في كلّ عام يعبر مئات الآلاف من الإندونيسيين، من ميدان (Medan) وباندا آتشيه (Banda Aceh) وبيكانبارو (Pekanbaru) وجاكرتا وسورابايا (Surabaya)، مضيقَ ملقا طلبًا للعلاج في بينانغ (Penang) وملقا (Melaka) وكوالالمبور وسنغافورة. ويتتبّع هذا التقرير البحثي الحجمَ الحقيقيّ لهذا التدفّق، ويكشف عن الجهات التي تستأثر بسوقه، ويبحث في الأسباب التي تحمل المرضى على الرحيل، ويتساءل عمّا إذا كانت الأجوبة التي تقدّمها جاكرتا، من المنطقة الاقتصادية الخاصّة للصحّة في سانور (Sanur) إلى استقدام الأطبّاء الأجانب، تبلغ جذر المشكلة.
الملخّص
يدرس هذا التقرير البحثي تدفّق المرضى الإندونيسيين إلى ماليزيا وسنغافورة بوصفه مرآةً لإخفاقات النظام الصحي الإندونيسي ولإمكاناته الإصلاحية في آنٍ معًا. وهو يجمع بين المقالات المنشورة على موقع kba13.com ومجموعة «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13» من جهة، وبين المسح الصحي الإندونيسي لعام 2023، وبيانات مجلس ماليزيا للسفر العلاجي، والإفصاحات البورصية وتقارير المحلّلين عن مجموعة IHH Healthcare ومجموعة KPJ ومستشفى آيلاند (Island Hospital)، والأجوبة البرلمانية المكتوبة الصادرة عن وزارة الصحّة السنغافورية، وتصريحات الرئيس جوكو ويدودو (Joko Widodo) والرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto) ووزير الصحّة بودي غونادي صادقين (Budi Gunadi Sadikin)، فضلًا عن وزراء ومسؤولين ماليزيين وسنغافوريين، من جهة أخرى. ويخلص التقرير إلى ثلاث نتائج: أولاها أنّ الأرقام الرسمية الإندونيسية عن حجم هذا النزوح العلاجي متضاربة، إذ تتراوح بين مليون شخص ومليونين، وبين 150 تريليون روبية و170 تريليون روبية سنويًّا، ويصعب التوفيق بينها وبين إيرادات المستشفيات الماليزية التي سجّلت نحو 970,000 زيارة لمرضى إندونيسيين وإيرادات بلغت 2.2 مليار رينغيت في عام 2025. وثانيتها أنّ العامل الحاسم ليس السعر وحده، بل الثقة والسرعة واكتمال الخدمات والتواصل بين الطبيب والمريض. وثالثتها أنّ الاستجابة الإندونيسية ما زالت تعوّل على تشييد المستشفيات الفاخرة، في حين يكمن أصل المشكلة في نقص الأطبّاء وسوء توزيعهم، وكلفة الأدوية والمعدّات، وثقافة الخدمة. ويقدّم التقرير ثلاثة سيناريوهات حتى عام 2030، وتوصياتٍ موجّهةً إلى مؤسّسات مسمّاة بعينها.
الأطروحة
ليس المرضى الإندونيسيون الذين يعبرون إلى بينانغ وسنغافورة مجرّد مشترين للخدمات يبحثون عن الأسعار الزهيدة، بل هم مواطنون «يصوّتون بأقدامهم» ضدّ نظام صحّي لم يكسب ثقتهم بعد؛ وما دامت إندونيسيا تواجه هذا التدفّق بالمستشفيات الفاخرة وخطاب العملة الصعبة، بدلًا من ترميم الثقة، وتقليص أوقات الانتظار، وإصلاح توزيع الأطبّاء، وتحسين التواصل السريري، فسيظلّ المضيق ممرًّا غير رسميّ للإحالة الطبّية تسلكه الطبقات الوسطى في سومطرة وجاوة.
البيانات والمصادر
المسح الصحي الإندونيسي لعام 2023، وبيانات مجلس ماليزيا للسفر العلاجي وبيانات بينانغ (2023–2026)، وتقارير المحلّلين عن IHH وKPJ ومستشفى آيلاند، والأجوبة المكتوبة لوزارة الصحّة السنغافورية (2018–2020)، وبيانات هيئة الضمان الاجتماعي الصحي (BPJS Kesehatan) لعام 2025، والقانون رقم 17 لسنة 2023، وتصريحات رؤساء ووزراء إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة (2023–2026)، والأدبيات العلمية، والمقالات المنشورة على موقع kba13.com، ومجموعة «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13».
الإطار التحليلي
حراك المرضى بوصفه «تصويتًا بالأقدام»، واقتصاد الثقة السريرية، والممرّات الصحّية العابرة للحدود، والتقييم المتدرّج للأدلّة.
الاستشراف
ثلاثة سيناريوهات لتدفّقات المرضى الإندونيسيين في الفترة 2026–2030، وثماني توصيات موجّهة إلى وزارة الصحّة، وهيئة الضمان الاجتماعي الصحي، ووزارة المالية، وحكومتَي إقليمَي آتشيه وسومطرة الشمالية، والمستشفيات التعليمية.
الكلمات المفتاحية: السياحة العلاجية؛ بينانغ؛ ماليزيا؛ سنغافورة؛ نزيف الإنفاق الصحي إلى الخارج؛ قانون الصحّة رقم 17 لسنة 2023؛ المنطقة الاقتصادية الخاصّة في سانور؛ التأمين الصحي الوطني؛ توزيع الأطبّاء؛ آتشيه
أولًا: الملخّص التنفيذي: مضيقٌ صار ممرًّا للإحالة الطبّية
في السادس من مارس 2023، وفي أثناء افتتاحه مستشفى مايابادا (Mayapada Hospital) في باندونغ، أطلق الرئيس جوكو ويدودو رقمًا سيُستشهد به مرّةً بعد مرّة: إنّ ما يقارب مليونَي إندونيسيّ يطلبون العلاج في الخارج، نحو مليون منهم في ماليزيا ونحو 750,000 في سنغافورة، ممّا يُفقد البلاد 165 تريليون روبية من العملة الصعبة، على نحو ما أوردته صحيفة Bisnis.com. وبعد ثلاث سنوات سجّلت ماليزيا رقمًا قياسيًّا جديدًا؛ فبحسب صحيفة New Straits Times قدم إلى ماليزيا في عام 2025 أكثر من 970,000 مريض إندونيسي، ودرّوا إيرادات بلغت 2.2 مليار رينغيت، بزيادة قدرها 23 في المئة على العام السابق. أمّا بينانغ وحدها، فقد خدمت في عام 2025، بحسب بيان لحكومة الولاية أوردته صحيفة The Star، ما مجموعه 527,176 مريضًا أجنبيًّا في ستّة عشر مستشفًى خاصًّا، وكانت إندونيسيا أكبر أسواقها. ويتساءل هذا التقرير عن السبب في استمرار هذا التدفّق في النموّ، على الرغم من أنّ إندونيسيا أقرّت قانونًا جديدًا للصحّة، ووسّعت مظلّة التأمين الصحي الوطني لتشمل 98.62 في المئة من السكّان، وافتتحت أولى مناطقها الاقتصادية الخاصّة المتخصّصة في الصحّة في سانور.
والجواب المختصر أنّ المرضى الذين يعبرون المضيق لا يشترون السعر في المقام الأوّل، بل يشترون اليقين. فقد وجد المسح الصحي الإندونيسي لعام 2023 أنّ 93.5 في المئة من الأسر التي سبق لها أن طلبت العلاج في الخارج رأت أنّ المرافق في بلد المقصد أكثر اكتمالًا، وأنّ 91.7 في المئة رأت أنّ الخدمات جاءت على قدر توقّعاتها، وأنّ 89.3 في المئة وصفتها بأنّها سريعة ودقيقة ومُحكَمة. وتنبثق من الأدلّة المجموعة هنا أربعة أحكام: أوّلها، بدرجة ثقة عالية، أنّ ماليزيا، وبينانغ على وجه الخصوص، قد غدت الوجهة الرئيسة للمرضى الإندونيسيين، وأنّها تسوّق نفسها على نحو منهجيّ في المدن الإندونيسية، في حين تحوّلت سنغافورة نحو شريحة متخصّصة من الحالات المعقّدة والمرضى الأثرياء. وثانيها، بدرجة ثقة عالية، أنّ الأرقام الرسمية الإندونيسية عن حجم هذا النزوح وقيمته من العملة الصعبة متضاربة، ومن المرجّح جدًّا أنّها مُضخَّمة إذا قيست بإيرادات المستشفيات في بلدان المقصد. وثالثها، بدرجة ثقة متوسّطة، أنّ الثقة وأوقات الانتظار والتواصل السريري أهمّ من السعر. ورابعها، بدرجة ثقة متوسّطة، أنّ الاستجابة السياساتية الإندونيسية حتى عام 2026 استهدفت الشريحة الفاخرة أكثر ممّا عملت على إصلاح مسارات الإحالة للطبقة الوسطى في سومطرة، مع أنّ هذه الطبقة هي التي تشكّل فيها أكثف الممرّات.
ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة
يستند هذا التقرير إلى ثلاثة مفاهيم. أوّلها حراك المرضى بوصفه «تصويتًا بالأقدام». ففي الاقتصاد السياسي، يملك المواطنون غير الراضين عن خدمة عامّة أن يرفعوا صوت احتجاجهم أو أن يخرجوا من النظام. والمرضى الإندونيسيون القادرون على تحمّل الكلفة يختارون الخروج، وهو اختيار يحمل معلومات ثمينة عن مواطن الضعف في النظام الذي يتركونه وراءهم، لكنّه في الوقت نفسه يُضعف الضغط السياسي من أجل الإصلاح الصادر عن أعلى الفئات صوتًا. والمفهوم الثاني هو اقتصاد الثقة السريرية. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com بعنوان «مدخل إلى العلوم الطبّية: عمارة الشفاء والمعرفة والرعاية الإنسانية» (Introduction to Medical Science: The Architecture of Healing, Knowledge, and Human Care، يوليو 2026) تؤكّد أنّ الطبّ علمٌ وفنٌّ ورسالةٌ في آنٍ واحد، وأنّ العلاقة بين الطبيب والمريض علاقةُ ائتمان، وأنّ المرضى الذين يثقون بأطبّائهم أكثر التزامًا بالعلاج وأكثر استعدادًا للإفصاح عن المعلومات المهمّة. وتحذّر المقالة كذلك من أنّ المهارة التقنية للطبيب قد يقوّضها ضعف التمويل وسوء توزيع القوى العاملة. والثقة في هذا الإطار ليست شعورًا ذاتيًّا محضًا، بل هي أصلٌ من أصول النظام قابلٌ للنموّ أو للتآكل. أمّا المفهوم الثالث فهو الممرّ الصحّي العابر للحدود، أي مسار لحراك المرضى تشكّله القرابة الجغرافية، واتّصال الرحلات الجوّية، واللغة، والشبكات العائلية، وتسويق المستشفيات، من قبيل ممرّ ميدان–بينانغ أو ممرّ بيكانبارو–ملقا.
