, , ,

محورٌ بلا جاكرتا؟: الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة بعد نزاع الغاز مع إندونيسيا واختبار فرضية التكتّل الطاقوي في رابطة آسيان

المرصد الجاوي

محورٌ بلا جاكرتا؟: الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة بعد نزاع الغاز مع إندونيسيا واختبار فرضية التكتّل الطاقوي في رابطة آسيان

بعد أن قلّصت جاكرتا إمدادات الغاز عبر الأنابيب، سارعت سنغافورة إلى توسيع شبكتها الطاقوية نحو ماليزيا وفيتنام وكمبوديا وأستراليا والخليج والولايات المتحدة. وتختبر هذه الدراسة ما إذا كان ذلك يرقى إلى تكتّلٍ طاقويٍّ يُقصي إندونيسيا، أم أنه أمرٌ أدقّ مسلكًا وأشدّ خطرًا على جاكرتا.

29 أكتوبر 2026 · دراسة استراتيجية · جيوسياسة الطاقة · جنوب شرق آسيا

الملخّص

تتناول هذه الدراسة الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة بعد أن شرعت إندونيسيا، في 24 أكتوبر 2026، في تقليص صادراتها من الغاز عبر الأنابيب، وتختبر الفرضية القائلة إن سنغافورة تبني داخل رابطة آسيان تكتّلًا طاقويًّا يُقصي إندونيسيا. واستنادًا إلى الوثائق الرسمية لهيئة سوق الطاقة السنغافورية (EMA)، وخطب الوزراء في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026، والبيانات المشتركة مع أستراليا وماليزيا، ومخرجات الاجتماع الرابع والأربعين لوزراء الطاقة في آسيان، وتحليلات مؤسسات إمبر (Ember) ووود ماكنزي (Wood Mackenzie) ومعهد التنافسية الآسيوية بجامعة سنغافورة الوطنية (ACI-NUS) ومعهد يوسف إسحاق لدراسات جنوب شرق آسيا (ISEAS)، تخلص الدراسة إلى انعدام الدليل على قيام تكتّلٍ حصريٍّ مصمَّمٍ لإغلاق الباب في وجه جاكرتا؛ إذ لا تزال إندونيسيا المصدرَ الأكبر في خطط سنغافورة لاستيراد الكهرباء، بنحو 3.4 غيغاواط موزّعة على سبعة مشروعات، بل إن الكابل القادم من أستراليا نفسه لا بدّ له من عبور المياه الإندونيسية. غير أن الأدلة تسند صيغةً أدقّ من الفرضية: فسنغافورة تشيّد محفظةً متعدّدة الطبقات تُضعف أوراق الضغط الإندونيسية، فيما تظفر ماليزيا بميزة السبق. وليس أعظم ما يتهدّد إندونيسيا إقصاءً مقصودًا، بل تهميشٌ يقع بحكم الأمر الواقع، وليدُ تردّدها السياسي ذاته، في اللحظة عينها التي تتأهّب فيها سنغافورة لرئاسة آسيان عام 2027 والإسهام في صياغة القواعد الإقليمية لكابلات الكهرباء البحرية.

الأطروحة

لا تبني سنغافورة تكتّلًا طاقويًّا يستبعد إندونيسيا، بل شبكةَ مورّدين متعدّدة الطبقات تغدو فيها إندونيسيا قابلةً للاستبدال جزئيًّا؛ فإن هُمِّشت إندونيسيا، فعلّة ذلك كامنةٌ في تردّد السياسات في جاكرتا أكثر مما هي كامنةٌ في تصميمٍ سنغافوري.

أبرز النتائج

1. لا تزال إندونيسيا الممرَّ الأكبر في خطط سنغافورة لاستيراد الكهرباء (نحو 37 في المئة من محفظة المشروعات المعتمدة)، ومع ذلك لم يدخل أيّ مشروعٍ إندونيسي طورَ الإنشاء بسبب مسائل التسعير، وتصاريح التصدير الخمسية، والنقل.
2. برزت ماليزيا، ولا سيما ولاية جوهور، بوصفها الممرَّ الأكثر جاهزية: فثمة رابطٌ كهربائي قائم بقدرة 1 غيغاواط، واعتُمدت 900 ميغاواط من جوهور في أغسطس 2026، ويجري مسح رابطٍ ثانٍ بقدرة تصل إلى 2 غيغاواط، وجُدّدت مذكرة التفاهم بين الجهتين التنظيميتين بعد يومين من تقليص الغاز.
3. إن تنويع سنغافورة لمصادرها عالميٌّ بقدر ما هو إقليمي، يمتدّ من الغاز المسال الأمريكي والأسترالي والأفريقي، إلى تخزين النفط الخام السعودي، والتهيّؤ النووي بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأرصدة الكربون بموجب المادة السادسة؛ ومن ثمّ فإن ورقة الضغط الإندونيسية المتمثّلة في غاز الأنابيب أصلٌ آخذٌ في الانكماش كلما اقتربت العقود من أجلها في نهاية 2028.

الكلمات المفتاحية

الدبلوماسية الطاقوية، سنغافورة، إندونيسيا، شبكة كهرباء آسيان، استيراد الكهرباء، الغاز عبر الأنابيب، الغاز الطبيعي المسال، جوهور، صن كيبل، ماليزيا، القومية الموردية، رئاسة آسيان 2027

أولًا: السؤال والفرضيات والمنهج

ليس تقليص إندونيسيا صادراتها من الغاز عبر الأنابيب إلى سنغافورة بمقدار 31 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا (BBTUD)، النافذ منذ 24 أكتوبر 2026، مجردَ حدثٍ تقنيٍّ في قطاع المنبع النفطي والغازي؛ فقد جاء في غمرة نزاعٍ حول الضباب الدخاني، وتهديدٍ بإعادة تصنيف المؤشر من قِبل مؤسسة MSCI، وخطابٍ حادٍّ صادرٍ من جاكرتا في حقّ دولٍ رأت أنها لا تحترم إندونيسيا. وقد صرّح رئيس هيئة تنفيذ أنشطة المنبع للنفط والغاز (SKK Migas)، جوكو سيسوانتو، بأن القرار اتُّخذ صونًا لموثوقية إمدادات الغاز المحلية لتوليد الكهرباء، على أن يأتي 15 BBTUD من ناتونا و16 BBTUD من سومطرة، على ما أوردته صحيفة مالاي ميل. وقبل ذلك بيومين، كان الوزير بهليل لاهادليا قد ألمح إلى أنه قد لا يجدّد عقود تصدير الغاز إلى الدول المجاورة، محذّرًا الدول التي “لا تحترم” إندونيسيا. وتتولّى الدراسة الشقيقة واحد وثلاثون BBTUD: استجابة سنغافورة لتقليص إندونيسيا غازَ الأنابيب وتشريح تبعيةٍ آخذةٍ في الانكماش تشريحَ الاستجابات السنغافورية الطارئة والبنيوية لهذا التقليص. أما هذه الدراسة فتنتقل إلى السؤال التالي، وهو أثقل وزنًا في الميزان الجيوسياسي: مع مَن تبني سنغافورة اليوم مستقبلها الطاقوي، وهل يشكّل نمط شراكاتها هذا تكتّلًا داخل آسيان يُقصي إندونيسيا في واقع الأمر؟

وقد صيغت الفرضيات صياغةً حادّةً تجعلها قابلةً للدحض. فالفرضية الرئيسة (ف1) تذهب إلى أن سنغافورة تبني تكتّلًا طاقويًّا مع ماليزيا وفيتنام وكمبوديا وشركاء من خارج الإقليم كأستراليا، يدفع إندونيسيا خارج البنيان الطاقوي الإقليمي ويجرّدها من قدرتها التفاوضية. وتذهب الفرضية المنافسة (ف2) إلى أن سنغافورة تنوّع محفظتها على طبقات، من غير أن تملك نيّة الإقصاء ولا القدرة عليه، لأن الجغرافيا وحجم الموارد ومسارات الكابلات تجعل إندونيسيا عصيّةً على الاستبدال. وتقع الفرضية الثالثة (ف3) بين هاتين: فلا تكتّل صُمّم للإقصاء، غير أن تراكم القرارات البراغماتية السنغافورية، مقرونًا بجمود السياسات الإندونيسية، يُفضي إلى تهميشٍ نسبيٍّ غير مخطَّط له. ويقتفي المنهج منطقَ تحليل الفرضيات المتنافسة، فيَزِن كلَّ دليلٍ بمقدار ما يميّز بين الفرضيات، لا بعدد المرات التي يوافق فيها حدسًا أوليًّا. وقد اعتُمد نهجٌ مماثلٌ في دراسةٍ سابقةٍ لمركز البحوث بعنوان ظلالٌ عبر المضيق لاختبار الاتهامات المتعلّقة بعملياتٍ استخباراتيةٍ سنغافوريةٍ ضدّ إندونيسيا.

وتتألّف المصادر أساسًا من الوثائق الرسمية الصادرة عن سنغافورة وماليزيا وأستراليا وآسيان، والتغطيات الإعلامية الإقليمية بين أكتوبر 2023 و29 أكتوبر 2026، وتحليلات مؤسسات بحثية من قبيل إمبر، ووود ماكنزي، ومعهد التنافسية الآسيوية بجامعة سنغافورة الوطنية، ومعهد ISEAS–يوسف إسحاق. وتجدر الإشارة منذ البدء إلى حدودٍ مهمّة: فكثيرٌ من الاتفاقات الطاقوية يتّخذ شكل مذكرات تفاهم أو موافقات مشروطة قد لا تتحقّق أبدًا، وبعض وثائق عقود الغاز سريٌّ لاعتباراتٍ تجارية، كما أن تسارع التطورات خلال الأسبوع المنصرم يجعل عددًا من الأرقام موضعَ خلاف. ولذلك يقترن كلُّ حكمٍ في هذه الدراسة بدرجةٍ من الثقة، ويرتبط كلُّ ادّعاءٍ واقعيٍّ بمصدرٍ يمكن تتبّعه.

