, , ,

الطريق إلى مكة من الشُّرفة: الحجّ وشبكات العلماء الجاويين والاقتصاد السياسي للعبادة في جنوب شرق آسيا

المرصد الجاوي

حجّاجٌ من جنوب شرق آسيا أمام المسجد الحرام بمكة المكرمة، في إشارةٍ إلى الطريق التاريخي للحجّ من آتشيه شُرفة مكة

على مدى أربعة قرون، مرّ الطريق إلى مكة المكرمة من أرخبيل إندونيسيا عبر آتشيه (Aceh)، فرعى شبكاتٍ من العلماء الجاويين في الحرمين الشريفين، وخلّف وقفًا لا يزال يُعطي حجّاج آتشيه إلى يومنا هذا. أمّا اليوم فقد صار ذلك الطريق طابورَ انتظارٍ يمتدّ ستةً وعشرين عامًا، وصندوقًا مُدارًا يبلغ 180 تريليون روبية، ووزارةً جديدة، ومحاكمةَ فسادٍ في قضية الحصص، ومنصّةً رقمية سعودية. وتقرأ ورقة السياسات هذه الحجَّ بوصفه عبادةً ومنظومةً اقتصاديةً سياسيةً في آنٍ معًا، منظومةً تستدعي حوكمةً جديدة.

24 أكتوبر 2026 · ورقة سياسات · الحضارة الإسلامية · دراسات جنوب شرق آسيا · السياسات العامة

الملخّص

تتناول ورقة السياسات هذه الحجَّ من جنوب شرق آسيا بوصفه منظومةً تشدّ بعضها إلى بعض: الإيمان، والشبكات العلمية، والمال، وسلطة الدولة، منذ العهد الذي سُمّيت فيه آتشيه «شُرفة مكة» (Serambi Mekkah) إلى إنشاء وزارة الحجّ والعمرة الإندونيسية عام 2025. وهي تجمع بين المقالات المنشورة على موقع kba13.com ومقتنيات الأرشيف والمكتبة في KBA13 Academy، ومنها «رسالة الحجّ» المكتوبة بالخطّ الجاوي، ودراسة ميدانية عن حجّاج آتشيه منشورة في مجلة Studia Islamika، والمؤلَّفات الكلاسيكية لعاقب سومينتو (Aqib Suminto) ودليار نور (Deliar Noer)، وبين البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية، وهيئة إدارة أموال الحجّ الإندونيسية (BPKH)، وقرارات مجلس النواب (DPR)، ولوائح الاتهام الصادرة عن هيئة مكافحة الفساد (KPK)، والبيانات الرسمية لصندوق الحجّ الماليزي (Lembaga Tabung Haji). لقد حصلت إندونيسيا على حصّةٍ قدرها 221,000 حاجّ، أي نحو 14 في المئة من مجموع الحجّاج القادمين من الخارج في موسم 2026، في مقابل قائمة انتظارٍ وطنية تضمّ 5.4 ملايين شخص، ومدّة انتظارٍ صارت موحَّدةً عند نحو 26 عامًا. وبلغت الأموال التي تديرها هيئة إدارة أموال الحجّ 180.74 تريليون روبية في نهاية 2025، غير أنّ الحصّة المقتطعة من عوائد الاستثمار لدعم الحجّاج المغادرين ما تنفكّ تتعاظم، من نحو 33.2 مليون روبية للحاجّ الواحد عام 2026 إلى 43.8 مليون روبية عام 2027. وتذهب الورقة إلى أنّ المعضلة الجوهرية للحجّ الإندونيسي هي الدعم بين الأجيال وتمركز الريوع عند مواضع الندرة، لا مجرّد نقص الحصص، وتعرض ثلاثة سيناريوهات حتى عام 2030 مشفوعةً بتوصياتٍ موجَّهة إلى وزارة الحجّ والعمرة، وهيئة إدارة أموال الحجّ، ومجلس النواب، وصندوق دانانتارا (Danantara)، وحكومة آتشيه.

الأطروحة

ظلّ الحجّ من جنوب شرق آسيا على الدوام عبادةً تجري على منظومةٍ اقتصاديةٍ سياسية: بالأمس شيوخ الحجّ الوسطاء (syekh haji)، وسفن المستعمِر، والرقابة الهولندية؛ واليوم الحصص السعودية، وطوابير الانتظار، والأموال المُدارة، ومنصّة «نسك». وما دامت ندرة المقاعد مصدرًا للريع، وما دامت عوائد استثمار أموال المنتظرين تُنفَق في دعم المغادرين، فإنّ الإصلاحات المؤسسية من قبيل إنشاء وزارةٍ جديدة أو قريةٍ للحجّاج لن تفعل سوى نقل المشكلة من موضعٍ إلى آخر، ما لم تُقرَن بقواعد عادلة للدعم بين الأجيال وبشفافيةٍ تامّة تشمل كلّ مقعدٍ على حدة.

البيانات والمصادر

إحصاءات الحجّ الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية (GASTAT) لعامَي 2025–2026، وتقارير هيئة إدارة أموال الحجّ وبياناتها للفترة 2024–2026، وقرارات مجلس النواب بشأن تكاليف الحجّ (BPIH) للفترة 2025–2026، والقانون رقم 14 لسنة 2025، ولوائح اتهام هيئة مكافحة الفساد ومحاكمة 2026 أمام محكمة جرائم الفساد، وخلاصات اللجنة الخاصة بالحجّ في مجلس النواب لعام 2024، وبيانات دانانتارا للفترة 2025–2026، وبيانات صندوق الحجّ الماليزي للفترة 2019–2026، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن ضمن رؤية 2030، والمقالات المنشورة على موقع kba13.com، ومقتنيات الأرشيف والمكتبة في KBA13 Academy

الإطار التحليلي

الاقتصاد السياسي للعبادة، وريوع الندرة، والدعم بين الأجيال، والشبكات الجاوية بوصفها رأسمالًا مؤسسيًّا، والتقييم المتدرّج للأدلّة

الاستشراف

ثلاثة سيناريوهات للحجّ الإندونيسي في الفترة 2026–2030، وسبع توصيات موجَّهة إلى وزارة الحجّ والعمرة، وهيئة إدارة أموال الحجّ، ومجلس النواب، ودانانتارا، وحكومة آتشيه

الكلمات المفتاحية: الحجّ؛ العلماء الجاويون؛ شُرفة مكة؛ وقف بيت أشي؛ الوقف؛ هيئة إدارة أموال الحجّ؛ حصص الحجّ؛ وزارة الحجّ والعمرة؛ رؤية 2030؛ صندوق الحجّ الماليزي

أولًا: الملخّص التنفيذي: من الشُّرفة إلى الطابور

تنطلق ورقة السياسات هذه من مفارقة. فإندونيسيا أكبر بلدٍ مُرسِلٍ للحجّاج في العالم، بحصّةٍ قدرها 221,000 شخص، تعادل نحو 14 في المئة من الحجّاج القادمين من الخارج البالغ عددهم 1,546,655 حاجًّا في موسم حجّ 2026 بحسب الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فإنّ الإندونيسي الذي يسجّل اليوم عليه أن ينتظر نحو 26 عامًا قبل أن يغادر. وتدير إندونيسيا كذلك واحدًا من أكبر صناديق الحجّ في العالم، بلغ 180.74 تريليون روبية في نهاية 2025، غير أنّ هذا الصندوق يُستعمل على نحوٍ متزايد في دعم تكاليف الحجّاج المغادرين من عوائد استثمار ودائع الحجّاج الذين لا يزالون في الانتظار. أمّا آتشيه فتحتفظ بنموذجٍ قلّما يُذكر في النقاش الوطني: وقف بيت أشي (Baitul Asyi) في مكة المكرمة، الذي وُقِف سنة 1224هـ الموافقة لسنة 1809م، والذي دفع في مايو 2026 مبلغ 2,000 ريال لكلّ واحدٍ من 5,426 حاجًّا من آتشيه من ريع إيجار فنادقه. ويدلّ نموذج الوقف الذي شيّده علماء آتشيه وتجّارها قبل قرنين على أنّ مشكلة الحجّ ليست مسألة مقاعد فحسب، بل هي مسألة مَن يملك الأصول، ومَن يتحمّل التكاليف، ومَن يستأثر بالريوع.

تنبثق من الأدلّة خمسة تقييمات. فبثقةٍ عالية، كانت شبكات العلماء الجاويين في الحرمين الشريفين منذ القرن السابع عشر رأسمالًا مؤسسيًّا صاغ الإسلام في جنوب شرق آسيا، وكانت الحكومة الاستعمارية الهولندية تنظر إلى الحجّ أساسًا بوصفه شأنًا من شؤون الأمن السياسي. وبثقةٍ عالية، فإنّ طابور الحجّ الإندونيسي هو النتيجة البنيوية لحصّةٍ سعودية تقوم على حجم السكان المسلمين، ولتسجيلٍ زهيد الثمن إلى حدٍّ مفرط قياسًا بقيمة المقعد الذي يضمنه. وبثقةٍ عالية، تُولّد ندرة المقاعد ريوعًا قابلة للمتاجرة، على نحو ما تكشفه لائحة الاتهام التي وجّهتها هيئة مكافحة الفساد إلى وزيرٍ سابق للشؤون الدينية بشأن توزيع الحصّة الإضافية لعام 2024. وبثقةٍ متوسطة، يُنشئ نظام عوائد الاستثمار الحالي ظلمًا بين الأجيال سيزداد ثِقلًا إن واصلت التكاليف في المملكة العربية السعودية ارتفاعها. وبثقةٍ متوسطة، قد يُسهم استثمار دانانتارا في قرية الحجّاج في خفض تكاليف السكن على المدى الطويل، غير أنّ نفعه لا يمكن قياسه بعدُ لأنّ سعر الصفقة وآلية الانتفاع بها لم يُكشفا للرأي العام.

ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ومستويات الثقة

تستعمل هذه الورقة ثلاثة مفاهيم. أوّلها الاقتصاد السياسي للعبادة، وهو طريقةٌ في النظر إلى الحجّ بوصفه ممارسةً دينية لا تُؤدّى إلا عبر أسواق النقل والسكن والتمويل وعبر تصاريح الدولة، بحيث يكون كلّ خيارٍ سياساتيّ بشأن الحجّ خيارًا في توزيع القيمة في الوقت نفسه. ويُلحّ إريك تاغلياكوزو (Eric Tagliacozzo) في كتابه الرحلة الأطول (The Longest Journey، 2013)، كما عرضه جوشوا غيداخت (Joshua Gedacht) في مجلة Southeast Asian Studies، على أنّ تقوى حجّاج جنوب شرق آسيا لا تنفصل عن الوسائل المالية لرحلتهم. والمفهوم الثاني هو ريع الندرة: فحين يفوق الطلبُ كثيرًا عرضًا محدودًا بقرارٍ إداري، تغدو الفجوة بين السعر الرسمي والقيمة الحقيقية للمقعد ريعًا يتنازعه الوسطاء والمسؤولون والمنظِّمون من القطاع الخاص. والمفهوم الثالث هو الدعم بين الأجيال، أي انتقال القيمة من المشاركين الذين ينضمّون لاحقًا إلى المشاركين الذين ينتفعون أبكر، وهي ظاهرةٌ مألوفة في اقتصاديات صناديق التقاعد، وحاضرةٌ في صورةٍ أخفى في إدارة أموال الحجّ.

