, ,

مستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية: إيرانُ الباقية، والعدوُّ الجديد، وانشطار المنطقة بين «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة»

المرصد الجاوي

غلاف ورقة سياسات المرصد الجاوي عن مستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية

ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يُدركُه؛ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ. لعلّ بيت المتنبّي هذا أصدقُ ما يُختصر به حالُ الشرق الأوسط اليوم. ففي الثامن والعشرين من فبراير 2026 انهالت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران تحت اسمَي «الغضب الملحمي» و«الأسد الهادر»، وسقط المرشد علي خامنئي في ساعاتها الأولى، وحسب كثيرون في واشنطن وتل أبيب أنّ الجمهورية الإسلامية تلفظ أنفاسها الأخيرة. ثمّ مضت ثمانية أشهر، فإذا الدولة الإيرانية قائمة، ومضيق هرمز ما يزال في قبضتها، وإذا وفدٌ يجمع وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية يجلس في طهران إلى الرئيس الإيراني، في اليوم نفسه الذي يمضي فيه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع. من هذه المفارقة يبدأ كلّ تأمّل جادّ في مستقبل المنطقة.

27 أكتوبر 2026 · ورقة سياسات استشرافية · الجغرافيا السياسية · الجيوستراتيجيا · العالم الإسلامي

الملخّص

تتناول هذه الورقة صورة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026، وتنطلق من أنّ الحرب لم تُسقط الدولة الإيرانية، لكنّها نقضت المعادلة التي حكمت المنطقة منذ عام 1979. وترصد الورقة ثلاث حركات تجري في وقت واحد: انتقالَ «العدوّ المركزي» في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي من طهران إلى الرياض، وميلادَ ثنائية جديدة تفصل «الدولة العربية» عن «الدولة المسلمة»، وصعودَ فاعلين جدد من إفريقيا ومن المسلمين في الغرب يعيدون رسم صورة الإسلام في النظام الدولي.

الأطروحة

ستبقى إيران دولةً ذات سيادة، لكنّ النظام الإقليمي من حولها سيتبدّل من أساسه. فإسرائيل ستبحث عن عدوّ دائم جديد، وقد تجده في المملكة العربية السعودية كلّما مضى ولي العهد محمد بن سلمان في طريقٍ لا تملك تل أبيب أن تضبطه. وواشنطن ستعيد ترتيب صلاتها فتُقرّب «الدول العربية» فرادى وتتوجّس من «الدول المسلمة» الكبرى، فيتّسع التفتيت بالوكالة في الفضاء العربي، وتتّسع في المقابل مساحةُ الدول المسلمة غير العربية في مقاومة السياسات التي تُقدّم مصلحة إسرائيل على كلّ اعتبار.

البيانات والمصادر

تقارير الحرب الأمريكية الإيرانية ومسارات وقف إطلاق النار، وتغطيات قناة الجزيرة وصحيفة غلف نيوز، ودراسات معهد أبحاث السياسة الخارجية ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وإحاطات استخباراتية سابقة نُشرت في KBA13 Insight، ودراسة «الخريطة الجيوسياسية الجديدة لأوروبا» الصادرة عن مركز أبحاث أكاديمية KBA13.

الإطار التحليلي

نموذج التبعيّة متعدّدة الطبقات، ومنطق «العدوّ الوظيفي» في بناء الأمن القومي، ومفهوم العصبيّة عند ابن خلدون مدخلًا لقراءة ثنائية العربي والمسلم بوصفها أداة تصنيف وهيمنة، ومفهوم «القبضة الإفريقية» لقراءة الصعود الإفريقي.

الاستشراف

أربعة سيناريوهات حتى عام 2030 باحتمالات يقدّرها المؤلّف، وستّة مؤشّرات للرصد، وتوصيات للدول المسلمة ولإندونيسيا وجنوب شرق آسيا.

الكلمات المفتاحية: إيران؛ إسرائيل؛ السعودية؛ النظام الإقليمي؛ الدولة العربية؛ الدولة المسلمة؛ اتفاقية مكة للدفاع المشترك؛ القبضة الإفريقية؛ ما بعد ترامب

