في 19 أكتوبر 2026، بينما كانت المدن الفرنسية تحترق، كتب رئيس الولايات المتحدة أن أوروبا إن لم «تجد طريقها قريبًا، فلن يكون أمامنا خيارٌ سوى المغادرة». ترسم هذه الإحاطة الاستراتيجية الجغرافيا الجديدة لأوروبا الناشئة بين ضغط الشارع وضغط واشنطن: قارةٌ تخنقها حربُ طاقةٍ لم تخترها، وتقسّمها دورةٌ انتخابية كبرى، وهي مضطرةٌ إلى أن تقرّر ما إذا كان الاستقلال الاستراتيجي شعارًا أم برنامجًا.
الملخّص
تتناول هذه الإحاطة الاستراتيجية كيف تعيد اضطراباتُ أوروبا عام 2026 واستجابةُ رئيس الولايات المتحدة لها رسمَ الخريطة الجيوسياسية لأوروبا. ومن خلال التصريحات الرئاسية، واستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، والتغطيات المتعلقة بأزمة غرينلاند في يناير 2026، وبيانات الأثر الاقتصادي للحرب على إيران، ومخرجات المجلس الأوروبي، والتغطيات الصحفية حتى 20 أكتوبر 2026، تحدّد الإحاطة ثلاثة ضغوطٍ متلاقية على الاستراتيجية الأوروبية: علاقةٌ عبر الأطلسي تربط فيها واشنطن علنًا التزاماتها الأمنية بسياسات أوروبا في الهجرة والثقافة؛ وخنقٌ طاقويٌّ وماليٌّ سبّبته حربٌ خليجية لم تبادر إليها أوروبا لكنها مضطرة إلى دفع ثمنها، بكلفةٍ إضافية قدرها 106 مليارات يورو من واردات الوقود الأحفوري؛ وخريطةٌ سياسية داخلية تتهيّأ فيها قوى شعبوية متوافقة أيديولوجيًّا مع الإدارة الأمريكية للوصول إلى السلطة في فرنسا وإسبانيا وغيرهما. وتحاجّ الإحاطة بأن أوروبا تنتقل من نظامٍ أطلسيٍّ قائمٍ على القيم المشتركة إلى نظامٍ تبادليٍّ قائمٍ على الحماية المشروطة، وبأن المتغيّر الحاسم ليس نوايا واشنطن، بل قدرة الحكومات الأوروبية على توفير الأمان المادي لمواطنيها. وتختتم بأربعة سيناريوهات حتى 2028، وستة مؤشرات، وانعكاساتٍ على جنوب شرق آسيا وإندونيسيا.
الأطروحة
حوّلت اضطرابات 2026 أزمةَ غلاء المعيشة الداخلية في أوروبا إلى نقطة ضعفٍ جيوسياسية، لأن واشنطن التي تؤطّر أعمال الشغب بوصفها انحدارًا حضاريًّا تستخدمها لتحويل الحلف الأطلسي من جماعةِ قيمٍ إلى عقدِ حمايةٍ مشروطة؛ وهامش أوروبا في الاستقلال الاستراتيجي بات يتوقف الآن على قدرتها على ترميم العقد الاجتماعي في الداخل أكثر مما يتوقف على موازنات دفاعها.
البيانات: تصريحات رئيس الولايات المتحدة ونائبه في أكتوبر 2026، واستراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025، وأزمة غرينلاند في يناير 2026، وتقديرات المفوضية لكلفة الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران، وبيانات مخزون الغاز في الاتحاد الأوروبي، وأرقام تمويل أوكرانيا، والروزنامة الانتخابية الأوروبية 2026–2027
الإطار التحليلي: الحماية المشروطة، وحلقة التغذية الراجعة بين الداخل والخارج، وثلاثة محاور للخريطة الجديدة: الأطلسي والطاقوي والانتخابي
الاستشراف: أربعة سيناريوهات حتى 2028 باحتمالاتٍ يقدّرها الكاتب، وستة مؤشرات، وانعكاساتٌ على آسيان وإندونيسيا
الكلمات المفتاحية: العلاقات عبر الأطلسي، ترامب، حلف الناتو، الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الحرب على إيران، أمن الطاقة، الشعبوية، أوكرانيا، غرينلاند، جنوب شرق آسيا
أولًا. الملخّص التنفيذي: من تحالف القيم إلى الحماية المشروطة
تجيب هذه الإحاطة الاستراتيجية عن سؤالٍ واحد: كيف تبدو خريطة أوروبا الجيوسياسية بعد اضطرابات خريف 2026 والاستجابة الأمريكية لها، وإلى أين تقود هذه الخريطة؟ وشرارة السؤال جملةٌ واحدة. ففي 19 أكتوبر، في منشورٍ على «تروث سوشيال» نقلته Newsweek في تقريرها “Trump skips details as he issues threat to ‘leave Europe’”، كتب رئيس الولايات المتحدة: «نحن نقف مع أوروبا، رغم عيوبها ومواطن ضعفها، ورغم ما نأمل أن يكون فقدانًا مؤقتًا للاتجاه. لكن إن لم يجدوا طريقهم قريبًا، فلن يكون أمامنا خيارٌ سوى المغادرة». وفي الرسالة ذاتها طالب بأن «على أوروبا أن تُغلق حدودها»، وفي تجمّعٍ انتخابيٍّ في كانساس في اليوم نفسه قال إن فرنسا «تُغزى وتُنهب وتُحرق حتى الأرض على أيدي المهاجرين والجهاديين والشيوعيين»، بحسب Axios في تقريره “Trump, Republicans harness France protests as midterm boogeyman”.
وجواب هذه الإحاطة في جوهره أن أوروبا تنتقل من نظامٍ أطلسيٍّ قائمٍ على القيم المشتركة إلى نظامٍ تبادليٍّ قائمٍ على الحماية المشروطة. فجملة 19 أكتوبر لم تُعلن انسحابًا؛ وقد لاحظت Newsweek أنه لا تكاد توجد علامة على أن الولايات المتحدة تستعدّ لقطع العلاقات كليًّا. وتكمن أهميتها في الشرط الذي أرفقته. فلأول مرة في تاريخ الحلف يربط رئيسٌ أمريكيٌّ استمرارَ العلاقة الأمنية صراحةً بسياسات أوروبا الداخلية في الحدود والهجرة، ويفعل ذلك بتفسير أزمةٍ اجتماعية أوروبية عبر حربٍ ثقافية أمريكية. وتبني هذه الخطوة على استراتيجية الأمن القومي المنشورة في نوفمبر 2025، التي حذّرت من «محوٍ حضاري» مرتبطٍ جزئيًّا بالهجرة، ووصفها مسؤولٌ فرنسيٌّ رفيع بأنها «توضيحٌ فظّ» للسياسة الأمريكية. وتأتي أيضًا بعد أزمة غرينلاند في يناير 2026، حين هدّدت واشنطن بانتزاع أرضٍ من حليفٍ في الناتو، وبعد الحرب على إيران التي بدأت في فبراير، ولم تخترها أوروبا لكنها دفعت ثمنها في أسعار الطاقة.
