدولة-المدينة، لا مؤامرة. فإذا التقت تلك الغريزة بمورِّدٍ موثوقٍ في الجنوب، كانت الحصيلة انزياحَ مركز ثقل أمن الطاقة السنغافوري من الأرخبيل إلى شبكةٍ بحريّة أوسع. ولن تتصدّع آسيان بسبب ذلك، لكنّها ستغدو أكثر تطبّقًا: طبقةٌ من دولٍ تصلها عقودٌ وكابلاتٌ وأعرافٌ مشتركة مع شركاء من خارجها، وطبقةٌ أخرى من دولٍ تملك الموارد لكنّها فقدت العُقَد التي تحكمها.
وفي مشهدٍ كهذا تتهدّد إندونيسيا مفارقة. فالبلد صاحب أكبر احتياطيّات الإقليم من الغاز والنيكل والفحم وأعظم إمكاناته في الطاقة المتجدّدة قد يغدو أقلّ فأقلّ حسمًا في البنيان الطاقي الإقليمي، لأنّه بالتحديد يُكثر من توظيف موارده أداةً للضغط القصير الأمد. لقد قال برابوو إنّ السياسة العالمية باتت تقوم على القوّة؛ غير أنّ القوّة في أسواق الطاقة لا تعني القدرة على حبس الإمداد فحسب، بل تعني أيضًا القدرة على أن يكون المرء المورِّدَ الذي يُقصَد لأنّه أهلٌ للثقة. وأستراليا تدرك ذلك، ولهذا ترفع استراتيجيتُها للغاز المستقبلي الموثوقيةَ إلى مرتبة المبدأ، ويُصمَّم نظامُها لاحتجاز الغاز المحلي على نحوٍ يحترم العقود القائمة. وفي عام 2014 أوضح رينالدي داليمي، في مقالةٍ بصحيفة كومباس اليومية بعنوان KEN-2050 dan Dilema Harga BBM (السياسة الوطنية للطاقة 2050 ومعضلة أسعار الوقود)، أنّ السياسة الوطنية للطاقة تنقل الطاقة من سلعةٍ للتصدير إلى رأسمالٍ للتنمية، وتخفّض الصادرات تدريجًا. وهذه وجهةٌ مشروعةٌ ومتّسقة؛ وإنّما المشكلة في كلمة “تدريجًا” وفي كيفيّة إبلاغها للشركاء.
أمّا مقالة مستقبل المواجهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا، المنشورة في 25 أكتوبر 2026، فتتفحّص أربعة سيناريوهات قد تقود البلدين إلى صراعٍ مفتوح في 2027–2030. وفي ذلك الإطار، الأجدر أن تُقرأ أستراليا لا بوصفها فاعلًا يدفع نحو التصعيد، بل بوصفها عاملًا يحدّد ما إذا كان للتصعيد مكابح. وتكسب إندونيسيا من جعل أستراليا كابحًا للصراع عبر معاهدة جاكرتا أكثر ممّا تكسب من جعلها كبشَ فداء، فذلك لن يزيدها إلّا قربًا من سنغافورة.
رابع عشر: توصياتٌ لإندونيسيا، ودروسٌ لآسيان، وحدود الدراسة
التوصية الأولى لإندونيسيا أن تستبدل بورقة ضغطٍ آخذةٍ في الانكماش صفقةً من القيمة. فقبل نهاية عام 2027 ينبغي للحكومة أن تصوغ قرارها بشأن عقود الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة في صورة صفقةٍ انتقاليّة: خفضٌ مرحليٌّ قابلٌ للتوقّع، يُقايَض بالتزامٍ سنغافوريٍّ باستيراد الكهرباء الخضراء من إندونيسيا، وبشروطٍ لتصنيع الألواح الشمسية والبطاريات في جزر رياو، وبقسمةٍ واضحة لأرصدة الكربون. ولهذه الغاية يجب إصدار نظامَي تصدير الكهرباء والتزام السوق المحلية اللذين تنتظرهما مشروعاتٌ مثل “فاندا”، لأنّه من دونهما تكون إندونيسيا نفسها هي التي تدفع سنغافورة نحو ماليزيا وأستراليا. والتوصية الثانية أن تُوظَّف معاهدة جاكرتا والشراكة المقترحة للصمود الغذائي والطاقي لربط أستراليا مورِّدًا احتياطيًّا لإندونيسيا، لا لسنغافورة وحدها، بما في ذلك ترتيباتٌ للإمداد الطارئ بغاز البترول المسال والغاز الطبيعي المسال على غرار الاتفاق الأسترالي–السنغافوري غير المُلزِم المبرَم في أبريل 2026.