أولًا: الملخّص التنفيذي: حربٌ لم تُسقط الدولة، لكنّها أسقطت النظام

لم تكن الحرب التي اشتعلت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 حلقةً أخرى في سلسلة المواجهات بين إيران وخصومها؛ بل كانت أوّل محاولة معلنة لتغيير النظام في طهران بالقوّة العسكرية المباشرة منذ قيام الجمهورية الإسلامية. وقد اجتمعت لها، كما يوثّق السجلّ الموسوعي لحرب إيران 2026، أهدافٌ متشابكة: منعُ إيران من امتلاك السلاح النووي، والردُّ على قمع احتجاجات يناير 2026، وبلوغُ نفطها وغازها، ثمّ إسقاطُ النظام. غير أنّ الحصاد بعد ثمانية أشهر جاء على غير ما زُرع. قُتل خامنئي ونفرٌ من كبار القادة، لكنّ مجتبى خامنئي سُمّي خلفًا له في الثامن من مارس، ولم تشهد المؤسّسة العسكرية انشقاقًا يُعتدّ به، وظلّت دواليب الدولة تدور، وصار مضيق هرمز أمضى سلاحٍ جغرافي في هذا القرن.

وتنتهي الورقة إلى خمسة أحكام. أوّلها، وثقتنا به عالية، أنّ إيران ستبقى دولةً ذات سيادة في السنوات الخمس المقبلة، وأنّ إخفاق مشروع إسقاطها بالقوّة سيمنحها شرعيةً متجدّدة في الداخل والجوار، وإن خرجت من الحرب أضعف اقتصادًا وعتادًا. وثانيها، وثقتنا به متوسّطة، أنّ إسرائيل ستعيد تعريف «العدوّ المركزي» في عقيدتها الأمنية، وأنّ السعودية، لا تركيا وحدها، مرشّحة لهذا الموقع إذا مضت الرياض في بناء استقلالها الاستراتيجي بعيدًا عن المظلّة الأمريكية الإسرائيلية. وثالثها، وثقتنا به متوسّطة، أنّ ثنائية «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة» ستغدو أداة تصنيف تُدير بها واشنطن المنطقة، فتدنو من الدول العربية القابلة للتجزئة، وتحذر الدول المسلمة الكبرى غير العربية. ورابعها، وثقتنا به متوسّطة، أنّ إفريقيا، ولا سيّما القرن الإفريقي والساحل، ستصير امتدادًا للشرق الأوسط ومسرحًا لصعود دول مسلمة أو ذات أغلبية مسلمة. وخامسها، وثقتنا به بين المنخفضة والمتوسّطة، أنّ صورة الإسلام في الغرب بعد ترامب سيرسمها جيلٌ جديد من القادة المسلمين في أمريكا وأوروبا، فينعكس ذلك على شبكة العلاقات بين الدول.

ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة

تسلك الورقة منهجًا استشرافيًا يجمع بين قراءة الوقائع الموثّقة والنفاذ إلى البنى العميقة التي تحكم سلوك الدول. وأُولى فرضيّاتها أنّ النظام الإقليمي ليس حاصل جمع الدول، بل نسيجٌ من التبعيّات المتراكبة: تبعيّة أمنية للمظلّة الأمريكية، وتبعيّة مالية لأسواق الطاقة، وتبعيّة سرديّة لصورة الذات والآخر كما يصنعها الإعلام. فإذا اهتزّت طبقةٌ منها، كما اهتزّت طبقة الطاقة بإغلاق هرمز، تحرّكت سائر الطبقات في اتّجاهات لا يحسبها أحد.

والفرضية الثانية تتّصل بما نسمّيه «العدوّ الوظيفي». فالدولة التي بنت أمنها القومي على خطر وجودي دائم لا تطيق العيش طويلًا بلا عدوّ مركزي يسوّغ إنفاقها العسكري، ويرصّ جبهتها الداخلية، ويستدرّ الدعم الخارجي. وقد أدّت إيران هذا الدور في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي منذ تسعينيات القرن الماضي. فإذا وهنت إيران دون أن تسقط، أو دخلت في تسوية طويلة مع واشنطن، دفع المنطقُ البنيوي إلى التماس بديل. وليس هذا حكمًا على النوايا، بل قراءةٌ لآلية مؤسّسية تتكرّر في سِيَر الدول.

والفرضية الثالثة أنّ التصنيف ذاته ضربٌ من السلطة. وقد علّمنا ابن خلدون أنّ العصبيّة هي ما يجمع الجماعة ويمنحها القدرة على الفعل، وأنّ من فرّق العصبيّة ملك أمرها. فحين تُقسَم المنطقة إلى «دول عربية» و«دول مسلمة»، لا يكون ذلك وصفًا بريئًا، بل اختيارًا سياسيًا يحدّد من يُخاطَب بلغة الحدود والقوميات والأقلّيات، ومن يُخاطَب بلغة الأمّة والحضارة والثقل السكّاني. وتعتمد الورقة سُلّمًا ثلاثيًا للثقة: عالية حين تتّفق الوقائع والاتّجاهات البنيوية، ومتوسّطة حين تؤيّد الوقائعُ الاتّجاهَ وتبقى متغيّرات حاسمة معلّقة، ومنخفضة حين يقوم الحكم على قراءة مسارات ثقافية وسياسية بعيدة المدى يعسر قياسها.