والمنهج هو البحث المكتبي مع تحليل الوثائق. أمّا المصادر الأولية فهي المقالات المنشورة على موقع kba13.com حول تقاليد الحجّ الآتشيّة، وشبكات علماء آتشيه ومكة، وإثنوغرافيا الحجّ عند دادي درمادي (Dadi Darmadi)، وهجرة الآتشيّين إلى بينانغ (Penang)، وحوكمة الحجّ ورقمنته، وتحوّل الحجّ السعودي، إلى جانب مقتنيات الأرشيف والمكتبة في KBA13 Academy، ومنها «رسالة الحجّ» المكتوبة بالخطّ الجاوي، ومقالة مجلة Studia Islamika لعام 2018 عن حجّاج آتشيه، وكتاب عاقب سومينتو السياسة الإسلامية في جزر الهند الهولندية (Politik Islam Hindia Belanda)، وكتاب دليار نور الإدارة الإسلامية في إندونيسيا (Administrasi Islam di Indonesia). وقد قوبلت هذه المصادر بالإحصاءات السعودية الرسمية، وتقارير هيئة إدارة أموال الحجّ، وقرارات مجلس النواب، ووثائق الاتهام كما نقلتها وسائل الإعلام، وبيانات دانانتارا، وبيانات صندوق الحجّ الماليزي. ويُصاغ التقييم بثقةٍ عالية حين يستند إلى مصادر مستقلة متعدّدة منها مصادر رسمية، وبثقةٍ متوسطة حين تكون الأدلّة قويةً لكنها ناقصة، وبثقةٍ منخفضة حين يقوم أساسًا على الاستنتاج. وعددٌ من الأرقام الواردة في هذه الورقة من حسابات المؤلف استنادًا إلى البيانات الرسمية، ويُنصّ على ذلك صراحةً في كلّ موضعٍ ترد فيه.

ثالثًا: شُرفة مكة وشبكات العلماء الجاويين في الحرمين الشريفين

ليس لقب «شُرفة مكة» مجرّد فخرٍ محلّي، بل هو علامةٌ على وظيفةٍ تاريخية. فقد تتبّع سيف الدين ظهري (Saifuddin Dhuhri)، في عدد فبراير 2017 من Jurnal Ilmiah Islam Futura، في مقالةٍ بعنوان «آتشيه شُرفة مكة (دراسة في دور فريضة الحجّ في تنمية الحضارة الآتشيّة)»، هذا اللقبَ إلى كتاب بستان السلاطين لنور الدين الرانيري، الذي يسمّي آتشيه «شُرفة مكة الله»، وبيّن أنّ آتشيه كانت محطّة توقّفٍ لا بدّ منها لحجّاج الأرخبيل، يتعلّمون فيها أركان الحجّ قبل أن يُبحروا. ويستشهد ظهري كذلك بملاحظة سنوك هورخرونيه (Snouck Hurgronje) أنّ الآتشيّين كانوا يسمّون أرضهم بوّابة الأرض المقدّسة. وبعبارةٍ أخرى، كانت آتشيه في عصر الشراع مركزًا للإعداد والعبور، ومؤسسةً لتعليم الحجّ قبل أن توجد بزمنٍ طويل مساكنُ الحجّاج الحكومية ودورات المناسك التي تديرها الدولة. وقد ولّدت تلك الوظيفة منظومةً من المعلّمين والمنازل والتجّار وشبكات التحويلات المالية، كلّها جزءٌ من اقتصاد الحجّ في ما قبل الاستعمار.

كانت تلك الشبكة علميةً قبل أن تصير إدارية. فقد بيّن أزيوماردي أزرا (Azyumardi Azra) في كتابه أصول الإصلاح الإسلامي في جنوب شرق آسيا (The Origins of Islamic Reformism in Southeast Asia، 2004)، كما عرضه تيموثي ب. دانيالز (Timothy P. Daniels) في American Journal of Islam and Society عام 2007، أنّ التجديد الإسلامي في العالم الملايوي الإندونيسي ضرب بجذوره في شبكات العلماء المتمركزة في الحرمين الشريفين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكانت فكرتها المحورية تصوّفًا جديدًا يؤالف بين الشريعة والتصوّف. وأوضح أعلام تلك الشبكة عبد الرؤوف السنكيلي. فبحسب خلاصة سيرته في موسوعةٍ على الشبكة، وُلد في سنكيل (Singkil) سنة 1615، ورحل إلى جزيرة العرب نحو سنة 1642، وطلب العلم قرابة عشرين عامًا، أكثرها في المدينة المنوّرة على يد أحمد القشاشي وإبراهيم الكوراني، ثم عاد إلى آتشيه نحو سنة 1662، وتولّى الإفتاء في عهد السلطانة صفية الدين، وألّف مرآة الطلّاب والتفسير الملايوي للقرآن ترجمان المستفيد. وتضع المادة المحاضراتية «الدراسات الآتشيّة، اللقاء الرابع: علماء آتشيه والشبكات العلمية» (2025) الصلةَ بين آتشيه والحرمين في عداد القنوات الرئيسة لانتقال الفقه والتصوّف، في حين يقرأ كتاب Islam di Dunia Melayu dan Samudera Hindia (الإسلام في العالم الملايوي والمحيط الهندي، 2026) آتشيه وملاكا وفطاني وجاوة بوصفها عُقَدًا في شبكةٍ عبر المحيط الهندي تصل الحرمين الشريفين بحضرموت وكجرات والبنغال.

وقد بقيت الشبكة حيّةً حتى القرن العشرين، وصارت مصدرًا للشرعية السياسية. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com في 10 مايو 2026 بعنوان «آتشيه ومكة والشبكات المقدّسة التي صاغت الإصلاح الإسلامي في جنوب شرق آسيا» تتتبّع علماء آتشيه الذين طلبوا العلم في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة، ومنهم من لجأ في أثناء حرب آتشيه إلى كامبونغ يان (Kampung Yan) في قدح قبل أن يمضي إلى الحرمين، كحسن كروينغ كالي (Hasan Krueng Kale) الذي عاد ليتولّى قيادة إحدى الزوايا العلمية (dayah) سنة 1916. وتسجّل المقالة أيضًا أنّ تنكو عبد الحميد سمالنغا (Tengku Abdul Hamid Samalanga) كان يرسل صحيفة أمّ القرى من مكة إلى تنكو عبد الله أوجونغريمبا (Tengku Abdullah Ujongrimba)، الذي قاد سنة 1929، مع تنكو محمد داود بيرئيه (Tengku Muhammad Daud Beureueh)، إصلاحًا تعليميًّا مهّد السبيل لتأسيس اتحاد علماء آتشيه كافّة (PUSA) في 5 مايو 1939. وفي سبتمبر 1949 انطلقت بعثة الحجّ الإندونيسية الثانية، برئاسة عبد الحميد سمالنغا وبصحبة أ. حشمي (A. Hasjmy) متحدّثًا باسمها، تلتمس دعم الشرق الأوسط للجمهورية الوليدة. وتعتمد المقالة في معظمها على شهادات الأسر والرواية الشفوية، ولذا تستحقّ بعض تفاصيلها ثقةً متوسطة. بيد أنّ النمط واضح: فالحجّ في آتشيه كان قناةً للعلم، وللمقاومة، وللدبلوماسية، لا مجرّد رحلةٍ تعبّدية.

وآثار هذه الشبكة مغروسةٌ كذلك في شبه الجزيرة الملايوية. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com في يوليو 2026 بعنوان «كيف كانت هجرة الآتشيّين إلى شبه الجزيرة الملايوية؟» تنقل رواية حكومة ولاية بينانغ أنّ المستوطنة الآتشيّة هناك في مطلع القرن التاسع عشر قادها معلّمٌ دينيّ يُدعى الحاج قاسم (Haji Kassim)، وأنّ آتشيّي شارع آتشيه (Acheen Street، Lebuh Aceh) كانوا يقدّمون الخدمات الدينية للمسلمين المتأهّبين لأداء الحجّ، وأنّ شارع آتشيه عُرف بـ«جدّة الثانية» حتى منتصف القرن العشرين. وتدلّ عُقَدٌ مثل شارع آتشيه وكامبونغ يان وشيخ كوالا (Syiah Kuala) على أنّ شبكة الحجّ الجاوية عبرت السلطنات ثم المستعمرات، وسبقت حدود الدول القومية. والدرس السياساتي وثيق الصلة بيومنا: فللتعاون بين إندونيسيا وماليزيا في شؤون الحجّ أسسٌ تاريخية أعمق بكثير من مجرّد المقارنة بين نماذج إدارة الأموال.

رابعًا: من سفن المستعمِر إلى بيروقراطية الدولة: الرقابة والاحتكار والاستحواذ

نظرت الحكومة الاستعمارية إلى الحجّ بعين الريبة السياسية والمصلحة المالية معًا. فخلاصةٌ تاريخية أعدّها قسم البحث والتطوير في صحيفة Kompas تسجّل أنّ حكومة جزر الهند الهولندية فرضت منذ سنة 1825 جواز حجٍّ قيل إنّ كلفته تعادل ثمن بيتٍ كبير، مع غراماتٍ مضاعفة على من يسافر بغيره؛ وأنّ الحكومة منحت منذ سنة 1874 ترخيصًا احتكاريًّا لنقل الحجّاج إلى «الشركة الثلاثية» (Kongsi Tiga) حتى سنة 1884؛ وأنّ سنوك هورخرونيه رفع سنة 1889 تقريرًا إلى الحاكم العام عن الرسوم الإضافية التي كان على الحجّاج أداؤها فوق الرسوم الرسمية. وتكشف هذه السجلّات الثلاثة عن نمطٍ سيتكرّر: الدولة تقيّد الوصول بالرسوم والتصاريح، وتُسلم النقل إلى مشغّلين منتقَين، ثم تكتشف أنّ الجبايات غير المشروعة تنمو في ثغرات المنظومة.