ويمكن عرض الأحكام الرئيسة للإحاطة مقرونةً بدرجات الثقة فيها. فبثقةٍ عالية، صارت العلاقة عبر الأطلسي مشروطةً على نحوٍ لم تكن عليه قبل 2025، إذ باتت الشروط تُعلن على لسان الرئيس ونائبه وتُضمَّن في وثائق الاستراتيجية. وبثقةٍ عالية أيضًا، تتقيّد قدرة أوروبا على الاستجابة بخنقٍ طاقويٍّ وماليٍّ صنعته في معظمه الحرب على إيران، التي تقدّر المفوضية الأوروبية أنها أضافت 106 مليارات يورو إلى فاتورة واردات الاتحاد من الوقود الأحفوري. وبثقةٍ متوسطة، سيكون المستفيدون انتخابيًّا من الاضطرابات أحزابًا شعبوية تشارك واشنطن تأطيرها، ما قد يُفرز حكوماتٍ أوروبية أكثر استعدادًا لقبول الحماية المشروطة بالشروط الأمريكية. وبثقةٍ متوسطة كذلك، فإن النتيجة الأهم لاستقلال أوروبا ليست إنفاقها الدفاعي، بل قدرة حكوماتها على استعادة الأمان المادي في الداخل، لأن قارةً في حالة تمرّدٍ اجتماعي لا تستطيع أن تحافظ على وضعٍ استراتيجيٍّ مستقل. وبالنسبة إلى جنوب شرق آسيا، ومنها إندونيسيا، فإن الانعكاس أن أحد أقطاب العالم المتعدد الأقطاب يضعف وينكفئ على ذاته في اللحظة التي تحتاج فيها القوى المتوسطة إليه شريكًا.
ثانيًا. الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة
يقوم الإطار التحليلي على ثلاثة مفاهيم. أولها الحماية المشروطة. ففي النظام الأطلسي الكلاسيكي كانت الحماية الأمريكية لأوروبا تُسوَّغ بالمصالح المشتركة والقيم المشتركة، وكانت الخلافات على تقاسم الأعباء خلافاتٍ على الثمن لا على طبيعة الصفقة. أما الحماية المشروطة فصفقةٌ مختلفة، يطالب فيها الحامي لا بالدفع فحسب، بل بالامتثال، والامتثال هنا في الحدود والهجرة والثقافة السياسية، ويغدو فيها التهديد بالانسحاب أداةً للتأثير في السياسة الداخلية للطرف المحمي. ويُظهر الأرشيف منذ متى بدأ هذا التحوّل. ففي عدد مارس/أبريل 2018 نشرت مجلة Foreign Affairs عددًا بعنوان Letting Go: Trump, America, and the World، وفي سبتمبر/أكتوبر 2017 عددًا عن Trump and the Allies: The View From Abroad؛ وإذا قُرئت تلك النقاشات اليوم بدت مسوّدةً أولى لصفقةٍ جعلها عام 2026 صريحة.
والمفهوم الثاني هو حلقة التغذية الراجعة بين الداخل والخارج. فالأزمة الداخلية الأوروبية وضعفها الخارجي باتا يعزّز أحدهما الآخر. فأسعار الطاقة التي تحرّكها حربٌ خارجية تؤجّج الاضطرابات الداخلية؛ والاضطرابات الداخلية تغري الفاعلين الخارجيين، وفي مقدّمتهم واشنطن، بتفسيرها واستغلالها؛ وهذا التفسير يقوّي القوى السياسية الداخلية المتوافقة مع الفاعل الخارجي، ما يغيّر بدوره الوضعَ الخارجيَّ لأوروبا. والمفهوم الثالث هو الخريطة الجديدة، التي ترسمها هذه الإحاطة على ثلاثة محاور: محورٌ أطلسي يقيس مدى قبول كل حكومةٍ للحماية المشروطة أو مقاومتها لها؛ ومحورٌ طاقوي يقيس الانكشاف على الخليج وعلى الإمداد الروسي وعلى الغاز المسال الأمريكي؛ ومحورٌ انتخابي يقيس مدى اقتراب كل بلدٍ من تغيير الحكومة لصالح اليمين الشعبوي. وموقع البلد على المحاور الثلاثة يحدّد سلوكه الاستراتيجي على نحوٍ أوثق من عضويته الرسمية في الناتو أو الاتحاد الأوروبي.
ومن الناحية المنهجية، تقوم الإحاطة على بحثٍ مكتبيٍّ يعتمد التحليل النوعي للوثائق في متنٍ قصديٍّ جُمع حتى 20 أكتوبر 2026. ويشمل تصريحات رئيس الولايات المتحدة ونائبه، والتغطيات المتعلقة باستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 وبأزمة غرينلاند، وبيانات الأثر الاقتصادي للحرب على إيران، ومخرجات المجلس الأوروبي وتصريحات المفوضية، والتغطيات المتعلقة بالاضطرابات الأوروبية من عدة بلدان، والتحليلات السابقة في منظومة KBA13، ومنها دراسة «انتفاضة غلاء المعيشة في أوروبا» المنشورة في اليوم ذاته، التي تتناول الأسباب الداخلية للاضطرابات. وتُستخدم ثلاث درجاتٍ من الثقة: عالية حين تقوم الأحكام على عدة مصادر مستقلة بينها مصادر رسمية، ومتوسطة حين تكون الأدلة قوية لكنها ناقصة، ومنخفضة حين تقوم الأحكام أساسًا على الاستدلال. ويسري تحفّظ: فالتصريحات الرئاسية على وسائل التواصل الاجتماعي ليست قراراتٍ سياسية، وتميّز هذه الإحاطة بين النوايا المعلنة والسياسة الموثّقة والتغيّرات الفعلية في انتشار القوات، وهي تغيّرات لم تُفضِ إليها بعدُ مراجعةُ البنتاغون الجارية للحضور العسكري الأمريكي في أوروبا.