ثانيًا: من الأنابيب إلى المحفظة: نقطة انطلاق سنغافورة

لا سبيل إلى فهم وجهة الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة دون فهم نقطة انطلاقها. فنحو 95 في المئة من كهرباء سنغافورة يُولَّد من الغاز الطبيعي، ويتجاوز طلبها اليومي على الغاز 1,000 BBTUD. وفي عام 2025، كان نحو 40 في المئة من هذا الغاز يصل عبر الأنابيب من إندونيسيا وماليزيا، بينما يأتي نحو 60 في المئة بحرًا في صورة غازٍ طبيعيٍّ مسالٍ من الأسواق العالمية، على ما لخّصته مجلة فورتشن. وهذه صورةٌ تباين تباينًا بعيدًا ما كان عليه الحال في السنوات الأولى، حين كان غاز سنغافورة كلُّه يرد عبر الأنابيب من جيرانها. وقد ذكر الوزير تان سي لينغ، في محاضرة سنغافورة للطاقة 2026، أن نحو نصف غاز سنغافورة يُستورد اليوم غازًا مسالًا من محفظةٍ عالميةٍ متنوّعة. وهذا التحوّل من الأنابيب إلى المحفظة هو ما يفسّر قدرة هيئة سوق الطاقة على القول إن التقليص الإندونيسي يقلّ عن 2 في المئة من الطلب اليومي على الغاز، وما يفسّر تأكيد رئيس الوزراء لورنس وونغ أن الاستثمار في محطات الغاز المسال قد قلّص الاعتماد على أيّ مورّدٍ منفرد، على ما أوردته مالاي ميل.

ولم تولد تلك المحفظة بين عشيةٍ وضحاها، ولا جاءت محضَ ردٍّ على إندونيسيا. ففي عام 2020، بحسب دراسة مركز البحوث الحقل هنا والبيدر هناك، كانت الإمدادات الإندونيسية عبر الأنابيب لا تزال تغطي قرابة 60 في المئة من استهلاك سنغافورة للغاز. وقد أعلنت جاكرتا عام 2020 أنها لن تجدّد عقد “الممر” (Corridor) بعد 2023، ثم مدّدته عام 2022 بكمياتٍ أدنى حتى نهاية 2028. وتلك التجربة مع عدم اليقين هي التي دفعت سنغافورة إلى إنشاء أولى محطاتها للغاز المسال، العاملة منذ 2013، وإلى التخطيط لمحطةٍ ثانيةٍ ترفع طاقة الغاز المسال بنسبة 50 في المئة بحلول 2030، ثم إلى تأسيس شركة سنغافورة للغاز (Singapore GasCo) عام 2025 مشتريًا مركزيًّا لقطاع الكهرباء. وفي خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس هيئة سوق الطاقة في 19 مايو 2026، قال وونغ إن المحطة الثانية للغاز المسال ستتيح تلبية احتياجات سنغافورة من الغاز كاملةً عبر الغاز المسال، وإن الأسواق وحدها لا تكفل أمن الإمدادات (مكتب رئيس الوزراء السنغافوري).

وثمة عاملٌ آخر كثيرًا ما يغيب عن الجدل الثنائي: فأكبر صدمة إمدادٍ ألمّت بسنغافورة عام 2026 لم تأتِ من جاكرتا بل من الخليج. فقد أوقف إغلاقُ مضيق هرمز، في الحرب التي اندلعت أواخر فبراير 2026، شحناتِ الغاز المسال القطري إلى سنغافورة اعتبارًا من أبريل. وبحسب المقابلة التي أجرتها ستاندرد آند بورز غلوبال مع الرئيس التنفيذي لهيئة سوق الطاقة، بواه كوك كيونغ، فقد وفّرت قطر نحو 48 في المئة من واردات سنغافورة من الغاز المسال عام 2025، واضطرت شركة الغاز إلى تأمين شحناتٍ بديلةٍ من الولايات المتحدة وأستراليا وأفريقيا. ويقدّم إيان ستوري (Ian Storey) من معهد ISEAS رقمًا أعلى لدرجة الاعتماد على قطر في ISEAS Perspective 2026/25؛ وهذا التفاوت ينبّه إلى وجوب قراءة البيانات التفصيلية عن منشأ الغاز المسال بحذر. فحين حلّ التقليص الإندونيسي في أكتوبر، كانت سنغافورة قد أمضت ثمانية أشهرٍ في حالة أزمةٍ طاقوية. وإندونيسيا، في نظر سنغافورة، واحدٌ من مصادر خطرٍ عدّة لا المصدر الأوحد. وقد وضعت مقالةٌ تحليليةٌ عن العلاقات الإندونيسية السنغافورية الطاقةَ مبكرًا في عداد أعمدة التكافل بين البلدين، وتكشف أحداث 2026 أن هذا العمود بات يحمل أثقالًا تأتيه من جهاتٍ شتى. ولهذا أهميته في اختبار فرضية التكتّل: فكثيرٌ من التحركات التي تبدو “ابتعادًا عن إندونيسيا” هي في حقيقتها استجاباتٌ لصدمة هرمز وللقومية الموردية عمومًا، التي وصفها تان بأنها مصدر قلقٍ متنامٍ.

ثالثًا: بنيان الاستيراد: ستة غيغاواط على الورق

إن العمود الفقري للدبلوماسية الطاقوية السنغافورية بعيدة المدى هو برنامجها لاستيراد الكهرباء منخفضة الكربون. فالهدف الأوّلي البالغ 4 غيغاواط بحلول 2035، المعلَن في أكتوبر 2021، رُفع إلى نحو 6 غيغاواط، وتقول هيئة سوق الطاقة إنها تظلّ منفتحةً على منح مزيدٍ من الموافقات المشروطة للمقترحات الجذابة بما يكفي (هيئة سوق الطاقة، الشبكات الكهربائية الإقليمية). والأدوات متدرّجة: فالموافقة المشروطة (Conditional Approval) تعني أن المشروع حُكم بجدواه في مرحلةٍ أولية، بينما يدلّ الترخيص المشروط (Conditional Licence) على مرحلةٍ أكثر تقدّمًا. وفي ردٍّ برلمانيٍّ مكتوبٍ في 6 نوفمبر 2025، أوضح نائب رئيس الوزراء غان كيم يونغ أن الهيئة منحت منذ مطلع 2023 موافقاتٍ مشروطةً لأحد عشر مشروعًا يبلغ مجموعها نحو 8 غيغاواط من أستراليا وكمبوديا وإندونيسيا وماليزيا وفيتنام، وأن ستةً منها، وكلّها من إندونيسيا، نالت تراخيص مشروطةً بقدرةٍ إجماليةٍ قدرها 3 غيغاواط (وزارة الطاقة والتجارة والصناعة السنغافورية). وبحلول أغسطس 2026 ارتفع عدد المشروعات إلى ثلاثة عشر، وفي 26 أكتوبر 2026 مُنحت شركة سيمبكورب للمرافق (Sembcorp Utilities) موافقةً جديدةً بقدرة 1.3 غيغاواط.

وتكشف خريطة المشروعات عن انتشارٍ جغرافيٍّ واسع. فبحسب جدولٍ أعدّه معهد التنافسية الآسيوية بجامعة سنغافورة الوطنية حتى مايو 2026، لإندونيسيا سبعة مشروعات مجموعها 3.4 غيغاواط تقوم على الطاقة الشمسية والبطاريات، ولأستراليا 1.75 غيغاواط عبر مشروع صن كيبل (Sun Cable)، ولفيتنام 1.2 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية، ولكمبوديا 1 غيغاواط من الطاقة الشمسية والتخزين الكهرومائي بالضخ، ولسراوق 1 غيغاواط مصدرها الأساسي الطاقة الكهرومائية، فضلًا عن المشروع التجريبي LTMS-PIP بقدرةٍ تصل إلى 200 ميغاواط، واستيرادٍ بقدرة 50 ميغاواط من شبه الجزيرة الماليزية. ثم جاءت موافقة أغسطس 2026 على 900 ميغاواط من جوهور، وموافقة أكتوبر 2026 على 1.3 غيغاواط من فيتنام وماليزيا، لتمدّا القائمة. وتقدّر وود ماكنزي، على ما لخّصه موقع سولار كوارتر، مجموع القدرة المعتمدة بـ9.25 غيغاواط عبر ستة ممرات، تستأثر إندونيسيا منها بنحو 37 في المئة.

بيد أن القدرة المسطورة على الورق بعيدةٌ كلَّ البعد عن الإلكترونات السارية في الكابل. فوود ماكنزي تلاحظ أن شيئًا من تلك القدرة لم يدخل طور الإنشاء، وتتوقّع ألا تلبّي الواردات سوى نحو 15 في المئة من مزيج التوليد في سنغافورة بحلول 2035، وهو قصورٌ بيّن عن الطموح البالغ نحو الثلث. وتشمل العقبات تصاريح التصدير، وتمويل المشروعات، والنقل العابر للحدود، وغياب آلية لإصدار شهادات الكربون. ولا تُخفي سنغافورة شروطها التجارية؛ فقد شدّد وونغ في خطابه في مايو 2026 على ألا تزيد كلفة الواردات القائمة على الوقود الأحفوري على كلفة التوليد المحلي بالغاز، وعلى أن تظلّ العلاوة المدفوعة للكهرباء منخفضة الكربون قادرةً على منافسة خياراتٍ مثل أرصدة الكربون. وأكّد تان المعنى نفسه في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026، قائلًا إن سنغافورة لا تسعى إلى الاستيراد “بأيّ ثمن”. فبرنامج الاستيراد إذن ليس مشروعًا سياسيًّا لاحتضان دولٍ بعينها أو إقصائها، بل سوقٌ محكمة التصميم يتنافس فيها كلُّ ممرٍّ مع الممرات الأخرى ومع الخيارات المحلية. ولهذه السمة شأنٌ في اختبار الفرضية، لأن السوق التنافسية تعاقب المورّد البطيء من غير أن تكون ثمة نيةٌ سياسيةٌ لإقصائه.