ثالثًا: لماذا تبقى إيران: سيادةٌ وُلدت من إخفاق إسقاطها

علّمت الأشهرُ الثمانية الماضية دروسًا قاسية لكلّ من راهن على انهيار الدولة الإيرانية. فقد استُهدفت القيادة العليا منذ اليوم الأوّل، ثمّ قُتل علي لاريجاني في السابع عشر من مارس، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب في اليوم التالي، وقائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنكسيري في أواخر الشهر نفسه، وضُربت جزيرة خارك، شريان النفط الإيراني، في منتصفه. ومع ذلك كلّه، تشهد السجلّات المتاحة بأنّ النظام لم يتغيّر، وأنّ الجيش لم يتصدّع، وأنّ مؤسّسات الحكم انتقلت إلى قيادة جديدة دون أن يبتلعها فراغ.

ولا تقول مسارات التفاوض غير ذلك. فقد رعت باكستان، بسندٍ صيني، هدنةً بدأت في الثامن من أبريل، ثمّ انفضّت محادثات إسلام آباد في الحادي عشر والثاني عشر منه بلا اتّفاق، فضربت واشنطن حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية. وبعد أشهر من الشدّ والإرخاء، وقّع رئيسا البلدين مذكّرة إسلام آباد في السابع عشر من يونيو، ثمّ انهارت الهدنة في الثامن من يوليو تحت وقع هجمات متبادلة، كما يبيّن سجلّ وقف إطلاق النار في حرب إيران. لم تكن واشنطن، في أيّ منعطف من هذه المنعطفات، تفاوض نظامًا يحتضر، بل دولةً تملك أوراقها في البرّ والبحر.

وقد ذهبتُ في إحاطة نُشرت في التاسع عشر من مايو 2026 بعنوان «الحرب على إيران، وقمّة ترامب وشي، وانهيار النظام الاستراتيجي» إلى أنّ لُبّ الخلاف خلافٌ على الترتيب: واشنطن تطلب الالتزامات النووية أوّلًا، وطهران تطلب رفع العقوبات وفكّ الحصار أوّلًا. وقدّرتُ يومها احتمال تجدّد القتال الواسع بخمسة وخمسين في المئة، فصدق التقدير جزئيًا حين انهارت الهدنة في يوليو. ثمّ لاحظتُ في الإحاطة الاستخباراتية العالمية الصادرة في السادس والعشرين من يوليو 2026 أنّ طهران أبدت قدرةً على احتمال الألم تفوق ما قدّره خصومها، وأنّ الدرس الذي تستخلصه دول المنطقة مؤدّاه أنّ الغموض النووي يستدعي الضربة، وأنّ السلاح المكتمل يردعها.

وفي منتصف أكتوبر 2026، كما تنقل التغطية المباشرة لشبكة فوكس نيوز في الرابع عشر من الشهر، كان خام برنت قد جاوز مئة وستة دولارات للبرميل، والسفن تغرق قرب المضيق، ونائب الرئيس الإيراني يعلن أنّ أيّ حوار مع واشنطن مرهونٌ بإذن المرشد مجتبى خامنئي. وقدّرت وزارة الدفاع الأمريكية كلفة الحرب حتى سبتمبر بنحو ثلاثة وأربعين مليارًا وستمئة مليون دولار. والدولة التي تُحمّل القوّة العظمى هذه الكلفة، ثمّ تبقى قادرةً على أن تُملي شروط التفاوض، دولةٌ باقية مهما عمقت جراحها. ولمضيق هرمز هنا شأنٌ خاصّ، فقد انقلب في هذه الحرب من ممرّ ملاحي إلى أداة سيادة: أعلنت إيران في أواخر مارس سيادتها عليه، وشرعت هيئة تابعة للحرس الثوري في مايو تجبي الرسوم من السفن العابرة، وعلقت مئات الناقلات داخل الخليج، ولم تُغنِ المخزونات الاستراتيجية التي أطلقتها الوكالة الدولية للطاقة عن النقص شيئًا يُذكر. وفي أواخر سبتمبر أصدر المرشد الجديد بيانًا يؤكّد أنّ إيران «ستحمي» المضيق، كما نقلت إذاعة أوروبا الحرّة. وهكذا، بدل أن تنزع الحرب من يد إيران أدوات الضغط، منحتها اعترافًا عمليًا بأنّ أمن الطاقة في العالم يمرّ من طهران، وبأنّ أيّ نظام إقليمي قادم سيتعامل معها حارسةً لأحد أخطر الممرّات على وجه الأرض، لا دولةً معزولة على هامشه.