ثالثًا. المحور الأطلسي: ثلاثة تصدّعات في اثني عشر شهرًا
تعرّضت العلاقة الأطلسية لثلاثة تصدّعات في غضون عام، كلٌّ منها من نوعٍ مختلف. الأول عقائدي. فاستراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض في نوفمبر 2025، كما ذكّرت Newsweek، أطّرت المسألة الأوروبية جزئيًّا بلغة «المحو الحضاري» المرتبط بالهجرة، وقوبلت بانتقادٍ واسع في أوروبا؛ فقد نقلت العبارةُ الاستراتيجيةَ الأمريكية من القلق بشأن الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى الحكم على الهوية الأوروبية. والتصدّع الثاني إقليمي. ففي أواخر 2025 ويناير 2026 هدّدت الولايات المتحدة بضمّ غرينلاند، وهي إقليمٌ تابعٌ لمملكة الدنمارك. وبحسب ما يجمعه “International reactions to the Greenland crisis”، قال الرئيس في 23 ديسمبر 2025 إن الولايات المتحدة «يجب أن تحصل» على غرينلاند، وهدّد في دافوس في 21 يناير 2026 بالاستيلاء على الجزيرة، واستخدم التهديد بالرسوم الجمركية ضد دولٍ أوروبية. وأصدر القادة الأوروبيون بيانًا مشتركًا في 6 يناير دفاعًا عن «السيادة وسلامة الأراضي وحرمة الحدود»، وحذّر مفوّض الدفاع في الاتحاد الأوروبي من أن غزوًا أمريكيًّا سيكون «نهاية الناتو».
أما التصدّع الثالث فتعلّق بالحرب. فقد شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتٍ على إيران في 28 فبراير 2026، وفي الأشهر التالية امتنعت الحكومات الأوروبية عن الانضمام إلى الحملة على النحو الذي أملته واشنطن. وتضمّن تصريح الرئيس في 19 أكتوبر، كما أفادت صحيفة Arab Times في تقريرها “Trump threatens to leave Europe over Iran war”، قوله إنه لن ينسى ردّ أوروبا حين طلبت واشنطن المساعدة في إيران، وهي مساعدةٌ زعم أن الولايات المتحدة لم تكن بحاجةٍ إليها. وفي التجمّع ذاته ألمح إلى أن الولايات المتحدة «تستطيع المغادرة الآن» لأن إيران «لن تمتلك سلاحًا نوويًّا». وتفسّر التصدّعات الثلاثة مجتمعةً، العقائدي والإقليمي والعسكري، لماذا وقع التهديد بـ«مغادرة أوروبا» بثقلٍ أكبر من الشكاوى السابقة بشأن تقاسم الأعباء: فقد جاء من إدارةٍ سبق لها أن شكّكت في هوية أوروبا، وهدّدت أرضَ عضوٍ في الحلف، وحكمت على ولاء أوروبا في الحرب.
وجاءت الاستجابات الأوروبية متفاوتة، وهذا التفاوت سمةٌ من سمات الخريطة الجديدة بحدّ ذاته. فخلال أزمة غرينلاند وقفت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ودول الشمال الأوروبي بثباتٍ مع الدنمارك، في حين امتنعت المجر عن توقيع بيانٍ للاتحاد الأوروبي، وامتنعت بولندا وإيطاليا عن إرسال قوات، وتردّدت التشيك وسلوفاكيا. وفي أكتوبر 2026 جاءت الردود على التهديد بالمغادرة خافتة، جزئيًّا لأن الحكومات الأوروبية كانت منشغلةً بشوارعها. وتأكيد ماكرون أن ناشطي اليسار المتشدد «انضمّ إليهم مجرمون كثيرون» نازع قراءةَ الهجرة دون أن يواجه واشنطن مباشرة. ويوحي هذا النمط، الصلابة في شأن الأرض والحذر في شأن الثقافة، بأن الحكومات الأوروبية ستدافع عن السيادة حين تُتحدّى علنًا، لكنها ستتجنّب المواجهة العلنية بشأن السردية المتعلقة بمجتمعاتها، وهو تحفّظٌ يترك ميدان التفسير لواشنطن ولحلفائها الأوروبيين في اليمين الشعبوي.
رابعًا. المحور الطاقوي: دفع ثمن حربٍ لم تخترها أوروبا
المحور الثاني للخريطة الجديدة هو الطاقة، وهنا تدهور موقع أوروبا تدهورًا حادًّا. فقد أفضت الحرب على إيران إلى إغلاقٍ فعليٍّ لمضيق هرمز في مارس، وإلى ضربةٍ إيرانية على مجمّع رأس لفان القطري خفّضت طاقة قطر من الغاز الطبيعي المسال بنحو 17 في المئة، مع إصلاحاتٍ تُقدَّر مدتها بثلاث إلى خمس سنوات، وفق ما يجمعه “Economic impact of the 2026 Iran war”. وبالنسبة إلى أوروبا، التي استبدلت بعد 2022 غازَ الأنابيب الروسي جزئيًّا بالغاز المسال القطري والأمريكي، أزال ذلك ركيزةً من ركائز بنيتها الطاقوية لما بعد روسيا. وأرجأ البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة في مارس، وحذّر من ركودٍ تضخمي ومن ركودٍ تقنيٍّ محتمل في ألمانيا وإيطاليا.
والعواقب باتت ظاهرةً في فواتير الأسر وفي الخيارات الاستراتيجية. فتقدير المفوضية أن الحرب أضافت 106 مليارات يورو إلى فاتورة واردات الاتحاد من الوقود الأحفوري، كما أفادت Latin Post في تقريرها “How the Iran War Just Added €106 Billion to Europe’s Energy Bill”، يقترن بمخزونٍ للغاز في الاتحاد بلغ 72.4 في المئة في 3 أكتوبر، وهو الأدنى لذلك التاريخ منذ بدء السجلات عام 2011، وبتحليلٍ يشير إلى أن التكتّل قد يحتاج إلى خفض الطلب على الغاز بنسبة 7 في المئة حين يدخل حظره على الغاز المسال الروسي حيّز النفاذ الكامل في يناير 2027. وقد طلب المجلس الأوروبي في 15 و16 أكتوبر من المفوضية اقتراح تدابير إضافية، لكنه لم يتفق على حزمة إغاثةٍ ملزمة، واقترحت المفوضية تحويل فريق عملها لشراء الطاقة إلى مشغّلٍ سوقيٍّ يشتري الغاز والنفط والديزل لجميع الدول الأعضاء.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للمحور الطاقوي في الاعتماد الذي يولّده. فمع تضرّر الطاقة القطرية وحظر الإمداد الروسي، يزداد وزن الغاز المسال الأمريكي في أمن أوروبا الشتوي، وهذا يمنح واشنطن رافعةً إضافية في اللحظة التي تجعل فيها الحماية مشروطة. وفي الوقت ذاته، فإن الحرب التي سبّبت الصدمة بادرت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد قال الرئيس إن الولايات المتحدة تستطيع إنهاء حملتها متى شاءت. فأوروبا إذن تدفع ثمن حربٍ لم تخترها، وتعتمد أكثر على طاقة القوة التي اختارتها، وتُهدَّد بالتخلّي عنها من القوة ذاتها إن لم تتوافق معها في الهجرة. وهذا أوضح تجسيدٍ لحلقة التغذية الراجعة بين الداخل والخارج: فالحرب الخارجية تُنتج صدمة الطاقة الداخلية، والصدمة الداخلية تُنتج الاضطرابات، والاضطرابات تُستخدم لتسويغ الشروط المفروضة على أمن أوروبا.