كان سنوك هورخرونيه الشخصيةَ المحورية في هذا الاقتصاد السياسي للرقابة. فبحسب خلاصة سيرته في موسوعةٍ على الشبكة، وصل إلى جدّة في 28 أغسطس 1884، ونال الإذن بدخول مكة في 21 يناير 1885، وأقام فيها نحو نصف عام يراقب الحجّاج القادمين من آتشيه وجاوة وصلاتهم بعلماء مكة، لأنّ السلطات الهولندية كانت تخشى أن يقود الحجّاج العائدون انتفاضات. وكانت الثمرة كتاب مكة (Mekka) في مجلّدين (1888–1889)، ثم منصب مستشار الشؤون الأهلية من 1889 إلى 1905، ودورٌ نشط في المرحلة الأخيرة من حرب آتشيه. وكانت نصيحته المركزية، كما درسها عاقب سومينتو في Politik Islam Hindia Belanda (السياسة الإسلامية في جزر الهند الهولندية، LP3ES، 1996)، أن يُفصل الإسلام عبادةً، فيُتسامح معه بل ويُيسَّر، عن الإسلام قوةً سياسية، فيُراقَب ويُقمع. وقد وقع الحجّ على ذلك الحدّ بالضبط: فهو عبادة، وهو كذلك قناةٌ لأفكار الجامعة الإسلامية الآتية من جالية الجاوة في مكة. ومن ثَمّ اتخذت سياسة الحجّ الاستعمارية صورة التيسير المصحوب بالرقابة، لا صورة المنع.

وجاء نقد الإدارة الاستعمارية كذلك من أبناء البلاد أنفسهم. فقد درس سورياضي (Suryadi) وزملاؤه، في Studia Islamika المجلّد 31 العدد 2، كرّاسة الرحلة إلى «الأرض المقدّسة» (Perdjalanan ke-‘Tanah-Tjoetji’) لجا إندار مودا (Dja Endar Moeda)، المعلّم ورائد الصحافة الأهلية في سومطرة، التي انتقدت ما يُوقَع بالحجّاج من احتيالٍ بسبب الأمّية والاعتماد على الوسطاء، وألقت باللائمة بصورةٍ غير مباشرة على الحكومة الاستعمارية لتقصيرها في حماية رعاياها في أثناء الرحلة. وتضيف المقالة المنشورة على موقع kba13.com في 27 أغسطس 2025 بعنوان «من شيخ الحجّ إلى الدولة»، وهي قراءةٌ في إثنوغرافيا دادي درمادي، طبقتين. الأولى «البنك السعودي الهولندي» (Saudi Holland Bank)، الذي تذكر المقالة أنه أُسّس سنة 1926 فرعًا لـ«الشركة التجارية الهولندية» (Nederlandsche Handel-Maatschappij)، وأتاح للحجّاج إيداع مدّخراتهم في جزر الهند وسحبها في جزيرة العرب، فكان أداةً للحماية والضبط معًا. والثانية دور علماء الجاوة في مكة، الذين ضغطوا بالفتاوى والمناشدات الأخلاقية على شيوخ الحجّ كي لا يفرضوا أجورًا مُجحفة، وهو مسعًى رأى فيه الوسطاء، بحسب المقالة، تهديدًا لأرزاقهم.

وبعد الاستقلال، تولّت الدولة هذه الوظائف خطوةً بعد خطوة. فقد لاحظ دليار نور في Administrasi Islam di Indonesia (الإدارة الإسلامية في إندونيسيا، 1983) أنّ وزارة الشؤون الدينية، التي أُنشئت سنة 1946، ورثت البنية الاستعمارية للقضاة الشرعيين المحليين (penghulu) ولـ«مكتب الشؤون الأهلية» (Kantoor voor Inlandsche Zaken)، ثم اضطلعت بشؤون الحجّ، والتعليم الديني، والمحاكم الدينية، والزكاة، والأوقاف، مع مشكلاتٍ في الكفاءة والتسييس انتقدها منذ البداية. وتسجّل المقالة المنشورة على موقع kba13.com في 28 أغسطس 2025 عن تاريخ إدارة الحجّ وحوكمتها ورقمنتها أنّ المرسوم الرئاسي رقم 22 لسنة 1969 منح الحكومة احتكار تنظيم الحجّ لحماية الحجّاج من احتيال الوكلاء الخاصّين، وأنّ النقل البحري انتهى سنة 1979، وأنّ نظام مؤسسات الطوافة السعودي (muassasah) طُبّق منذ سنة 1984، وأنّ هيئة إدارة أموال الحجّ أُنشئت سنة 2017 لفصل مالية الحجّ عن وزارة الشؤون الدينية، وأنّ المملكة العربية السعودية استبدلت منذ سنة 2022 بالمؤسسة الواحدة شركاتٍ خاصّة متعدّدة (syarikah). وتؤرّخ مقالة درمادي لاستحواذ الدولة بسنة 1966، في حين تجعل مقالة الحوكمة مرسوم 1969 معلمَ الاحتكار؛ ولعلّ الفرق يعكس مراحل متمايزة، وتقيّمه هذه الورقة بثقةٍ متوسطة. ويبقى الخيط واحدًا: من شيخ الحجّ إلى الوزارة، حمل كلّ استحواذٍ وعدًا بالحماية، لكنه نقل أيضًا موضع الريع من الوسطاء الخاصّين إلى داخل البيروقراطية.

خامسًا: تقاليد الحجّ الآتشيّة ووقف بيت أشي: نموذجٌ منسيّ

تُبيّن تقاليد الحجّ الآتشيّة كيف تؤطّر الثقافةُ المحلية عبادةً كونية. فقد شرحت الشفاء النور (Ash Shifa Annur) وعناية الله (Inayatillah)، في عدد ديسمبر 2025 من مجلة FITRAH، في مقالةٍ بعنوان «تثاقف الإسلام والثقافة المحلية في التقاليد العرفية الآتشيّة: دراسة في بوسيجوك الحجّ» (Peusijuek Haji)، أنّ مراسم التبريك المسمّاة بوسيجوك الحجّ تُقام قبل السفر وبعد العودة، وأنّ الأرزّ والدقيق الطقسي والأوراق يُعاد تأويلها علاماتٍ على التطهير والبركة بما يوافق تعاليم الإسلام، وأنّ هذه الشعيرة يُتفاوض عليها بين العلماء وزعماء العرف وأسر الحجّاج على نحوٍ يقوّي التماسك الاجتماعي والهوية الآتشيّة. أمّا «رسالة الحجّ» غير المؤرَّخة المكتوبة بالخطّ الجاوي، وعلى غلافها صورةٌ للمسجد الحرام قبل التوسعة الكبرى في القرن العشرين، فتمثّل الوجه الآخر للتقليد: أدب المناسك الملايوي الذي يشرح أركان الحجّ وواجباته ومستحبّاته، والأدعية في كلّ مشعر، وآداب السفر وزيارة المدينة المنوّرة. وقد شكّلت الشعيرة والكرّاسة معًا بنيةً تحتية ثقافية أعدّت الحجّاج قبل أن تنظّم الدولة تعليم المناسك بزمنٍ طويل.

بيد أنّ هذا التقليد يتغيّر اليوم تحت ضغط نظام الحصص. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com في يوليو 2026 بعنوان «ما تقاليد الآتشيّين واستراتيجياتهم في الحجّ في العصر الراهن؟» تذهب إلى أنّ العبء الأكبر للحجّ الآتشيّ انتقل من رحلةٍ كانت تستغرق شهرين إلى ثلاثة أشهر إلى انتظارٍ في طابورٍ تحدّده جاكرتا، وأنّ الحجّ صار ميدانًا تجاريًّا للمصارف ووكالات السفر والمرشدين، وأنّ ألقابًا مثل «تنكو الحاج» (Tengku Haji) أو «تشوت الحاجّة» (Cut Hajjah) باتت تتوقّف على القدرة المالية أكثر من توقّفها على مساندة الجماعة أو رسوخ العلم. وتلاحظ المقالة أيضًا أنّ الطلبة الإندونيسيين في الشرق الأوسط الذين يؤدّون الحجّ وهم يعملون موظّفين في خدمة الحجّاج كثيرًا ما يتخطّون وليمة الكندوري (kenduri) ومراسم البوسيجوك. وقد وجدت الدراسة الميدانية التي أجراها قمر الزمان بستمام أحمد ورحمي زكريا (Rahmi Zakaria) سنة 2018 في مجلة Studia Islamika بعنوان «الفروق الثقافية التي يعايشها الحجّاج: دراسة حالة الحجّ الآتشيّ» (Arsip & Pustaka KBA13)، استنادًا إلى مقابلاتٍ أُجريت في سبتمبر 2014، أنّ حجّاج آتشيه عانوا صدمةً ثقافية في التواصل اللفظي، وحركة الجسد، واللباس، واستعمال المكان والزمان واللمس، في حين بنى القرويون الذين لم يزوروا مكة قطّ صورتهم عن الأرض المقدّسة أساسًا من حكاياتٍ لم يُتحقَّق منها. ولهذه النتيجة وزنها في السياسات: فتعليم المناسك الذي لا يتناول سوى الإجراءات الشعائرية لا يكفي لإعداد الحجّاج لبيئةٍ اجتماعية شديدة الاختلاف.

وأوثق أجزاء التقليد الآتشيّ صلةً بالسياسات هو وقف بيت أشي. فبحسب تقريرٍ نشره موقع Bisnis.com في يونيو 2025، اشترى الحبيب عبد الرحمن بن علوي الحبشي، المعروف بالحبيب بوغاك الآشي (Habib Bugak Asyi)، أرضًا قرب جبل المروة بأموالٍ جمعها تجّار آتشيه وأهلها، وبنى عليها دارًا لحجّاج آتشيه والمقيمين منهم في مكة. ولمّا انتُزعت الأرض لتوسعة المسجد الحرام، اشتُريت بالتعويض أرضٌ جديدة حول المسجد، شيّد عليها المطوّرون فنادق، وتموّل أرباحُها الوقف. ويسجّل تقريرٌ نشره Bisnis.com في 13 مايو 2026 أنّ الوقف أُنشئ سنة 1224هـ الموافقة لسنة 1809م أمام قاضٍ في المحكمة الشرعية بمكة المكرمة؛ وأنّ أصوله تضمّ اليوم فندق أجياد ذا الخمسة والعشرين طابقًا وبرج أجياد ذا الثمانية والعشرين طابقًا، اللذين يتّسعان لأكثر من 7,000 شخص، بقيمةٍ تقديرية تزيد على 200 مليون ريال؛ وأنّ ناظر الوقف، الشيخ عبد اللطيف محمد بلطو، سلّم في 12 مايو 2026 مبلغ 2,000 ريال للفرد، أي نحو 9.2 ملايين روبية، إلى 5,426 حاجًّا من آتشيه. وقال بلطو إنّ التوزيع النقدي جرى أحد عشر عامًا بمجموعٍ يزيد على 100 مليون ريال. ولا بدّ هنا من ملاحظتين نقديتين: فالتقرير نفسه يذكر مجموعًا قدره 11.2 مليون ريال، في حين أنّ حاصل ضرب 5,426 في 2,000 ريال يقارب 10.85 ملايين ريال، وتقرير 2025 يسمّي فندقين مختلفين، هما «جراند الماسة» (Grand Al Massa) و«بريستيج» (Prestige)، أصولًا مُدارة. وتقيّم هذه الورقة الحقائق الجوهرية المتعلقة بقِدم الوقف ومقدار ما يُصرف للحاجّ وعدد المستفيدين بثقةٍ عالية، وتفاصيل الأصول ومجموع المصروف بثقةٍ متوسطة.