ويعتمد التقرير منهج البحث المكتبي القائم على تحليل الوثائق وتثليث البيانات. وتشمل المصادر الأوّلية مقالاتٍ منشورة على موقع kba13.com عن العلاقات بين آتشيه وبينانغ، وهجرة الآتشيّين إلى شبه جزيرة الملايو، وآتشيه بوصفها مرآةً لإندونيسيا، وتأمّلات في ذكرى الاستقلال، إلى جانب مجموعة «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13» التي تضمّ مقالات رأي منشورة في صحيفة كومباس (Kompas) عن الإيبولا، وهجرة العقول، والغذاء والصحّة، وعرضًا تقديميًّا عن آثار آتشيه في العالم الملايوي، وكتبًا تضمّ خطب مهاتير محمد ونجيب رزاق عن العولمة الماليزية. وقد جرت مقابلة هذه المصادر بالمسح الصحي الإندونيسي لعام 2023، وبيانات هيئة الضمان الاجتماعي الصحي، وبيانات مجلس ماليزيا للسفر العلاجي وبياناته الصحفية، وتقارير محلّلي شركات الوساطة المالية، والأجوبة البرلمانية المكتوبة لوزارة الصحّة السنغافورية، والدراسات الأكاديمية، والتغطيات الإعلامية الإندونيسية والماليزية والسنغافورية. ويُعدّ الحكم ذا درجة ثقة عالية إذا استند إلى عدّة مصادر مستقلّة من بينها مصادر رسمية، وذا درجة ثقة متوسّطة إذا كانت الأدلّة قويّة لكنّها ناقصة أو صادرة عن نوع واحد من المصادر، وذا درجة ثقة منخفضة إذا قام أساسًا على الاستنتاج. ولا يتاح للتقرير الوصول إلى بيانات الهجرة المتعلّقة بأغراض السفر، ولذلك تُعامَل أعداد المرضى دائمًا على أنّها تقديرات صادرة عن مصادر بعينها، لا على أنّها حقيقة واحدة.
ثالثًا: التاريخ: المضيق فضاءً مشتركًا للعيش، من شارع آتشين إلى ممرّ المستشفيات
لم يولد تدفّق المرضى من سومطرة إلى بينانغ من رحم كتيّبات المستشفيات الدعائية، بل هو يسير على دروب أقدم من ذلك بكثير. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com بعنوان «كيف كان التاريخ المبكّر لعلاقات آتشيه ببينانغ في شبه جزيرة الملايو» (How the Early History of Aceh’s Relations with Penang in the Malay Peninsula، يوليو 2026) تُبيّن أنّ التجّار الآتشيّين كانوا ناشطين في بينانغ قبل أن يفتتح فرانسيس لايت (Francis Light) مرفأها في عام 1786، وكانوا يتاجرون في تيلوك جيلوتونغ (Teluk Jelutung)، وأنّ الساحل الشمالي والشرقي لآتشيه، من لوكسوماوي (Lhokseumawe) وإيدي (Idi) وسيمبانغ أوليم (Simpang Ulim) إلى تاميانغ (Tamiang)، كان يقود تجارة واسعة مع بينانغ. وتصف المقالة بينانغ بأنّها بوّابة للتجّار الآتشيّين ولأصحاب المساعي السياسية ولحجّاج بيت الله الحرام. ويتتبّع العرض التقديمي «آثار آتشيه في العالم الملايوي» (Jejak Aceh dalam Dunia Melayu)، الذي قُدِّم في رياو (Riau) في نوفمبر 2013 (أرشيف ومكتبة KBA13)، الروابطَ ذاتها من زاوية أخرى: الذاكرة الجماعية لتوسّعات السلطان إسكندر مودا (Iskandar Muda)، ودور باساي (Pasai) في أسلمة ملقا، وعلاقات آتشيه بِبيراك (Perak) وبينانغ. والدرس المستفاد من المصدرين واضح: فشبه جزيرة الملايو ليست، في نظر الآتشيّين وأهل شمال سومطرة، «خارجًا» بالمعنى الثقافي، بل هي الضفّة الأخرى من فضاء عيش واحد شطره خطّ حدوديّ استعماريّ.
وتضيف مقالة أخرى منشورة على موقع kba13.com، بعنوان «كيف كانت هجرة الآتشيّين إلى شبه جزيرة الملايو؟» (How is the Migration of the Acehnese to the Malay Peninsula?، يوليو 2026)، طبقةً اجتماعية أقرب إلى زمننا. فهي ترصد المستوطَن الآتشيّ حول لبوه آتشيه (Lebuh Aceh) أو شارع آتشين (Acheen Street)، الذي عُرف حتى منتصف القرن العشرين باسم «جدّة الثانية» لأنّه كان يخدم الحجّاج، وتورد تصريح حكومة ولاية بينانغ بأنّ معظم الآتشيّين قد اندمجوا اندماجًا تامًّا في المجتمع الملايوي، وتصف الطرق الحديثة من باندا آتشيه إلى بينانغ عبر الرحلات المباشرة أو مرورًا بكوالالمبور. وتلاحظ المقالة أيضًا، في عبارة ذات شأن لهذه الدراسة، أنّ بعض الآتشيّين يقصدون بينانغ للعلاج في عدد من مستشفياتها، ولا سيّما مستشفى لام واه إي (Lam Wah Ee Hospital). وتكشف هذه العبارة أنّ طلب العلاج في بينانغ قد صار جزءًا من المخزون الاعتيادي لحياة الأسرة الآتشيّة، شأنه شأن التجارة أو الهجرة أو التوقّف في الطريق إلى الحجّ، لا حدثًا استثنائيًّا مقصورًا على الأغنياء.
وفوق هذه الطبقة الثقافية شُيّدت طبقة تجارية حديثة. ففي مارس 2018، وبحسب وكالة ANTARA Aceh، افتتحت شركة ماليندو للطيران (Malindo Air) خطًّا بين باندا آتشيه وبينانغ بواقع ثلاث رحلات أسبوعيًّا، وصرّح مدير هيئة السياحة الماليزية في ميدان، أزهري هارون (Azhari Haron)، بأنّ السياحة العلاجية من عوامل الجذب التي تستقطب الآتشيّين إلى بينانغ؛ وتضمّنت رحلة التعريف المخصّصة لوكلاء السفر والصحفيين من باندا آتشيه جلسات عمل مع مستشفى الأدفنتست (Adventist) ومستشفى غلين إيغلز (Gleneagles) في بينانغ. وفي أبريل 2019، وبحسب موقع IMTJ، افتتح مستشفى KPJ بينانغ مكتبًا تمثيليًّا في باندا آتشيه للمساعدة في النقل والفنادق والتواصل مع الأطبّاء، وعرض استقبالًا مجّانيًّا من المطار وإقامةً مجّانية للمرضى الآتشيّين وذويهم، وكان قد أبرم قبل ذلك اتّفاقًا مع مستشفى ميوراكسا (Meuraxa) ومستشفى الدكتور زين العابدين (Dr Zainoel Abidin) في باندا آتشيه. وهذه الحقيقة الأخيرة جديرة بالتشديد: فالمستشفيات الماليزية لا تكتفي بمنافسة مستشفيات آتشيه، بل نسجت روابط مؤسّسية مع مستشفى الإحالة الرئيس في الإقليم، فأضفت على مسار الإحالة غير الرسمي إلى الخارج شرعيةً شبه رسمية.
رابعًا: ما حجم التدفّق؟ أرقامٌ متصادمة
يُعدّ حجم النزوح العلاجي للمرضى الإندونيسيين من أكثر الأرقام السياساتية تداولًا وأقلّها خضوعًا للاختبار. ففي السادس من مارس 2023 تحدّث الرئيس جوكو ويدودو عن قرابة مليونَي شخص و165 تريليون روبية. وفي الرابع عشر من يونيو 2023، وفي أثناء افتتاحه مستشفى تسو تشي (Tzu Chi Hospital) في منطقة PIK بجاكرتا، قدّم أرقامًا مختلفة: نحو مليون شخص سنويًّا، وخسارة في العملة الصعبة قدرها 11.5 مليار دولار أمريكي، أي نحو 170 تريليون روبية، وأنّ نحو 60 في المئة من المرضى يأتون من جاكرتا، و15 في المئة من سورابايا، والباقين من ميدان وباتام (Batam)، على نحو ما أورده موقع DDTCNews. وفي الخامس والعشرين من يونيو 2025، عند تدشين منطقة سانور، تحدّث وزير المؤسّسات المملوكة للدولة إريك ثوهير (Erick Thohir) عن نحو مليونَي شخص ينفقون قرابة 150 تريليون روبية سنويًّا، بحسب Bisnis.com. وفي العشرين من يناير 2026 في لندن، قدّر الرئيس برابوو سوبيانتو الوفورات الممكنة من تقليص العلاج في الخارج بستّة مليارات دولار أمريكي سنويًّا، بحسب Bisnis.com. لقد انتقل عدد الأشخاص من مليونين إلى مليون ثمّ عاد إلى مليونين في غضون ثلاث سنوات، وتراوحت قيمة العملة الصعبة بين نحو ستّة مليارات دولار وأكثر من أحد عشر مليار دولار، من غير أن يسمّي تصريح واحد مصدر بياناته.
| المصدر والتاريخ | عدد الأشخاص | القيمة | نوع الدليل |
|---|---|---|---|
| الرئيس جوكوي، 6 مارس 2023 | قرابة مليونين (نحو مليون إلى ماليزيا، ونحو 750,000 إلى سنغافورة) | 165 تريليون روبية | خطاب، دون ذكر المصدر |
| الرئيس جوكوي، 14 يونيو 2023 | نحو مليون سنويًّا | 11.5 مليار دولار أمريكي (نحو 170 تريليون روبية) | خطاب، دون ذكر المصدر |
| وزير المؤسّسات المملوكة للدولة والرئيس التنفيذي لمجموعة InJourney، 25 يونيو 2025 | نحو مليونين سنويًّا | قرابة 150 تريليون روبية سنويًّا | تصريح رسمي |
| الرئيس برابوو، 20 يناير 2026 | غير مذكور | وفورات قدرها 6 مليارات دولار أمريكي سنويًّا | خطاب في لندن |
| المسح الصحي الإندونيسي 2023 | نحو 0.1 في المئة من الأسر على مدى ثلاث سنوات | غير مقيسة | مسح وطني للأسر |
| مجلس ماليزيا للسفر العلاجي (MHTC)، بيانات 2025 | أكثر من 970,000 زيارة لمرضى إندونيسيين إلى ماليزيا | 2.2 مليار رينغيت من إيرادات المستشفيات | بيانات مقدّمي الخدمة في بلد المقصد |
| المجلس الوطني للمناطق الاقتصادية الخاصّة، 2022 | هدف منطقة سانور: 123,000–240,000 مريض، أي ما يعادل 4–8 في المئة من المتوجّهين إلى الخارج | وفورات تصل إلى 86 تريليون روبية بحلول عام 2045 | إسقاط تخطيطي |
وتقدّم البيانات الواردة من جهة المقصد صورةً أضيق نطاقًا لكنّها أكثر قابلية للتحقّق. فبحسب صحيفة New Straits Times، سجّلت ماليزيا في عام 2025 نحو 1.8 مليون سائح علاجي من جميع البلدان، بإيرادات قدرها 3.35 مليار رينغيت، استأثر المرضى الإندونيسيون منها بأكثر من 970,000 زيارة و2.2 مليار رينغيت من الإيرادات. أمّا سنغافورة، فقد نقل تقرير لصحيفة Business Times في ديسمبر 2024 تقديرًا لمؤسّسة RHB مفاده أنّ إيرادات السياحة العلاجية في سنغافورة عام 2023 لم تتجاوز نحو 250–270 مليون دولار أمريكي لجميع الجنسيات، مقارنةً بنحو 444 مليون دولار لماليزيا و850 مليون دولار لتايلاند. وحتى لو جُمعت إيرادات السياحة العلاجية في ماليزيا وسنغافورة بأكملها ونُسبت إلى إندونيسيا وحدها، لظلّت النتيجة دون المليار دولار بفارق كبير، في حين تتحدّث الأرقام الرسمية الإندونيسية عن أكثر من عشرة مليارات دولار. وقد صرّح الرئيس التنفيذي بالوكالة لمجلس ماليزيا للسفر العلاجي، فريزال جعفر (Farizal Jaafar)، لمجلّة The Edge Malaysia في أغسطس 2023 بأنّ كلّ رينغيت يُنفق على العلاج يولّد نحو أربعة رينغيتات في الصناعات المرتبطة به، كالفنادق والنقل والتسوّق. وحتى مع أسخى المضاعِفات، لا يقترب مجموع إنفاق المرضى الإندونيسيين في ماليزيا من 150 تريليون روبية.