وتكشف الأدوات التي استخدمتها أوروبا حتى الآن حدودَ استجابتها الجماعية. فمنذ 29 أبريل يتيح إطارٌ مؤقتٌ للمساعدات الحكومية للدول الأعضاء تعويضَ المزارعين والصيادين وناقلي البضائع برًّا عن ما يصل إلى 70 في المئة من التكاليف الإضافية للوقود والأسمدة، وزيادةَ المساعدات للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة؛ وأفرجت حكومات مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية عن 50 مليون برميلٍ من كلٍّ من النفط الخام والديزل؛ وخفّضت النمسا وإسبانيا وإيطاليا وكرواتيا الرسومَ على الوقود في سبتمبر وأكتوبر، بحسب تقرير Latin Post. وكلُّ تدبيرٍ من هذه التدابير وطنيٌّ أو مؤقت، ولا يغيّر أيٌّ منها الاعتمادَ البنيويَّ الذي كشفته الحرب. ومقترح المشغّل المشترك للشراء هو أول أداةٍ تعامل أمن الطاقة وظيفةً أوروبية جماعية لا مجموعَ إعاناتٍ وطنية، ولهذا فإن اعتماده، أو إخفاقه، اختبارٌ لما إذا كان المحور الطاقوي يدفع أوروبا نحو التكامل أم نحو التشظّي.
خامسًا. المحور الانتخابي: دورةٌ كبرى قد تعيد رسم الخريطة
المحور الثالث انتخابي. فأوروبا تدخل دورةً كثيفة من الانتخابات الوطنية والاضطرابات لا تزال طازجة. فإسبانيا تصوّت في 29 نوفمبر 2026 بعد أن دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيث إلى انتخاباتٍ مبكرة إثر رفض البرلمان تدابيره السكنية؛ ويتصدّر الحزب الشعبي المحافظ استطلاعات الرأي لكنه سيحتاج على الأرجح إلى حزب «فوكس» اليميني المتطرف كي يحكم. وتنتخب فرنسا رئيسها في أبريل 2027، وقد وصفت Euronews في تقريرها “France grapples with the aftermath of a weekend of violence” مارين لوبان من «التجمّع الوطني» بأنها المتصدّرة. ولاحظت الجزيرة أن الانتخابات مستحقةٌ أيضًا في إيطاليا وبولندا خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وكلُّ واحدةٍ من هذه المنافسات ستُخاض جزئيًّا حول تفسير اضطرابات الخريف.
ويتفاعل المحور الانتخابي مع المحور الأطلسي على نحوٍ غير مسبوق. فقد أوضحت الإدارة الأمريكية أيَّ القوى السياسية الأوروبية تعدّها حليفة: فقد حمّل نائب الرئيس جي دي فانس «الليبراليين الغربيين» مسؤولية استيراد «العالم الثالث»، ونسب جوردان بارديلا من «التجمّع الوطني» أعمالَ الشغب إلى الهجرة بعباراتٍ تردّد صدى عبارات الرئيس. فإذا وصلت أحزابٌ تشارك هذا التأطير إلى السلطة في باريس ومدريد، فقد تتوافق كبرى دولتين متوسطيتين في أوروبا على نحوٍ أوثق مع شروط واشنطن في الهجرة والثقافة، مع بقائهما مختلفتين معها في التجارة والطاقة وأوكرانيا. وأوروبا التي يحكمها اليمين الشعبوي جزئيًّا لن تكون بالضرورة أكثر أطلسيةً بالمعنى القديم؛ بل قد تكون أكثر استعدادًا لقبول الحماية المشروطة بشروطٍ ثقافية، وأقلّ استعدادًا لتمويل أوكرانيا أو الدفاع عن القواعد متعددة الأطراف.
والنتيجة أن مستقبل العلاقة الأطلسية قد يُحسم في مراكز الاقتراع الأوروبية أكثر مما يُحسم في واشنطن. فإذا ساد تفسير المظلومية للاضطرابات واستجابت الأحزاب الرئيسة ببرامج موثوقة في السكن والطاقة والخدمات العامة، فستحتفظ الحكومات الأوروبية بالشرعية الداخلية اللازمة للتفاوض مع واشنطن بوصفها شريكًا. وإذا ساد تفسير الهجرة، فقد تتقارب السياسة الأوروبية مع الحرب الثقافية الأمريكية، ويتشكّل الوضع الاستراتيجي للقارة بالتوافق الأيديولوجي لا بحسابٍ مستقلٍّ للمصلحة. وفي الحالتين، صار شارعُ خريف 2026 فاعلًا جيوسياسيًّا.
سادسًا. أوكرانيا وروسيا وثمن الانشغال
العنصر الرابع في الخريطة هو الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس دون مسارٍ موثوقٍ نحو تجميدٍ تفاوضي، بحسب “Global Intelligence Briefing: 19–26 July 2026”. وقد سجّلت تلك الإحاطة توغّلاتٍ لطائراتٍ مسيّرة في المجال الجوي الروماني، وعملياتٍ سيبرانية روسية طالت شبكات الطاقة ومراكز البيانات، واهتمامًا متزايدًا بالردع النووي في بولندا، وبقدرٍ أكبر من الحذر في ألمانيا، ووصول قواتٍ كورية شمالية. والتزام أوروبا تجاه أوكرانيا بات ينافس احتياجاتها الداخلية مباشرة. فقد أفادت Euronews بأن على المفوضية تقديمَ خياراتٍ لسدّ فجوةٍ قدرها 70 مليار يورو في دعم أوكرانيا لعام 2027، فوق قرضٍ سابقٍ بقيمة 90 مليار يورو، في حين لا تزال 210 مليارات يورو من الأصول الروسية مجمّدة.