ارتفع المبلغ المصروف من 1,500 ريال سنة 2024 إلى 2,000 ريال سنة 2025، بحسب Bisnis.com، وفي مايو 2026، بحسب RMOL، اقترحت حكومة آتشيه رفعه إلى 3,000 ريال، وإن كان الناظر قد صرف في النهاية 2,000 ريال مرّةً أخرى. ولا يثبت الاستحقاق إلا للحجّاج المسجَّلين من آتشيه، فلا يناله الآتشيّون الذين يغادرون من نقاط تفويجٍ أخرى. وتكمن دروس بيت أشي للسياسة الوطنية في ثلاثة أمور. أوّلها أنّ وقفًا منتِجًا أُقيم قبل قرنين يولّد تيّارًا من المنافع لا يُثقل كاهل الأجيال اللاحقة، لأنّ المنفعة تُصرف من ريع الأصول لا من ودائع مشاركين آخرين. وثانيها أنّ تملّك الأصول في الأرض المقدّسة يمنح قوةً تفاوضية ودخلًا مستقلّين عن المفاوضات السنوية مع مزوّدي الفنادق. وثالثها أنّ الحوكمة الموثوقة عبر الأجيال تقوم على ناظرٍ تعترف به السلطات السعودية وعلى وقفيةٍ تسمّي المستحقّين بوضوح. وقد أثنى المفتّش العام لوزارة الشؤون الدينية، فيصل علي هاشم (Faisal Ali Hasyim)، سنة 2025، بحسب Bisnis.com، على بيت أشي بوصفه نموذجًا مهنيًّا خاضعًا للمساءلة للوقف المنتِج. ومن المفارقة أنّ قرية الحجّاج الوطنية التي تُبنى الآن لا تتّبع منطق الوقف، بل منطق الاستثمار الحكومي.

سادسًا: الاقتصاد السياسي للطابور: الحصص وقوائم الانتظار وريوع الندرة

طابور الحجّ الإندونيسي نتاج التقاء نظامين للتقنين. ففي الجانب السعودي، تُحدّ حصّة كلّ بلدٍ بقرارٍ إداري؛ ويقدّر تقريرٌ في صحيفة The Star في يوليو 2026 حصّة ماليزيا بنحو 31,600 مقعد، أي ما يعادل 0.1 في المئة من السكان، في حين يزيد عدد المواطنين المسجَّلين على مليون. وفي الجانب الإندونيسي، يُفتح التسجيل لكلّ من يستطيع دفع الوديعة الأولى، فتنمو قائمة الانتظار أسرع بكثير من الحصّة. وبحسب تقريرٍ لمجلة Fortune Indonesia في 29 أكتوبر 2025، فإنّ حصّة عام 1447هـ الموافق لعام 2026م هي 221,000 حاجّ، منهم 203,320 حاجًّا نظاميًّا و17,680 حاجًّا خاصًّا، في مقابل قائمة انتظارٍ وطنية تضمّ 5,398,420 شخصًا. ولأوّل مرّة وُزّعت الحصّة على الأقاليم بنسبة قوائم انتظارها بموجب المادة 13 من القانون رقم 14 لسنة 2025، فتوحّدت مدّة الانتظار عند نحو 26 عامًا في جميع الأقاليم. ويؤكّد حسابٌ بسيط هذا الرقم: فقسمة 5,398,420 على 203,320 تعطي نحو 26.5 عامًا. وقد نالت آتشيه، بمسجَّليها البالغين 144,076 شخصًا، 5,426 مقعدًا، وهو بالضبط عدد المستفيدين من وقف بيت أشي في مايو 2026.

إنّ توحيد مدّة الانتظار تصحيحٌ مهمّ للعدالة بين الأقاليم، غير أنه لا يمسّ جذر المشكلة. فقد أبلغ نائب وزير الحجّ والعمرة، دهنيل أنزار سيمانجونتاك (Dahnil Anzar Simanjuntak)، اللجنةَ الثامنة في مجلس النواب في 28 أكتوبر 2025 أنّ عشرة أقاليم كسبت حصصًا وانتظارًا أقصر، في حين شهد عشرون إقليمًا تعديلاتٍ أطالت طوابيرها، وأنّ النظام سيُطبَّق ثلاث سنوات قبل أن يُقوَّم. وقبل التوحيد كان التفاوت واسعًا جدًّا؛ إذ تستشهد لائحة الاتهام في قضية حصص الحجّ، كما نقلها موقع Katadata في 11 أغسطس 2026، بقوائم انتظارٍ تصل إلى 47 عامًا خلفيةً لطلب الحصّة الإضافية سنة 2024. ومع ذلك، ما دام المسجَّلون الجدد كلّ عام أكثر من المقاعد المتاحة، فإنّ متوسط مدّة الانتظار سيواصل الامتداد مهما كانت طريقة توزيع المقاعد. فالتوحيد يوزّع الندرة توزيعًا أعدل؛ لكنه لا يقلّلها.

والندرة المنظَّمة إداريًّا تُنتج الريع دائمًا. فالسعر الرسمي لمقعد الحجّ النظامي محدّدٌ بأقلّ بكثير ممّا يرضى كثيرون بدفعه ليغادروا أبكر، ولذا فلكلّ اختصارٍ للطريق ثمنٌ نقديّ. وحصّة الحجّ الخاصّ، التي لا تتجاوز بحكم القانون ثمانية في المئة، اختصارٌ قانونيّ بسعرٍ أعلى. وتنشأ المشكلات حين يمكن تحريك الحدّ بين المسارين النظامي والخاصّ بقرارٍ إداري. فخلاصات اللجنة الخاصة بالحجّ في مجلس النواب، التي تلاها نصرون واحد (Nusron Wahid) في 30 سبتمبر 2024، تشير إلى «3,503 حجّاج خاصّين بوضع “بلا طابور”»، وإلى ثغراتٍ في ملء مقاعد المرافقين ونقل التسجيلات، وإلى نظام Siskohat المعرَّض للتدخّل لأنه لا يخضع لتدقيقٍ منتظم. وتصف لائحة الاتهام التي نقلها Katadata آلية الريع بعباراتٍ صارخة: فعن الحصّة الإضافية لعام 2023 يُدّعى أنّ رسم تعجيلٍ قدره 5,000 دولار أمريكي فُرض على كلّ حاجٍّ خاصّ، وعن الحصّة الإضافية لعام 2024 مبلغ 2,000 دولار أمريكي. وهذه الأرقام، أيًّا كان الحكم النهائي للمحكمة، تعطي فكرةً عن سعر المقعد في السوق السوداء.

يجمع الجدول أدناه أرقامًا رئيسة في الاقتصاد السياسي للحجّ يمكن التحقّق منها من مصادر عامّة، مع ماليزيا مقارِنًا. ويبيّن العمود الأخير نوع الدليل، لأنّ بعض الأرقام من حسابات المؤلف استنادًا إلى البيانات الرسمية لا أرقامٌ أعلنتها المؤسسات.

المؤشّرإندونيسياماليزياالسنةنوع الدليل
حصّة الحجّ221,000 (203,320 نظاميًّا، 17,680 خاصًّا)نحو 31,6002026بيانات الوزارة؛ وسائل الإعلام
المسجَّلون المنتظرون5,398,420أكثر من مليون2025–2026بيانات الوزارة؛ وسائل الإعلام
متوسط مدّة الانتظارنحو 26 عامًا (موحَّدة)غير معلَن رسميًّا2026تصريح نائب الوزير؛ حساب المؤلف
الكلفة الكاملة للحاجّBPIH: ‏87.41 مليون روبية (2026)؛ 98.47 مليون روبية (2027)33,300 رينغيت (ثابتة أربعة مواسم)2026–2027قرار مجلس النواب؛ بيان وزاري
ما يدفعه الحاجّBipih: ‏54.19 مليون روبية (2026)؛ 54.65 مليون روبية (2027)، مبلغٌ واحد لجميع مستويات الدخلB40: ‏15,000 رينغيت؛ M40: ‏23,500 رينغيت؛ T20: ‏33,300 رينغيت2026–2027قرار مجلس النواب؛ بيان وزاري
الدعم لكلّ حاجٍّ مغادرعوائد الاستثمار: 33.22 مليون روبية (2026)؛ 43.82 مليون روبية (2027)18,300 رينغيت (B40)؛ 9,800 رينغيت (M40)؛ صفر (T20)2026–2027قرار مجلس النواب؛ بيان وزاري
الأموال المُدارة180.74 تريليون روبيةغير مفصَّلة في المصادرنهاية 2025تقرير هيئة إدارة أموال الحجّ المدقَّق من ديوان المحاسبة (BPK)
العوائد المدفوعة لجميع المدّخرينبمتوسط 366,200 روبية للحاجّ النظامي (المرحلة الأولى، 2025)أرباحٌ بنسبة 3.50%، أي 3.22 مليارات رينغيت لـ9.7 ملايين مدّخر2025بيان هيئة إدارة أموال الحجّ؛ بيان وزاري
وقفٌ خاصّ بإقليمبيت أشي: 2,000 ريال لـ5,426 حاجًّا آتشيًّالا نظير له في المصادر2026تصريح الناظر؛ وسائل الإعلام

يكشف الجدول عن فرقٍ جوهريّ في الفلسفة. فماليزيا أبقت الكلفة الكاملة ثابتةً أربعة مواسم، وتفاضل في الدعم بحسب فئات الدخل، بحيث تدفع الفئة الأعلى دخلًا الكلفة كاملة. أمّا إندونيسيا فتترك الكلفة الكاملة ترتفع، لكنها تمنح دعمًا موحّدًا لكلّ حاجٍّ نظاميّ مغادر، دون تمييزٍ في القدرة الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، فإنّ العوائد التي يتلقّاها الحجّاج المنتظرون مباشرةً ضئيلةٌ جدًّا قياسًا بالدعم الذي يتلقّاه المغادرون. وهذه الفروق الثلاثة هي لبّ معضلة الدعم بين الأجيال التي يتناولها القسم التالي.