وتجلّي إمبر حجم الرهان الكامن وراء هذه الأرقام. ففي تحليل إمبر الصادر في أغسطس 2026، يمكن للروابط الكهربائية أن تلبّي ما يصل إلى 49 في المئة من الطلب السنغافوري على الكهرباء بحلول 2035 إن قامت شبكة آسيان، بينما لا تتجاوز الحصة نحو 2.5 في المئة في غيابها. ويُنمذَج ممرّ سومطرة–سنغافورة بوصفه الأكبر في الإقليم، بقدرة 3,400 ميغاواط. وكلُّ عامٍ من التأخير، بحسب النموذج ذاته، يكلّف سومطرة قرابة 400 مليون دولار أمريكي من الإيرادات المحتملة لتصدير الطاقة الشمسية والكهرومائية. وتوضح هذه الأرقام أن إندونيسيا، في بنيان الاستيراد السنغافوري، ليست ملحقًا هامشيًّا، بل هي أكبر الأعمدة التي لم تنتصب بعد.

رابعًا: جوهور وشبه الجزيرة: ماليزيا محورًا أقرب

إن كانت ثمة دولةٌ تبدو أكثرَ المستفيدين من التوتر بين جاكرتا وسنغافورة، فهي ماليزيا. فبعد يومين من تقليص الغاز، وفي افتتاح أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة في 26 أكتوبر 2026، جدّدت هيئة سوق الطاقة ولجنة الطاقة الماليزية مذكرة التفاهم الموقّعة أول مرة عام 2020. ويشمل نطاقها تخطيط منظومات الكهرباء والغاز المنقول بالأنابيب وموثوقيتها، وتنظيم سوق الكهرباء، وتجارة الكهرباء العابرة للحدود، وشهادات الطاقة المتجددة، وقدرات الربط، والطاقة الشمسية وتخزين الطاقة. وقد شهد تبادل المذكرة نائب رئيس الوزراء الماليزي فاضل الله يوسف (Fadillah Yusof) والوزير تان سي لينغ (مالاي ميل؛ أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026). وفي اليوم نفسه، منحت الهيئة شركة سيمبكورب للمرافق موافقةً مشروطةً لاستيراد 1.3 غيغاواط بالشراكة مع تحالف MY Energy المؤلّف من بتروناس وشركة تيناغا الوطنية (TNB) وشركة بتروفيتنام للخدمات الفنية، اعتمادًا على طاقة الرياح البحرية الفيتنامية والطاقة الشمسية الماليزية، على أن يبدأ الاستيراد بحلول 2035 (هيئة سوق الطاقة).

كانت الرمزية قوية، لكنّ المضمون أُعدّ قبل ذلك بأشهر. ففي 7 أغسطس 2026 منحت الهيئة موافقاتٍ مشروطةً لـ900 ميغاواط من شبه الجزيرة الماليزية: 300 ميغاواط لسيمبكورب و600 ميغاواط لتحالف الطاقة الشمسية الجنوبي (Southern Solar Alliance)، التابع لشركة ديترولك للطاقة (Ditrolic Energy)، وكلاهما يقوم على الطاقة الشمسية وتخزين البطاريات في جوهور، ويستهدف التشغيل التجاري نحو عام 2029 (هيئة سوق الطاقة). ووقّعت كذلك شركة سنغافورة للربط الطاقوي (Singapore Energy Interconnections) ومجموعة SP وشركة تيناغا الوطنية اتفاقَ تطويرٍ مشتركًا لدراسة رابطٍ ثانٍ بين سنغافورة وشبه الجزيرة بقدرةٍ تصل إلى 2 غيغاواط، وأعلن تان أن المسوح البحرية للرابط الجديد بدأت في أكتوبر 2026. وعلى هامش أسبوع الطاقة، وقّعت مصارف DBS وماي بنك ومؤسسة التمويل الدولية إطارًا للقابلية المصرفية والتمويل لممرّ جنوب جوهور للطاقة المتجددة البالغة كلفته 6 مليارات دولار أمريكي، الذي يُطوَّر بالاشتراك مع شركة بيرموضالن دار التعظيم (Permodalan Darul Ta’zim)، الذراع الاستثمارية لحكومة ولاية جوهور، ويُراد له أن يكون مرجعًا تمويليًّا لمشروعات شبكة كهرباء آسيان (TNGlobal).

وميزة ماليزيا بنيويةٌ في جوهرها. فالرابط الكهربائي الماليزي–السنغافوري بقدرة 1 غيغاواط قائمٌ يعمل، فلا تحتاج مشروعات جوهور إلى انتظار مئات الكيلومترات من الكابلات البحرية. وتصف وود ماكنزي الممرّ الماليزي بأنه الأكثر جدوى في المدى القريب، مع إمكان بدء التسليمات الأولى بقدرة 300 ميغاواط من سيمبكورب بحلول 2029، في حين قد يحتاج مشروع ديترولك بقدرة 600 ميغاواط إلى الرابط الثاني، وقد يتأخر إلى ما بعد 2030. وتقدّم سراوق خيارًا بعيد المدى عبر اتفاق توريد كابلات مع شركة بريسميان (Prysmian) في أكتوبر 2025. والطبقة السياسية كثيفةٌ هي الأخرى؛ إذ توفّر المنطقة الاقتصادية الخاصة بين جوهور وسنغافورة إطارًا أرحب للتعاون الاقتصادي، وفي أبريل 2026 قال وزير الاقتصاد الماليزي أكمل نصر الله ناصر (Akmal Nasrullah Nasir) إن البلدين سيسرّعان التعاون في المنطقة، بما في ذلك احتجاز الكربون وتخزينه، على ما أوردته صحيفة فري ماليزيا توداي.

غير أن قراءة ماليزيا حليفًا في تكتّلٍ مناهضٍ لإندونيسيا خطأٌ تحليلي. فماليزيا نفسها حظرت عام 2021 تصدير الطاقة المتجددة إلى سنغافورة لتقديم حاجاتها المحلية، ولم ترفع الحظر إلا عام 2023، على ما لاحظه معهد التنافسية الآسيوية، ولاحظه كذلك ميرزا صداقت هدى (Mirza Sadaqat Huda) من معهد ISEAS في مقالةٍ نشرها موقع إيكو-بزنس. ويبيّن هدى أيضًا أن التوترات بين الحكومة الاتحادية وسراوق قد تعطّل كابل سراوق–سنغافورة. فماليزيا، بعبارةٍ أخرى، شريكٌ ذو سيادةٍ مكافئة، قادرٌ على سلوكٍ قوميٍّ مكافئ، لا تابعٌ يدور في فلك سنغافورة. وهي توسّع شبكتها الخاصة أيضًا، ومن ذلك تعهّدٌ بأمن الطاقة مع أستراليا في أبريل 2026، حين اتفق رئيسا الوزراء أنور إبراهيم وأنتوني ألبانيزي على إبقاء النفط والغاز متدفقَين، علمًا بأن أستراليا توفّر قرابة كامل واردات ماليزيا من الغاز المسال (ساوث تشاينا مورنينغ بوست). فالنمط ليس محورًا مغلقًا، بل دولٌ كثيرةٌ تنصب كلٌّ منها شِباك أمانها. أما الدرس الذي تستخلصه إندونيسيا من جوهور فهو أشدّ إيلامًا من أيّ نظريةٍ للتكتّل: لقد ظفرت ماليزيا بميزة السبق بفضل البنية التحتية، واليقين التنظيمي، والانخراط النشط لحكومة ولاية، لا لأن سنغافورة تضمر العداء لجاكرتا.

خامسًا: الميكونغ وبحر الصين الجنوبي والروابط البرية: فيتنام وكمبوديا ومشروع LTMS-PIP

يمتدّ الممرّ الثاني للدبلوماسية الطاقوية السنغافورية شمالًا، صوب البرّ الرئيس لجنوب شرق آسيا. فمنذ يونيو 2022، يمثّل مشروع تكامل الطاقة بين لاوس وتايلاند وماليزيا وسنغافورة (LTMS-PIP) أولى تجارب آسيان في التجارة الكهربائية متعدّدة الأطراف، إذ ينقل ما يصل إلى 100 ميغاواط من الطاقة الكهرومائية اللاوسية عبر تايلاند وماليزيا من خلال الروابط القائمة. وتضاعف مرحلته الثانية الحجمَ إلى 200 ميغاواط حدًّا أقصى، وتُدخل تجارةً متعدّدة الاتجاهات بإمداداتٍ إضافيةٍ من ماليزيا (هيئة سوق الطاقة). وقد رحّب الاجتماع الرابع والأربعون لوزراء الطاقة في آسيان، المنعقد في مانيلا في 7 أكتوبر 2026، بهذه التجارة متعدّدة الأطراف والاتجاهات، وشجّع على توسيعها (آسيان). ومن الناحية الرمزية، يُعدّ هذا المشروع أبلغَ برهانٍ على قدرة سنغافورة على تجميع سلسلة إمدادٍ كهربائيٍّ تضمّ أربع دول دون إندونيسيا البتّة. أما من الناحية الكمية، فإن 200 ميغاواط نزرٌ يسير من ذروة الطلب السنغافوري التي بلغت، بحسب موقع ريسيساري، 8.6 غيغاواط في أغسطس 2026، وقد ترتفع إلى 13 غيغاواط بحلول 2031.