وترفع الاضطراباتُ الكلفةَ السياسية لهذا الالتزام. فالمحتجّون في ميلانو ساروا ضد الحروب كما ساروا ضد كلفة المعيشة، والأحزاب الشعبوية من اليمين واليسار تحاجّ بأن أوكرانيا والدفاع يستنزفان مواردَ يحتاج إليها الداخل. وواشنطن التي تهدّد بمغادرة أوروبا بينما تُنهي حملتها على إيران متى شاءت لا تقدّم كثيرًا من الطمأنينة إلى أن الولايات المتحدة ستسدّ فجوةً تمويلية أوروبية في أوكرانيا. أما موسكو فلديها كلُّ الحوافز لقراءة الاضطرابات الأوروبية دليلًا على الإرهاق، ولمعايرة ضغطها وفقًا لذلك. ويُظهر الأرشيف مدى استمرار السؤال: ففي يوليو/أغسطس 2023 سألت Foreign Affairs في عددها Tell Me How This Ends: Is There a Path to Victory in Ukraine?، وبعد ثلاث سنوات لا يزال السؤال مفتوحًا بينما تتقلّص الموارد اللازمة للإجابة عنه.
ولذلك فإن القرار بشأن الأصول الروسية اختبارٌ لقدرة أوروبا على التصرّف استراتيجيًّا تحت الضغط الداخلي. فاستخدام الأصول المجمّدة لتمويل أوكرانيا سيخفّف عن الموازنات الوطنية في زمن الاضطرابات، لكنه ينطوي على مخاطر قانونية ومالية ويقسّم الدول الأعضاء. والعجز عن اتخاذ القرار سيترك أوكرانيا مكشوفةً في اللحظة التي يحيط فيها الشكُّ بالالتزام الأمريكي. وتقدّر الإحاطة، بثقةٍ متوسطة، أن الاضطرابات تجعل شكلًا من أشكال التمويل المستند إلى الأصول أرجحَ لا أبعد، لأنه من الأدوات القليلة التي تتيح للحكومات دعم أوكرانيا دون تحويلٍ مرئيٍّ للأموال من المدارس وإغاثة الطاقة.
سابعًا. بكين وموسكو: قراءة الضعف الأوروبي
أوروبا المحشورة بين شوارعها وواشنطن تُقرأ أيضًا بعناية في موسكو وبكين، وكلٌّ منهما يقرؤها على نحوٍ مختلف. فبالنسبة إلى موسكو، تمثّل الاضطرابات دليلًا على الإرهاق الذي طالما راهنت عليه استراتيجيتها في أوكرانيا. فكلُّ يورو يُنفق على إغاثة الطاقة والشرطة يورو لا يتاح للدفاع الجوي الأوكراني أو لإعادة الإعمار، وكلُّ انتخاباتٍ تفوز بها أحزابٌ متشكّكة في تمويل أوكرانيا تضيّق التحالف الذي يسند كييف. وقد سجّلت إحاطة يوليو 2026 المشار إليها آنفًا توغّلاتٍ لطائراتٍ مسيّرة، وعملياتٍ سيبرانية ضد شبكات الطاقة ومراكز البيانات، وانفتاحًا روسيًّا على الخليج؛ وفي سياق صدمة طاقةٍ واضطراباتٍ في الشارع يكتسب هذا الضغط في «المنطقة الرمادية» أثرًا سياسيًّا أكبر بكلفةٍ أقل، لأنه يضخّم مخاوف قائمة أصلًا.
أما حسابات بكين فأكثر التباسًا. فأوروبا المختلفة مع واشنطن فرصةٌ للصين كي تقدّم نفسها شريكًا اقتصاديًّا مستقرًّا وتليّن الدفاع التجاري الأوروبي؛ لكن أوروبا في ضائقةٍ اقتصادية هي أيضًا سوقٌ أضعف للسلع الصينية وأكثر حمائية، لأن الاضطرابات تقوّي القوى السياسية الراغبة في حماية الصناعة الأوروبية. وقد سجّل تحليل الحرب التجارية الشاملة نحو مليون وظيفةٍ صناعية أوروبية فُقدت منذ 2019، وتحوّلَ سياسة الاتحاد الأوروبي نحو السيادة الصناعية؛ وتضيف انتفاضة الغلاء بُعدًا اجتماعيًّا لهذا التحوّل، فتجعل الواردات الرخيصة قضيةً سياسية لا صناعية فحسب. ولذلك يُرجَّح أن تتودّد الصين دبلوماسيًّا إلى الحكومات الأوروبية بينما تواجه سوقًا أوروبية أشدّ صلابة، وهو نمطٌ لا يترك متّسعًا يُذكر لتقاربٍ استراتيجي.
والأثر المجتمع أن ضعف أوروبا ليس مكسبًا خالصًا لمنافسيها، بل مصدرٌ لعدم الاستقرار للجميع. فأوروبا العاجزة عن الدفاع عن مصالحها أقلُّ قدرةً على كبح الأحادية الأمريكية، وأقلُّ قدرةً على إسناد أوكرانيا، وأقلُّ قدرةً على تثبيت النظام التجاري القائم على القواعد الذي تعتمد عليه القوى المتوسطة. وبالنسبة إلى دول جنوب شرق آسيا التي سعت إلى التوازن بين القوى الكبرى، فهذا هو الأثر الأبعد للاضطرابات: إضعاف القطب الوحيد في النظام المتعدد الأقطاب الذي ظلّ، رغم كل قصوره، يدافع باستمرار عن القواعد لا عن مناطق النفوذ.
ثامنًا. الخريطة الجديدة: خمس مجموعاتٍ من الدول الأوروبية
يُنتج توزيعُ الدول الأوروبية على المحاور الثلاثة خمسَ مجموعاتٍ عريضة، وهي تقريباتٌ تحليلية لا تكتلاتٌ ثابتة. المجموعة الأولى، «نواة الاستقلال»، تقودها فرنسا وألمانيا، ومعهما إسبانيا في ظل حكومتها الحالية وبلجيكا؛ وهذه الدول تقاوم الحماية المشروطة خطابيًّا، وهي شديدة الانكشاف على صدمة الطاقة، وتواجه تحدياتٍ شعبوية قوية، ما يجعل استقلالها الأكثر طموحًا والأكثر هشاشة. والمجموعة الثانية، «الأطلسيون على خطّ المواجهة»، تضمّ بولندا ودول البلطيق ودول الشمال الأوروبي؛ وهي تخشى روسيا أكثر مما تستاء من واشنطن، ودافعت عن الدنمارك بثباتٍ في شأن غرينلاند، وستسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطةً بأيّ ثمنٍ تقريبًا. والمجموعة الثالثة، «المتوافقون أيديولوجيًّا»، تقودها المجر وتضمّ أحزابًا لا حكوماتٍ في عدة دول؛ وهي تشارك واشنطن تأطيرها للهجرة والثقافة، وترى في الحماية المشروطة فرصة.