سابعًا: أموال الحجّ وعوائد الاستثمار ومعضلة الدعم بين الأجيال

وُلدت هيئة إدارة أموال الحجّ لفصل إدارة أموال الحجّاج عن تنظيم الحجّ، وقد نجحت في ذلك من جهة المساءلة الشكلية. فبحسب موقع Katadata في 28 يوليو 2026، بلغت الأموال التي تديرها الهيئة 180.74 تريليون روبية في 2025، بزيادة 5.30 في المئة، مع عوائد استثمار (nilai manfaat) قدرها 12.05 تريليون روبية، بزيادة 4.42 في المئة عن 2024، ونالت قوائمها المالية رأيًا غير متحفّظ من ديوان المحاسبة الأعلى (BPK) للمرّة الثامنة على التوالي. ويسجّل تقريرٌ لموقع Bisnis.com في أبريل 2025 عوائدَ لعام 2024 قدرها 11.63 تريليون روبية، منها 9.29 تريليون روبية من الاستثمارات و2.34 تريليون روبية من الإيداعات المصرفية، مع تراجع الحصّة المودَعة في المصارف الإسلامية إلى 23.75 في المئة، واحتياطيّ سيولةٍ أدنى يعادل ضعف الكلفة السنوية للحجّ، أي نحو 40.7 تريليون روبية. ويسجّل موجز المساءلة الصادر سنة 2023 عن هيئة الخبرة في مجلس النواب أنّ نحو 68.04 في المئة من الأموال كانت مودَعةً سنة 2022 في الصكوك الحكومية و29.5 في المئة في المصارف، بعوائد بلغت 5.43 في المئة سنة 2020 و6.89 في المئة سنة 2021. ومن أرقام 2025، تبلغ نسبة العوائد إلى الأموال المُدارة نحو 6.7 في المئة، وهو حسابٌ تقريبيّ لأنّ متوسط الرصيد على مدار السنة لا يُنشر في المصدر نفسه. والمحفظة محافِظة وسائلة وآمنة، لكنّ عوائدها محدودةٌ لهذا السبب بعينه.

تكمن المشكلة في طريقة إنفاق العوائد. فبحسب تقارير موقعَي Tirto وInvestor Trust، اتفق مجلس النواب والحكومة في 29 أكتوبر 2025 على متوسط كلفة حجّ (BPIH) لعام 2026 قدره 87,409,365 روبية للحاجّ النظامي، بانخفاضٍ يقارب مليونَي روبية عن 89,410,258 روبية في 2025، على أن يكون ما يدفعه الحاجّ (Bipih) نحو 54.19 مليون روبية، أي 62 في المئة، وعوائد الاستثمار نحو 33.22 مليون روبية، أي 38 في المئة. أمّا لعام 2027، فبحسب تقريرٍ لـRCTI+/Sindonews، اقترح وزير الحجّ والعمرة في 19 أغسطس 2026 كلفة حجٍّ قدرها 107,340,172 روبية لا تتجاوز فيها حصّة الحاجّ 40 في المئة، وتبلغ فيها عوائد الاستثمار 60 في المئة؛ ثم اتفق مجلس النواب والحكومة في 7 أكتوبر 2026 على كلفة حجٍّ تقارب 98.47 مليون روبية، يدفع الحاجّ منها 54,648,825 روبية، أي 55.50 في المئة، وتغطّي عوائد الاستثمار 43,817,526 روبية، أي 44.50 في المئة، فضلًا عن نحو 2.6 تريليون روبية من العوائد المتبقية تُصرف إلى الحسابات الافتراضية للحجّاج المنتظرين. وبعبارةٍ أخرى، ارتفعت الكلفة الكاملة بنحو 11 مليون روبية في عامٍ واحد، لكنّ عوائد الاستثمار تحمّلت الزيادة كلّها تقريبًا، لا الحجّاج المغادرون.

ويُظهر حسابٌ بسيط حجم الضغط. فبضرب الدعم البالغ 33.22 مليون روبية في 203,320 حاجًّا نظاميًّا، تبلغ الحاجة إلى عوائد الاستثمار في موسم 2026 نحو 6.75 تريليون روبية؛ ومع دعمٍ قدره 43.82 مليون روبية، تبلغ الحاجة في موسم 2027 نحو 8.91 تريليون روبية، أي نحو 74 في المئة من مجموع العوائد التي حقّقتها الهيئة في 2025. وبإضافة مخصّص الحسابات الافتراضية البالغ 2.6 تريليون روبية، يُوزَّع دخل الاستثمار لسنةٍ كاملة كلّه تقريبًا. وفي المقابل، بلغ التوزيع في المرحلة الأولى لعوائد 2025 على الحسابات الافتراضية، بحسب صحيفة Kontan في 8 سبتمبر 2025، نحو 2.1 تريليون روبية لقرابة 5.4 ملايين حاجّ، بمتوسط 366,200 روبية للحاجّ النظامي. فإن استمرّ هذا النمط، فإنّ الحاجّ الذي ينتظر 26 عامًا سيتلقّى في حسابه الافتراضي أقلّ من 10 ملايين روبية بالقيمة الاسمية، في حين سيتلقّى الحاجّ نفسه في سنة سفره دعمًا يزيد على 40 مليون روبية من الوعاء المشترك. وهذا الدعم الكبير يُموَّل أساسًا من عوائد ودائع ملايين آخرين لا يزالون في الانتظار. وقد خلصت اللجنة الخاصة بالحجّ في مجلس النواب سنة 2024 إلى أنّ استعمال عوائد الاستثمار جائر، لأنّ حجّاجًا لم يحِن دورهم في السفر كانوا ينتفعون بالعوائد العائدة إلى الحجّاج القابعين في الطابور.

وتغدو هذه البنية في خطرٍ حين تتلاقى ثلاثة ضغوط. أوّلها سعر الصرف: إذ يلاحظ موجز هيئة الخبرة في مجلس النواب أنّ نحو 95 في المئة من مكوّنات كلفة الحجّ تُدفع بالدولار الأمريكي أو بالريال، فيرفع ضعفُ الروبية كلفةَ الحجّ مباشرة. وثانيها الكلفة في المملكة العربية السعودية، التي تبلغ في تفصيل كلفة حجّ 2027 نحو 54.32 مليون روبية للحاجّ، أي أكثر من مجموع ما يدفعه الحاجّ نفسه. وثالثها سياسيّ: فكلّ زيادةٍ في ما يدفعه الحاجّ لا تحظى بالقبول الشعبي، ولذا يبقى إغراء سدّ الفجوة بعوائد الاستثمار قويًّا على الدوام. ويستشهد موجز مجلس النواب نفسه بإسقاطٍ لقيادة الهيئة مفاده أنّ تركيبة 60:40 قد تستنفد الأموال المُدارة بحلول 2025؛ وقد تبيّن أنّ ذلك الإسقاط كان مفرطًا في التشاؤم، لأنّ الحكومة ومجلس النواب خفّضا حصّة عوائد الاستثمار في الفترة 2023–2026، غير أنّ اقتراح 60 في المئة لعام 2027 يدلّ على أنّ الضغط في ذلك الاتجاه لم يزُل. وتقيّم هذه الورقة بثقةٍ متوسطة أنّ هذا النظام يمكن أن يستمرّ ما دامت الأموال المُدارة تنمو والعوائد مستقرّة، لكنه يزداد جورًا على الأفواج الأحدث من المسجَّلين، ويظلّ عرضةً لصدمات سعر الصرف.

ثامنًا: الحوكمة 2024–2026: اللجنة الخاصة وقضية الحصص ووزارةٌ جديدة وقرية الحجّاج

شهدت الفترة 2024–2026 أكبر إعادة تنظيمٍ لإدارة الحجّ منذ سنة 1969. وكانت نقطة انطلاقها اللجنة الخاصة بالحجّ في مجلس النواب، التي نصّت خلاصاتها في 30 سبتمبر 2024 على أنّ وزارة الشؤون الدينية ما زالت تؤدّي دور المنظِّم والمشغِّل معًا، وأنّ توزيع الحصّة الإضافية يُدّعى أنه خرق قاعدة الثمانية في المئة للحصّة الخاصّة في القانون رقم 8 لسنة 2019، وأنّ عوائد الاستثمار صُرفت قبل صدور القرار الوزاري الذي يأذن بها، وأنّ الحجّاج الذين سدّدوا كامل التكاليف ثم أُرجئ سفرهم بلغوا نحو 30 في المئة من الحصّة الوطنية، وأنّ كثيرًا من الخدمات في عرفات ومزدلفة ومنى لم يطابق العقود. وصارت تلك الخلاصات الأساسَ السياسيّ لتطوّرين: إجراءاتٌ قضائية بشأن الحصّة الإضافية، وفصلُ إدارة الحجّ عن وزارة الشؤون الدينية.

مضى المسار القضائي بسرعة. فبحسب Bisnis.com، رفعت هيئة مكافحة الفساد القضية إلى مرحلة التحقيق في 9 أغسطس 2025، وسمّت في 9 يناير 2026 وزير الشؤون الدينية السابق ياقوت خليل قوماس (Yaqut Cholil Qoumas) ومساعده الخاصّ السابق المعروف بـ«غوس أليكس» (Gus Alex) مشتبهًا بهما، مدّعيةً أنّ المقاعد الإضافية البالغة 20,000 مقعد لعام 2024 قُسمت مناصفةً، 10,000 للحجّ النظامي و10,000 للحجّ الخاصّ، في حين ينصّ القانون على 92 في المئة للنظامي و8 في المئة للخاصّ. وتستشهد لائحة الاتهام التي تُليت أمام محكمة جرائم الفساد في جاكرتا في 11 أغسطس 2026، بحسب Katadata، بخسائر للدولة لا تقلّ عن 622.09 مليار روبية استنادًا إلى تدقيقٍ تحقيقيّ أجراه ديوان المحاسبة، وبإثراءٍ ذاتيّ مزعوم قدره 271,500 دولار أمريكي. وقال محاموه إنّه لم يذكر أحدٌ من الشهود الـ432 الواردين في لائحة الاتهام أنّ ياقوت تلقّى مالًا. وبحسب Investor Trust، رفضت هيئة المحكمة دفوع المتّهم في 27 أغسطس 2026، وبحسب RM.id، أعدّت النيابة نحو 303 شهود على أن يصدر الحكم في موعدٍ أقصاه 22 ديسمبر 2026. وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر حكم، ولذا تسري قرينة البراءة كاملة. بيد أنّه، بصرف النظر عن الحكم الجنائي، فإنّ الحقيقة غير المتنازع عليها هي أنّ قسمة 50:50 قد وقعت، وهذا ما يعني تصميم السياسات: فقرارٌ إداريّ واحد استطاع أن ينقل آلاف المقاعد العالية القيمة من مسارٍ إلى آخر.