ويزيد مسح الأسر هذا التوتّر حدّة. فبحسب الملخّص الذي أعدّه موقع GoodStats للمسح الصحي الإندونيسي لعام 2023، لم يتجاوز عدد الأسر الإندونيسية التي حصلت على خدمات صحّية في الخارج خلال السنوات الثلاث السابقة نحو 0.1 في المئة، وتصدّرت ماليزيا قائمة الوجهات، تلتها سنغافورة فالمملكة العربية السعودية فالإمارات العربية المتّحدة فكوريا الجنوبية، وكان الفحص الطبّي الشامل أكثر الخدمات طلبًا بنسبة 65.7 في المئة، تلته الجراحة بنسبة 19.2 في المئة، ثمّ خدمات الصحّة الإنجابية وصحّة الأمّ والطفل بنسبة 7.3 في المئة، فعلاج السرطان بنسبة 5.7 في المئة. ونسبةٌ بهذا الصغر يصعب التوفيق بينها وبين الادّعاء بأنّ مليونَي شخص يغادرون سنويًّا، ما لم يكن مسح الأسر عاجزًا عن الوصول إلى الفئات الحضرية الثريّة، وهو أمر شائع في المسوح الوطنية. والتفسير الأرجح أنّ مجموعات الأرقام الثلاث تقيس أشياء مختلفة: فمجلس ماليزيا للسفر العلاجي يحصي الزيارات، بما فيها الزيارات المتكرّرة للشخص الواحد؛ والأرقام الرئاسية مستمدّة على الأرجح من تقديرات صناعية تخلط الإنفاق الطبّي بإنفاق السفر؛ ومسح الأسر يحصي الأسر لا الرحلات. ويحكم التقرير بدرجة ثقة عالية بأنّ التدفّق حقيقيّ ومتنامٍ، لكنّه يحكم بدرجة ثقة متوسّطة بأنّ أرقام العملة الصعبة التي تستخدمها الحكومة الإندونيسية تبالغ في قيمته الاقتصادية المباشرة، على الأقلّ بالنسبة إلى الممرَّين الماليزي والسنغافوري.
وليس هذا الالتباس شأنًا أكاديميًّا فحسب. فقد غدا رقم «165 تريليون روبية من العملة الصعبة المفقودة» المسوّغَ الرئيس لسياسات من قبيل المنطقة الاقتصادية الخاصّة للصحّة في سانور، والانفتاح على الأطبّاء الأجانب، والمستشفيات الدولية المملوكة للمؤسّسات الحكومية. وقد ذكر إسقاطٌ أوردته صحيفة Bisnis.com في نوفمبر 2022 أنّ منطقة سانور يُتوقّع أن تخدم ما بين 4 و8 في المئة من الإندونيسيين الذين كانوا يقصدون الخارج للعلاج، أي نحو 123,000 إلى 240,000 مريض، وهو حساب يفترض ضمنًا قاعدةً تقارب ثلاثة ملايين مريض، أي أكبر حتى من الأرقام الرئاسية. وإذا كان الرقم الأساس خاطئًا، فإنّ أهداف الاستثمار، وتقديرات الوفورات من العملة الصعبة التي تصل إلى 86 تريليون روبية بحلول عام 2045، وحجم السياسات المبنيّة عليها، كلّها خاطئة بدورها. والخطوة الأولى الأرخص والأشدّ إلحاحًا أمام وزارة الصحّة وهيئة الإحصاء الإندونيسية هي بناء إحصاءات رسمية عن حراك المرضى بمنهجية مفتوحة، بالتعاون مع سلطات الهجرة ومع مجلس ماليزيا للسفر العلاجي، قبل أن تُستثمر روبيةٌ أخرى على أساس أرقام لم تُختبر قطّ.
خامسًا: خريطة العرض: بينانغ وملقا وكوالالمبور وسنغافورة
على جانب العرض، تتعامل ماليزيا مع المرضى الإندونيسيين بوصفهم سوقًا تصديرية استراتيجية تُدار بانضباط الدولة. فمجلس ماليزيا للسفر العلاجي (Malaysia Healthcare Travel Council) هيئةٌ تابعة لوزارة الصحّة الماليزية، ووزير الصحّة ذو الكفل أحمد (Dzulkefly Ahmad) هو رئيسه أيضًا. وفي الرابع والعشرين من يوليو 2025، وبحسب بيان صحفي للمجلس، أطلق الوزير «عام ماليزيا للسياحة العلاجية 2026» (Malaysia Year of Medical Tourism 2026) بهدف بلوغ إيرادات صناعية قدرها 12 مليار رينغيت بحلول عام 2030، بعد أن بلغت إيرادات عام 2024 ما مقداره 2.72 مليار رينغيت مع 1.6 مليون مسافر للعلاج. ثمّ تُرجمت الحملة إلى سلسلة من الفعاليات في إندونيسيا: معرض ماليزيا في غانداريا سيتي (Gandaria City) بجاكرتا من 4 إلى 7 يونيو 2026 بمشاركة عشرين من مقدّمي الرعاية الصحّية الماليزيين؛ ومعرض MHX ميدان في أبريل 2026، وهو أوّل فعالية كبرى في المدينة منذ عام 2022، وقد شاركت فيه، بحسب وكالة ANTARA، تسع عشرة مؤسّسة واستهدف ما لا يقلّ عن 1,665 مريضًا محتملًا؛ ومعرض MHX يوغياكارتا من 20 إلى 23 أغسطس 2026، الذي وقع الاختيار عليه، بحسب وكالة Bernama، بسبب سكّان المدينة المتعلّمين، وتنامي الطلب على الرعاية التخصّصية، والرحلات المباشرة إلى كوالالمبور.
وتُصاغ هذه الدعاية بلغة محسوبة بعناية. فقد قدّم معرض MHX ميدان ماليزيا وجهةً موثوقة للحصول على الرأي الطبّي الثاني ولعلاج الحالات المعقّدة، واستهدف الأسر الباحثة عن اليقين إزاء التشخيصات العسيرة، وصوّر الفعالية على أنّها تعزيزٌ لـ«ممرّ الرعاية الصحّية بين ميدان وبينانغ»، وهو ممرّ يضمّ أكثر من خمسة عشر مليون نسمة، ولا يتجاوز عرضه نحو 160 كيلومترًا، وتخدمه قرابة 56 رحلة جوّية أسبوعيًّا. وفي أكتوبر 2024، وبحسب CNA Indonesia، عُرض أمام السفارة الماليزية في شارع إتش آر رسونا سعيد (Jalan HR Rasuna Said) ملصقٌ برعاية مجلس ماليزيا للسفر العلاجي كُتب عليه: «تحتاج إلى العلاج؟ اذهب إلى ماليزيا فحسب! أقرب وأيسر كلفة»، على بعد نحو 650 مترًا من مقرّ وزارة الصحّة الإندونيسية. وتحدّثت سفيرة علامة «ماليزيا للرعاية الصحّية» (Malaysia Healthcare)، المطربة سيتي نور هاليزا (Siti Nurhaliza)، في جاكرتا في يونيو 2026 عن حاجة المرضى إلى الطمأنينة والتفهّم والأمل. ويدلّ ذلك كلّه على أنّ ماليزيا لا تبيع إجراءات طبّية، بل تبيع تجربة الشعور بالثقة والمرافقة والتفهّم، وذلك تحديدًا في المواضع التي يكثر فيها تذمّر المرضى من المستشفيات في بلدهم.
وبينانغ هي مركز الثقل في هذه السوق. ففي عام 2025، وبحسب تصريح لرئيس لجنة السياحة والاقتصاد الإبداعي في بينانغ، وونغ هون واي (Wong Hon Wai)، أوردته صحيفة The Star، خدمت ستّة عشر مستشفًى خاصًّا في بينانغ 527,176 مريضًا أجنبيًّا، بزيادة قدرها 25.94 في المئة عن 418,608 مرضى في عام 2024، وبإيرادات بلغت 1.14 مليار رينغيت. وقال إنّ بينانغ تسهم بنحو 45 في المئة من إيرادات السياحة العلاجية الوطنية، مع أنّ الأرقام ذاتها تعطي نسبةً تقارب 34 في المئة إذا قُسمت على الإيرادات الوطنية البالغة 3.35 مليار رينغيت، ممّا يرجّح أنّ ادّعاء الـ45 في المئة يقوم على أساس حسابيّ مختلف. أمّا مستشفى آيلاند، فقد خدم، بحسب رئيسته التنفيذية ليم كوي لينغ (Lim Kooi Ling) في حديثها إلى وكالة Bernama في يوليو 2025، أكثر من 230,000 مريض في عام 2024، نصفهم من إندونيسيا، بطاقة 600 سرير، ويقدّم خدمات النقل من المطار وإليه، وحجوزات الفنادق، والباقات السياحية؛ وأكّدت أنّ أطبّاءه وموظّفيه يجيدون اللغة الإندونيسية. وفي نوفمبر 2024، وبحسب مجلّة The Edge، أتمّت مجموعة IHH Healthcare استحواذها على مستشفى آيلاند مقابل نحو 3.9 مليار رينغيت قيمةً للأسهم. وبهذا الاستحواذ باتت IHH، التي تملك أيضًا مستشفى غلين إيغلز بينانغ وشبكة باركواي (Parkway) في سنغافورة، تسيطر على أكبر عقدتين في ممرّ سومطرة–بينانغ، فضلًا عن العقدة الرئيسة في الممرّ المتّجه إلى سنغافورة.
وتُظهر مجموعات المستشفيات الأخرى الاعتماد ذاته. فبحسب مجلّة The Edge Malaysia في عام 2023، شكّلت إندونيسيا 78 في المئة من شريحة المرضى الدوليين لدى مجموعة KPJ Healthcare، وصرّح رئيس مجموعة صنواي للرعاية الصحّية (Sunway Healthcare Group)، لاو بينغ لونغ (Lau Beng Long)، بأنّ هدفهم الرئيس هو استكمال ما ينقص وسدّ الثغرات في خدمات الرعاية الصحّية في إندونيسيا. ويدرج تقرير Alvarez & Marsal لعام 2024 مركز ماكوتا الطبّي (Mahkota Medical Centre) في ملقا ضمن أبرز وجهات المرضى الإندونيسيين، مع خطوط عبّارات من دوماي (Dumai) وبيكانبارو، ويلاحظ أنّ أسعار المستشفيات الخاصّة في بينانغ أدنى في المتوسّط بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المئة من نظيراتها في كوالالمبور. أمّا سنغافورة فتسير في اتّجاه مختلف. فبحسب التغطية التي نشرها موقع HealthXchange التابع لمجموعة SingHealth، تراجعت نسبة المرضى الأجانب إلى نحو 15 في المئة من قاعدة مرضى IHH Healthcare في سنغافورة في نهاية عام 2023، بعد أن كانت 20 في المئة في عام 2019، بسبب ارتفاع التكاليف، وقوّة الدولار السنغافوري، ومنافسة ماليزيا وتايلاند، في حين يتزايد قدوم المرضى الأجانب من أجل الرعاية الحرجة والمعقّدة، كالعلاج بالبروتونات. وبعبارة أخرى، تنازلت سنغافورة عن سوق الفحوص الروتينية لبينانغ، واحتفظت بسوق علاج السرطان المعقّد والمرضى الأثرياء.