والمجموعة الرابعة، «المتوسطيون البراغماتيون»، تمثّلها قبل كل شيء إيطاليا في عهد جورجيا ميلوني، التي تجمع حكومتها بين تقاربٍ أيديولوجيٍّ مع واشنطن في الهجرة، وصرامةٍ في النظام العام، وحذرٍ في النزاعات الإقليمية؛ فقد امتنعت إيطاليا عن إرسال قواتٍ إلى غرينلاند، لكنها أدانت عنف الخريف بعباراتٍ أقرب إلى إطار الجريمة. والمجموعة الخامسة، «الأطراف تحت الضغط»، تضمّ دولًا مثل ألبانيا، حيث تمتزج في الاضطرابات مظلوميةُ الغلاء بالفساد وبمقاومة مشروعٍ ساحليٍّ مرتبطٍ بعائلة الرئيس الأمريكي، كما شرحت الجزيرة في تقريرها “Why the Kushners’ plan to build an Albanian resort has sparked protests”؛ وفي هذه الدول يبدو الخطّ الفاصل بين النفوذ السياسي الأمريكي والمصلحة الخاصة الأمريكية رفيعًا على نحوٍ ظاهر.
والخريطة غير مستقرة لأن المحور الانتخابي قادرٌ على نقل الدول بين المجموعات. ففوزُ «التجمّع الوطني» في فرنسا سينقل مرساة نواة الاستقلال نحو المتوافقين أيديولوجيًّا؛ وحكومةٌ إسبانية تعتمد على «فوكس» ستفعل الأمر ذاته في مدريد. وقدرة الاتحاد الأوروبي على التصرّف فاعلًا استراتيجيًّا واحدًا تتوقف على تماسك نواة الاستقلال، والاضطرابات أضعفت هذه النواة بالذات. ولهذا يهمّ الشارعُ جيوسياسيًّا: فالبلدان التي تبلغ فيها انتفاضة الغلاء أشدَّها هي البلدان التي يتوقف عليها الاستقلال الأوروبي أكثر من غيرها.
تاسعًا. الانعكاسات على جنوب شرق آسيا وإندونيسيا
للخريطة الأوروبية الجديدة ثلاثة انعكاساتٍ على جنوب شرق آسيا. الأول يتعلق بالشراكة. فعلى مدى العقد الماضي عاملت القوى المتوسطة في المنطقة الاتحادَ الأوروبي شريكًا في التجارة والمعايير والتحوّل الطاقوي، وثقلًا موازنًا يقلّل الاعتماد على واشنطن أو بكين. وأوروبا المنشغلة باضطراباتها الداخلية، والمخنوقة بكلفة الطاقة، والمتفاوضة على حمايتها ذاتها، ستكون أقلَّ قدرةً وانتباهًا للشراكات البعيدة، وقد تصبح سياستها التجارية أكثر دفاعية. وقد حذّر تحليل “Dunia Memasuki Era Perang Dagang Total” من أن أوروبا كانت تتحوّل أصلًا نحو السيادة الصناعية والدفاع التجاري ردًّا على فائض الطاقة الإنتاجية الصيني؛ وستزيد الاضطرابات الداخلية هذا التحوّل حدّة.
والانعكاس الثاني يتعلق بنموذج النظام. فالحماية المشروطة ليست مشكلةً أوروبية فحسب. فإذا استطاعت الولايات المتحدة أن تربط التزاماتها الأمنية بالسياسات الداخلية لأقدم حلفائها، فإنها تستطيع أن تفعل الأمر ذاته مع شركائها في آسيا، فتربط التعاون الدفاعي أو النفاذ إلى الأسواق أو التكنولوجيا بالمواقف من الهجرة أو الصين أو الثقافة. وقد التقط عدد Foreign Affairs لشهري يوليو وأغسطس 2019 في الأرشيف، What Happened to the American Century?، مرحلةً مبكرة من هذا التحوّل؛ وينبغي لحكومات جنوب شرق آسيا أن تفترض الآن أن الانخراط الأمريكي سيكون تبادليًّا ومشروطًا على نحوٍ متزايد، وأن تصمّم استراتيجيات التحوّط لديها وفقًا لذلك. وبالنسبة إلى إندونيسيا، التي يقوم تقليد سياستها الخارجية على الاستقلال والفاعلية، فإن الحالة الأوروبية إنذارٌ بأن الاصطفاف بلا استقلال يُنتج الهشاشة لا الأمن.
والانعكاس الثالث يتعلق بالفرصة. فأوروبا الساعية إلى التنويع بعيدًا عن الإمداد الخليجي المتضرّر، والإمداد الروسي المحظور، والإمداد الأمريكي المشروط سياسيًّا، ستحتاج إلى شركاء جدد في الطاقة والمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد المرنة. وإندونيسيا، بما لديها من نيكل وإمكاناتٍ في الطاقة المتجددة وسوقٍ كبيرة، من بين المرشحين، شرط أن تقدّم الاستقرار والقدرة على التنبؤ اللذين تفتقر إليهما أوروبا حاليًّا. وقد حاجّ تحليل الحرب التجارية ذاته بأن على إندونيسيا أن تتجنّب فخَّ السلع وفخَّ السوق معًا؛ وأوروبا المحتاجة تمنح إندونيسيا قوةً تفاوضية للمطالبة بنقل التكنولوجيا والمعالجة ذات القيمة المضافة مقابل الإمداد. ودرس مفارقة الضباب الدخاني ودراسة سنغافورة المنشورتين إلى جانب هذه الإحاطة ينطبق هنا أيضًا: فالشراكة مع اقتصادٍ أقوى لا تكون نافعةً إلا إذا جرى التفاوض على شروطها وتوثيقها وإنفاذها.
وبالنسبة إلى الدبلوماسية الإندونيسية، يستدعي الوضع حساسيةً مزدوجة. فمن جهة، لإندونيسيا مصلحةٌ في بقاء أوروبا شريكًا مستقلًّا، لأن عالمًا بأكثر من قطبين يمنح متّسعًا أكبر لسياسةٍ خارجية حرّة نشطة. ومن جهةٍ أخرى، لا تستطيع إندونيسيا أن تعلّق استراتيجيتها على أوروبا متعثّرة، ما يجعل تنويع الشراكات نحو اليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول الخليج وزملائها في آسيان أكثر أهمية. وتقدّم الاضطرابات الأوروبية أيضًا درسًا داخليًّا موازيًا للدرس المعروض في دراسة انتفاضة غلاء المعيشة: فقدرة الدولة على البقاء مستقلّةً في الخارج تتوقف على قدرتها على الاحتفاظ بثقة مواطنيها في الداخل. فالبلد الذي يقلق مواطنوه بشأن الطاقة والسكن والتعليم يسهل على القوى الخارجية الضغط عليه حين تعرض تفسيرًا لهذا القلق، كما عرضت واشنطن سرديةَ الهجرة على أوروبا. والاستقلال، في ضوء ذلك، ليس مبدأً دبلوماسيًّا فحسب، بل ثمرةُ سياساتٍ اجتماعية واقتصادية تُبقي المجتمع صامدًا أمام الصدمات.