والتوصية الثالثة أن تلج إندونيسيا باب “غريتر صن رايز”. فخروج “وودسايد” وقلق كانبرا من الدخول الصيني يفتحان المجال أمام “برتامينا” أو “داناتارا” لتعرضا نفسيهما شريكين لشركة “تيمور غاب”، بدعمٍ دبلوماسيٍّ من أستراليا الحريصة على تفادي الهيمنة الصينية. ومثل هذه الخطوة تجعل إندونيسيا فاعلًا طاقيًّا عابرًا للحدود في أحدث أعضاء آسيان، وتُحسّن في الوقت ذاته صورتها جارًا يبني لا جارًا يحبس فحسب. والتوصية الرابعة أن تُبنى قدرةٌ على الاستخبار الاقتصادي تقرأ قراءةً متّصلة سوقَ الغاز المسال، وتعاقداتِ “غاسكو”، وأعرافَ تجارة الكهرباء، كي تقوم القرارات السياسية في شأن الطاقة على خريطةٍ للسوق لا على غضبٍ عابر. والخامسة هي التواصل: فسياسات تقديم الحاجة المحلية ينبغي أن تُبلَّغ بلغة الموثوقية والمواعيد الواضحة، كما أبلغت أستراليا نظامَ احتجاز غازها، لا بلغة الإهانة والاحترام التي يسهل أن تُقرأ إكراهًا.
والدرسُ لآسيان أنّ الشركاء الخارجيّين سيملؤون دائمًا الفراغَ الذي تخلّفه الريبةُ بين الأعضاء. فإن أرادت آسيان أن تكون الشبكةُ الإقليمية ملكًا للإقليم، فعلى الدول الأعضاء أن تصوغ أعرافها الخاصّة لتجارة الكهرباء العابرة للحدود عبر مركز آسيان للطاقة (ASEAN Centre for Energy)، وأن تُسهم إندونيسيا، بوصفها صاحبةَ أكبر المسارات والموارد، في كتابتها، لا أن تكتفي بقبول إطارٍ ثنائيٍّ سنغافوريٍّ–أستراليّ. ولهذه الدراسة حدودها. فتفاصيل العقود التجارية للغاز والغاز المسال غير معلنة؛ والمصادر المفتوحة لا تستطيع أن تستبعد العمليّات السرّية استبعادًا تامًّا؛ وبعض معطيات أكتوبر 2026 لا يزال متحرّكًا، وحجم الخفض يختلف بين جاكرتا وسنغافورة؛ والوضع الراهن لـ”صن كيبل” وعددٍ من مشروعات الهيدروجين لا يمكن التحقّق منه إلّا في حدود ما تتيحه التقارير المتاحة. ومع كلّ تلك الحدود، يبقى الحكم المركزي متينًا بما يكفي: ليست أستراليا مَن يقدح عود الثقاب في مضيق سنغافورة، بل هي مورِّدٌ يقف هادئًا في الجنوب، ينتظر أن يأتيه المشترون. والسؤال المطروح على إندونيسيا ليس كيف توقف أستراليا، بل كيف تضمن أنّه حين تبحث سنغافورة عن مورِّدٍ تثق به، يظلّ اسمُ إندونيسيا في رأس القائمة.