لم يعد السؤال إذن: هل تبقى إيران؟ بل صار: أيّ نظام إقليمي سينهض حول إيران الباقية؟

رابعًا: منطق «العدوّ الدائم»: من طهران إلى الرياض

أقامت إسرائيل عقيدتها الأمنية أوّلَ أمرها على فكرة الطوق المعادي، ثمّ على صورة «رأس الأفعى» الإيراني الذي يحرّك أذرعه في لبنان وغزة واليمن والعراق. وقد نفعتها هذه الصورة من أكثر من باب: فهي تسوّغ تفوّقها العسكري النوعي، وتستجلب الدعم الأمريكي، وتفتح لها أبواب التطبيع مع عواصم عربية تخشى طهران. لكنّ الحرب الأخيرة جاءت بمفارقة لم تكن في الحسبان؛ فكلّما ضعفت إيران، ضعف معها السبب الذي دفع بعض تلك العواصم إلى الاقتراب من إسرائيل.

وهذا عينُ ما يرصده تحليلٌ نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في السادس من فبراير 2026 بعنوان «لماذا تعود السعودية إلى الإسلاموية وتنقلب على إسرائيل»؛ إذ يلاحظ كاتبه حسين عبد الحسين أنّ أئمّة الحرمين، وهم موظّفون في الدولة، دعوا في أواخر يناير 2026 بالنصر «على المعتدين الصهاينة»، وأنّ الإعلام القريب من الدولة شهد موجةً من الخطاب المناهض لإسرائيل، وأنّ انحسار الخطر الإيراني أذهب الدافع الأكبر إلى التقارب. وسواء وافقنا الكاتب على قراءته أم خالفناه، فإنّ الوقائع التي يسوقها تدلّ على تحوّل في المزاج الرسمي السعودي لا تُخطئه العين.

ثمّ جاءت الحرب فعمّقت هذا التحوّل. أغلقت الرياض أجواءها في وجه الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وإن ردّت لاحقًا على الصواريخ الإيرانية التي بلغت أراضيها. والإنصاف يقتضي القول إنّ الموقف الخليجي لم يكن على قلب رجل واحد؛ فقد تحدّثت تقارير عن عواصم خليجية حثّت ترامب على المضيّ في الحرب حتى تتبدّل القيادة الإيرانية، بينما سعت عواصم أخرى إلى الوساطة. لكنّ هذا التردّد نفسه شاهدٌ على أنّ القرار الخليجي لم يعد يُصاغ في تل أبيب، وأنّ الرياض بخاصّة تتعلّم أن تفصل بين خصومتها لطهران وبين التسليم بقيادة إسرائيل للمنطقة. وفي الثاني عشر من أكتوبر 2026، كما يروي تقريرٌ لموقع موندوايس، عرض نتنياهو على السعودية العون في حربها مع الحوثيين، فردّ ولي العهد العرض خشيةَ الرأي العامّ في بلاده، وهو رأيٌ لم يؤيّد التطبيع منه سوى أربعة في المئة بحسب استطلاع المركز العربي لعام 2025. هنا تتبدّى المعضلة الإسرائيلية في أجلى صورها: المملكة التي عُدّت الجائزة الكبرى للاتفاقيات الإبراهيمية باتت تردّ حتى العون العسكري المعلن.

والأشدّ وقعًا في الحساب الإسرائيلي أنّ الرياض لم تقف عند الرفض، بل أخذت تبني البديل. ففي سبتمبر 2025، إثر الضربة الإسرائيلية على الدوحة في التاسع منه، وقّعت السعودية وباكستان اتّفاقية دفاع مشترك. وفي السابع من أغسطس 2026 اجتمع محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف في مكّة المكرّمة فوقّعوا اتّفاقية مكّة للدفاع المشترك، التي تنصّ، بحسب تقرير قناة الجزيرة الإنجليزية، على أنّ الاعتداء المسلّح على إحدى الدول الثلاث اعتداءٌ على جميعها. وكان نفتالي بينيت قد وصف تركيا في فبراير بأنّها «إيران الجديدة»، فإذا بالسعودية تقف مع تركيا ومع باكستان النووية في حلف واحد.