وسارت إعادة التنظيم المؤسسي في موازاة ذلك. ففي يونيو 2025، بحسب CNBC Indonesia، كشف رئيس هيئة تنظيم الحجّ (BP Haji)، محمد عرفان يوسف (Mochamad Irfan Yusuf)، عن فكرةٍ سعودية لخفض حصّة إندونيسيا بما يصل إلى 50 في المئة، وذكر المدير العام لتنظيم الحجّ والعمرة، هلمان لطيف (Hilman Latief)، مقترحًا سعوديًّا بحصر الحجّاج الذين تجاوزوا السبعين في سبعة في المئة فقط من الحصّة. وبحسب INP، أُسقطت الخطّة في 11 يونيو 2025 بعد لقاءاتٍ بين هيئة تنظيم الحجّ ومسؤولين سعوديين. وكانت الخلفية وفيات الحجّاج؛ فبحسب Investor Trust، توفّي حتى 30 يونيو 2025 ما مجموعه 418 حاجًّا إندونيسيًّا، أكثرهم بأمراض القلب. وفي 26 أغسطس 2025، بحسب Bisnis.com، أقرّ مجلس النواب التعديل الثالث للقانون رقم 8 لسنة 2019، محوّلًا هيئة تنظيم الحجّ إلى وزارة، وفي 8 سبتمبر 2025 أدّى محمد عرفان يوسف اليمين وزيرًا للحجّ والعمرة ومعه دهنيل أنزار سيمانجونتاك نائبًا له. وقد استجاب فصلُ منظِّم الحجّ عن وزارة الشؤون الدينية لإحدى خلاصات اللجنة الخاصة، لكنه أثار سؤالًا جديدًا: فالوزارة الجديدة باتت هي الأخرى منظِّمًا ومشغِّلًا معًا، وهو بالضبط الدور المزدوج الذي انتقدته اللجنة.

والخطوة الثالثة هي قرية الحجّاج، التي قُدّمت وسيلةً لخفض التكاليف. فبحسب CNBC Indonesia، وقّعت شركة دانانتارا لإدارة الاستثمار (Danantara Investment Management) وشركة ذاخر للتطوير (Thakher Development Company) في 14 ديسمبر 2025 اتفاقًا للاستحواذ على فندق نوفوتيل مكة ذاخر سيتي (Novotel Makkah Thakher City) بغرفه البالغة 1,461 غرفة، وعلى 14 قطعة أرضٍ تبلغ مساحتها نحو 4.4 هكتارات، على بُعد نحو 2.5 كيلومتر من المسجد الحرام، مع إمكان تطويرها إلى ما يصل إلى نحو 5,000 غرفة. وبحسب بيانٍ نقلته BCA Sekuritas، سُلّم الفندق في 11 أغسطس 2026، واكتمل الاستحواذ على الأرض في 18 أكتوبر 2026. ولم يُكشف عن سعر الصفقة. وثمّة كذلك فجوةٌ لافتة بين الادّعاءات السياسية وبيانات الصفقة: فقد قال وزير الشؤون الدينية نصر الدين عمر (Nasaruddin Umar) في 3 فبراير 2026، بحسب Investor Trust، إنّ الأرض التي حُصل عليها «ربّما تقارب نحو 60 هكتارًا»، في حين أنّ الصفقة الموثَّقة 4.4 هكتارات. وسعة 1,461 غرفة، على افتراض أربعة حجّاج في الغرفة، تعادل نحو 5,800 حاجّ، أي أقلّ من ثلاثة في المئة من حصّة إندونيسيا؛ وهذا حسابٌ تقريبيّ لأنّ سياسة الإشغال للغرفة الواحدة لم تُعلَن. وقد تصبح قرية الحجّاج أصلًا استراتيجيًّا، لكن من غير شفافيةٍ في السعر، وشروط التأجير لمنظّمي الحجّ، وتوزيع الأرباح، لا يستطيع الرأي العام أن يحكم أهي تخفض تكاليف الحجّاج أم أنها لا تعدو أن تنقل هوامش الفنادق من مُلّاكٍ سعوديين إلى جهةٍ استثمارية حكومية.

تاسعًا: مكة منصّةً وماليزيا مرآةً: رؤية 2030 وصندوق الحجّ الماليزي

حوّلت المملكة العربية السعودية الحجّ من خدمةٍ يُتفاوض عليها بين الدول إلى منصّةٍ تُنظَّم رقميًّا. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com في 28 أغسطس 2025 بعنوان «تحوّل الحجّ السعودي» تتتبّع الخطّ المؤسسي من لجنة إدارة الحجّ سنة 1926، والمديرية العامة لشؤون الحجّ سنة 1946، ووزارة الحجّ والأوقاف سنة 1962، إلى وزارة الحجّ والعمرة سنة 2016، وتجعل برنامج خدمة ضيوف الرحمن ركيزةً من ركائز رؤية 2030. وبحسب الصفحة الرسمية لـبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، يستهدف البرنامج طاقةً استيعابية لثلاثين مليون معتمر بحلول 2030، صعودًا من 15 مليونًا بحلول 2025 و8.5 ملايين سنة 2019، ونسبة رضًا قدرها 90 في المئة. أمّا الحجّ نفسه فمستقرّ نسبيًّا: فقد سجّلت الهيئة العامة للإحصاء السعودية 1,673,230 حاجًّا سنة 2025، وبحسب Riyadh Daily، 1,707,301 حاجّ سنة 2026، منهم 1,546,655 قدموا من الخارج. فنموّ رؤية 2030 كامنٌ في العمرة؛ أمّا الحجّ فيظلّ محدودًا بطاقة المشاعر المقدّسة، ولذا لن تنحلّ طوابير البلدان المُرسِلة الكبرى بتوسّع البنية التحتية السعودية.

والطبقة الأهمّ بالنسبة إلى إندونيسيا هي التحوّل إلى المنصّة. فبحسب وزارة الحجّ والعمرة السعودية في مايو 2026، تربط منصّة «نسك مسار» التعاقد، والمهامّ التشغيلية، وتحويلات المحافظ الإلكترونية، وإصدار التأشيرات في منظومةٍ واحدة، ولتطبيق «نسك» أكثر من 51 مليون مستخدم وأكثر من 100 خدمة، وقُرئت «بطاقة نسك» لأوّل مرّة بأجهزة استشعارٍ ذكية لرصد حركة الحجّاج. وبحسب Arab News في 29 سبتمبر 2026، طرحت المملكة لموسم 2027 باقةً شاملة تتيح لمكاتب شؤون الحجّاج في البلدان المُرسِلة التعاقد على السكن والنقل والإعاشة وخدمات المشاعر عبر طلبٍ إلكترونيّ واحد. وتلاحظ مقالة حوكمة الحجّ المنشورة على موقع kba13.com أنّ المؤسسة الواحدة استُبدلت بها منذ 2022 شركاتٌ متعدّدة، وأنّ إندونيسيا تعاملت مع ثماني شركات سنة 2025، وأنّ المملكة حدّت كلّ شركةٍ بمئة ألف حاجّ. وبالنسبة إلى إندونيسيا، تخفض المنصّة تكاليف المعاملات وتحسّن إمكان التتبّع، لكنها تنقل أيضًا السلطة التنظيمية: فالمعايير، وجداول الدفع، واختيار مقدّمي الخدمات، باتت تحدّدها على نحوٍ متزايد البنيةُ الرقمية السعودية. وصارت قوة إندونيسيا التفاوضية تتألّف أساسًا من الحجم، أي نحو 14 في المئة من الحجّاج القادمين من الخارج، ومن سمعتها في الامتثال.

وتقدّم ماليزيا مرآةً نافعة، بمواطن قوّتها وإخفاقاتها معًا. فصندوق الحجّ الماليزي مؤسسةٌ ادّخارية تدفع العوائد لجميع المدّخرين، لا للمغادرين وحدهم. فبحسب The Vibes في 18 مارس 2026، دفع الصندوق أرباحًا بنسبة 3.50 في المئة بعد الزكاة عن السنة المالية 2025، أي 3.22 مليارات رينغيت لـ9.7 ملايين مدّخر، صعودًا من 3.25 في المئة سنة 2024. أمّا الكلفة الكاملة لحجّ المؤسسة، بحسب The Vibes في أكتوبر 2025 وThe Star في سبتمبر 2026، فقد بقيت 33,300 رينغيت للموسم الرابع على التوالي، تدفع منها فئة B40 مبلغ 15,000 رينغيت، وفئة M40 مبلغ 23,500 رينغيت، وفئة T20 المبلغ كاملًا، مع مخصّصات للمساعدة المالية في الحجّ قدرها 210 ملايين رينغيت لموسم 2026 و234 مليون رينغيت لموسم 2027. وهذا النموذج أعدل رأسيًّا، لأنّ الدعم يتّجه إلى الفئات الأدنى دخلًا، وأعدل بين الأجيال، لأنّ عوائد الاستثمار تُوزَّع على جميع المدّخرين كلّ عام.

لكنّ صندوق الحجّ الماليزي يعلّم المخاطر أيضًا. فبحسب بيانٍ رسميّ للصندوق في أبريل 2019، عانت المؤسسة عجزًا في الأصول قدره 4.1 مليارات رينغيت سنة 2017، وعالجت إعادةُ هيكلتها عجزًا قدره 10.9 مليارات رينغيت بنقل أصولٍ متدنّية الأداء قيمتها الدفترية 9.7 مليارات رينغيت إلى الشركة الحكومية «أوروسهارتا جماعة» (Urusharta Jamaah) بسعر 19.9 مليار رينغيت، سُدّد بـ19.6 مليار رينغيت صكوكًا و300 مليون رينغيت نقدًا، في حين لم تتجاوز الهبة لعام 2018 نسبة 1.25 في المئة. ولهذا الدرس وزنه بالنسبة إلى إندونيسيا، التي تُحثّ الآن، ومن ذلك موجز هيئة الخبرة في مجلس النواب، على تحويل محفظة هيئة إدارة أموال الحجّ من الإيداعات المصرفية إلى الأسهم المباشرة طلبًا لعوائد أعلى. فالعوائد الأعلى تعني مخاطر أعلى، وماليزيا تبيّن أنّ إخفاق الحوكمة في صندوقٍ للحجّ تتحمّله الدولة في نهاية المطاف. وتقيّم هذه الورقة بثقةٍ عالية أنّ نموذج الدعم القائم على القدرة الاقتصادية وتوزيع العوائد على جميع المدّخرين يمكن الاستفادة منه من ماليزيا، وبثقةٍ عالية مماثلة أنّ استراتيجية الاستثمار الجريئة من غير حوكمةٍ قوية يجب تجنّبها.