وفيتنام رهانٌ أكبر. ففي أكتوبر 2023 منحت هيئة سوق الطاقة شركة سيمبكورب للمرافق، بالشراكة مع شركة بتروفيتنام للخدمات الفنية، موافقةً مشروطةً لاستيراد 1.2 غيغاواط من الكهرباء منخفضة الكربون المولَّدة من الرياح البحرية الفيتنامية عبر نحو 1,000 كيلومتر من الكابلات البحرية (هيئة سوق الطاقة، 2023). وتضيف موافقة أكتوبر 2026 بقدرة 1.3 غيغاواط بُعدًا جديدًا، إذ تجمع رياح فيتنام وشمس ماليزيا في تحالفٍ واحدٍ يضمّ بتروناس وشركة تيناغا الوطنية. لكنّ العقبات في فيتنام حقيقية. فمعهد التنافسية الآسيوية يلاحظ أن فيتنام تسجّل أعلى معدّل لإلغاء مشروعات الطاقة النظيفة بين دول آسيان الست الكبرى، إذ تعثّر أو أُلغي 63 في المئة من رأس المال الملتزَم به، وأن قانون الكهرباء لعام 2024 يفرض حدودًا دنيا لأسعار التصدير قد تأكل ميزتها السعرية. وتضيف وود ماكنزي أنه لا يوجد حتى الآن إطارٌ يتيح للمطوّرين الأجانب إنشاء محطات التوليد وتصدير الكهرباء عبر الكابلات البحرية، وإن كان المرسوم 272 الصادر في يوليو 2026 قد فتح قطاع الرياح البحرية أمام الاستثمار الأجنبي.

وتطرح كمبوديا معضلتها الجيوسياسية الخاصة. فشركة كيبل (Keppel) تحوز موافقةً مشروطةً لاستيراد 1 غيغاواط من كمبوديا قائمةٍ على الطاقة الشمسية والتخزين الكهرومائي بالضخ وربما الرياح. ويسجّل معهد التنافسية الآسيوية أن تصاعد النزاع بين تايلاند وكمبوديا قد عطّل زخم صادرات الطاقة الشمسية الكمبودية والربط عبر تايلاند. وتضيف وود ماكنزي أن كمبوديا تفتقر إلى إطارٍ شاملٍ للتصدير وتواجه قيودًا على إمداداتها المحلية. وبعبارةٍ أخرى، فإن الممرات البرية التي كثيرًا ما تُصوَّر بديلًا من إندونيسيا تنطوي على مخاطر سياسيةٍ خاصةٍ بها، تمتدّ من النزاعات الحدودية إلى القومية السعرية.

وفي ميزان اختبار الفرضيات، تكشف الممرات البرية عن أمرين في آنٍ واحد. فهي تتّسق مع (ف1)، إذ تبرهن على قدرة سنغافورة على تجميع الإمدادات دون إندونيسيا، وتُظهر أن ماليزيا عقدةُ عبورٍ لا غنى عنها لكلّ التدفقات القادمة من الشمال. لكنها تتّسق كذلك مع (ف2) و(ف3)، لأن كلَّ واحدٍ من هذه الممرات يواجه قيودًا شبيهةً بقيود إندونيسيا: التصاريح والأسعار والتمويل والسياسة الداخلية. فسنغافورة لا تختار شركاء أكثر وُدًّا، بل توزّع رهاناتها على شركاء عدّة لا يقلّ نصيبهم من عدم اليقين. وتوزيع الرهانات على هذا النحو أجدر بأن يوصف بالتحوّط منه بتشكيل التكتّل، لأن التكتّل يقتضي الولاء والحصرية، والتحوّط يأبى كليهما.

سادسًا: من داروين إلى جورونغ: أستراليا شريكًا من خارج الإقليم

تحضر أستراليا في الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة على ثلاث طبقات، تختبرها بتفصيلٍ أوفى الدراسةُ الشقيقة المورّد من الجنوب: اختبار أطروحة “الاستفزاز” في الاستراتيجية الطاقوية الأسترالية في آسيان ونزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري 2026. الطبقة الأولى هي مشروعات الكهرباء: ففي 22 أكتوبر 2024 منحت هيئة سوق الطاقة مشروع صن كيبل موافقةً مشروطةً لاستيراد 1.75 غيغاواط من أستراليا، تُنقل فيها الطاقة الشمسية من الإقليم الشمالي عبر نحو 4,300 كيلومتر من الكابلات البحرية، مع موعدٍ مقترحٍ للتشغيل التجاري بعد 2035 (هيئة سوق الطاقة، 2024). وقد شدّدت الهيئة على وجوب حصول صن كيبل على موافقات الولايات القضائية التي تمرّ بها كابلاتها. والطبقة الثانية مؤسسية، تتمثّل في اتفاقية الاقتصاد الأخضر بين سنغافورة وأستراليا الموقّعة عام 2022 (وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية)، التي تتضمّن فريق عملٍ لتطوير إطارٍ لتجارة الكهرباء العابرة للحدود، والتعاون في الشحن البحري الأخضر، وتمويل التحوّل (وزارة الطاقة والتجارة والصناعة السنغافورية).

أما الطبقة الثالثة، وهي أوثقها صلةً بأزمة 2026، فهي ضمان إمدادات الوقود. ففي 23 مارس 2026 أصدر وونغ وألبانيزي بيانًا مشتركًا بشأن أمن الطاقة، التزما فيه بدعم التجارة في المنتجات النفطية، بما فيها الديزل، والغاز المسال بين البلدين، وبأن يُخطر كلٌّ منهما الآخر ويتشاور معه عند وقوع الاضطرابات، ودَعَوا إلى إبقاء سلاسل إمداد الطاقة العالمية مفتوحة (وزارة الخارجية السنغافورية). وفي 17 أبريل 2026 قدّم وزراء البلدين بروتوكولًا للصمود الاقتصادي والإمدادات الأساسية، جوهره مبادلة الغاز المسال لسنغافورة بالديزل لأستراليا، على ما يسجّله محضر وزارة الخارجية. وتجعل هذه الترتيبات من أستراليا مرساةً للأمن الجزيئي لسنغافورة، أهمَّ في المدى القصير من أيّ كابلٍ كهربائي.

بيد أن الطبقة الأولى بالذات تقدّم أقوى الأدلة على بطلان الفرضية القائلة بتنحية إندونيسيا. فبحسب وود ماكنزي، يمرّ نحو 3,700 كيلومتر من أصل 4,500 كيلومتر مقرَّرة لمسار صن كيبل عبر المياه الإندونيسية، وتصريح المسح الذي حُصل عليه عام 2025 لا يشمل تمديد الكابل. وقد أشار تقريرٌ لموقع إنرجي فويس عن موافقة إندونيسيا على المسار البحري إلى أن صن كيبل التزمت باستثمار 2.5 مليار دولار أمريكي في إندونيسيا جزءًا من الصفقة، وإن كان الجدول الزمني المعلَن حينئذٍ قد تجاوزته الأحداث منذ أمدٍ بعيد. وهذه الحقيقة الجغرافية تجعل إندونيسيا حارسةَ بوابة الممرّ الأسترالي. فأيّ تكتّلٍ سنغافوريٍّ–أستراليٍّ يُقصي إندونيسيا سيتعيّن عليه، حرفيًّا، أن يعبر الفضاء البحري الإندونيسي، وهو ما يستحيل دون رضا جاكرتا. صحيحٌ أن أستراليا قادرةٌ على أن تكون مورّدًا للغاز المسال وشريكًا في القواعد الخضراء يقلّل حاجة سنغافورة إلى غاز الأنابيب الإندونيسي، لكنها عاجزةٌ عن الحلول محلّ إندونيسيا بوصفها الفضاء المادي الذي تعبره الكهرباء القادمة من الجنوب.

سابعًا: جزيئاتٌ من بعيد: الغاز المسال والنفط السعودي وبنيان الصمود

بعيدًا عن الكهرباء، تشكّلت الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة عام 2026 تشكّلًا عميقًا بفعل الجزيئات. ففي خطابه في أسبوع الطاقة 2026، قال تان إن فريق شركة الغاز تحرّك بسرعةٍ لتأمين غازٍ بديلٍ حين اضطربت الشحنات القطرية، وإن الشركة أصدرت في أغسطس 2026 أول طلبٍ لتقديم العروض لتلبية الاحتياجات من الغاز بعد 2028، وتتوقّع إرساء عقودها الأولى عام 2027، وإنها وقّعت مذكرةً مع شركة PTT التايلاندية لاستكشاف التعاون في توريد الغاز المسال. وجدّدت سنغافورة كذلك مذكرةً بشأن الغاز المسال والتقنيات منخفضة الكربون مع قطر للطاقة خلال زيارة رئيس الوزراء للشرق الأوسط (وزارة الطاقة والتجارة والصناعة السنغافورية). وتوقيت طلب العروض هذا جديرٌ بالانتباه؛ فعقود غاز الأنابيب بين إندونيسيا وسنغافورة تنقضي في نهاية 2028، على ما أشارت إليه صحيفة ذا ستار، ومن ثمّ كانت شركة الغاز تُعدّ عقودًا بديلةً قبل أن تحسم جاكرتا أمر التجديد بوقتٍ طويل.

والطبقة التالية هي الاحتياطيات الاستراتيجية. ففي أسبوع الطاقة 2026، أعلنت سنغافورة والمملكة العربية السعودية نيّةً مشتركةً لترتيبٍ لتخزين النفط الخام، تكون مذكرةٌ بين هيئة سوق الطاقة ومؤسسة JTC وأرامكو السعودية خطوتَه الأولى، بحيث يُخزَّن الخام السعودي في كهوف جورونغ الصخرية (Jurong Rock Caverns) اعتبارًا من النصف الثاني من 2027 (أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026). ووصفت مجلة فورتشن ذلك بأنه جزءٌ من “خطوط الدفاع المتعددة” لأمن الطاقة السنغافوري. والطبقة الثالثة هي تنويع مؤشرات التسعير؛ فقد قال بواه إن سنغافورة تدرس زيادة الإمدادات الأمريكية، وإنها التقت شركات شيفرون وشل وإكسون وجيرا (JERA) وشينير (Cheniere)، لأن عقود الغاز المسال الأمريكي المرتبطة بمؤشر هنري هَب تتيح تنويعًا سعريًّا بالقياس إلى العقود المرتبطة بخام برنت.