المراجع والمصادر
الوثائق الرسمية والبيانات
- Department of Foreign Affairs and Trade (DFAT). (2023). Invested: Australia’s Southeast Asia Economic Strategy to 2040 — Chapter 5: Green energy transition. Australian Government. (وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية: استراتيجية Invested، الفصل الخامس: التحوّل إلى الطاقة الخضراء). https://www.dfat.gov.au/countries-economies-and-regions/southeast-asia/invested-australias-southeast-asia-economic-strategy-2040/chapter-5-green-energy-transition
- Department of Foreign Affairs and Trade (DFAT). (2024). Advancing Implementation: Invested — Australia’s Southeast Asia Economic Strategy to 2040. Australian Government. (تقرير التنفيذ). https://www.dfat.gov.au/sites/default/files/advancing-implementation-invested-southeast-asia-economic-strategy-2040.pdf
- Prime Minister of Australia. (2024). $2 billion investment facility to support business engagement with Southeast Asia. Australian Government. (رئيس الوزراء الأسترالي: تسهيل الاستثمار في جنوب شرق آسيا). https://pm.gov.au/media/2-billion-investment-facility-support-business-engagement-southeast-asia
- Department of Industry, Science and Resources. (2024). Future Gas Strategy — 6. Remaining a reliable trading partner: LNG and low emissions gases. Australian Government. (استراتيجية الغاز المستقبلية). https://industry.gov.au/publications/future-gas-strategy/6-remaining-reliable-trading-partner-lng-and-low-emissions-gases
- Department of Climate Change, Energy, the Environment and Water. (2025). Speech to ASEAN East Asia Summit Energy Ministers Meeting, Kuala Lumpur, Malaysia. Australian Government. (كلمة أمام اجتماع وزراء الطاقة لقمّة آسيان–شرق آسيا). https://minister.dcceew.gov.au/wilson/speeches/speech-asean-east-asia-summit-energy-ministers-meeting-kuala-lumpur-malaysia
- Wong, P. (2024). Australia and Southeast Asia strengthen climate change and energy cooperation. Office of Senator Penny Wong. (بيان الوزيرة بيني وونغ). https://pennywong.com.au/media-hub/media-statements/australia-and-southeast-asia-strengthen-climate-change-and-energy-cooperation/
- Prime Minister of Australia. (2026). Joint media statement — Jakarta, Indonesia (Treaty of Jakarta 2026). Australian Government. (البيان المشترك بشأن معاهدة جاكرتا 2026). https://www.pm.gov.au/media/joint-media-statement-jakarta-indonesia
- Minister for Defence. (2026). Joint Statement on the Tenth Australia-Indonesia Foreign and Defence Ministers’ 2+2 Meeting. Australian Government. (البيان المشترك للاجتماع العاشر 2+2). https://www.minister.defence.gov.au/statements/2026-08-29/joint-statement-tenth-australia-indonesia-foreign-defence-ministers-22-meeting
- Australian Embassy Indonesia. (2026). Australian LPG Supports Critical Supply Chain for Indonesia. Australian Embassy Jakarta. (بيان السفارة الأسترالية في جاكرتا). https://indonesia.embassy.gov.au/jakt/MR26_037.html
- Ministry of Trade and Industry Singapore. (2025). MTI Press Release on the 10th Singapore-Australia Annual Leaders’ Meeting. MTI. (وزارة التجارة والصناعة السنغافورية). https://www.mti.gov.sg/-/media/MTI/Newsroom/Press-Releases/2025/10/For-Immediate-ReportingMTI-Press-Release-on-the-10th-SingaporeAustralia-Annual-Leaders-Meeting8-Oct.pdf
- SunCable. (2024). SunCable receives Conditional Approval from Singapore’s Energy Market Authority to proceed with Australia-Asia PowerLink project. SunCable. (موافقة هيئة سوق الطاقة السنغافورية المشروطة). https://www.suncable.energy/news/suncable-receives-conditional-approval-from-singapores-energy-market-authority-to-proceed-with-australia-asia-powerlink-project
الأدبيات العلمية
- Farrell, H., & Newman, A. L. (2019). Weaponized Interdependence: How Global Economic Networks Shape State Coercion. International Security / Belfer Center. https://www.belfercenter.org/index%2Ephp/publication/weaponized-interdependence-how-global-economic-networks-shape-state-coercion