سادسًا: لماذا يرحلون؟ الثقة والسعر والوقت والتواصل
يذهب التفسير الشائع إلى أنّ السعر هو السبب الرئيس، غير أنّ الأدلّة ترسم صورة أكثر تعدّدًا في طبقاتها. فقد خلصت دراسة أجرتها ميغان أورموند (Meghann Ormond) وديان سوليانتو (Dian Sulianto) على مرضى إندونيسيين في كوتشينغ (Kuching) بولاية ساراواك، أورد موقع IMTJ نتائجها في يونيو 2014، واستندت إلى 35 مقابلة معمّقة، إلى أنّ التصوّر القائل بأنّ الإندونيسيين يقصدون ماليزيا طلبًا لأرخص صفقة فحسب تصوّرٌ مفرط في التبسيط. فقد رأى المرضى أنّ تكاليف التشخيص والعلاج والدواء متقاربة في البلدين، وتحمّلوا عن طيب خاطر الكلفة الإضافية للنقل والإقامة بسبب ثقتهم بجودة التشخيص والعلاج والأدوية، وتوصيات الأقارب، والشبكات العائلية العابرة للحدود. ووجد مسحٌ أجرته تري دامايانتي (Trie Damayanti) وزملاؤها، ونُشر في مجلّة Jurnal Kajian Komunikasi (2021)، وشمل نحو 96 مستجيبًا في سومطرة وجاوة، أنّ أبرز التصوّرات عن ماليزيا تتعلّق بمصداقية خدماتها وأطبّائها، ومعدّاتها الطبّية، وقدرتها على إيصال المعلومات، وبنيتها التحتية. وكلا المصدرين يفضي إلى النتيجة نفسها: إنّ السلعة المطلوبة هي المصداقية.
ولا يزال للسعر شأنه، لكن بوصفه ثمنًا لليقين لا مجرّد ثمن لإجراء طبّي. فتقرير Alvarez & Marsal يقدّر كلفة جراحة استبدال الركبة في ماليزيا بما بين 7,000 و8,000 دولار أمريكي، مقارنةً بما بين 15,500 و16,500 دولار في سنغافورة، ويقدّر الأسعار الماليزية بنحو نصف نظيرتها السنغافورية، مع إقراره بأنّ بعض العلاجات في المستشفيات الخاصّة الإندونيسية قد تكون أرخص منها في ماليزيا. والفاعلون الإندونيسيون أنفسهم يشيرون إلى بنية التكاليف. فقد قال رئيس المجلس التنفيذي لنقابة الأطبّاء الإندونيسيين، أديب خميدي (Adib Khumaidi)، في التاسع من مارس 2023، إنّ الضرائب هي المشكلة الرئيسة، وقارن بين الفحوص الشاملة التي تُقدَّم في الخارج على هيئة باقات وبين المسارات السريرية في إندونيسيا، على نحو ما أورده موقع Suara Surabaya. وصرّح تجاندرا يوغا أديتاما (Tjandra Yoga Aditama)، الأستاذ في كلّية الطبّ بجامعة إندونيسيا، لموقع Tirto في الثالث عشر من مارس 2023 بأنّ المعدّات الطبّية أغلى فعلًا في إندونيسيا منها في بعض البلدان المجاورة، وبأنّ المرضى تجتذبهم أيضًا سرعة الخدمة وسرعة صدور نتائج الفحوص. وفي نوفمبر 2024 أقرّ المدير العام للخدمات الصحّية في وزارة الصحّة، أزهر جايا (Azhar Jaya)، لموقع detikHealth بأنّ كثيرًا من الأدوية ما زال مستوردًا، وبأنّ الوزارة تتفاوض مع وزارة المالية لخفض الضرائب، مضيفًا أنّ الضرائب ليست السبب في كلّ شيء.
ويتكرّر ذكر الوقت والتواصل مرّةً بعد مرّة، حتى على ألسنة المسؤولين أنفسهم. ففي مقالة detikHealth ذاتها، قال طبيب الأورام رونالد أ. هوكوم (Ronald A. Hukom) من الجمعية الإندونيسية لأمراض الدم والأورام الباطنية إنّ مرضى السرطان في بينانغ يستطيعون إتمام دورة العلاج في نحو أسبوع واحد، في حين قد يستغرق العلاج نفسه في إندونيسيا ما يصل إلى أربعة أسابيع، وإنّ بعض أدوية العلاج الكيميائي لا تغطّيها هيئة الضمان الاجتماعي الصحي بعدُ لأنّها تُعدّ باهظة الثمن. وأضاف أزهر جايا أنّ الأطبّاء في الخارج يمنحون المرضى وقتًا أطول، وأنّ التواصل بين الطبيب والمريض في إندونيسيا لا يزال عسيرًا. وشرح اقتصاديّ الصحّة حسب الله ثبراني (Hasbullah Thabrany)، في تقرير لمجلّة نيكاي آسيا (Nikkei Asia) أعاد موقع KrASIA نشره في مارس 2025، الجذرَ البنيويّ للمسألة: فالأطبّاء الإندونيسيون كثيرًا ما يوزّعون أوقاتهم على عدّة مرافق، فلا يبقى لكلّ مريض إلّا وقت يسير. أمّا مقالة kba13.com عن العلوم الطبّية المشار إليها آنفًا، فتؤكّد أنّ أخذ التاريخ المرضي هو البوّابة الأولى للتشخيص، وتشدّد على بروتوكولات إبلاغ الأخبار السيّئة، وعلى اتّخاذ القرار المشترك بين الطبيب والمريض. وكلّ ذلك يتطلّب وقتًا، والوقت هو بالضبط ما يعوز نظامًا يشكو نقص الأطبّاء ويدفع لهم أجورهم عن كلّ زيارة في أماكن متعدّدة في آنٍ واحد.
ويمثّل تصوّر الخطأ في التشخيص أشدّ الطبقات حساسيةً وأعسرها قياسًا. فقد ردّ المتحدّث باسم وزارة الصحّة، محمد شهريل (Mohammad Syahril)، في التاسع والعشرين من مايو 2023، على موجة الإندونيسيين المتوجّهين إلى بينانغ للعلاج، بأنّ السفر للعلاج في الخارج مسألةُ اختيار واعتقاد، وأنّ الأمر يرجع في النهاية إلى الثقة، وأنّ بعض الأمراض ثبت أنّ علاجها ممكن في إندونيسيا، وأنّ بعض الناس ربّما يذهبون بدافع الوجاهة وأحاديث الجيران، على نحو ما أورده موقع detikHealth. وكان الجدل قد أثارته رواية أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بأنّ خمسة عشر طبيبًا في إندونيسيا أوصوا بإجراء جراحة لاستبدال الركبة، في حين حصل في بينانغ على علاج أرخص بكثير. وفي الأثناء، صرّح الرئيس المدير لهيئة الضمان الاجتماعي الصحي آنذاك، علي غفران مختي (Ali Ghufron Mukti)، لصحيفة Bisnis.com في الخامس عشر من مارس 2023، بأنّ الخدمات الإندونيسية ليست أسوأ في عمومها، إلّا في حسن الضيافة والتدقيق، مستشهدًا بمريض مصاب بالتهاب الكبد أُجريت له عملية في سنغافورة لكنّه لم يتعافَ إلّا بعد علاجه في بلده. وفي كلا الردّين شيء من الحقيقة، لكنّهما يكشفان أيضًا نزوع المسؤولين إلى نقل المشكلة إلى نفسية المرضى. فالإقرار بتأخّر إندونيسيا في «التدقيق» إقرارٌ يتعلّق بالجودة السريرية لا بالوجاهة، ويحكم هذا التقرير بدرجة ثقة متوسّطة بأنّ التجارب غير المتّسقة في التشخيص داخل البلاد، سواء أكانت خاطئة فعلًا أم أُسيء شرحها فحسب، هي من المحرّكات الرئيسة للبحث عن رأي طبّي ثانٍ في الخارج.
سابعًا: آتشيه وسومطرة: ممرٌّ صحّيّ عند مدخل مضيق ملقا
ليس العلاج في بينانغ بالنسبة إلى آتشيه رقمًا إحصائيًّا وطنيًّا، بل هو تجربة اجتماعية يومية. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com بعنوان «آتشيه مرآةً لإندونيسيا: من العقل الأمني إلى العقل الجيوسياسي والجيواستراتيجي» (Aceh sebagai Cermin Indonesia: Dari Nalar Keamanan menuju Nalar Geopolitik dan Geostrategi، سبتمبر 2026) تلاحظ أنّ مستشفيات بينانغ ظلّت منذ أمد بعيد وجهةً علاجية لأسر الطبقة الوسطى الآتشيّة، وأنّ النفوذ الماليزي في آتشيه يعمل عبر التعليم والصحّة والعمالة والمساعدات الإنسانية والتجارة والهويّة الملايوية الإسلامية، وأنّ المساعدات الطبّية الماليزية كانت أوّل مساعدة طبّية دولية تصل إلى آتشيه بعد فيضانات أواخر نوفمبر 2025. وتحذّر المقالة من أنّ غياب جاكرتا عن هذه الميادين ينطوي على خطر تحويل الوجهة الآتشيّة تدريجيًّا نحو ماليزيا. ومن منظور هذا التقرير، ينبغي أن يُقرأ هذا التحذير بدقّة: فتدفّق المرضى إلى بينانغ ليس تهديدًا للسيادة، بل مؤشّر على أنّ الدولة تفقد واحدةً من أكثر قنواتها حميميّةً في بناء ثقة المواطنين، أي رعايتهم حين يمرضون.
وتكشف أزمة نظام التأمين الصحي الآتشيّ (JKA) في عام 2026 مدى هشاشة هذه القناة. فالمقالة المنشورة على موقع kba13.com بعنوان «تأمّلات في الذكرى الحادية والثمانين لاستقلال الجمهورية الإندونيسية: هل ما زالت آتشيه الحرّة ذات جدوى؟» (Refleksi 81 Tahun Kemerdekaan RI: Masih Relevankah Aceh Merdeka?، أغسطس 2026) ترصد أنّ لائحة الحاكم رقم 2 لسنة 2026 بشأن نظام JKA، التي وُقّعت في التاسع والعشرين من يناير 2026 تحت وطأة الضغوط المالية، قصرت النظام على الأسر الواقعة في الشريحتين العُشريّتين السادسة والسابعة، ودفعت نحو 500,000 من السكّان في الشرائح من الثامنة إلى العاشرة نحو هيئة الضمان الاجتماعي الصحي. وقد تعثّر تطبيقها في الأوّل من مايو 2026 بسبب عدم موثوقية بيانات المستفيدين؛ فوجد سائقو الدرّاجات النارية الأجيرة والعاملون في القطاع غير الرسمي وذوو الإعاقة أنفسهم مصنَّفين ضمن الميسورين، واضطربت أعمال المستشفيات والمراكز الصحّية، وانتشرت الاحتجاجات، فألغى الحاكم اللائحة في الثامن عشر من مايو 2026. وتلخّص المقالة الدرس بحدّة: لم يكفّ الناس عن الاكتراث، بل كفّوا عن الاعتقاد بأنّ القنوات الرسمية ستثمر شيئًا. وحين يمكن للتأمين الصحي في الداخل أن يتبدّل في غضون أسابيع بسبب بيانات معيبة، يغدو لدى أسر الطبقة الوسطى القادرة على الدفع سببٌ عقلانيّ للإبقاء على بينانغ طريقًا احتياطيًّا.