ويقرأ المحلّلون الذين حاورتهم قناة CNA إندونيسيا الموقفَ قراءةً مماثلة. فقد رأى براتيك باندي (Prateek Pandey) من ريستاد إنرجي أن التقليص يمكن احتواؤه ما لم يتّسع، لكنه نبّه إلى أن تحدّيًا أكبر قد ينشأ بعد 2028 حين تنقضي عقودٌ عدّة. ورأى ديفيد برودستوك (David Broadstock) وروجر فوكيه (Roger Fouquet) من معهد دراسات الطاقة بجامعة سنغافورة الوطنية أن سنغافورة قادرةٌ على إيجاد غازٍ بديلٍ بيسرٍ نسبي، بما في ذلك الغاز المسال الأسترالي والأمريكي. وفي جاكرتا، حذّرت دينا برابتو راهارجا (Dinna Prapto Raharja) من مؤسسة Synergy Policies، في حوارٍ مع موقع كاتاداتا، من أن السياسة بدت انفعالية، تمزج القومية الموردية بردّ فعلٍ سياسي، ولن تزيد سنغافورة إلا عزمًا على تطوير مصادر بديلة. وقد صاغت دراسة مركز البحوث سلّم التصعيد في مضيق سنغافورة هذا المنطق في صورة أصلِ ضغطٍ آخذٍ في الانكماش: فكلما دنا عام 2028، تضاءلت قيمة غاز الأنابيب الإندونيسي أداةً للضغط، مما يولّد إغراءً باستعماله قبل أن تنفد قيمته.

وتقدّم هذه الطبقة الجزيئية أقنع الأدلة على شقٍّ من الفرضية، وهو أن سنغافورة تعمد إلى تقليص اعتمادها على إندونيسيا. لكنها لا تسند الشقّ الآخر، أي قيام تكتّلٍ داخل آسيان، لأن المورّدين البدلاء يقعون في معظمهم خارج آسيان: الولايات المتحدة وأستراليا والخليج وأفريقيا. فالاعتماد على إندونيسيا يُقلَّص بعولمة المحفظة، لا بأقلمة التحالف.

ثامنًا: النووي والطاقة الحرارية الجوفية وأرصدة الكربون: خياراتٌ خارج الخريطة الإقليمية

تتألّف الطبقة الرابعة من الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة من خياراتٍ بعيدة المدى لا تتوقّف على أيّ جار. ففي خطابه في مايو 2026، أوضح وونغ أن سنغافورة درست الطاقة النووية أكثر من عقد، وأنها ستشرع في المرحلة الأولى من المراجعة المتكاملة للبنية التحتية النووية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكّدًا أن ذلك ليس قرارًا بنشر الطاقة النووية. وقال إن المسار بكامله قد يستغرق أكثر من 15 عامًا، وإنه يركّز على المفاعلات النمطية الصغيرة (مكتب رئيس الوزراء السنغافوري). وفي 25 أكتوبر 2026، غداةَ تقليص الغاز، قال وونغ إن سنغافورة تحتاج إلى كهرباء نظيفةٍ على مدار الساعة، وإنه لا ينبغي رفض أيّ خيارٍ لمجرد كونه عسيرًا أو مثيرًا للجدل (مالاي ميل). وثمة إطارٌ للتعاون النووي مع الولايات المتحدة قائمٌ منذ توقيع “اتفاقية 123” في يوليو 2024 (ذا ستار)، وفي أسبوع الطاقة 2026 أعلنت سنغافورة برنامجين لتنمية الكوادر النووية، وبرنامج ماجستيرٍ مشتركًا مزمعًا في الهندسة النووية بين جامعة سنغافورة الوطنية وجامعة نانيانغ التكنولوجية عام 2027.

وتستكشف سنغافورة كذلك ما يكمن تحت قدميها. فقد أعلن تان أن الإمكانات التقنية للطاقة الحرارية الجوفية تحت سنغافورة تتجاوز ستين ضعفًا من استهلاكها السنوي للكهرباء، وإن لم تكن قابلةً للاستخراج تجاريًّا، وعيّنت هيئة سوق الطاقة شركتي سوربانا جورونغ (Surbana Jurong) وGLJ لدراسة جدوى الجيل التالي من الطاقة الحرارية الجوفية (أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026). ورُفع هدف الطاقة الشمسية المحلية إلى 3 غيغاواط ذروة بحلول 2030 و4 غيغاواط ذروة بحلول 2035، وإن أقرّ تان بأن الطاقة الشمسية لن تلبّي أكثر من 10 في المئة من الطلب في 2050. وسترتفع قدرة التوليد بنسبة 26 في المئة من نحو 12 غيغاواط عبر خمس محطاتٍ جديدةٍ تعمل بالغاز بين 2026 و2031، ويُراد لتخزين الطاقة أن يرتفع من نحو 350 ميغاواط ساعة إلى ما يزيد قليلًا على 1 غيغاواط ساعة بحلول 2030.

وتكتمل الصورة بأدوات أرصدة الكربون. فقد فعّلت سنغافورة اتفاقات تنفيذٍ بموجب المادة السادسة من اتفاق باريس مع غانا وبوتان والبيرو ورواندا وتايلاند، ووقّعت أول اتفاق تنفيذٍ مع الفلبين في 8 يونيو 2026 ومع لاوس في 4 سبتمبر 2026، وتشير إلى اتفاقٍ ثنائيٍّ مع منغوليا (التعاون في أسواق الكربون – سنغافورة). أما مع إندونيسيا، فكانت الحكومتان لا تزالان في يوليو 2026 تبنيان إطارًا للتعاون العابر للحدود في أرصدة الكربون بموجب المادة السادسة (ريسيساري). ولهذه الخريطة أهميتها لسببين: أولهما أن أرصدة الكربون منافسٌ مباشرٌ لاستيراد الكهرباء، إذ يصرّ تان ووونغ كلاهما على أن تكون علاوة الواردات منخفضة الكربون قادرةً على منافسة التعويض الكربوني الدولي؛ وثانيهما أن شراكات سنغافورة الكربونية تبلغ أفريقيا والأنديز والهيمالايا، فتكشف مرةً أخرى عن منطق المحفظة العالمية لا التكتّل الإقليمي. وإندونيسيا، وهي مالكةُ بعضٍ من أضخم مخزونات كربون الغابات وإمكانات تخزين الكربون في العالم، متأخرةٌ في تفعيل التعاون الكربوني مع سنغافورة، وهو ما يعكس إيقاع السياسات في جاكرتا أكثر مما يعكس إقصاءً سنغافوريًّا.

تاسعًا: اختبار الفرضية: الأدلة المؤيّدة لأطروحة التكتّل

تقتضي الأمانة التحليلية أن تُوزَن الأدلة المؤيّدة لفرضية التكتّل وزنًا جادًّا، لا أن تُطرح جانبًا. وأول هذه الأدلة التوقيت. فتجديد مذكرة هيئة سوق الطاقة مع الجهة التنظيمية الماليزية، والموافقة على 1.3 غيغاواط لتحالفٍ سنغافوريٍّ–ماليزيٍّ–فيتنامي، وإطار تمويل ممرّ جوهور البالغ 6 مليارات دولار، ومذكرة تخزين الخام السعودي، أُعلنت جميعًا في 26 أكتوبر 2026، بعد يومين من تقليص الغاز. ومع أن معظم هذه الصفقات كان قيد الإعداد منذ أمدٍ طويل، فإن عرضها المتزامن على منصة أسبوع الطاقة أدّى وظيفة رسالةٍ سياسية مؤدّاها: لدى سنغافورة خياراتٌ كثيرة. وبلغة الدبلوماسية، يمكن قراءة هذه الرسالة سعيًا إلى النيل من مصداقية التهديد الإندونيسي.

والدليل الثاني تبدّل الحصص. فوود ماكنزي تلاحظ أن فيتنام وكمبوديا وأستراليا تستأثر مجتمعةً بنحو 43 في المئة من محفظة المشروعات، بينما تواصل حصة ماليزيا نموّها عبر جوهور وسراوق وتحالف MY Energy. فإن دخلت المشروعات الماليزية الخدمة عام 2029 وظلّت المشروعات الإندونيسية متعثّرة، غدت ماليزيا المصدر الأول والأوثق للكهرباء المستوردة إلى سنغافورة، وهي مكانةٌ تميل في عالم البنية التحتية إلى الدوام بسبب ارتفاع كلفة التحوّل. ويحذّر معهد التنافسية الآسيوية صراحةً من أن الربط كثيف رأس المال يجعل التبديل المتكرّر لمصادر الاستيراد باهظ الكلفة. وهذا منطقٌ قد ينقلب على إندونيسيا: فكلُّ كابلٍ يُمدّ إلى جوهور يُضعف إلحاح الحاجة إلى كابلٍ إلى سومطرة أو رياو.

والدليل الثالث تقدير مدى الرغبة. فمعهد التنافسية الآسيوية يصنّف ماليزيا وفيتنام أكثر الشركاء التزامًا، ولاوس ذات نيّةٍ تصديريةٍ قوية، في حين يرى رغبة إندونيسيا أكثر محدوديةً بسبب أولوية السوق المحلية لدى شركة الكهرباء الحكومية (PLN) وخطة أعمال توفير الكهرباء (RUPTL)، وتصاريح لا تُجدَّد إلا كل خمس سنوات، وتذبذب السياسات منذ التعديل الوزاري. ومثل هذه التقديرات، حين يقرؤها المستثمرون والمخطّطون في سنغافورة، قد تغدو نبوءاتٍ تحقّق ذاتها: إذ يتدفّق رأس المال إلى الممرات التي يُحكم بأنها أشدّ التزامًا، وتتخلّف الممرات الأخرى أكثر فأكثر.