عاشرًا: ماذا قال القادة: كلفةٌ أرخص، وثقةٌ شخصية، وأمانةٌ مشتركة

هيمن على خطاب القادة الإندونيسيين بشأن الحجّ في العامين الماضيين وعدٌ واحد: تكاليف أقلّ وخدمةٌ لائقة. فقد أعلن الرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto)، في «المجاهدة الكبرى» احتفاءً بمئوية جمعية نهضة العلماء في مالانغ (Malang) في 8 فبراير 2026، بحسب Bisnis.com، أنه «عازمٌ على خفض كلفة الحجّ للشعب الإندونيسي»، ووعد بأنّ «جميع الحجّاج سيُضمن لهم سكنٌ لائق». وفي المناسبة نفسها، بحسب Investor Trust، قال إنّ «هذه هي المرّة الأولى في التاريخ التي تسمح فيها حكومة المملكة العربية السعودية لأمّةٍ أخرى بتملّك أرضٍ في مدينة مكة المقدّسة»، وإنّ السعوديين «غيّروا قانونهم خصّيصًا إكرامًا للأمّة الإندونيسية»، مع هدفٍ بإنشاء قريةٍ للحجّاج لائقة في غضون ثلاث سنوات. والوعد بخفض التكاليف صادقٌ سياسيًّا، لكنه يصطدم بالحساب الذي عُرض في القسم السابع. فبعد ثمانية أشهر من ذلك الخطاب، ارتفعت كلفة حجّ 2027 فعلًا بنحو 11 مليون روبية، ولم يتسنَّ إبقاء ما يدفعه الحجّاج منخفضًا إلا لأنّ عوائد الاستثمار امتصّت الزيادة كلّها تقريبًا. فوعد الحجّ الرخيص، في ظلّ البنية القائمة، وعدٌ يموّله الحجّاج الذين لا يزالون في الانتظار.

وتستحقّ ادّعاءات المعاملة السعودية الخاصّة كذلك قراءةً نقدية. فقد قال وزير الشؤون الدينية نصر الدين عمر، بحسب Investor Trust في 3 فبراير 2026، إنّه «لم تنل دولةٌ أخرى شيئًا كهذا سوى إندونيسيا»، في حين يذكر التقرير نفسه أنّ المملكة العربية السعودية أصدرت قرارًا رسميًّا يتيح للأجانب شراء الأراضي والفنادق في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة. فإن كان هذا القرار يسري على الأجانب عمومًا، فإنّ تميّز إندونيسيا يكمن في سرعة الانتفاع به وحجمه، لا في حصريةٍ قانونية. ويظهر النمط نفسه في تصريح نائب رئيس هيئة تنظيم الحجّ، دهنيل أنزار سيمانجونتاك، في يونيو 2025، بحسب INP، أنّ المسؤولين السعوديين قالوا إنّهم ما زالوا يثقون ثقةً قوية بإندونيسيا، «ولا سيّما بالرئيس برابوو». فدبلوماسية الحجّ القائمة على العلاقة الشخصية لرأس الدولة قد تُثمر قراراتٍ سريعة، كإسقاط فكرة خفض الحصّة، لكنها هشّةٌ ما لم تُمأسَس في قواعد تُلزم الطرفين. ويُبيّن تاريخ الشبكات الجاوية أنّ ديمومة علاقة الأرخبيل بالحرمين الشريفين قامت على المؤسسات، أي العلماء والأوقاف والجاليات، لا على شخص الحاكم.

أمّا خطاب المسؤولين السعوديين فيُولي وزنًا أكبر للمسؤولية المشتركة وجاهزية الحجّاج. فقد قال وزير الحجّ والعمرة توفيق الربيعة، لدى لقائه وزير الحجّ والعمرة الإندونيسي في جدّة يومَي 16–17 فبراير 2026، بحسب RMOL، إنّ نجاح إندونيسيا في إدارة حجّاجها هو نجاحٌ للمملكة العربية السعودية أيضًا، وإنّ «هذه الأمانة يجب أن نحفظها معًا». وقال محمد عرفان يوسف في ذلك اللقاء: «اتفقنا على أنه لا جدول أعمال لنا سوى إنجاح حجّ 2026». وشدّد نائب وزير الحجّ السعودي عبد الفتاح مشاط، سنة 2025، بحسب Investor Trust، على أنّ أرقام وفيات الحجّاج يجب أن تُسترشد بها في الاستعداد، بما في ذلك الفحص الصحي والمتابعة قبل السفر. وفي زيارته لإندونيسيا في 29 أبريل 2024، بحسب وزارة الحجّ والعمرة السعودية، افتتح الربيعة معرضًا لـ«نسك» وناقش دمج التقنية الرقمية. والرسالة الضمنية متّسقة: ستُبقي المملكة العربية السعودية الباب مفتوحًا، لكن بشرط الامتثال لمعاييرها الصحية ولمنصّتها. وقد أقرّ الوزير عرفان يوسف نفسه بذلك في 8 يونيو 2026، بحسب وكالة Antara، قائلًا إنّ «الحكومة السعودية تُكثر على نحوٍ متزايد من الاعتماد على تطبيق نسك الإلكتروني»، وإنّ حصّة 2027 لم تُحدَّد رسميًّا بعد، ولذا يُعتمد رقم 221,000 مرجعًا.

ويقدّم خطاب ماليزيا تباينًا حادًّا. فقد قال الوزير في دائرة رئيس الوزراء (للشؤون الدينية) ذو الكفل حسن (Zulkifli Hasan)، بحسب The Star في 9 سبتمبر 2026، إنّ الحكومة «تظلّ ملتزمةً بضمان أداء فريضة الحجّ على نحوٍ مستدامٍ ومنصف» (remains committed to ensuring that the haj pilgrimage can be performed sustainably and equitably)، وإنّها ستواصل متابعة بنية التكاليف بما يواكب التطوّرات العالمية؛ ووصف في مارس 2026، بحسب The Vibes، أرباح الـ3.50 في المئة بأنها انعكاسٌ لأداءٍ ماليّ أفضل. فمفرداته الاستدامة والإنصاف، لا خفض التكاليف. ومن جهة الجهة المديرة لأموال الحجّ الإندونيسية، وصف رئيس المجلس التنفيذي لهيئة إدارة أموال الحجّ، فضل إيمانشاه (Fadlul Imansyah)، بحسب Investor Trust في 30 أكتوبر 2025، اتفاق كلفة حجّ 2026 بأنه توازنٌ «بين قدرة الحجّاج على الدفع وإدارة عوائد أموال الحجّ»، ووعد بأنّ حقوق الحجّاج في الطابور تظلّ مضمونة. وشدّد الرئيس التنفيذي لدانانتارا، روسان روسلاني (Rosan Roeslani)، بحسب البيان الذي نقلته BCA Sekuritas في أكتوبر 2026، على أنّ التركيز ينصبّ على «إدارة هذه الأصول بانضباطٍ استثماريّ صارم». وكلّ واحدٍ من هذه التصريحات صحيحٌ في إطاره، لكنّ مسؤولًا إندونيسيًّا واحدًا لم يقل علنًا كم يجوز أن يُنفَق من عوائد الاستثمار على الحجّاج المغادرين دون التضحية بالمنتظرين. وغياب هذا الرقم هو أكبر فجوةٍ في السياسات.

حادي عشر: الحجج المضادّة: ما سيقوله المدافعون عن النظام القائم

تذهب الحجّة المضادّة الأولى إلى أنّ الدعم من عوائد الاستثمار صورةٌ مشروعة من التكافل، لأنّ الحجّاج جميعًا سيغادرون في نهاية المطاف ويتلقّون الدعم نفسه. وتصمد هذه الحجّة إن تحقّقت ثلاثة شروط: أن تنمو الأموال المُدارة، وأن تستقرّ العوائد، وألّا يرتفع الدعم للحاجّ الواحد أسرع من دخل الاستثمار. وتُظهر بيانات 2026–2027 أنّ الشرط الثالث بدأ ينكسر، لأنّ الدعم للحاجّ الواحد ارتفع من نحو 33.2 مليون روبية إلى 43.8 مليون روبية في عامٍ واحد، في حين لم ترتفع عوائد الهيئة في 2025 إلا بنسبة 4.42 في المئة. والتكافل الذي يقتطع كلّ عام حصّةً أكبر من الوعاء المشترك لم يعد متناظرًا؛ فالذين يسجّلون لاحقًا يتحمّلون خطر أن تكون قدرة الوعاء على الدعم قد تراجعت حين يحين دورهم.

وتذهب الحجّة المضادّة الثانية إلى أنّ رفع ما يدفعه الحاجّ سيُقصي الفقراء وينتهك مبدأً عادلًا للاستطاعة، أي القدرة على أداء الحجّ. والقلق مشروع، ولهذا السبب بعينه يكتسب النموذج الماليزي صلته: فالتكاليف الأعلى لا يلزم أن تُفرض على الجميع بالتساوي. إذ يمكن تركيز الدعم على الفئات الأدنى دخلًا، في حين تدفع الفئات الأعلى دخلًا ما يقارب الكلفة الكاملة. وإندونيسيا تمنح الآن الدعم نفسه للتاجر الموسر وللمزارع الصغير، وهو خيارٌ يميل، بحسب استنتاج هذه الورقة، إلى أن يكون تنازليًّا، لأنّ الميسورين أقدر على تقديم الوديعة الأولى في سنٍّ مبكرة، ومن ثَمّ ينتفعون بالدعم أبكر. وتذهب الحجّة المضادّة الثالثة إلى أنّ الطابور ناجمٌ عن الحصّة السعودية، فيكون الإصلاح الداخلي عديم الجدوى. وهذا نصف الحقيقة: فالحصّة خارجةٌ فعلًا عن سيطرة إندونيسيا، لكنّ سرعة نموّ الطابور، ومقدار الوديعة الأولى، وقواعد نقل التسجيلات، وتوزيع عوائد الاستثمار، كلّها داخلةٌ تمامًا في نطاق السيطرة الداخلية.

وتذهب الحجّة المضادّة الرابعة إلى أنّ الوزارة الجديدة وقرية الحجّاج قد أثبتتا جدواهما، لأنّ المملكة العربية السعودية أسقطت فكرة خفض الحصّة، وبقيت حصّة 2026 عند 221,000، وباتت إندونيسيا تملك فندقًا من 1,461 غرفة قرب المسجد الحرام. وتُسلّم هذه الورقة بأنّ الاحتراف المؤسسي وتملّك الأصول قد يعزّزان القوة التفاوضية. غير أنّ النجاح التفاوضي في 2025 جاء قبل إنشاء الوزارة رسميًّا، وتملّك الفندق لم يتحوّل بعدُ إلى تكاليف أدنى ما دام نظام التأجير وسعر الصفقة مغلقين. وأمّا الحجّة المضادّة الخامسة، التي يسوقها دفاع وزير الشؤون الدينية السابق، فهي أنّ توزيع الحصّة الإضافية لعام 2024 كان تقديرًا سياساتيًّا لمصلحة سلامة الحجّاج ومحدودية طاقة منى؛ وقد قال ياقوت نفسه في 27 أغسطس 2026 إنه يأمل أن تقيّم المحكمة السياسات التي اعتمدها في ضوء خدمة الحجّاج وسلامتهم. وستفصل المحكمة في المسألة الجنائية. أمّا بالنسبة إلى السياسة العامة فالدرس يبقى هو هو: فالسلطة التقديرية القادرة على نقل آلاف المقاعد العالية القيمة من غير شفافيةٍ آنية تصميمٌ مؤسسيّ يستدعي الريع، أيًّا كان المسؤول.