ومن هذه الوقائع ينبثق التنبّؤ المركزي في هذه الورقة: ستلتمس إسرائيل في السنوات المقبلة عدوًّا دائمًا جديدًا، وقد تجده في المملكة العربية السعودية حين يغدو ولي العهد، في نظرها، خارج السيطرة؛ أي حين تجتمع في يده الثروة النفطية، والشرعية الدينية المستمدّة من خدمة الحرمين، والمظلّة النووية الباكستانية، والصناعة الدفاعية التركية، ورفضُ التطبيع ما لم يُفتح طريقٌ واضح إلى الدولة الفلسطينية. وسعوديةٌ على هذه الصورة أعسر على التصوّر الإسرائيلي من إيران؛ لأنّها لا تُحاصَر بسهولة بخطاب «التشيّع الثوري»، ولأنّها تتكلّم بلسان الأغلبية السنّية في العالم الإسلامي، ولأنّها حليفٌ قديم لواشنطن يصعب عزله. ولن يأتي هذا التحوّل في هيئة حرب مكشوفة، بل في هيئة إعادة هندسة للعلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية: توثيقُ الشراكة مع العواصم التي ترتضي التصوّر الإسرائيلي للمنطقة، وتطويقُ الرياض من الأطراف، من القرن الإفريقي إلى اليمن، ومن الصحافة الغربية إلى مراكز التفكير في واشنطن.

وقد لاحت بوادر هذا التطويق مبكّرًا. ففي أواخر ديسمبر 2025 اعترفت إسرائيل رسميًا بأرض الصومال، فرأت فيها الرياض حلقةً في مشروع لتجزئة العالم العربي، كما تشرح صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في تقريرها عن الخلاف السعودي الإماراتي. والمحكّ الذي يُختبر به هذا التنبّؤ هو تطوّر الخطاب الإسرائيلي، الرسمي والإعلامي، تجاه الرياض في العامين المقبلين، ولا سيّما بعد الانتخابات الإسرائيلية الجارية اليوم.

خامسًا: «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة»: ثنائيةٌ تُدار بها المنطقة

إن كان المحور الأوّل لهذا التحوّل انتقالَ العدوّ، فالمحور الثاني انتقالُ المعجم. فمنذ انقضاء الحرب الباردة، نظرت واشنطن إلى المنطقة بوصفها «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وهو تصنيف جغرافي يطمس ما بين الهويّات من فروق. أمّا اليوم فإنّ لفظَي «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة» سيحدّدان طريقة إدارة النظام الإقليمي. والفرق بينهما ليس فرقًا في الألفاظ؛ فالدولة العربية في هذا التصوّر دولةٌ تُدار بمنطق الحدود والأنظمة والنخب والأقلّيات، ويمكن النفاذ إليها من شقوق القبيلة والطائفة والجهة. أمّا الدولة المسلمة، ولا سيّما الكبرى غير العربية كتركيا وباكستان وإيران وإندونيسيا وماليزيا، فدولةٌ ذات كتلة بشرية هائلة، وجيوش كبيرة أو صناعات دفاعية، وهويّة حضارية عابرة للحدود يصعب تفكيكها.

وتمنح هذه الثنائية واشنطن رافعةً جديدة. فبدل أن تواجه «عالمًا إسلاميًا» قد يتكتّل، ستوثّق صلاتها بالدول العربية فرادى، عبر صفقات أمنية واستثمارية ثنائية، وتتعامل مع الدول المسلمة الكبرى بحذر أشدّ، بوصفها مراكز قوّة قائمة بذاتها. وهنا موضع المفارقة: هذا التصنيف يُدني الدول العربية من واشنطن ويعرّضها في الوقت نفسه للتفتيت، ويُبعد الدول المسلمة غير العربية عنها ويقوّي في الوقت نفسه قدرتها على الممانعة.

وفي قلب هذه المعادلة تقف اتّفاقية مكّة؛ فهي أوّل مرّة تختار فيها دولة عربية مركزية أن تصوغ أمنها بلغة «الدولة المسلمة» لا بلغة «الدولة العربية». فشريكا الرياض فيها ليسا عربيّين، بل تركيا وباكستان: صاحبة أكبر صناعة دفاعية في العالم الإسلامي، والدولة المسلمة الوحيدة المالكة للسلاح النووي. وقد وصفها مسؤول تركي بأنّها اتّفاقية دفاعية مفتوحة لسائر دول المنطقة، فيما رأى فيها بعض المعلّقين الأمريكيين والإسرائيليين «كتلةً مناوئة لإسرائيل والإمارات». وفي هذا الوصف نفسه تتجلّى الثنائية: تُقدَّم الإمارات نموذجًا لـ«الدولة العربية» المنخرطة في الترتيبات الإقليمية التي ترعاها واشنطن وتل أبيب، وتُقدَّم السعودية دولةً تتّجه نحو فضاء «الدولة المسلمة».