والدليل الرابع سلطة صوغ القواعد. فقد اتفق الاجتماع الرابع والأربعون لوزراء الطاقة في آسيان على تسريع النقاش في إطار آسيان لتطوير كابلات الكهرباء البحرية (ASEAN Submarine Power Cable Development Framework) خلال رئاسة سنغافورة عام 2027 (آسيان). وسيحدّد إطار الكابلات البحرية مَن يتحمّل المخاطر، وكيف تُعالَج التصاريح عبر الولايات القضائية، وأيّ المعايير الفنية تسري. والدولة التي تجمع بين كونها المشتري الأكبر ورئيسة آسيان تحتلّ موقعًا فريدًا لتشكيل تلك القواعد. فإن لم تكن إندونيسيا حاضرةً حضورًا فاعلًا، فقد تُكتب القواعد الإقليمية على مقاس الدول المستوردة. وعلى أساس هذه الخيوط الأربعة، تحكم هذه الدراسة بأن عنصرَي “تقليص الاعتماد” و”انزياح مركز الثقل نحو ماليزيا” مدعومان بدرجة ثقةٍ عالية، في حين أن عنصر “التكتّل المصمَّم للإقصاء” لا يسنده دليلٌ يمكن التحقّق منه.

عاشرًا: اختبار الفرضية: الأدلة الداحضة لأطروحة التكتّل

يتبيّن أن الأدلة الداحضة لفرضية التكتّل أوفر عددًا وأثقل وزنًا من الناحية البنيوية. وأولها وأقواها أن إندونيسيا لا تزال الممرَّ الأكبر في برنامج الاستيراد السنغافوري، بنحو 3.4 غيغاواط موزّعة على سبعة مشروعات، وأنها البلد الوحيد الذي بلغت مشروعاته مرحلة الترخيص المشروط. بل إن هيئة سوق الطاقة، في سبتمبر 2024 وفي خضمّ التعديل الوزاري الإندونيسي، أضافت موافقةً بقدرة 1.4 غيغاواط لتحالفَي توتال إنرجيز–RGE وشل–فينا إنرجي (Vena Energy)، على ما أوردته صحيفة جاكرتا بوست. والدولة التي تسعى إلى إقصاء شريكٍ لا ترفع حصّته في خططها الاستراتيجية.

وثانيها أن الدبلوماسية الرفيعة المستوى ماضيةٌ في سبيلها. ففي 13 يونيو 2025 وقّع تان سي لينغ وبهليل لاهادليا ثلاث مذكرات تفاهمٍ في تجارة الكهرباء العابرة للحدود، واحتجاز الكربون وتخزينه، ومنطقةٍ صناعيةٍ مستدامة (وزارة الطاقة والتجارة والصناعة السنغافورية). وفي 6 يوليو 2026، خلال الخلوة السنوية للقادة في جاكرتا، وقّع صندوق دانانتارا (Danantara) مذكراتٍ مع كيبل للكهرباء وسيمبكورب للصناعات وشركة سنغافورة للربط الطاقوي لمشروعٍ كهربائيٍّ عابرٍ للحدود، فيما قال وونغ إن لإندونيسيا إمكاناتٍ هائلةً في الطاقة المتجددة (جاكرتا بوست). وقد لاحظ روني ب. ساسميتا (Ronny P. Sasmita)، في مقالةٍ بموقع آسيا تايمز، أن الخلوة أثمرت 26 مُخرَجًا، منها مشروعاتٌ للطاقة الشمسية بمليارات الدولارات في موروالي، ورأى أن سنغافورة هي في الواقع الأشدّ اعتمادًا على إندونيسيا في الطاقة والمجال الجوي وأمن مضيق ملقا. وحتى بعد تقليص الغاز، طار وزير الخارجية فيفيان بالاكريشنان إلى جاكرتا في 27 أكتوبر 2026، واتفق مع وزير الخارجية أرماناثا ناصر (Arrmanatha Nasir) على التخطيط لفريق عملٍ مشتركٍ لإنفاذ مسؤولية الشركات عن حرائق الغابات (ذا ستار)، وإن لم تُبحث مسألة الغاز في ذلك اللقاء.

وثالثها أن العقبات الرئيسة أمام المشروعات الإندونيسية منبعها جاكرتا لا سنغافورة. فقد كشف تقريرٌ لصحيفة ذا ستار في مارس 2026 أن المادة 37 من لائحةٍ صادرةٍ عن وزارة الطاقة والثروة المعدنية (ESDM) عام 2021 تشترط تجديد تصاريح التصدير كل خمس سنوات، وتجيز إلغاءها إن أخلّ التصدير بالإمدادات المحلية، مما يجعل تمويل مشروعاتٍ ذات آفاقٍ تمتدّ بين عشرين وخمسة وعشرين عامًا بالقروض المصرفية أمرًا عسيرًا. وقد توقّفت مراجعةٌ بدأها الوزير عارفين تسريف (Arifin Tasrif) بعد التعديل الوزاري في أغسطس 2024. وفي فبراير 2025 حجب بهليل تصاريح التصدير ريثما تتحقّق المعاملة بالمثل، وطالب سنغافورة بالاستثمار في الصناعات التحويلية (إندونيسيا بزنس بوست؛ بتروميندو). وفي 19 أكتوبر 2026 قال بهليل إن الصادرات متعثّرة لأن السعر لم يتّضح بعد، وإن الكهرباء ستُرسل حالما يُتّفق على السعر (إندونيسيا بزنس بوست). وبعد أسبوعٍ قال إن تصدير الكهرباء قد يكون بعيد المنال، وإن مراكز البيانات الإندونيسية تحتاج إلى 20 غيغاواط. وتضيف وود ماكنزي اشتراطَ مكوّنٍ محليٍّ بنسبة 40 في المئة ومعاييرَ البطاريات في عداد المعوّقات. وفي هذه السلسلة من الأدلة، تبدو سنغافورة أقربَ إلى مشترٍ ينتظر منها إلى مهندسٍ للإقصاء.

ورابعها الجغرافيا والتعددية. فمسار صن كيبل يعبر المياه الإندونيسية، وممرّ سومطرة–سنغافورة هو الأكبر في نموذج إمبر، كما ناقش الاجتماع الرابع والأربعون لوزراء الطاقة في آسيان ربطًا كهربائيًّا بين الفلبين وإندونيسيا، والتقدّم في مشروع BIMP-PIP الذي يضمّ بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين. فإندونيسيا ليست موصدةً دونها أبواب الشبكة، بل هي عقدةٌ متّصلةٌ بعدّة منظوماتٍ فرعيةٍ في آنٍ واحد. وخامسها سلوك ماليزيا نفسها: فهي التي حظرت يومًا تصدير الكهرباء إلى سنغافورة، وتبني اليوم شباك أمانها الخاصة مع أستراليا، فيعسر تصويرها عضوًا وفيًّا في تكتّل. وبعد وزن الأدلة جميعها، ترفض هذه الدراسة (ف1) في صيغتها القوية بدرجة ثقةٍ متوسطةٍ إلى عالية، وترى (ف2) مفرطةً في التفاؤل لأنها تتجاهل انزياح مركز الثقل، وتقبل (ف3) بوصفها التفسير الأكثر اتساقًا مع الأدلة: فلا تكتّل صُمّم لإقصاء إندونيسيا، لكنّ ثمة خطرًا حقيقيًّا من تهميشٍ نسبيٍّ بحكم الأمر الواقع.

ليس الخطر على إندونيسيا إقصاءً يُحاك في سنغافورة، بل مقعدٌ شاغرٌ تتركه جاكرتا بنفسها.

حادي عشر: وجهة الجيوسياسة في آسيان: من الاعتماد المتبادل إلى تنافس العُقَد

إذا سقطت فرضية التكتّل في صيغتها القوية، فالسؤال التالي هو: إلى أين تمضي الجيوسياسة الطاقوية في آسيان؟ تقترح هذه الدراسة مفهوم “تنافس العُقَد” لتفسير ذلك. ففي شبكةٍ إقليميةٍ آخذةٍ في النموّ، لا تتحدّد القوة بمن يملك الموارد الأضخم بقدر ما تتحدّد بمن يصبح العقدةَ التي تلتقي عندها التدفقات، وتُصاغ فيها القواعد، ويُهيكَل فيها التمويل، وتُتداوَل فيها الشهادات. فسنغافورة مهيّأةٌ لأن تكون عقدة الشراء والتمويل وصوغ القواعد؛ وماليزيا عقدة العبور والمورّد الأول؛ أما إندونيسيا فتحوز الموارد الأكبر لكنها لم تصبح عقدةً بعد. ويساعد إطار “الاعتماد المتبادل المُسلَّح” الذي طوّره هنري فاريل وأبراهام نيومان (مركز بلفر) على تفسير أهمية ذلك: فالدول التي تتحكّم في محاور الشبكة تكتسب القدرة على الرقابة وقطع النفاذ، بينما لا يملك المورّدون الطرفيون إلا التهديد بقطع الإمداد، وهو تهديدٌ تتآكل قيمته كلما اكتسب المشتري بدائل.