- Leifer, M. (2000). Singapore’s Foreign Policy: Coping with Vulnerability. Routledge / LSE Research Online. https://researchonline.lse.ac.uk/id/eprint/12799
- Kitley, P., Chauvel, R., & Reeve, D. (Eds.). (1989). Australia di Mata Indonesia: Kumpulan Artikel Pers Indonesia 1973–1988. Gramedia. (أستراليا في عيون إندونيسيا: مختارات من الصحافة الإندونيسية 1973–1988). https://pustaka.kba13academy.com/s/arsip/item/50
تحليلات السياسات وتقارير المؤسّسات
- Walker, R., & Palaon, H. (2025). A critical mineral match for Australia and Indonesia. Lowy Institute, The Interpreter. https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/critical-mineral-match-australia-indonesia
- Bowen, J. (2024). Australia’s new gas strategy makes for flawed foreign policy. Lowy Institute, The Interpreter. https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/australia-s-new-gas-strategy-makes-flawed-foreign-policy
- Lyons, M., Rajah, R., & Stanhope, G. (2024). Go big or go home: Australia should invest at scale in Southeast Asia’s energy transition. Lowy Institute, The Interpreter. https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/go-big-or-go-home-australia-should-invest-scale-southeast-asia-s-energy-transition
- Dayant, A., & Rajah, R. (2024). International partners fall short in supporting Southeast Asia energy transition. Lowy Institute. https://www.lowyinstitute.org/external-publications/international-partners-fall-short-supporting-southeast-asia-energy-transition
- Caruso, C., & Neumann, R. (2026). Amending Australia’s export gas regime does not undermine gas for fuel negotiations. Lowy Institute, The Interpreter. https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/amending-australia-s-export-gas-regime-does-not-undermine-gas-fuel-negotiations
- Denis-Ryan, A., & Knight, A. (2025). Australian thermal coal producers are losing their growth markets. Institute for Energy Economics and Financial Analysis (IEEFA). https://ieefa.org/sites/default/files/2025-10/BN_Australian%20thermal%20coal%20producers%20are%20losing%20their%20growth%20markets_Sep25.pdf
- Hawker Britton. (2025). United States–Australia Framework for Securing of Supply in the Mining and Processing of Critical Minerals and Rare Earths. Hawker Britton. https://www.hawkerbritton.com/blog/2025/10/27/united-states-australia-framework-for-securing-of-supply-in-the-mining-and-processing-of-critical-minerals-and-rare-earths/
الصحافة والتقارير الإخبارية
- Ang, A. (2026). Indonesia slashes gas exports to Singapore by 9%, claiming it’s in ‘survival mode’. Fortune. https://fortune.com/2026/10/26/singapore-urges-suppliers-honor-commitments/
- ANTARA. (2026). Indonesia says gas export cuts to Singapore conform to contracts. ANTARA News. https://en.antaranews.com/news/437891/indonesia-says-gas-export-cuts-to-singapore-conform-to-contracts
- ANTARA. (2026). Indonesia pushes resilience partnership with Australia on food, energy. ANTARA News. https://en.antaranews.com/news/428701/indonesia-pushes-resilience-partnership-with-australia-on-food-energy
- el Dora, G. (2026). Indonesia Cuts Gas Exports to Singapore to Prioritize Domestic Industries. Jakarta Globe. https://jakartaglobe.id/business/indonesia-cuts-gas-exports-to-singapore-to-prioritize-domestic-industries
- Kompas.com. (2026). Bahlil Considers Stopping Gas Exports to Other Countries, Calls Indonesia in ‘Survival’ Mode. Kompas. https://go.kompas.com/read/2026/10/22/055639074/bahlil-considers-stopping-gas-exports-to-other-countries-calls-indonesia-in
- Tan, C. (2026). Indonesian minister says country could stop exporting energy to others that ‘disrespect it’. Mothership. https://mothership.sg/2026/10/indonesia-threaten-energy-export-stop-disrespect/