عاشرًا. أقوى الحجج المضادّة والردّ عليها
للحجة المضادّة الأقوى لهذه الإحاطة ثلاث طبقات. الأولى ترى أن التهديد بـ«مغادرة أوروبا» خطابٌ انتخابيٌّ موجّه إلى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، ولا ينبغي قراءته استراتيجية؛ فقد لاحظت Newsweek نفسها أنه لا تكاد توجد علامة على الاستعداد لقطع العلاقات، ولم يتغيّر انتشار القوات الأمريكية في أوروبا. والثانية ترى أن الوحدة الأوروبية أثبتت صمودًا أكبر مما كان متوقعًا، كما أظهرت الاستجابة المشتركة لأزمة غرينلاند، وأن الضغط الخارجي يميل إلى توحيد الاتحاد لا إلى تفريقه. والثالثة ترى أن اليمين الشعبوي في أوروبا ليس مواليًا لأمريكا على نحوٍ متجانس: فـ«التجمّع الوطني» فضّل تاريخيًّا السيادة الفرنسية والتشكّك في الناتو، وقد تقاوم «فوكس» وأحزابٌ أخرى واشنطن في التجارة والزراعة، ومن ثمّ فإن افتراض التوافق الأيديولوجي مفرطٌ في التبسيط.
لكل طبقةٍ وجاهتها، وقد قيّدت كلٌّ منها أحكامَ الإحاطة. ففي الأولى ميّزت الإحاطة بين النوايا المعلنة والسياسة وانتشار القوات، ولا تتنبأ بانسحابٍ أمريكي. ودعواها أضيق: أن الاشتراطية أُعلنت علنًا وضُمّنت في وثائق الاستراتيجية، وأن هذا يغيّر الصفقة حتى لو لم يتحرك جنديٌّ واحد. والخطاب الذي يتكرّر، ويُضمَّن في العقيدة، ويُعمل به في حلقة غرينلاند، لا يمكن صرفه بوصفه ضجيجًا. وفي الثانية تتفق الإحاطة على أن أوروبا تتوحّد حين تُهدَّد أرضها علنًا؛ لكن الاستجابة في غرينلاند كشفت أيضًا انقسامات، إذ رفضت المجر التوقيع وامتنعت عدة دولٍ عن الإسهام، ولم تتحوّل الوحدة في شأن الأرض إلى وحدةٍ في السردية أو الطاقة أو تمويل أوكرانيا. وفي الثالثة تقبل الإحاطة بأن التوافق جزئيٌّ ومحدّدٌ بالقضايا، ولهذا تصف اليمين الشعبوي بأنه متوافقٌ محتمل في الهجرة والثقافة لا أطلسيٌّ على نحوٍ متجانس. والنتيجة الأرجح أوروبا تتقارب مع واشنطن في الثقافة بينما تتباعد عنها في التجارة، وهو موقفٌ غير متّسق يُضعف القوة التفاوضية لأوروبا في الأمرين معًا.
وينبغي للإحاطة أن تحدّد أيضًا ما الذي من شأنه أن يغيّر أحكامها. فإعادة تأكيدٍ رسمية من الإدارة لالتزامات المادة الخامسة من ميثاق الناتو، مقرونةً بانتشارٍ مستقرٍّ للقوات، ستقلّل الوزن المعطى للاشتراطية. وهزيمةٌ حاسمة للأحزاب الشعبوية في إسبانيا وفرنسا ستُضعف المحور الانتخابي للحجة. ونهايةٌ سريعة للحرب على إيران مع انخفاضٍ مستدامٍ في أسعار الطاقة ستخفّف المحور الطاقوي. وإلى أن يحدث ذلك، يبقى تلاقي المحاور الثلاثة الوصفَ الأرجح للوضع الاستراتيجي الأوروبي.
حادي عشر. سيناريوهات حتى 2028، ومؤشرات، وتوصيات
يمكن التمييز بين أربعة سيناريوهات حتى 2028، باحتمالاتٍ تمثّل تقدير الكاتب. الأول، «الانجراف التبادلي»، باحتمالٍ يقارب 40 في المئة، تستمرّ فيه العلاقة الأطلسية في صورةٍ متدهورة ومشروطة، مع تهديداتٍ دورية، وتخفيضاتٍ أمريكية جزئية للقوات، وتنازلاتٍ أوروبية في الإنفاق الدفاعي والهجرة، بينما يتخبّط الاتحاد في أزمة الطاقة دون جوابٍ بنيوي. والثاني، «التقارب القومي»، باحتمالٍ يقارب 25 في المئة، تُفرز فيه انتصاراتٌ شعبوية في إسبانيا وفرنسا أوروبا تتوافق مع واشنطن في الهجرة والثقافة، وتتشظّى في أوكرانيا والتجارة، وتقبل الحماية المشروطة ثمنًا للأمن. والثالث، «الاستقلال بحكم الضرورة»، باحتمالٍ يقارب 20 في المئة، يدفع فيه اجتماعُ الاشتراطية الأمريكية وصدمة الطاقة نواةَ الاستقلال إلى اعتماد الشراء المشترك للطاقة، وتمويل أوكرانيا المستند إلى الأصول، وركيزةٍ دفاعية أوروبية ذات قدراتٍ حقيقية، تُموَّل جزئيًّا عبر الاقتراض المشترك. والرابع، «التشظّي»، باحتمالٍ يقارب 15 في المئة، تترك فيه اضطراباتٌ متجدّدة وشتاءٌ قاسٍ واضطرابٌ انتخابيٌّ الاتحادَ عاجزًا عن العمل الجماعي، فتعقد الدول الأعضاء صفقاتٍ منفصلة مع واشنطن أو موسكو أو بكين.