وقد كشف تقليص الغاز في أكتوبر 2026 عن هذه الدينامية بجلاء. فإندونيسيا استعملت أداةَ إمداد، وسنغافورة ردّت بأدوات الشبكة: العقود والملاذ القانوني، ومحفظة الغاز المسال العالمية، والاحتياطيات الاستراتيجية، ومنصة أسبوع الطاقة لعرض البدائل. وتفحص الدراسة الشقيقة عن استجابة سنغافورة لتقليص الغاز هذه الأدوات بالتفصيل. وعلى المستوى الإقليمي، يُنذر هذا النمط بنقل آسيان من الاعتماد المتبادل نحو تراتبيةٍ جديدةٍ تجلس فيها الدول الغنية برأس المال والقواعد في المركز، بينما تقبع الدول الغنية بالموارد في الأطراف مورّدةً للطاقة الخام. وقد بيّنت دراسة مركز البحوث الحقل هنا والبيدر هناك نمطًا مماثلًا في الرمال والغاز وسلع المزارع: فالقيمة لا تُنتزع بالقوة، بل يقتنصها مَن يتحكّم في النقاط التي تُحصى فيها وتُتداوَل وتُموَّل وتُدرَج. ويتتبّع كتاب Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia («تصوير وجه شركة سنغافورة المساهمة في إندونيسيا»)، المحفوظ في المكتبة الأرشيفية، كيف عمل رأس المال والدبلوماسية السنغافوريان في إندونيسيا منذ أزمة 1998، ووجدت دراسة الورشة عبر المضيق تقسيمًا مماثلًا للعمل في أحواض بناء السفن في باتام. وقد تغدو الكهرباء العابرة للحدود الفصلَ التالي من هذا النمط إن اقتصرت مشاركة إندونيسيا على أن تكون موقعًا لألواح الطاقة الشمسية، فيما يُحدَّد التمويل وشهادات الطاقة المتجددة وقواعد الكابلات على الضفة الأخرى من المضيق.

غير أن هذه الوجهة ليست قدرًا محتومًا؛ فثمة ثلاثة أثقالٍ موازنة. أولها أن آسيان لا تزال تعمل بالتوافق، فلا يمكن اعتماد إطار الكابلات البحرية ولا قواعد تجارة الكهرباء الإقليمية دون موافقة إندونيسيا. وثانيها أن حاجة سنغافورة إلى الكهرباء منخفضة الكربون على نطاقٍ واسع لا تستطيع ماليزيا وحدها الوفاء بها؛ إذ تقدّر إمبر أن ما يصل إلى 49 في المئة من الطلب السنغافوري عام 2035 يمكن تلبيته عبر الروابط الكهربائية، وهو رقمٌ يستحيل بلوغه دون سومطرة. وثالثها أن إندونيسيا تحمل أوراقًا لا يحملها سواها: المياه التي يتحتّم على الكابل القادم من أستراليا أن يعبرها، وإمكانات تخزين الكربون لصالح الصناعة السنغافورية، وسوقٌ محليةٌ بالغة الاتساع. والمعضلة أن هذه الأوراق لا تكتسب قيمتها إلا إذا لُعبت ضمن إطارٍ موثوقٍ من القواعد، لا في صورة تهديداتٍ متقلّبة. وقد حذّرت دراسة حرب السرديات عبر المضيق من أن الخطر الأكبر على جاكرتا هو معاملة كلّ ناقدٍ بوصفه عمليةً أجنبية؛ ونظيرُ ذلك في ميدان الطاقة هو معاملة كلّ خطوةٍ سنغافوريةٍ نحو التنويع بوصفها خيانة، فتردّ إندونيسيا بسياساتٍ تزيد ثقة المستثمرين تآكلًا.

وتستحقّ أستراليا هنا ملاحظةً أيضًا. فحضورها مورّدًا للغاز المسال، وشريكًا في القواعد الخضراء، ومورّدًا محتملًا للكهرباء، يوسّع حقًّا خيارات سنغافورة، والدراسة الشقيقة المورّد من الجنوب: اختبار أطروحة “الاستفزاز” في الاستراتيجية الطاقوية الأسترالية في آسيان ونزاع الغاز الإندونيسي–السنغافوري 2026 تختبر ما إذا كانت أستراليا تستغلّ الانقسامات بين دول آسيان. ومن زاوية هذه الدراسة، تُظهر الأدلة المتاحة أن أستراليا تبني ترتيباتٍ متشابهةً مع ماليزيا وسنغافورة بالتوازي، مدفوعةً بأزمة هرمز وبحاجتها هي إلى الديزل، لا بأجندةٍ موجّهةٍ تحديدًا ضدّ إندونيسيا. لكنّ أثرها البنيوي يظلّ حقيقيًّا: فكلُّ ضمانةِ إمدادٍ أستراليةٍ تُنقص من القيمة التفاوضية للغاز الإندونيسي في عين سنغافورة.

ثاني عشر: سيناريوهات حتى 2030 ومؤشرات الإنذار المبكر

تمتدّ السيناريوهات التالية حتى نهاية 2030، وتتخلّلها محطاتٌ حاسمة: انقضاء عقود غاز الأنابيب في نهاية 2028، ورئاسة سنغافورة لآسيان عام 2027، والموعد المستهدف لتشغيل مشروعات جوهور نحو 2029، واكتمال المحطة الثانية للغاز المسال في سنغافورة بحلول 2030. والاحتمالات المذكورة تقديراتٌ ذاتيةٌ مبنيةٌ على الأدلة المتاحة حتى 29 أكتوبر 2026، ويُراد بها أن تكون أداةً للنقاش السياساتي لا تنبّؤًا. وقد صُمّمت السيناريوهات كذلك لتُقرأ إلى جانب سيناريوهات التصعيد في دراسة سلّم التصعيد في مضيق سنغافورة، التي تُعطي الوزن الأكبر للاحتكاك المُدار.

السيناريو الأرجح هو محفظةٌ متعدّدة الطبقات تبقى فيها إندونيسيا داخل اللعبة لكنها تتخلّف. وفيه تواصل سنغافورة توسيع وارداتها من جوهور، وتوقّع عقودًا طويلة الأجل للغاز المسال عبر شركة الغاز عام 2027، وتُبقي المشروعات الإندونيسية حيّةً على الورق، بينما تتّفق جاكرتا وسنغافورة على الأسعار جزئيًّا، فلا تتدفّق أولى الكهرباء الإندونيسية إلا نحو 2030 أو بعده. والسيناريو الثاني هو التهميش بحكم الأمر الواقع: لا تُجدَّد عقود غاز الأنابيب أو تُجدَّد بكمياتٍ ضئيلة، وتفقد مشروعات الكهرباء الإندونيسية تمويلها، وتغدو ماليزيا المحور الرئيس لواردات سنغافورة. والثالث هو المصالحة الطاقوية الكبرى: يُبرَم اتفاقٌ على الأسعار عام 2027، وتُعدَّل المادة 37، ويصبح دانانتارا منفّذًا موثوقًا، وتُعلَن حزمةٌ طاقويةٌ جديدةٌ خلال رئاسة سنغافورة. والرابع هو التكتّل الصريح والتشظّي: يقود التصعيد السياسي سنغافورة إلى تقديم ماليزيا وفيتنام وأستراليا علنًا، بينما تردّ إندونيسيا بقيودٍ تصديريةٍ أخرى وتعرقل تصاريح الكابلات العابرة لمياهها.

أربعة سيناريوهات للدبلوماسية الطاقوية بين سنغافورة وإندونيسيا حتى 2030

  1. محفظةٌ متعدّدة الطبقات وإندونيسيا متخلّفة (نحو 45 في المئة). المؤشرات: إرساء شركة الغاز أولى عقودها طويلة الأجل للغاز المسال عام 2027؛ وبلوغ مشروع جوهور بقدرة 300 ميغاواط قرار الاستثمار النهائي؛ وامتداد مفاوضات أسعار الكهرباء الإندونيسية بلا أجلٍ محدّد؛ وتجديد عقود الغاز جزئيًّا بكمياتٍ أدنى.
  2. التهميش بحكم الأمر الواقع (نحو 30 في المئة). المؤشرات: بيانٌ رسميٌّ بعدم تجديد عقود الغاز بعد 2028؛ وتخلّي المطوّرين الإندونيسيين عن تراخيصهم المشروطة؛ ودخول الرابط الثاني بين سنغافورة وشبه الجزيرة بقدرة 2 غيغاواط طورَ الإنشاء؛ ومنح هيئة سوق الطاقة موافقاتٍ جديدةً خارج إندونيسيا دون مشروعاتٍ إندونيسيةٍ جديدة.
  3. المصالحة الطاقوية الكبرى (نحو 17 في المئة). المؤشرات: تعديل المادة 37 وإطالة آجال تصاريح التصدير؛ والإعلان عن اتفاقٍ على الأسعار؛ وعمل فريق مكافحة حرائق الغابات بفاعلية؛ والإعلان عن حزمةٍ طاقويةٍ في خلوة القادة لعام 2027؛ وتفعيل التعاون الكربوني الإندونيسي–السنغافوري بموجب المادة السادسة.
  4. التكتّل الصريح والتشظّي (نحو 8 في المئة). المؤشرات: قيودٌ تصديريةٌ إندونيسيةٌ جديدةٌ تتجاوز الغاز؛ ورفض تصاريح تمديد الكابلات عبر المياه الإندونيسية أو تأخيرها؛ وخطابٌ سنغافوريٌّ رسميٌّ يصف إندونيسيا بالمورّد غير الموثوق؛ واعتماد إطار آسيان للكابلات البحرية دون تأييدٍ إندونيسي.

الاحتمالات أحكامٌ تحليليةٌ حتى 29 أكتوبر 2026، وينبغي تحديثها كلما تبدّلت المؤشرات، ولا سيما قرار تجديد عقود الغاز ومآل مفاوضات أسعار الكهرباء.

وقد اختيرت المؤشرات الواردة أعلاه عمدًا بحيث يمكن رصدها من المصادر المفتوحة: البيانات الصحفية لهيئة سوق الطاقة، وإعلانات شركة الغاز، وتصريحات وزارة الطاقة والثروة المعدنية ودانانتارا، ومخرجات اجتماعات وزراء الطاقة في آسيان، والتقارير المالية للمطوّرين. ويمكن لصانعي السياسات في جاكرتا أن يتّخذوا هذه القائمة لوحةَ قيادةٍ بسيطةً للحكم على ما إذا كانت إندونيسيا تسير نحو المصالحة أم نحو التهميش.