- Malay Mail. (2026). Singapore’s pipeline gas from Indonesia under question as Jakarta weighs not renewing contracts. Malay Mail. https://malaymail.com/news/singapore/2026/10/23/singapores-pipeline-gas-from-indonesia-under-question-as-jakarta-weighs-not-renewing-contracts/240272
- Malay Mail. (2026). Singapore vows to protect contractual rights over Indonesia’s gas export cut; PM confirms nuclear feasibility study. Malay Mail. https://www.malaymail.com/news/singapore/2026/10/25/singapore-vows-to-protect-contractual-rights-over-indonesias-gas-export-cut-pm-confirms-nuclear-feasibility-study/240521
- Malay Mail/AFP. (2026). Singapore, Australia deepen energy ties as fuel security concerns mount. Malay Mail. https://www.malaymail.com/news/singapore/2026/04/10/singapore-australia-deepen-energy-ties-as-fuel-security-concerns-mount/215832
- The Edge Malaysia. (2026). Singapore shields itself from energy risks as Indonesia cuts gas. The Edge Malaysia. https://theedgemalaysia.com/node/823191
- Lo, W. (2026). Singapore draws energy security plan as Indonesia cuts gas supply. Energy Tracker Asia. https://energytracker.asia/singapore-draws-energy-security-plans-as-indonesia-cuts-gas-supplies/
- ANI. (2026). “Crisis in Strait of Hormuz will not be last of its kind”: Singapore Energy Minister Tan warns of energy supply risks. ANI News. https://aninews.in/news/world/asia/crisis-in-strait-of-hormuz-will-not-be-last-of-its-kind-singapore-energy-minister-tan-warns-of-energy-supply-risks20261027080729/
- S&P Global Commodity Insights. (2026). Australia to reserve 20% of export gas for domestic market from July 2027. S&P Global. https://www.spglobal.com/energy/en/news-research/latest-news/lng/050726-australia-to-reserve-20-of-export-gas-for-domestic-market-from-july-2027
- S&P Global Commodity Insights. (2025). Australian PM pledges A$1.2 bil for critical minerals reserve in election push. S&P Global. https://www.spglobal.com/energy/en/news-research/latest-news/metals/042425-australian-pm-pledges-a12-bil-for-critical-minerals-reserve-in-election-push
- Gas Processing News. (2025). Singapore GasCo to seek LNG offers in Q1 2026 for supply from 2028. Gas Processing & LNG. https://gasprocessingnews.com/news/2025/11/singapore-gasco-to-seek-lng-offers-in-q1-2026-for-supply-from-2028/
- The Jakarta Post. (2024). BHP to suspend Western Australia nickel operations amid Indonesia’s supply glut. The Jakarta Post. https://www.thejakartapost.com/business/2024/07/12/bhp-to-suspend-western-australia-nickel-operations-amid-indonesias-supply-glut
- The Jakarta Post. (2026). Power exports to Singapore hinge on regulatory clarity. The Jakarta Post. https://www.thejakartapost.com/business/2026/09/27/power-exports-to-singapore-hinge-on-regulatory-clarity
- Mining Weekly. (2025). Fortescue scales back hydrogen ambitions, iron-ore shipments at record. Mining Weekly. https://www.miningweekly.com/article/fortescue-scales-back-hydrogen-ambitions-iron-ore-shipments-at-record-2025-07-24
- Hydrogen Insight. (2025). Australia’s largest green hydrogen project officially scrapped by lead developer as it exits wider H2 market. Hydrogen Insight. https://www.hydrogeninsight.com/production/australias-largest-green-hydrogen-project-officially-scrapped-by-lead-developer-as-it-exits-wider-h2-market/2-1-1839744
- The Canberra Times. (2022). Huge NT fuel site to power US fighter jets. The Canberra Times. https://www.canberratimes.com.au/story/7585349/huge-nt-fuel-site-to-power-us-fighter-jets/
- The Diplomat/AP. (2022). Australia drops charge against lawyer over Timor-Leste spying claim. The Diplomat. https://manage.thediplomat.com/2022/07/australia-drops-charge-against-lawyer-over-timor-leste-spying-claim
- Baird Maritime. (2018). Feature: Australia’s new Timor-Leste chapter. Baird Maritime. https://www.bairdmaritime.com/amp/story/ausmarine/ausmarine-shipping-and-offshore/feature-australia-s-new-timor-leste-chapter