بيد أنّ البيانات الوطنية تحذّر من جعل آتشيه المركز الوحيد للرواية. فبحسب الرئيس جوكو ويدودو في يونيو 2023، يأتي نحو 60 في المئة من المرضى المتوجّهين إلى الخارج من جاكرتا و15 في المئة من سورابايا، وقد سمّى محلّلو شركة TA Securities، الذين استشهدت بهم هيئة التنمية الاستثمارية الماليزية (MIDA) في سبتمبر 2024، جاكرتا وسورابايا كذلك بوصفهما المصدرين الرئيسين للمرضى الإندونيسيين في ماليزيا. أمّا الممرّ السومطري فهو الأكثف من حيث القرب وتواتر الرحلات: فبحسب تقرير Alvarez & Marsal، تستغرق الرحلة الجوّية بين ميدان وبينانغ نحو 55 دقيقة، في حين تستغرق الرحلة بين ميدان وجاكرتا نحو ساعتين ونصف الساعة. وحين يكون مستشفى الإحالة الوطني أبعد من مستشفى خاصّ في بلد مجاور، تفقد الحدود الوطنية معناها العمليّ في نظر المرضى. وهكذا يكون شمال سومطرة الموضعَ الذي يتحوّل فيه إخفاق نظام الإحالة المتدرّج بأسرع ما يكون إلى تدفّقات عابرة للحدود، في حين تكون جاكرتا وسورابايا الموضعين اللذين يأتي منهما معظم المال. وأيّ سياسة لا تستهدف إلّا أحدهما ستخطئ هدفها.
ثامنًا: الاستجابة الإندونيسية: منطقة سانور الاقتصادية الخاصّة، والأطبّاء الأجانب، والقانون رقم 17 لسنة 2023، والتأمين الصحي الوطني
أكثر الاستجابات رمزيةً هي المنطقة الاقتصادية الخاصّة للصحّة في سانور ومستشفى بالي الدولي (Bali International Hospital). فقد أُنشئت المنطقة، البالغة مساحتها 41.26 هكتارًا، بموجب اللائحة الحكومية رقم 41 لسنة 2022، وتديرها شركة PT Hotel Indonesia Natour التابعة لمجموعة InJourney، وقد اجتذبت، بحسب وكالة ANTARA Bali، استثمارات تراكمية بلغت 2.99 تريليون روبية بحلول النصف الأوّل من عام 2024. ودشّنها الرئيس برابوو في الخامس والعشرين من يونيو 2025، وقال، بحسب موقع Tirto، إنّ أعداد الإندونيسيين الذين يطلبون العلاج في الخارج كبيرة إلى حدّ أنّ الإنفاق من العملة الصعبة بالغ الضخامة. وقالت الرئيسة التنفيذية لمجموعة InJourney، مايا واتونو (Maya Watono)، إنّ المنطقة قادرة على خفض النزوح إلى النصف على الأقلّ، أي بنحو 75 تريليون روبية. غير أنّ المشروع يكشف كذلك عن حدوده. فبحسب تقرير نيكاي آسيا المنشور في KrASIA، لم توافق مايو كلينك (Mayo Clinic)، التي كانت في البداية الشريك الرائد، إلّا على دور استشاري، وتأجّل افتتاح المستشفى، الذي كان مقرّرًا أصلًا في عام 2023، مرّات عدّة، وتباطأ ترخيص الأطبّاء الأخصّائيين الأجانب. وبحسب موقع detikFinance، أوضحت الرئيسة المديرة لشركة المستشفيات الحكومية القابضة IHC، ميرا ديا وحيوني (Mira Dyah Wahyuni)، في يوليو 2023، أنّ المستشفى لن يستقبل مرضى هيئة الضمان الاجتماعي الصحي، وأنّه سيستهدف العملاء من ذوي الدخل المتوسّط المرتفع.
وقرار عدم استقبال مرضى هيئة الضمان الاجتماعي الصحي متّسقٌ منطقيًّا مع هدف الاحتفاظ بالمرضى الأثرياء، لكنّه يكشف أيضًا عن طريقة خاطئة في التفكير في المشكلة. فالأسرة المنتمية إلى الطبقة الوسطى في ميدان أو باندا آتشيه، التي تقصد بينانغ لإجراء فحص شامل أو للحصول على رأي طبّي ثانٍ، لن تطير إلى بالي؛ فبينانغ في نظرها أقرب وأرخص وأكثر ألفة. ووضعُ المركز الوطني للسياحة العلاجية في بالي يعني منافسة سنغافورة وبانكوك في الشريحة الفاخرة، لا منافسة بينانغ في الشريحة التي تُظهر بيانات مجلس ماليزيا للسفر العلاجي أنّها الأكبر. ويحكم التقرير بدرجة ثقة متوسّطة بأنّ منطقة سانور قادرة على الاحتفاظ ببعض المرضى الأثرياء من جاكرتا ومن بالي نفسها، ولا سيّما في خدمات أمراض القلب والأورام والتجميل، لكنّها بالكاد ستمسّ ممرّ سومطرة–بينانغ، الذي هو الوجه الأكثر ظهورًا للنزوح العلاجي. وحتى لو تحقّق هدف استقطاب ما بين 123,000 و240,000 مريض، فلن يكون ذلك إلّا جزءًا يسيرًا من الـ970,000 زيارة التي قام بها مرضى إندونيسيون إلى ماليزيا في عام 2025.
أمّا الاستجابة الثانية فهي الانفتاح على الكوادر الطبّية الأجنبية من خلال القانون رقم 17 لسنة 2023 بشأن الصحّة. فبحسب تحليل نشره موقع Hukumonline في أكتوبر 2024، تقصر المادّة 248 ممارسة الكوادر الطبّية الأجنبية المتخرّجة في الخارج على الأخصّائيين وأخصّائيي التخصّصات الدقيقة والعاملين الصحّيين ذوي كفاءات معيّنة، بعد تقييم الكفاءة؛ وتشترط المادّة 251 طلبًا من مرفق صحّي بناءً على الحاجة، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، ومدّةً لا تتجاوز سنتين قابلة للتمديد مرّة واحدة؛ وتشترط المادّة 252 التسجيل والحصول على تراخيص الممارسة. ويلاحظ التحليل ذاته وجود ثغرة قانونية في المسؤولية الجنائية للأطبّاء الأجانب، وغموضًا في نظام الأجور وفي اختبار الكفاءة. وقد صرّح وزير الصحّة بودي غونادي صادقين لوكالة ANTARA جاوة الغربية في الثالث من يوليو 2024 بأنّ الأطبّاء الأجانب لا يُستقدمون للمنافسة بل لإنقاذ الأرواح، مستشهدًا بنحو 12,000 رضيع يولدون كلّ عام بعيوب خلقية في القلب، في حين لا يستطيع الأطبّاء المحلّيون إجراء أكثر من نحو 6,000 عملية قلب سنويًّا. وفي الرابع عشر من أغسطس 2026، وفي خطابه الذي قدّم فيه مشروع قانون موازنة الدولة لعام 2027، طرح الرئيس برابوو إمكانية توسيع تصاريح الممارسة للأطبّاء الأجانب لمدّة محدودة، على نحو ما أورده موقع Katadata.
والاستجابة الثالثة، وهي الكبرى من الناحية المالية، هي التأمين الصحي الوطني (JKN). فبحسب Bisnis.com، سجّلت هيئة الضمان الاجتماعي الصحي 282.7 مليون مشترك، أي 98.62 في المئة من السكّان، حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025، وأكثر من 725.3 مليون حالة استخدام للخدمات خلال عام 2025، وتكاليف خدمات صحّية بلغت 191.3 تريليون روبية، ذهب 26.42 في المئة منها إلى الأمراض الكارثية. وتساعد هذه الأرقام على وضع مسألة العملة الصعبة في نصابها: فحتى أعلى رقم للعملة الصعبة استشهدت به الحكومة لا يزيد على إنفاق عام واحد من التأمين الصحي الوطني، وهذا التأمين يخدم الأمّة بأسرها لا حفنةً من المرضى الميسورين. غير أنّ التأمين الصحي الوطني هو أيضًا جزء من الآلية التي تدفع المرضى إلى الخارج. فالإحالة المتدرّجة، والطوابير الطويلة في مستشفيات الإحالة، وقائمة الأدوية المحدودة، بما فيها بعض أدوية العلاج الكيميائي التي لم تُغطَّ بعد، تدفع المرضى القادرين إلى الدفع من جيوبهم، وحين يتعيّن عليهم الدفع من جيوبهم، تكون بينانغ في الغالب خيارًا أكثر معقولية من مستشفى خاصّ في ميدان أو جاكرتا. بل إنّ أديب خميدي اشتكى من مرضى يخضعون للجراحة في الخارج ثمّ يعودون إلى هيئة الضمان الاجتماعي الصحي حين تنفد أموالهم. ويُظهر هذا النمط أنّ النظامين المحلّي والأجنبي لا يقفان منفصلين، بل يُخاطان معًا في استراتيجيات الأسر.
تاسعًا: الأطبّاء والتوزيع ونزوح العاملين الصحّيين
وراء شكاوى المرضى جميعها تقوم حقيقة بنيوية واحدة: إنّ إندونيسيا تعاني نقصًا في الأطبّاء، والأطبّاء الموجودون موزّعون توزيعًا غير متكافئ. فحين أُطلق برنامج تدريب الأخصّائيين القائم على المستشفيات في السادس من مايو 2024، سجّلت وزارة الصحّة نسبةً قدرها 0.47 طبيب لكلّ 1,000 نسمة، وهي المرتبة 147 عالميًّا، ونقصًا يبلغ نحو 29,179 أخصّائيًّا قياسًا بالمعيار المثالي الذي حدّدته هيئة التخطيط الوطني، وهو 0.28 أخصّائي لكلّ 1,000 نسمة، وناتجًا يقارب 2,700 خرّيج أخصّائي سنويًّا من 24 كلّية طبّ، وتركّزًا لنحو 59 في المئة من الأخصّائيين في جاوة. وفي العشرين من يناير 2026 في لندن، قال الرئيس برابوو إنّ إندونيسيا لا تُخرّج سوى نحو 9,000 طبيب سنويًّا. وفي الرابع عشر من أغسطس 2026، وبحسب موقع Katadata، قدّرت الحكومة الحاجة الوطنية بقرابة 270,000 طبيب، بما في ذلك نقص قدره 84,811 طبيبًا عامًّا في 474 محافظة ومدينة، وعجز قدره 55,712 أخصّائيًّا في 481 محافظة ومدينة، وأعلنت افتتاح تسع كلّيات طبّ جديدة و170 برنامجًا للتخصّص والتخصّص الدقيق. وتختلف أرقام النقص باختلاف المصادر والسنوات، لكنّ الاتّجاه واحد: بوتيرة الإنتاج الحالية لن تُسدّ الفجوة قبل عام 2030.