ثالث عشر: توصياتٌ لإندونيسيا ودروسٌ لآسيان

التوصية الأولى هي تحويل الغاز من أداةٍ للضغط إلى أصلٍ تفاوضيٍّ منظَّم. فلا ينبغي أن يُحسم أمر عقود غاز الأنابيب المنقضية في نهاية 2028 في مناخٍ من الغضب السياسي، بل عبر حسابٍ شفّافٍ لميزان الغاز المحلي، يشمل احتياجات محطات شركة الكهرباء الحكومية والصناعة وخطط إندونيسيا نفسها لاستيراد الغاز المسال. فإن ظلّ التجديد رشيدًا من الناحية الاقتصادية، أمكن ربطه بحزمة معاملةٍ بالمثل واضحة، كالاستثمار في سلاسل توريد الطاقة الشمسية والبطاريات، أو النفاذ إلى التمويل الأخضر، أو التعاون في تخزين الكربون. ولنهج المعاملة بالمثل الذي طرحه بهليل عام 2025 منطقٌ مشروع، لكنه لا يؤتي ثماره إلا إذا تُرجم إلى قائمة مطالب ملموسةٍ قابلةٍ للتفاوض، لا إلى شروطٍ متقلّبة. وقد درجت السياسة الطاقوية الوطنية زمنًا طويلًا على معاملة الطاقة رأسَ مالٍ للتنمية لا مجرد سلعةٍ للتصدير. ففي 9 أكتوبر 2014، كتب رينالدي داليمي (Rinaldy Dalimi) في صحيفة كومباس اليومية مقالةً بعنوان “KEN-2050 dan Dilema Harga BBM” («السياسة الطاقوية الوطنية 2050 ومعضلة أسعار الوقود»)، أوضح فيها أن السياسة الطاقوية الوطنية 2050 تدعو إلى خفضٍ تدريجيٍّ لصادرات الطاقة وبناء احتياطياتٍ استراتيجية. والكلمتان المفتاحيتان هما: التدرّج والتخطيط، لا المفاجأة.

والتوصية الثانية هي معالجة العوائق التنظيمية أمام تصدير الكهرباء في حزمةٍ واحدة. فينبغي أن يكفل تعديل المادة 37 يقينًا في التصاريح طوال عمر المشروع، مع بنودٍ وقائيةٍ محدّدةٍ بوضوحٍ لحالات الطوارئ المحلية. وينبغي الاتفاق على إطارٍ للتسعير عبر آليةٍ قابلةٍ للتدقيق، وتوضيح دورَي دانانتارا وشركة الكهرباء الحكومية حتى يعرف المستثمرون مَن نظيرهم. ويمكن الإبقاء على اشتراطات المكوّن المحلي، ولكن وفق جدولٍ مرحليٍّ واقعيٍّ لئلا تقتل المشروعات قبل أن تنمو صناعة بطارياتٍ محلية. فكلُّ عامٍ من التأخير، بحسب إمبر، يعني إيراداتٍ تصديريةً ضائعةً واستثماراتٍ شمسيةً مهدورةً في سومطرة.

والتوصية الثالثة هي التعامل الاستباقي مع رئاسة سنغافورة لآسيان عام 2027. إذ ينبغي لإندونيسيا أن توفد أقوى فرقها التفاوضية الفنية إلى مباحثات إطار آسيان لتطوير كابلات الكهرباء البحرية، ضمانًا لأن تعكس قواعد التصاريح عبر الفضاء البحري وتقاسم المخاطر وتقاسم القيمة مصالحَ دول الإمداد والعبور. ويمكن لإندونيسيا أيضًا أن توظّف موقعها على مسار الكابل الأسترالي للمطالبة بمعايير بيئيةٍ وأمنيةٍ ومعايير للقيمة المضافة المحلية. والتوصية الرابعة هي تعزيز العُقَد على الجانب الإندونيسي: ببناء قدراتٍ تمويلية، وسوقٍ لشهادات الطاقة المتجددة، ومراكز هندسيةٍ في باتام وبينتان وكاريمون، كي لا تهاجر القيمة المضافة كلّها إلى سنغافورة. والتوصية الخامسة هي الفصل بين قضايا الضباب الدخاني وأسواق المال والطاقة في قنواتٍ دبلوماسيةٍ متمايزة، مع ضمان أن يعمل فعلًا فريق مكافحة حرائق الغابات المتّفق عليه في 27 أكتوبر 2026، لئلا تُفسد قضيةٌ قضيةً أخرى. وقد بيّنت مقالة Beyond the Smoke («ما وراء الدخان») عن حرائق 2026 أن جذور مشكلة الضباب كامنةٌ في شبكاتٍ مؤسسيةٍ عابرةٍ للحدود، ومن ثمّ فالحلّ ينبغي أن يكون مساءلة الشركات، لا الانتقام في قطاع الطاقة.

أما الدرس الرئيس لآسيان فهو أن الشبكة الإقليمية لا تنمو على أرضٍ من الريبة. فأُطر أمن الطاقة، كاتفاقية آسيان الإطارية لأمن النفط وإطار الكابلات البحرية المزمع، تحتاج إلى أن تُستكمل بأعرافٍ تنظّم قيود التصدير في أوقات الأزمات: متى تكون القيود مشروعة، وكيف يُبلَّغ عنها، وكيف يُعالَج التعويض. ويمكن للبيان المشترك السنغافوري–الأسترالي الصادر في مارس 2026 بشأن الإخطار والتشاور قبل اضطرابات الإمداد أن يكون نموذجًا لترتيبٍ مماثلٍ على مستوى آسيان. ودون مثل هذه الأعراف، ستنصب كلُّ دولةٍ شباك أمانها الخاصة، وستبقى شبكة كهرباء آسيان مجموعةً من المشروعات الثنائية لا شبكةً إقليميةً حقيقية.

رابع عشر: حدود الدراسة والخاتمة

لهذه الدراسة حدودٌ عدّة. أولها أن معظم الاتفاقات التي حلّلتها لا تزال مذكراتِ تفاهمٍ أو موافقاتٍ مشروطةً أو أُطرًا، فتقوم الاستنتاجات المتعلّقة بوجهة الشراكات على النوايا المعلنة لا على البنية التحتية المشيّدة. وثانيها أن مضامين عقود غاز الأنابيب بين المورّدين الإندونيسيين والمشترين السنغافوريين غير منشورة، فلا يمكن التحقّق المستقلّ من الادّعاءات المتعلّقة بحدود التسامح التعاقدي، بما في ذلك تصريح بهليل بحدٍّ أدنى يتراوح بين 91 و92 في المئة تقريبًا، الذي نقلته قناة CNA إندونيسيا. وثالثها أن الأرقام المتعلّقة بحصة قطر من الغاز المسال، وحجم التقليص، ومحفظة المشروعات تتفاوت بين المصادر، وقد آثرت هذه الدراسة عرض هذا التفاوت جهارًا. ورابعها أن الدراسة لا تملك نفاذًا إلى الاتصالات الدبلوماسية المغلقة؛ فلا يمكن استبعاد قيام تنسيقٍ غير رسميٍّ أوثق بين سنغافورة وشركائها، وإن لم يسنده دليلٌ علني. وخامسها أن عددًا من المصادر المهمة، ومنها بعض المقالات المنشورة على kba13.com، تعذّر النفاذ إليها مباشرةً أثناء البحث بسبب قيودٍ تقنية، فاقتصرت الإحالة إليها على المعلومات التي جرى التحقّق منها عبر دراساتٍ أخرى.

ومع هذه الحدود كلّها، يبقى الاستنتاج واضحًا بما فيه الكفاية. فسنغافورة لا تبني محورًا بلا جاكرتا؛ إنها تبني شبكةً بلا نقطة إخفاقٍ وحيدة، وفي مثل هذه الشبكة لا يكون أيّ مورّدٍ عصيًّا على الاستبدال، وإندونيسيا من بينهم. وهذه النتيجة، في نظر جاكرتا، مطمئنةٌ ومقلقةٌ في آن. مطمئنةٌ لأن الباب لا يزال مفتوحًا: فإندونيسيا ما برحت الممرَّ الأكبر، والكابل القادم من الجنوب لا بدّ له من عبور مياهها، وسنغافورة لا تزال بحاجةٍ إلى كهرباء سومطرة على نطاقٍ لا يقدر عليه بلدٌ سواها. ومقلقةٌ لأن الباب المفتوح لا ينتظر إلى الأبد: فمع كلّ عامٍ يمضي بلا يقينٍ في الأسعار والتصاريح، يرتحل رأس المال والقواعد إلى ممراتٍ أخرى، وقد تغدو رئاسة سنغافورة لآسيان عام 2027 اللحظةَ التي تُكتب فيها القواعد الإقليمية دون صوتٍ إندونيسيٍّ قوي.

إن تاريخ العلاقات بين البلدين، كما تفحّصته سلسلة دراسات مركز البحوث عن سنغافورة طوال أكتوبر 2026، يكشف مرةً بعد مرة أن إندونيسيا كثيرًا ما تخسر لا لقلّة الموارد بل لقلّة العُقَد. وأزمة الغاز في أكتوبر 2026 تمنح إندونيسيا فرصةً لقلب هذا النمط، شريطة أن تختار جاكرتا أداء دور مهندس الشبكة، لا الاكتفاء بدور مالك الصنبور. وهذا الاختيار، أكثر من اختيار سنغافورة، هو ما سيحدّد ما إذا كانت آسيان تمضي نحو شبكةٍ مشتركة، أم نحو تراتبيةٍ جديدةٍ تتمحور حول مضيق سنغافورة.

المراجع والمصادر

الوثائق الرسمية والبيانات

الأدبيات العلمية

تحليلات السياسات وتقارير المؤسسات

الصحافة والتغطيات الإخبارية

الأرشيف والدراسات ذات الصلة

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). محورٌ بلا جاكرتا؟: الدبلوماسية الطاقوية لسنغافورة بعد نزاع الغاز مع إندونيسيا واختبار فرضية التكتّل الطاقوي في رابطة آسيان. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الجيوسياسة والإعلام والفكر الإسلامي.

من المرصد

تحليلات أخرى