وستُظهر ستة مؤشرات أيَّ سيناريو يكسب أرضًا. الأول نتيجة مراجعة البنتاغون للحضور العسكري الأمريكي في أوروبا وأيُّ تخفيضاتٍ معلنة. والثاني نتيجة الانتخابات الإسبانية في 29 نوفمبر 2026 ومسار استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2027. والثالث ما إذا اعتمد الاتحاد الأوروبي مقترح المفوضية بشأن مشغّلٍ مشتركٍ لشراء الطاقة قبل الشتاء. والرابع القرار بشأن تمويل فجوة أوكرانيا البالغة 70 مليار يورو لعام 2027 واستخدام الأصول الروسية المجمّدة. والخامس مضمون تصريحات الإدارة الأمريكية بعد انتخابات التجديد النصفي، الذي سيُظهر ما إذا كان الخطاب المشروط انتخابيًّا أم استراتيجيًّا. والسادس ما إذا ظهرت موجاتٌ احتجاجية جديدة في ألمانيا أو النمسا أو اليونان خلال الشتاء، وهو ما سيدلّ على تسارع حلقة التغذية الراجعة بين الداخل والخارج.
وتنبثق التوصيات من التحليل. فبالنسبة إلى الحكومات الأوروبية، الأولوية الأولى داخلية: فترميم ثلاثية الكلفة المعيشية، أي الطاقة والسكن والخدمات العامة، شرطٌ مسبق لأيّ استقلالٍ استراتيجي، لأن قارةً في حالة تمرّدٍ اجتماعي لا تستطيع التفاوض بندّية. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن الشراء المشترك للطاقة والقرار بشأن تمويل أوكرانيا هما الأداتان الأوضح في إثبات القدرة الجماعية. وبالنسبة إلى حكومات جنوب شرق آسيا، ومنها إندونيسيا، فالأولويات هي الاستعداد لأوروبا أكثر انكفاءً وتبادلية، وتنويع الشراكات وفقًا لذلك، واستثمار حاجة أوروبا إلى شركاء جدد في الطاقة والمعادن للتفاوض على شروطٍ تشمل التكنولوجيا والمعالجة ذات القيمة المضافة، مع مقاومة أيّ محاولةٍ من القوى الخارجية لجعل تعاونها مشروطًا بالتوافق السياسي الداخلي.
ثاني عشر. حدود الدراسة
لهذه الإحاطة حدودٌ عدة. فقد أُنجزت والأحداث التي تصفها لا تزال تتكشّف، فهي تلتقط لحظةً لا نتيجةً مستقرة. والتصريحات الرئاسية على وسائل التواصل الاجتماعي وفي التجمّعات صعبة التفسير وقد لا تعكس السياسة؛ وقد حاولت الإحاطة التمييز بين الخطاب والعقيدة وانتشار القوات، لكن الحدّ بينها غير مؤكد. ومجموعات الدول الأوروبية تقريباتٌ تحليلية قائمة على المواقف العلنية، وقد تتبدّل سريعًا مع الانتخابات. وتأتي بيانات كلفة الطاقة والمخزون من تصريحات المفوضية والتغطيات الثانوية لا من قواعد بياناتٍ أولية. وقسم الانعكاسات على جنوب شرق آسيا تحليليٌّ، وينبغي أن يُقرأ مجموعةَ فرضياتٍ لمزيدٍ من البحث. وأخيرًا، فإن السيناريوهات أحكامٌ لا تنبؤات، وتتوقف بشدّة على أحداثٍ خارج سيطرة أوروبا، منها مسار الحرب على إيران والسياسة الداخلية الأمريكية.
ثالث عشر. خاتمة: الاستقلال يبدأ من الداخل
تُرسم خريطة أوروبا الجيوسياسية بعد خريف 2026 على ثلاثة محاور باتت متقاطعة: محورٌ أطلسي صارت فيه الحماية مشروطة، ومحورٌ طاقوي تدفع فيه أوروبا ثمن حربٍ لم تخترها، ومحورٌ انتخابي سيقرّر فيه تفسيرُ الشارع مَن يحكم. ولم يغيّر تحذير الرئيس من أن الولايات المتحدة قد «تغادر أوروبا» انتشارَ القوات الأمريكية، لكنه غيّر الصفقة، بربط الأمن بخيارات أوروبا الداخلية في الهجرة والثقافة، وبقراءة أزمة غلاء المعيشة الأوروبية عبر حربٍ ثقافية أمريكية.
والخلاصة المركزية لهذه الإحاطة أن الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا يبدأ الآن من الداخل. فلن يتيح أيُّ حجمٍ من الإنفاق الدفاعي لقارةٍ أن تفاوض بندّية إذا عجز مواطنوها عن تدفئة منازلهم أو دفع إيجاراتهم أو الثقة بمدارسهم. وإن رمّمت الحكومات الأوروبية العقدَ الاجتماعي، فستحتفظ بالشرعية اللازمة لتحديد مصالحها في تعاملها مع واشنطن وموسكو وبكين. وإن أخفقت، فسيواصل آخرون تفسير الشارع نيابةً عنها، وستُعاد رسم الخريطة بقوى خارج سيطرتها. وبالنسبة إلى جنوب شرق آسيا وإندونيسيا، فالدرس ذاته بنبرةٍ مختلفة: فالاستقلال في السياسة الخارجية لا يدوم إلا إذا قام على الأمان المادي والثقة المؤسسية في الداخل.
المراجع والمصادر
- Wikipedia (compiled sources): Economic impact of the 2026 Iran war
- Wikipedia (compiled sources): International reactions to the Greenland crisis
- Al Jazeera (2026): Why the Kushners’ plan to build an Albanian resort has sparked protests
- Arab Times (2026): Trump threatens to leave Europe over Iran war, says US could end military campaign
- Axios (2026): Trump, Republicans harness France protests as midterm boogeyman
- Euronews (2026): France grapples with the aftermath of a weekend of violence
- Latin Post (2026): How the Iran War Just Added €106 Billion to Europe’s Energy Bill
- Newsweek (2026): Trump skips details as he issues threat to “leave Europe”
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — Letting Go: Trump, America, and the World (March/April 2018)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — Trump and the Allies: The View From Abroad (September/October 2017)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — What Happened to the American Century? (July/August 2019)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Foreign Affairs — Tell Me How This Ends: Is There a Path to Victory in Ukraine? (July/August 2023)
- KBA13 Academy Research Center (2026): Pemberontakan Keterjangkauan Eropa: Kerusuhan 2026, Guncangan Energi, dan Lelahnya Kontrak Sosial
- KBA13 Insight (2026): Global Intelligence Briefing: 19–26 July 2026
- KBA13 Insight (2026): Dunia Memasuki Era Perang Dagang Total: Amerika, China, Eropa, dan Pertaruhan Indonesia
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). بين الشارع وواشنطن: خريطة أوروبا الجيوسياسية الجديدة بعد اضطرابات 2026 وإنذار ترامب. المرصد الجاوي. الأصل الإنجليزي: Between the Street and Washington: Europe’s New Geopolitical Map after the 2026 Unrest and Trump’s Ultimatum، KBA13 Academy Research Center.