ويفسّر هذا النقص لماذا يعمل الأطبّاء الإندونيسيون على عجل، ولماذا تطول الطوابير، ولماذا يكون التواصل السريري أوّل الضحايا. ويزيد نزوح العاملين الصحّيين الأمور سوءًا. ففي مارس 2023، وبحسب موقع Suara Surabaya، أجازت مجموعة بيناوان (Binawan Group) 133 ممرّضًا وممرّضة من إندونيسيا للعمل في المستشفيات الحكومية السنغافورية، من أصل هدف قدره 1,100 في ذلك العام. وفي ماليزيا، وصف رئيس رابطة المستشفيات الخاصّة الماليزية، كولجيت سينغ (Kuljit Singh)، نقص الممرّضين بأنّه أكبر تحدٍّ يواجه السياحة العلاجية، على نحو ما أوردته صحيفة The Star عبر The Daily Star في يونيو 2025، واقترح القنصل العامّ الإندونيسي في جوهور بهرو، سيغيت س. ويدِيانتو (Sigit S. Widiyanto)، توظيف ممرّضين إندونيسيين في المستشفيات الحكومية الماليزية، بحجّة أنّ نحو 70 في المئة من المرضى الأجانب في ماليزيا إندونيسيون. ويكشف هذا الاقتراح، مهما حسنت النيّة من ورائه، عن مفارقة مؤلمة: فإندونيسيا تعرض إرسال ممرّضيها لرعاية المرضى الإندونيسيين في ماليزيا، بدلًا من بناء القدرة على رعايتهم في الداخل.
وليس الجدل حول هجرة العقول جديدًا. ففي عام 2014، ذهب بودي سانتوسا (Budi Santosa) في صحيفة كومباس، في مقالة بعنوان «من “هجرة العقول” إلى “كسب العقول”» (Dari ‘Brain Drain’ ke ‘Brain Gain’، أرشيف ومكتبة KBA13)، إلى أنّ القلق من هجرة العقول بين حَمَلة منح صندوق إدارة الأموال التعليمية (LPDP) مفهوم لكنّه مبالغ فيه، وأنّ هجرة العقول تعقبها في العادة موجة عودة حين يتحسّن اقتصاد البلد الأمّ، وأنّ على إندونيسيا أن تحاكي البرامج النشطة التي تتبعها الصين وكوريا الجنوبية لاستعادة علمائهما. وذكّر كذلك بعهد حبيبي (Habibie)، حين لم تكن الدولة مهيّأة لاستيعاب الخرّيجين العائدين. وينطبق هذا الدرس على الطبّ انطباقًا دقيقًا. فبرنامج التكييف المخصّص للأطبّاء الأخصّائيين الإندونيسيين المتخرّجين في الخارج لم يتلقَّ، بحسب وزارة الصحّة حتى ديسمبر 2024، سوى 77 طلبًا من أحد عشر بلدًا، جرى إلحاق 32 منهم، ولم يُتمّ التكييف منهم سوى سبعة. وطلب الوزير بودي غونادي تقصير الإجراءات، وأبدى أمله في أن يعلم مزيد من أبناء الشتات بالبرنامج كي يعودوا. وأعدادٌ بهذا الصغر تُبيّن أنّ كسب العقول في الطبّ ليس سياسةً بعد، بل ما زال تجربة إدارية.
عاشرًا: ما قاله القادة: من العملة الصعبة المفقودة إلى مراجعة الذات
تكشف تصريحات القادة الإندونيسيين عن تحوّل من لغة العملة الصعبة إلى لغة الإصلاح، لكنّه تحوّل لم يكتمل بعد. فالرئيس جوكو ويدودو، في السادس من مارس 2023 في باندونغ، صاغ المشكلة بوصفها تسرّبًا لرأس المال، قائلًا إنّ 165 تريليون روبية من العملة الصعبة قد فُقدت لأنّ رأس المال يتدفّق إلى الخارج. وفي الرابع عشر من يونيو 2023 في جاكرتا، أضاف دفاعًا عن المهنة، قائلًا إنّ الأطبّاء الإندونيسيين ليسوا أقلّ كفاءةً من الأطبّاء في ماليزيا وسنغافورة وتايلاند، وإنّ المرافق والبنية التحتية هي التي لا تزال بحاجة إلى تحسين. وهذا التأطير سياسيّ ومفهوم: فهو يتجنّب لوم الأطبّاء ويركّز الانتباه على الاستثمار في المستشفيات، وهو ميدان تستطيع فيه الحكومة إظهار نتائج مرئية من خلال حفلات التدشين. لكنّ لغة العملة الصعبة مضلّلة أيضًا، لأنّها تعامل المرضى المغادرين بوصفهم مشكلةً في ميزان المدفوعات لا إشارةً إلى إخفاق الخدمة، ولأنّ أرقام العملة الصعبة نفسها، كما تبيّن أعلاه، لم يُقدَّم لها قطّ أساس منهجيّ.
وقد قدّم وزير الصحّة بودي غونادي صادقين التشخيص الأكثر صراحة. ففي ندوة إلكترونية عن الأمراض النادرة في الثامن والعشرين من فبراير 2023، وعلى نحو ما أورده موقع detikHealth، أشار إلى الطوابير الطويلة جدًّا، وتدنّي جودة الرعاية والخدمات غير الطبّية في المستشفيات الحكومية المركزية، وكثرة غياب الأطبّاء، وقال إنّه يشعر بالخجل لأنّ إندونيسيا لم تُجرِ سوى خمس عمليات لزراعة نخاع العظم لمرضى سرطان الدم، في حين أجرت ماليزيا المئات منها. وفي العاشر من أكتوبر 2024، وفي معرض ردّه على ملصق مجلس ماليزيا للسفر العلاجي أمام السفارة الماليزية، قال إنّ على إندونيسيا أن تراجع ذاتها وأن تحسّن خدماتها الصحّية. وهذه الصراحة جديرة بالتقدير، لكنّها تكشف أيضًا عن الفجوة بين التشخيص والعلاج. فالتشخيص يتحدّث عن الطوابير وسلوك الأطبّاء والخدمات غير الطبّية، في حين تستهدف أبرز العلاجات، أي منطقة سانور والأطبّاء الأجانب، المرافقَ الفاخرة ونقصَ الأخصّائيين، لا انضباطَ الوقت وثقافةَ الخدمة وشفافيةَ التكاليف في مستشفيات الإحالة العادية.
وقد نقل الرئيس برابوو سوبيانتو مركز الحجّة إلى إنتاج الأطبّاء. ففي السادس عشر من يونيو 2025، في الخلوة القيادية (Leaders’ Retreat) في سنغافورة، دعا سنغافورة إلى الإسهام بدور أكثر فاعلية في تحوّل القطاع الصحّي الإندونيسي، وقال إنّه يعتزم إنشاء مزيد من كلّيات الطبّ والتمريض، على نحو ما أورده موقع INP Polri. وفي العشرين من يناير 2026 في لندن، دعا الجامعات البريطانية إلى إنشاء عشرة فروع جامعية عالمية المستوى تُعنى بالطبّ وطبّ الأسنان والصيدلة، بمنح دراسية كاملة، على أن تُقبل الدفعة الأولى في مطلع عام 2028، وقدّر أنّ وفورات العملة الصعبة البالغة ستّة مليارات دولار سنويًّا كفيلة بتمويل المشروع. وعلى الجانب السنغافوري، قال رئيس الوزراء لورنس وونغ (Lawrence Wong)، في مؤتمر صحفي مشترك مع برابوو في جاكرتا في السادس من يوليو 2026، إنّ سنغافورة ستواصل دعم أولويات التنمية الإندونيسية من خلال برامج بناء القدرات، بما في ذلك في مجال الرعاية الصحّية، على نحو ما سجّله مكتب رئيس الوزراء السنغافوري. ولاختيار الألفاظ هنا دلالته: فسنغافورة تعرض بناء القدرات لا سوقًا، ومنذ عام 2023 تربط وزيرَي الصحّة في البلدين مذكّرةُ تفاهم تشمل الرعاية الأوّلية وخدمات الإحالة والتمويل والموارد البشرية، بحسب وزارة الصحّة الإندونيسية.
والموقف الرسميّ السنغافوري من المرضى الأجانب مختلف فعلًا عن الموقف الماليزي. ففي جواب برلمانيّ مكتوب بتاريخ التاسع عشر من نوفمبر 2018، ذكرت وزارة الصحّة السنغافورية أنّ مستشفياتها العامّة لا يُسمح لها بتسويق نفسها تسويقًا نشطًا للمرضى الأجانب، وأنّ العقود مع وكلاء إحالة المرضى الأجانب قد أُنهيت، وأنّ المرضى الأجانب الذين قدموا من تلقاء أنفسهم لم يمثّلوا سوى نحو 1.5 في المئة من مجموع حالات الإقامة الداخلية وجراحات اليوم الواحد في الفترة 2013–2017؛ ولاحظ موقع IMTJ أنّ إحدى الوكالات في جاكرتا ادّعت أنّها أرسلت 15,000 مريض إندونيسي إلى سنغافورة وماليزيا على مدى أحد عشر عامًا. وفي سبتمبر 2020، وفي جواب عن سؤال برلمانيّ بشأن المرضى الأجانب خلال الجائحة، لاحظت وزارة الصحّة السنغافورية أنّ معظم المرضى الأجانب الذين سُمح لهم بالدخول كانوا من إندونيسيا، وأنّ أغلبهم مرضى سابقون لدى أخصّائيين سنغافوريين يتلقّون العلاج الكيميائي أو رعاية الكلى. أمّا ماليزيا، فعلى النقيض من ذلك، جعلت من المرضى الأجانب صناعةً تصديرية. فقد قال وزير الصحّة ذو الكفل أحمد، عند إطلاق «عام ماليزيا للسياحة العلاجية 2026» (MYMT 2026)، إنّ ماليزيا ليست غريبةً بوصفها الوجهة المفضّلة للسياحة العلاجية، وصرّح في التاسع من أغسطس 2025، بحسب صحيفة Malay Mail، بأنّه لم تجرِ أيّ محادثات رسمية مع جاكرتا بشأن توظيف ممرّضين إندونيسيين. ويضرب الفارق بين الاستراتيجيتين بجذوره في رؤية كلّ بلد للعولمة. فكتاب «العولمة والحقائق الجديدة» (Globalisation and the New Realities، أرشيف ومكتبة KBA13)، وهو مجموعة من خطب مهاتير محمد حرّرها هاشم مكارالدين (Hashim Makaruddin)، يُظهر ماليزيا تقبل العولمة بشرط أن تحدّد الدولة موقعها بنفسها، وكتاب نجيب رزاق «عولمة ماليزيا: نحو بناء أمّة متقدّمة» (Globalising Malaysia: Towards Building a Developed Nation، 2006، أرشيف ومكتبة KBA13) يصوّر العولمة طريقًا إلى بلوغ مرتبة الدولة المتقدّمة. وصناعة السياحة العلاجية الماليزية ثمرة عملية من ثمار هذا التفكير: خدماتٌ عالية القيمة تُصدَّر إلى جارٍ يتأخّر نظام خدماته.