- The Star/Reuters. (2026). Timor-Leste takes over Greater Sunrise gas project, buying out Woodside for up to US$200mil. The Star. https://www.thestar.com.my/aseanplus/aseanplus-news/2026/10/27/timor-leste-takes-over-greater-sunrise-gas-project-buying-out-woodside-for-up-to-us200mil
- ABC News. (2026). China tipped to circle Timor-Leste’s Greater Sunrise project after Woodside sells stake. ABC. https://www.abc.net.au/news/2026-10-27/greater-sunrise-timor-leste-china-woodside/107315832
- Viet Nam News. (2025). ASEAN Summit 47: Timor-Leste officially becomes ASEAN’s 11th member. Viet Nam News. https://vietnamnews.vn/politics-laws/1728144/asean-summit-47-timor-leste-officially-becomes-asean-s-11th-member.html
- Wikipedia contributors. (2026). 2026 Iran war fuel crisis (سجلّ وقائع مجمَّع من التقارير المستشهَد بها). Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/2026_Iran_war_fuel_crisis
- Wikipedia contributors. (2026). Australia-Asia Power Link (تاريخ المشروع مجمَّعًا من التقارير المستشهَد بها). Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Australia-Asia_Power_Link
الأرشيف والدراسات ذات الصلة
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Tiga Puluh Satu BBTUD: Respons Singapura atas Pemangkasan Gas Pipa Indonesia dan Anatomi Ketergantungan yang Menyusut (الدراسة الأولى في سلسلة الطاقة). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/singapura-pemangkasan-gas-indonesia-2026/
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Poros Tanpa Jakarta?: Diplomasi Energi Singapura Pasca-Konflik Gas dengan Indonesia dan Ujian atas Hipotesis Blok Energi di ASEAN (الدراسة الثانية في سلسلة الطاقة). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/diplomasi-energi-singapura-pasca-konflik-indonesia/
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Ladang di Sini, Lumbung di Sana: Geopolitik Sumber Daya dan Cara Malaysia serta Singapura Memetik Nilai dari Alam Indonesia (حقولٌ هنا وأهراءٌ هناك). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/geopolitik-sumber-daya-malaysia-singapura-alam-indonesia/
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Tangga Eskalasi di Selat Singapura: Pemicu, Indikator Peringatan Dini, dan Jalan Menuju Konflik Terbuka Indonesia–Singapura 2026–2030 (سُلَّم التصعيد في مضيق سنغافورة). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/tangga-eskalasi-selat-singapura-konflik-indonesia-singapura-2026-2030/
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Bayang-Bayang di Seberang Selat: Menguji Tuduhan Operasi Intelijen Singapura terhadap Indonesia dari Kabel Laut hingga Pasar Modal (ظلالٌ على الضفّة الأخرى من المضيق). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/bayang-bayang-seberang-selat-menguji-tuduhan-operasi-intelijen-singapura-indonesia/
- KBA13 Academy Research Center. (2026). Bengkel di Seberang Selat (باتام–سنغافورة، أحواض بناء السفن، والاقتصاد السياسي للحدود). KBA13 Academy. https://kba13academy.com/batam-singapura-galangan-kapal-ekonomi-politik-perbatasan/
- KBA13 Insight. (2026). Singapura di Selat Melaka: Konsentrasi Fungsi, Asimetri Kekuasaan, dan Risiko Eskalasi Kawasan (سنغافورة في مضيق ملقا). KBA13 Insight. https://www.kba13.com/singapura-selat-melaka-konsentrasi-fungsi-risiko-eskalasi/
- KBA13 Insight. (2026). Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia (مستقبل المواجهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا). Arsip dan Pustaka KBA13 Academy. https://pustaka.kba13academy.com/s/arsip/item/1370
- Dalimi, R. (2014). KEN-2050 dan Dilema Harga BBM. Kompas (Arsip dan Pustaka KBA13 Academy). https://pustaka.kba13academy.com/s/arsip/item/536
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). المورِّد القادم من الجنوب: امتحانُ أطروحة “الاستفزاز” في استراتيجية أستراليا للطاقة في رابطة آسيان ونزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري عام 2026. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