وفي السادس والعشرين من أكتوبر 2026، أي قبل يوم واحد من كتابة هذه السطور، حلّ في طهران وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، والتقوا الرئيس مسعود بزشكيان للبحث في هجمات الحوثيين على السعودية وفي التوتّر الأمريكي الإيراني، كما نقلت قناة الجزيرة الإنجليزية. وسواء أثمرت الزيارة أم لم تُثمر، وقد شكّك محلّلون كعلي واعظ وسنام وكيل في قدرتها على إحداث اختراق دائم، فإنّ الصورة وحدها تنطق بدلالتها الاستراتيجية: حلفٌ تقوده الرياض يخاطب طهران وسيطًا إسلاميًا، لا ذراعًا لواشنطن.

ومن ثمار هذه الثنائية أنّ الدول المسلمة قد تجد، لأوّل مرّة، إطارًا يمكّنها من مواجهة السياسات التي تُقدّم مصلحة إسرائيل على كلّ اعتبار. فالدولة العربية المنفردة تملك واشنطن أن تضغط عليها بالحماية والسلاح والاستثمار، أمّا الكتلة المسلمة متعدّدة القوميات فلها أدوات أخرى: الثقل البشري، والقدرة النووية الباكستانية، والصناعة الدفاعية التركية، وإشراف إندونيسيا وماليزيا على أهمّ الممرّات البحرية في العالم. ولا يعني هذا أنّ «الكتلة المسلمة» ستولد غدًا، وإنّما يعني أنّ التصنيف الذي أُريد به التفريق قد يوقظ، على المدى البعيد، وعيًا مضادًّا بالاجتماع؛ فالعصبيّة التي يُراد تفتيتها كثيرًا ما تتماسك تحت الضغط.

سادسًا: اقتصاد التفتيت: الوكلاء في الفضاء العربي

إن صحّ أنّ واشنطن وتل أبيب ستتعاملان مع الدول العربية بمنطق القابلية للتجزئة، فإنّ استراتيجية التفتيت عبر الوكلاء ستتّسع في الفضاء العربي أكثر ممّا تتّسع في الفضاء المسلم غير العربي. والخريطة الراهنة شاهدةٌ على ذلك. ففي اليمن تقدّم المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، في حضرموت المتاخمة للسعودية، فخرج الخلاف السعودي الإماراتي إلى العلن في التاسع والعشرين من ديسمبر 2025، ولم يسكن إلّا بعد حلّ المجلس ورحيل آخر القوّات الإماراتية. وفي السودان ترى الرياض في الدعم المنسوب إلى أبوظبي لقوّات الدعم السريع تهديدًا لأمن البحر الأحمر. وفي سوريا تتوجّس من دعم النزعات الانفصالية في جبل العرب. وفي الصومال أضاف الاعترافُ الإسرائيلي بأرض الصومال كيانًا جديدًا إلى الخريطة.

ولا ينبغي أن تُقرأ هذه الوقائع أزماتٍ متفرّقة، بل نمطًا واحدًا: الدولة العربية المركزية حين تضعف أو تنقسم تصير البيئة المثلى لإدارة المنطقة بالوكالة. وكان مالك بن نبي قد تحدّث عن «القابلية للاستعمار»، ولعلّنا اليوم أمام صورة جديدة منها هي «القابلية للتفتيت». وفي المقابل يعسر تطبيق النمط نفسه على تركيا أو باكستان أو إندونيسيا؛ فهي دول ذات جيوش وطنية متماسكة، وهويّات جامعة، وقدرة ذاتية على الردع. بل إنّ إيران نفسها، على ما أصابها، لم تتحوّل ساحةً لوكلاء الآخرين كما تحوّلت ليبيا واليمن والسودان، وإنّما ظلّت هي من يدير الوكلاء.