حادي عشر: الحجج المضادّة: هل تدفّق المرضى مشكلةٌ أصلًا؟
تذهب الحجّة المضادّة الأولى إلى أنّ تدفّقات المرضى العابرة للحدود ليست مشكلة، بل هي ضربٌ من كفاءة السوق الإقليمية. فإذا كانت بينانغ قادرة على تقديم فحص شامل أو جراحة استبدال ركبة بجودة جيّدة وسعر تنافسي على بعد 55 دقيقة فقط من ميدان، فإنّ إرغام المرضى على البقاء في الداخل يعني إرغام المستهلكين على شراء منتج أغلى وأسوأ. وفي إطار التكامل ضمن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، تُعدّ التجارة في الخدمات الصحّية أمرًا طبيعيًّا، وإندونيسيا نفسها تأمل أن يأتي المرضى الأجانب إلى سانور. وهذه حجّة قويّة وصائبة في جانب منها. فالتقرير لا يدعو إلى تقييد السفر للعلاج؛ فاختيار المريض حقّ، بل إنّ وجود بينانغ مفيد بوصفه معيارًا مرجعيًّا يُلزم المستشفيات الإندونيسية بالتحسّن. لكنّ حجّة السوق تغفل أمرين. أوّلهما أنّ المرضى المغادرين هم القادرون على المغادرة، فيفصل النزوح الطبقة الوسطى عن مصير النظام الذي تستخدمه الأغلبية، ويُضعف الضغط السياسي من أجل الإصلاح. وثانيهما أنّ اختيارات المرضى نفسها تشكّلها إخفاقات قابلة للإصلاح، كالطوابير والتواصل، لا ميزةٌ نسبية دائمة.
وتذهب الحجّة المضادّة الثانية إلى أنّ مسؤولي وزارة الصحّة على حقّ: فبعض المرضى يذهبون بدافع الوجاهة، أو بفعل التسويق الشرس أو الأحاديث المتناقلة، لا بسبب جودة أفضل، وكثير من الأمراض يمكن علاجه بالقدر نفسه من الجودة في إندونيسيا. ولهذه الحجّة شواهد: فقد أشار تجاندرا يوغا أديتاما إلى تأثير الأخبار التي تُظهر الخدمات الأجنبية في صورة حسنة، وحملات مجلس ماليزيا للسفر العلاجي مصمّمة فعلًا لبناء صورة ذهنية. وتذهب الحجّة المضادّة الثالثة إلى أنّ أرقام العملة الصعبة، حتى وإن كانت مضخّمة، مفيدة سياسيًّا لأنّها تُلزم الحكومة بالاستثمار في الصحّة. ويرفض التقرير الحجّة الثالثة، ويقبل الثانية مع تحفّظ. فالأرقام الخاطئة تُنتج سياسات تخطئ هدفها، كما في منطقة سانور المصمّمة للسوق الفاخرة. أمّا الوجاهة والتسويق فحقيقيّان، لكنّهما لا يفعلان فعلهما إلّا لأنّ ثمّة تجارب حقيقية يمتطيانها. فالمسح الصحي الإندونيسي لعام 2023 يُظهر أنّ المرضى يقيّمون الخدمات الأجنبية بأنّها مكتملة، وعلى قدر التوقّعات، وسريعة؛ ولا يستطيع التسويق أن يصنع مثل هذه الأحكام لدى مرضى خبروا الرعاية بأنفسهم، ما لم تكن ثمّة فجوة حقيقية محسوسة.
ثاني عشر: سيناريوهات حتى عام 2030 وتوصيات سياساتية
السيناريو الأوّل، وهو استمرار التسرّب، هو سيناريو الأساس. وفيه تحافظ ماليزيا على نموّ برقمين في أعداد المرضى الإندونيسيين، كما تتوقّع مؤسّسة فيليب كابيتال للأبحاث (Phillip Capital Research)، التي لم ترَ، بحسب صحيفة The Star في أغسطس 2026، أيّ بوادر للتباطؤ، ولاحظت أنّ ضريبة المبيعات والخدمات المفروضة على المرضى الأجانب منذ يوليو 2025 لم يكن لها أثر يُعتدّ به في أعداد القادمين من إندونيسيا. ويسعى مجلس ماليزيا للسفر العلاجي إلى بلوغ هدفه البالغ 12 مليار رينغيت لعام 2030، وتضيف مستشفيات بينانغ طاقةً استيعابية جديدة، وتحتفظ منطقة سانور ببعض المرضى من الشريحة الفاخرة دون أن تمسّ الممرّ السومطري. وفي هذا السيناريو تتجاوز زيارات المرضى الإندونيسيين إلى ماليزيا مليون زيارة سنويًّا قبل عام 2027، وتظلّ إندونيسيا تكرّر أرقام العملة الصعبة بلا بيانات. أمّا السيناريو الثاني، وهو الإصلاح من الوسط، فيتحقّق إذا بدأ تدريب الأخصّائيين القائم على المستشفيات، وكلّيات الطبّ الجديدة، وخفض الرسوم الجمركية والضرائب على المعدّات والأدوية، تؤتي ثمارها نحو عام 2028، مقرونةً بتحسينات حقيقية في أوقات الانتظار والتواصل في مستشفيات الإحالة الإقليمية. وفيه تواصل التدفّقات إلى ماليزيا نموّها، لكن بوتيرة أبطأ، وتتحوّل من الفحوص الروتينية إلى الحالات المعقّدة. والسيناريو الثالث، وهو الصدمة، يقع إذا قطعت جائحةٌ جديدة، أو أزمةٌ مالية في التأمين الصحي الوطني، أو صدمةٌ في سعر الصرف، هذا الممرَّ فجأة، كما حدث في عام 2020 حين اضطرّ مرضى السرطان والكلى الإندونيسيون المعتمدون على سنغافورة إلى طلب إذن خاصّ بالدخول.
ويذكّر السيناريو الثالث بأنّ الاعتماد على الرعاية العابرة للحدود هو أيضًا موطن ضعف في الأمن الصحّي. ففي عام 2014، كتبت ماريا غيفارا (Maria Guevara) من منظّمة أطبّاء بلا حدود في صحيفة كومباس، في مقالة بعنوان «دور آسيان في مكافحة الإيبولا» (Peran ASEAN dalam Melawan Ebola، أرشيف ومكتبة KBA13)، في ذروة تفشّي الإيبولا في غرب أفريقيا، أنّ الأزمة عابرة للحدود الوطنية، وأنّ على آسيان، بما لها من خبرة في مواجهة السارس عام 2003 ومن تخطيط للتأهّب للجوائح، أن تُبدي قيادة إقليمية. وحجّتها وثيقة الصلة بممرّ مضيق ملقا: فحين تربط مئات الآلاف من الرحلات العلاجية سنويًّا سومطرة بشبه جزيرة الملايو، لا يجوز أن يُترك التأهّب للأوبئة، واستمرارية الرعاية للمرضى المزمنين، وتبادل السجلّات الطبّية عبر الحدود، للسوق وحدها. ويحكم التقرير بأنّ السيناريو الأوّل هو الأرجح حتى عام 2027، وأنّ السيناريو الثاني هو الأرجح بعد ذلك إذا اتّسمت سياسة الموارد البشرية بالاتّساق، وأنّ السيناريو الثالث خطرٌ منخفض الاحتمال عالي الأثر ينبغي التحسّب له منذ الآن.
وتنبثق من هذا التحليل ثماني توصيات. أولاها أن تنشر وزارة الصحّة، بالاشتراك مع هيئة الإحصاء الإندونيسية والمديرية العامّة للهجرة، إحصاءات رسمية سنوية عن حراك المرضى إلى الخارج بمنهجية مفتوحة، تميّز بين الأشخاص والزيارات، وبين الإنفاق الطبّي وإنفاق السفر، وأن تتبادل البيانات مع مجلس ماليزيا للسفر العلاجي في إطار المذكّرة القائمة. وثانيتها أن تضع وزارة الصحّة معايير منشورة لأوقات الانتظار وللحدّ الأدنى من مدّة الاستشارة في مستشفيات الإحالة الإقليمية، بدءًا بمستشفى الدكتور زين العابدين في باندا آتشيه ومستشفى الحاج آدم مالك (H. Adam Malik) في ميدان، إذ إنّ هاتين المدينتين هما بوّابتا ممرّ بينانغ. وثالثتها أن تراجع وزارة المالية الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على الأجهزة الطبّية والأدوية غير المنتَجة محلّيًّا، على نحو ما دأبت وزارة الصحّة على التفاوض بشأنه، مع تقييم أثرها في أسعار الخدمات. ورابعتها أن تسرّع هيئة الضمان الاجتماعي الصحي تقييم التقنيات الصحّية لأدوية السرطان وإجراءاته الأكثر طلبًا في الخارج، ولا سيّما العلاج الكيميائي وزراعة نخاع العظم، وأن تنشر أسباب كلّ حالة رفض.
وخامستها أن تتعامل حكومتا آتشيه وسومطرة الشمالية مع ممرّ بينانغ بوصفه واقعًا سياساتيًّا لا مصدرًا للحرج، فتبنيا آليات منظّمة للإحالة العكسية للمرضى الذين عولجوا في ماليزيا، تشمل استكمال العلاج الكيميائي وإعادة التأهيل في المستشفيات الإقليمية، بحيث تتحوّل الروابط المؤسّسية من قبيل تلك التي نشأت ذات يوم بين KPJ بينانغ ومستشفيات باندا آتشيه إلى قنوات لنقل المعرفة، لا مجرّد قنوات للإحالة إلى الخارج. وسادستها أن تجعل المستشفيات التعليمية وكلّيات التخصّص التواصلَ السريري واتّخاذ القرار المشترك كفاءاتٍ تخضع للامتحان لا مجرّد مادّة تُلقى في المحاضرات، انسجامًا مع مقالة kba13.com عن العلوم الطبّية وما تشدّد عليه من أخذ التاريخ المرضي، وإبلاغ الأخبار السيّئة، وثقة المريض. وسابعتها أن تبسّط وزارة الصحّة برنامج التكييف المخصّص للأخصّائيين من أبناء الشتات وأن تستهدفهم به استهدافًا نشطًا، مستحضرةً تحذير عام 2014 من أنّ الدولة غير المهيّأة لاستيعاب خرّيجيها ستخسرهم. وثامنتها أن تعود السياسة الصحّية إلى الوقاية: ففي عام 2015 كتب هاندراوان ناديسول (Handrawan Nadesul) في صحيفة كومباس، في مقالة بعنوان «الصحّة الحقّة في المطبخ لا في المطعم» (Kesehatan Sejati Ada di Dapur, Bukan di Restoran، أرشيف ومكتبة KBA13)، أنّ كثيرًا من أمراض الأيض والسرطانات تضرب بجذورها في النظام الغذائي والطعام غير المأمون. وبالنظر إلى أنّ 65.7 في المئة من الخدمات المطلوبة في الخارج فحوصٌ طبّية، فإنّ توفير فحوص موثوقة وسريعة وميسورة الكلفة في الداخل هو التدخّل الأكثر مباشرة للاحتفاظ بالجزء الأكبر من تدفّق المرضى.
ثالث عشر: حدود الدراسة
لهذه الدراسة حدودٌ عدّة. أوّلها أنّه لا توجد إحصاءات إندونيسية رسمية عن عدد المواطنين الذين يُعالَجون في الخارج؛ فالأرقام المستخدمة مستقاة من خطب مسؤولين لا تستند إلى مراجع بيانات، ومن مسح للأسر يُرجَّح أنّه لا يصل إلى الفئات الثريّة، ومن بيانات مقدّمي الخدمة الماليزيين التي تحصي الزيارات لا الأشخاص. وثانيها أنّ سنغافورة لا تنشر بيانات تفصيلية عن المرضى الإندونيسيين، ولذلك تستند تقديرات السوق السنغافورية إلى تقارير المحلّلين والصحافة الاقتصادية. وثالثها أنّ أرقام بينانغ تنطوي على تناقضات داخلية، كادّعاء الحصّة البالغة 45 في المئة الذي لا يتطابق مع ناتج قسمة إيرادات بينانغ على الإيرادات الوطنية. ورابعها أنّ الدراسة لم تُجرِ عملًا ميدانيًّا جديدًا مع المرضى في بينانغ أو باندا آتشيه، واعتمدت على أبحاث نوعية سابقة، ولا سيّما دراسة كوتشينغ لعام 2014 ومسح عام 2021، إلى جانب الملاحظات الميدانية الواردة في مقالة kba13.com عن هجرة الآتشيّين إلى بينانغ. وخامسها أنّ الدراسة لم تتمكّن من التحقّق من عدد من الأرقام المتداولة في وسائل الإعلام، ومنها ادّعاءات بشأن نسبة المرضى الإندونيسيين في مستشفيات بعينها مصدرها حسابات شخصية لشخصيات عامّة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك لم تُستخدم تلك الأرقام.