ثاني عشر: سيناريوهات 2026–2030 والتوصيات السياساتية

السيناريو الأوّل والأرجح هو الاستقرار مع دعمٍ متضخّم. تثبت الحصّة عند نحو 221,000، وتمتدّ مدّة الانتظار ببطءٍ إلى ما بعد 26 عامًا، ويُبقى ما يدفعه الحاجّ في نطاق 54–58 مليون روبية لأسبابٍ سياسية، وتمتصّ عوائد الاستثمار معظم التكاليف المتصاعدة في المملكة العربية السعودية. وتعمل قرية الحجّاج جزئيًّا، ويُفصل في قضية الحصص في نهاية 2026، فتتعافى ثقة الرأي العام تعافيًا محدودًا. والخطر في هذا السيناريو مؤجَّل لا مُزال: فمع الاقتراب من 2030 قد تقترب نسبة الدعم إلى عوائد الاستثمار السنوية من حدّها الأقصى، ولا سيّما إن ضعفت الروبية. والسيناريو الثاني هو الإصلاح العادل. تضع الحكومة ومجلس النواب سقفًا لحصّة عوائد الاستثمار المخصّصة للحجّاج المغادرين، وتُدخلان تدريجيًّا دعمًا قائمًا على القدرة الاقتصادية، وتفتحان سجلًّا آنيًّا للحصص، وتجعلان قرية الحجّاج أصلًا مشتركًا للحجّاج وفق نظامٍ قريبٍ من الوقف المنتِج. فترتفع التكاليف على الميسورين، لكن تُصان استدامة الصندوق والعدالة بين الأجيال. والسيناريو الثالث هو أزمة الثقة، التي يُطلقها اجتماعُ صدمةٍ في سعر الصرف، وارتفاعٍ حادّ في تكاليف المشاعر المقدّسة، وحكمٍ قضائيّ يكشف شبكة ريعٍ أوسع، أو ضغطٍ سياسيّ لاستعمال أموال الحجّ في أغراضٍ أخرى. وفي هذا السيناريو تتزايد عمليات سحب الودائع، وتُضطرّ الهيئة إلى الاحتفاظ بسيولةٍ فائضة، وتنخفض العوائد، فتغدو دورة الدعم غير قابلةٍ للاستدامة.

وتُقدَّم سبع توصيات للدفع نحو السيناريو الثاني. أولاها أن تنشر وزارة الحجّ والعمرة سجلًّا مفتوحًا للحصص يُظهر آنيًّا كلّ مقعدٍ نظاميّ وخاصّ، وكلّ نقلٍ للتسجيل، وكلّ ملءٍ للحصّة المتبقية، مع تدقيقاتٍ أمنية دورية لنظام Siskohat كما أوصت اللجنة الخاصة لعام 2024، وحظرٍ صارم لأيّ صورةٍ من صور رسوم التعجيل. والثانية أن يحدّد مجلس النواب بالتعاون مع هيئة إدارة أموال الحجّ، في قانونٍ أو لائحةٍ حكومية، الحصّةَ القصوى من عوائد الاستثمار السنوية التي يجوز استعمالها لدعم الحجّاج المغادرين، كنصف عوائد السنة السابقة مثلًا، على أن يُلزَم بتوزيع الباقي على الحسابات الافتراضية لجميع الحجّاج المنتظرين. والثالثة أن تصمّم الحكومة خريطة طريقٍ خمسية نحو دعمٍ قائمٍ على القدرة الاقتصادية، باستعمال بيانات الرفاه الوطنية، بحيث تدفع الفئات الأعلى دخلًا ما يقارب الكلفة الكاملة مع بقاء الفئات الهشّة محميّة. والرابعة أن تكشف دانانتارا عن سعر الاستحواذ على فندق نوفوتيل ذاخر وعلى الهكتارات الـ4.4 من الأرض، والأسعار المفروضة على منظّمي الحجّ، وخططها لتقاسم الأرباح، وأن تنظر بالتعاون مع هيئة الأوقاف الإندونيسية في بنيةٍ هجينة تتيح أن يتدفّق جزءٌ من منفعة الأصول مباشرةً إلى الحجّاج، استفادةً من تجربة بيت أشي.

والخامسة أن تعمل حكومة آتشيه مع ناظر وقف بيت أشي على التوثيق العلني لتاريخ الوقفية، وقائمة الأصول، وتقارير التوزيع السنوية، كي يغدو الوقف نموذجًا مرجعيًّا وطنيًّا ويُحمى من الادّعاءات التي لا أساس لها، بما في ذلك توضيح وضع الآتشيّين الذين يغادرون من نقاط تفويجٍ أخرى. والسادسة أن توسّع وزارة الحجّ والعمرة بالتعاون مع وزارة الصحة تعليمَ المناسك ليشمل الإعداد الثقافي والصحي، انسجامًا مع نتائج البحث بشأن الصدمة الثقافية لدى حجّاج آتشيه ومع المتطلّبات السعودية في الاستطاعة الصحية، لا سيّما أنّ 418 حاجًّا إندونيسيًّا توفّوا حتى نهاية يونيو 2025. والسابعة أن تُشكّل إندونيسيا وماليزيا وبروناي منتدًى فنيًّا للحجّ الجاوي للتفاوض الجماعي بشأن معايير منصّة «نسك»، وجداول الدفع، وخدمات المشاعر، لأنّ الحجم المجتمِع للبلدان الثلاثة يمنح قوةً تفاوضية لا يملكها أيٌّ منها منفردًا. ويمكن لهذا المنتدى أيضًا أن يُحيي الشبكات العلمية الجاوية في الحرمين الشريفين دبلوماسيةً ثقافية، لا مجرّد ذاكرةٍ تاريخية.

ثالث عشر: حدود الدراسة

لهذه الورقة أربعة حدود. أوّلها أنّ القوائم المالية التفصيلية لهيئة إدارة أموال الحجّ، بما فيها أحدث تركيبةٍ للمحفظة والإسقاطات الاكتوارية للالتزامات تجاه الحجّاج المنتظرين، لم تكن متاحةً في المصادر التي رُجع إليها، ولذا يقوم تحليل الاستدامة على الأرقام الإجمالية وحسابات المؤلف البسيطة. وثانيها أنّ قضية حصص الحجّ لم يُفصل فيها بعد، ولذا فإنّ جميع الروايات عن الجبايات المزعومة وتدفّقات الأموال مصدرها لائحة الاتهام وتصريحات الأطراف، لا نتائج قضائية نهائية. وثالثها أنّ سعر الصفقة ونظام الانتفاع بقرية الحجّاج لم يُكشفا، وأنّ ادّعاءات المسؤولين بشأن مساحة الأرض تخالف بيانات الصفقة، ولذا فإنّ تقييم منافعها مؤقّت. ورابعها أنّ بيانات وقف بيت أشي مصدرها تصريحات الناظر وتقارير وسائل الإعلام، مع بعض التضارب في الأرقام، لأنّ القوائم المالية للوقف غير متاحةٍ للعموم. كما أنّ أجزاءً من السرد التاريخي لشبكات علماء آتشيه تقوم على الرواية الشفوية وشهادات الأسر التي لم تُقابَل بعدُ بالأرشيفات.

رابع عشر: الخاتمة: من الشُّرفة إلى المنظومة

لم يكن الطريق إلى مكة من الشُّرفة يومًا مجرّد رحلةٍ مادية. ففي القرن السابع عشر حمل عبد الرؤوف السنكيلي إلى المدينة المنوّرة ثم أعاده بالفقه والتفسير اللذين صاغا الإسلام الملايوي. وفي القرن التاسع عشر صار موضوعًا لرقابة سنوك هورخرونيه ولسياسةٍ استعمارية فصلت العبادة عن السياسة. وفي القرن العشرين صار قناةً لدبلوماسية الجمهورية ثم احتكارًا لبيروقراطية الدولة. وهو اليوم طابورٌ رقميّ يُدار عبر منصّةٍ سعودية، ويموّله صندوقٌ مُدارٌ عملاق، وتتنازعه ريوع الندرة. وتلتقط المختارات De Atjehers 2: Dari Serambi Mekkah ke Serambi Kopi (الآتشيّون 2: من شُرفة مكة إلى شُرفة القهوة، 2021) وتتمّتها De Atjehers 3، بتحرير مهاجر الفيروزي (Muhajir Al-Fairusy)، تحوّلَ الهوية الآتشيّة من إقليمٍ يُعرَّف بالدين والصراع نحو مجتمعٍ أكثر انفتاحًا على العالم، في حين يسأل كتاب The Veranda of Mecca (شُرفة مكة، 2026) عمّا يعنيه لقب «شُرفة مكة» بعد التسونامي والحرب وإعادة الإعمار. والسؤال نفسه ينطبق اليوم على الحجّ: ما معنى أن تكون الأمّة الأكبر إرسالًا للحجّاج إذا كانت المنظومة تُلزم مواطنيها بانتظار ربع قرن، وتُحمّل الجيلَ القادم تكاليفَ الجيل الحاضر؟

وتخلص هذه الورقة إلى أنّ إصلاح الحجّ الإندونيسي يجب أن ينتقل من سياسة السعر إلى سياسة العدل. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com في 31 أكتوبر 2025 بعنوان «التحديث في العالم الملايوي/جنوب شرق آسيا» تقترح تحديثًا متحضّرًا يجمع بين العقلانية والتقنية من جهة، والقيم الإنسانية والتوحيد من جهةٍ أخرى؛ والتحديث المتحضّر، بلغة سياسات الحجّ، يعني منصّةً رقمية شفّافة، وصندوقًا عادلًا بين الأجيال، وأصولًا يملكها الحجّاج ملكيةً مشتركة. وليس أثمن ما خلّفته شُرفة مكة لقبَها، بل المؤسساتِ التي بناها علماؤها وتجّارها: شبكاتٍ علمية تجاوزت السلطنات، وكتبَ مناسك أعدّت الحجّاج، ووقفًا لا يزال بعد قرنين يُعطي كلّ حاجٍّ آتشيّ من ريع أصوله الخاصّة. فإن استطاعت وزارة الحجّ والعمرة وهيئة إدارة أموال الحجّ ودانانتارا أن تبني مؤسساتٍ بهذا القدر من الديمومة والنزاهة، فقد تغدو قرية الحجّاج في ذاخر بيتَ أشي لإندونيسيا كلّها. وإن لم تستطع، فلن تكون إلا موضعَ ريعٍ آخر في السلسلة الطويلة للاقتصاد السياسي للعبادة.

المراجع والمصادر

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). الطريق إلى مكة من الشُّرفة: الحجّ وشبكات العلماء الجاويين والاقتصاد السياسي للعبادة في جنوب شرق آسيا. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الجيوسياسة والإعلام والفكر الإسلامي.

من المرصد

تحليلات أخرى