والجبهة اليمنية مثالٌ حيّ على ذلك. ففي منتصف أكتوبر 2026 أصاب صاروخ مبنى في مقرّ أرامكو بالظهران، واعترضت الدفاعات السعودية صاروخًا باليستيًا قاصدًا الرياض، وتوعّد الحوثيون بمواصلة استهداف المطارات والمنشآت النفطية، وهم يحاصرون تعز منذ الثالث عشر من الشهر نفسه. وهنا تتقاطع خيوط التفتيت: حربٌ بالوكالة على السعودية من الجنوب، وضغطٌ إسرائيلي غير معلن من الشمال، وخلافٌ مع الإمارات في الأطراف. فإذا أُضيف إلى ذلك ما يرصده تحليل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات من ضائقة مالية، إذ لا تحقّق فائضًا في موازنتها من دول الخليج الستّ سوى قطر والإمارات، اكتملت صورة المملكة المحاطة بالضغوط من كلّ جانب.

وتتوقّع الورقة، بثقة متوسّطة، أن يشهد العقد المقبل تكاثرًا في الكيانات دون الدولة داخل الفضاء العربي: إداراتٌ ذاتية، وموانئ تديرها شركات أجنبية، وجيوشٌ موازية، وكياناتٌ انفصالية تنال اعترافًا منقوصًا. وسيكون هذا التكاثر الثمنَ الذي تدفعه الدول العربية إن قبلت تصنيفًا يضعها في خانة الشريك القابل للتجزئة.

سابعًا: «القبضة الإفريقية»: إفريقيا شرقًا أوسطَ جديدًا

لا سبيل إلى فهم مستقبل الشرق الأوسط بمعزل عن إفريقيا. فالقرن الإفريقي والبحر الأحمر والساحل صارت امتدادًا مباشرًا لساحات الصراع في الخليج والمشرق، وبعض الدول الإفريقية، كمصر والسودان وليبيا والصومال، معدودةٌ أصلًا في الشرق الأوسط في كثير من الأدبيات. والجديد أنّ إفريقيا لم تعد مسرحًا لتنافس القوى الخليجية والإقليمية فحسب، بل أخذت تُخرج فاعليها، وهذا ما أسمّيه «القبضة الإفريقية»: انتقال الدول الإفريقية من موقع من يتلقّى النفوذ إلى موقع من يضع الشروط.

وقد بدأ هذا التحوّل بنهوض إثيوبيا. ففي التاسع من سبتمبر 2025 دشّنت أديس أبابا سدّ النهضة، أكبر مشروع كهرومائي في القارّة، كما وثّقته الصحافة الإفريقية، ثمّ عادت تطالب بمنفذ على البحر الأحمر، في خطوة تمسّ مصالح مصر وإريتريا والسعودية جميعًا. وليست إثيوبيا دولة ذات أغلبية مسلمة، لكنّها تضمّ واحدة من أكبر الجماعات المسلمة في إفريقيا، ونهوضها يعيد رسم خريطة البحر الأحمر الذي ظلّ عقودًا «بحيرةً عربية».

ثمّ جاء النموذج الأشدّ جذرية من الساحل. قطعت بوركينا فاسو علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا في السادس والعشرين من يونيو 2026، وخرجت مع مالي والنيجر رسميًا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، ويتولّى النقيب إبراهيم تراوري الرئاسة الدورية لتحالف دول الساحل في عام 2026، بحسب معهد أبحاث السياسة الخارجية. ويضمّ التحالف قرابة خمسة وسبعين مليون نسمة على رقعة تقارب مليونين وثمانمئة ألف كيلومتر مربّع، وأكثر أهله مسلمون. وقد بلغ إنتاج بوركينا فاسو من الذهب عام 2025 رقمًا قياسيًا قدره أربعة وتسعون طنًّا. ولا تخلو الصورة من ظلال؛ فالتقديرات تشير إلى أنّ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنازع الدولة نحو ستّين في المئة من أراضيها، وقد نبّهتُ في إحاطة يوليو إلى أنّ الساحل ينتقل من التمرّد إلى «الدولة المتنازَع عليها». غير أنّ هشاشة الأمن لا تمحو الحقيقة السياسية: دولٌ إفريقية أغلب أهلها مسلمون تتحدّى النظام ما بعد الاستعماري جهارًا، وتلتمس شركاء جددًا في الصين وروسيا وتركيا والخليج.