وثمّة حدٌّ آخر يتعلّق بالجودة السريرية. فالتقرير يناقش تصوّرات الخطأ في التشخيص وميزة السرعة في الخارج، لكنّه لا يملك بيانات عن النتائج السريرية تقارن، على سبيل المثال، معدّلات بقاء مرضى السرطان الإندونيسيين الذين عولجوا في بينانغ بنظرائهم الذين عولجوا في جاكرتا أو ميدان. ومن دون هذه البيانات، يظلّ القول بأنّ الرعاية في الخارج أفضل قولًا عن التجربة والتصوّر، لا عن نتائج العلاج. وينبغي للأبحاث اللاحقة أن تجمع بين بيانات سجلّات السرطان، ومسوح المرضى في مطارات كوالانامو (Kualanamu) والسلطان إسكندر مودا وبينانغ، والمقابلات مع الأطبّاء على ضفّتي المضيق. ويمكن لمثل هذه الأبحاث أن تغدو أجندةً مشتركة لجامعات آتشيه وسومطرة الشمالية وبينانغ، التي تربط بينها تاريخيًّا الشبكات ذاتها التي تحمل المرضى اليوم.
رابع عشر: الخاتمة: من العملة الصعبة إلى الثقة
ظلّ مضيق ملقا على مدى قرون فضاءً مشتركًا للعيش بين الآتشيّين والملايويين وشعوب سومطرة، ويسلك تدفّق المرضى اليوم الدروب ذاتها التي سلكها تجّار شارع آتشين ومهاجروه وحجّاجه. وقد حوّلت ماليزيا، بانضباط الدولة التي تسوّق خدماتها الصحّية، هذا الدرب الثقافي إلى صناعة سجّلت أكثر من 970,000 زيارة لمرضى إندونيسيين في عام 2025. وانتقلت سنغافورة إلى شريحة الحالات المعقّدة، وباتت مجموعة IHH Healthcare تسيطر على العقد الرئيسة في البلدين كليهما. أمّا إندونيسيا فقد أجابت بأرقام متضاربة عن العملة الصعبة، وبمنطقة اقتصادية خاصّة موجّهة إلى السوق الفاخرة، وبالانفتاح على الأطبّاء الأجانب، في حين تقرّ، على لسان وزير صحّتها نفسه، بأنّ الطوابير والخدمات غير الطبّية وحضور الأطبّاء تقع في صميم المشكلة.
ويخلص هذا التقرير إلى أنّ السؤال السياساتيّ الصحيح ليس كيف نحتفظ بالعملة الصعبة، بل كيف نستعيد الثقة. فالمرضى العابرون قد أخبروا الدولة، على حسابهم وبجهدهم، بمواضع إخفاق النظام الصحّي الإندونيسي: الوقت، واليقين، والتواصل، واكتمال الرعاية. فإن أصغت إندونيسيا إلى هذه الرسالة، فأصلحت مستشفيات الإحالة في باندا آتشيه وميدان وغيرهما من المدن، وزادت أعداد الأطبّاء وأحسنت توزيعهم، ووفّرت في الداخل فحوصًا موثوقة وآراءً طبّية ثانية، فإنّ تدفّق المرضى سينحسر من تلقاء نفسه، وستعود بينانغ جارةً لا مستشفى إحالة غير رسميّ لسومطرة. وإن لم تفعل، فسيظلّ كلّ تدشين لمستشفى جديد تلاحقه ظلال أعداد الزائرين التي يعلنها بلدٌ مجاور بفخر في كلّ عام.
المراجع والمصادر
- Kementerian Kesehatan RI (2024): Pendidikan Dokter Spesialis Berbasis Rumah Sakit Resmi Diluncurkan Presiden Joko Widodo
- Kementerian Kesehatan RI (2024): Menkes Minta Program Adaptasi Dokter Spesialis WNI Lulusan Luar Negeri Lebih Cepat dan Transparan
- Kementerian Kesehatan RI (2023): Indonesia dan Singapura Jalin Memorandum Saling Pengertian (MSP) Kesehatan
- Ministry of Health Singapore (2018): Foreign Patients Referred for Medical Treatment in Public Hospitals in Singapore (written answer)
- Ministry of Health Singapore (2020): Medical Seekers (written answer)
- Prime Minister’s Office Singapore (2026): PM Lawrence Wong at the Singapore-Indonesia Leaders’ Retreat Joint Press Conference, July 2026
- Malaysia Healthcare Travel Council (2025): MHTC Launches MYMT 2026, Malaysia’s First Medical Tourism Year
- MIDA (2024): Indonesia remains largest contributor to Malaysia’s medical tourism market
- Trie Damayanti, Susanne Dida, Dadang Rahmat Hidayat, Sung Kyum Cho (2021): Malaysian medical tourism communication in shaping Indonesian public opinion, Jurnal Kajian Komunikasi 9(2)
- IMTJ on Meghann Ormond and Dian Sulianto (2014): More than medical tourism: lessons from Indonesia and Malaysia on South-South intra-regional travel
- Hukumonline (2024): Problem Hukum Pengadaan Dokter Asing di Indonesia
- Alvarez & Marsal (2024): Malaysia Medical Tourism report
- GoodStats (2026): Mengapa Pasien Indonesia Memilih Rumah Sakit Kanker Malaysia? Gambaran Berdasarkan Data (SKI 2023)
- Bisnis.com (2023): Jokowi Sebut Rp165 Triliun Lenyap Gegara WNI Berobat ke Luar Negeri
- Bisnis.com (2023): Jokowi Sebut Orang Indonesia Banyak Berobat ke Luar Negeri, Ini Kata BPJS
- DDTCNews (2023): Jokowi: Devisa Rp170 Triliun Hilang karena WNI Berobat ke Luar Negeri
- Bisnis.com (2025): Erick Thohir: Jutaan Warga RI Habiskan Rp150 Triliun Berobat ke Luar Negeri
- Tirto (2025): Prabowo Resmikan KEK Sanur dan Bali International Hospital
- Bisnis.com (2026): Prabowo Ajak Universitas Inggris Dirikan 10 Kampus Berstandar Dunia di Indonesia
- Katadata (2026): Prabowo Bakal Tarik Dokter Asing untuk Tutupi Kekurangan 270.000 Orang
- INP Polri (2025): Prabowo Invites Singapore to Support the Indonesian Health System Transformation
- detikHealth (2023): Siasat Menkes Biar Warga RI Tak Berobat ke Negara Tetangga
- detikHealth (2023): WNI Ramai Berobat ke Penang, Kemenkes Sebut Bisa Jadi karena Gengsi
- detikHealth (2024): Warga +62 Lebih Pilih Berobat ke Penang, Biaya RS di RI Lebih Mahal?
- CNA Indonesia (2024): Viral Poster “Mau Berobat? Ke Malaysia Aja”, Menkes: Indonesia Perlu Introspeksi Diri
- ANTARA Jawa Barat (2024): Menteri Kesehatan: Dokter Asing Didatangkan Bukan untuk Menyaingi Dokter Lokal
- ANTARA (2026): Malaysia Healthcare Kembali Hadir di Medan, Pasien Indonesia Semakin Aktif Cari Pendapat Medis ke Luar Negeri
- ANTARA Aceh (2018): Penang Destinasi Favorit Warga Sumatera
- ANTARA Bali (2024): KEK Kesehatan Sanur Tembus Lima Besar Terbaik, Gaet Investasi Rp2,99 Triliun
- Bisnis.com (2022): Bakal Saingi Fasilitas Kesehatan Singapura, Ini Profil KEK Sanur
- detikFinance (2023): 4 Fakta RS Internasional Bali Garapan BUMN: Operasi 2024, Tak Terima BPJS
- Nikkei Asia via KrASIA (2025): Indonesia makes billion-dollar health care bet to keep rich patients at home
- Bisnis.com (2026): BPJS Kesehatan: Peserta JKN 282,7 Juta Jiwa, Beban Pelayanan Kesehatan Capai Rp191,3 Triliun
- Suara Surabaya (2023): IDI Ungkap Faktor Penyebab Masyarakat Pilih Berobat ke Luar Negeri
- Suara Surabaya (2023): Sebanyak 133 Perawat Indonesia Lolos Bekerja di RS Pemerintah Singapura
- Tirto (2023): Tren Berobat ke LN, FKUI: Biaya Pengobatannya Kerap Lebih Murah
- New Straits Times (2026): Indonesian patients drive Malaysian medical tourism growth
- The Star (2026): Penang makes up 45% of national medical tourism revenue
- The Star (2026): Indonesian patients spur healthcare boom
- Bernama (2026): Indonesian Healthcare Travel to Malaysia Hits Record RM2.2 Billion as MHX Returns to Yogyakarta
- Bernama (2025): Island Hospital Positions Itself to Ride 2026 Medical Tourism Wave – CEO
- The Edge Malaysia (2023): Recovery of Malaysia’s medical tourism sector in the bag, more markets targeted
- The Edge Malaysia (2024): IHH Healthcare completes acquisition of Island Hospital in Penang for RM3.9 bil
- Malay Mail (2025): No official talks with Jakarta to hire Indonesian nurses for Malaysian public hospitals, says health minister
- The Star via The Daily Star (2025): Malaysia leads medical tourism charge
- IMTJ (2019): Malaysia’s Penang state treats more Indonesians
- IMTJ (2018): Singapore ends foreign patient referrals to local hospitals
- Business Times (2024): Singapore healthcare players narrow focus, expand overseas in medical tourism race
- HealthXchange, SingHealth (2024): Fewer foreign patients in Singapore, but more coming for critical and complex care
- KBA13 Insight (2026): Introduction to Medical Science: The Architecture of Healing, Knowledge, and Human Care
- KBA13 Insight (2026): How the Early History of Aceh’s Relations with Penang in the Malay Peninsula
- KBA13 Insight (2026): How is the Migration of the Acehnese to the Malay Peninsula?
- KBA13 Insight (2026): Aceh sebagai Cermin Indonesia: Dari Nalar Keamanan menuju Nalar Geopolitik dan Geostrategi
- KBA13 Insight (2026): Refleksi 81 Tahun Kemerdekaan RI: Masih Relevankah Aceh Merdeka?
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Maria Guevara — Peran ASEAN dalam Melawan Ebola (Kompas, 2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Budi Santosa — Dari “Brain Drain” ke “Brain Gain” (Kompas, 2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Handrawan Nadesul — Kesehatan Sejati Ada di Dapur, Bukan di Restoran (Kompas, 2015)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Jejak Aceh dalam Dunia Melayu (presentasi, Riau, 2013)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Mahathir Mohamad — Globalisation and the New Realities (ed. Hashim Makaruddin)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Mohd Najib Abdul Razak — Globalising Malaysia: Towards Building a Developed Nation (2006)
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). المرضى العابرون للمضيق: السياحة العلاجية ونزيف الإنفاق الصحي وإصلاح النظام الصحي الإندونيسي في ظلّ ماليزيا وسنغافورة. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