واللافت أنّ من يملؤون الفراغ الفرنسي في الساحل ليسوا الصين وروسيا وحدهما؛ فتركيا تزوّد بوركينا فاسو بالطائرات المسيّرة المسلّحة وتشيّد فيها محطّة كهرباء بقدرة مئة وتسعة عشر ميغاواط، ودول الخليج تستثمر في قطاعات شتّى. فـ«الدولة المسلمة» غير العربية، وتركيا في طليعتها، حاضرةٌ في قلب الصعود الإفريقي، وهذا الحضور يمنح الكتلة الناشئة حول اتّفاقية مكّة عمقًا إفريقيًا لا يملك المحور المنافس مثله، ويجعل الساحل والقرن الإفريقي مختبرًا مبكّرًا لصورة التحالفات في النظام الإقليمي القادم.

ولهذه «القبضة الإفريقية» أصداء مباشرة في الشرق الأوسط. فأوّلًا، ستغدو إفريقيا ميدانًا رئيسًا للتنافس بين المشروع السعودي التركي الباكستاني من جهة، والمشروع الإماراتي الإسرائيلي من جهة أخرى، ولا سيّما في السودان والصومال والقرن الإفريقي. وثانيًا، ستنضاف إلى فضاء «الدولة المسلمة» كتلةٌ إفريقية لا تنطق بالعربية لكنّها تشاركه سرديّة مقاومة الهيمنة. وثالثًا، سيعيد هذا الصعود رسم حدود «الشرق الأوسط» ذاته، فيغدو البحر الأحمر قلب الإقليم لا حاشيته. وقد تتبّعتُ جذور هذا التحوّل في كتابي «إبراهيم تراوري والكفاح من أجل السيادة الإفريقية: بوركينا فاسو والساحل وجيوسياسة الصحوة الإفريقية» الصادر في أكتوبر 2026، وأرى أنّ العقد المقبل سيشهد انتقال مركز ثقل «العالم المسلم الصاعد» جنوبًا وشرقًا، من المشرق إلى إفريقيا وآسيا.

ثامنًا: المسلمون في الغرب: من ملفٍّ أمني إلى فاعلٍ سياسي

يتّصل المحور الأخير بصورة الإسلام نفسه في النظام الدولي. فمنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، قدّم الإعلام الغربي المسلمَ في الغالب مشكلةً أمنية أو ثقافية. لكنّ السنوات الأخيرة شهدت صعود جيل جديد من القادة المسلمين في أمريكا وأوروبا يغيّر الصورة من داخلها. ففي الأوّل من يناير 2026 أدّى زهران ممداني اليمين عمدةً لمدينة نيويورك، فكان أوّل مسلم يتولّى هذا المنصب في كبرى مدن الولايات المتّحدة، كما نقلت صحيفة خليج تايمز. ويقع ذلك في المدينة التي شهدت هجمات 2001، وفي عهد رئيس بنى شطرًا من خطابه على التخويف من المهاجرين والمسلمين.

وفي بريطانيا تراكمت التجربة على مدى عقد كامل؛ فصادق خان عمدةٌ للندن منذ عام 2016، وشبانة محمود صارت في سبتمبر 2025 أوّل امرأة مسلمة تتولّى وزارة الداخلية، وعدّتها صحيفة غلف نيوز في العاشر من فبراير 2026 من أبرز المرشّحين لتكون أوّل رئيسة وزراء مسلمة إن فُتح باب التنافس على زعامة حزب العمّال. ومع أنّ الزعامة آلت في نهاية المطاف إلى آندي بيرنهام في السابع عشر من يوليو 2026، كما أعلنت شبكة بي بي إس، فإنّ مجرّد تداول اسم امرأة مسلمة لرئاسة الحكومة البريطانية كان ممّا لا يخطر على بال قبل عقدين.

على أنّ العبرة بالاتّجاه لا بالأسماء. فقد أفضى النهج التصادمي الحادّ الذي سلكه ترامب منذ ولايته الأولى إلى أثر لم يخطّط له أحد: لقد أيقظ وعيًا جديدًا بالإسلام في أمريكا وأوروبا، لدى المسلمين وغير المسلمين على السواء. فالحرب على إيران، التي عارضها أكثر الرأي العامّ الأمريكي، والحرب على غزة من قبلها، دفعتا قطاعات واسعة من الشباب الغربي إلى مراجعة السرديّات الرسمية عن الشرق الأوسط والإسلام. وفي أوروبا، كما بيّنتُ في دراسة «بين الشارع وواشنطن: الخريطة الجيوسياسية الجديدة لأوروبا بعد اضطرابات 2026 وإنذار ترامب»، تتحوّل الحماية الأمريكية إلى «حماية مشروطة» تُربط بسياسات الحدود والهجرة، فتصير المجتمعات المسلمة في قلب الصراع السياسي الأوروبي لا على هامشه.

وتتوقّع الورقة، بثقة بين المنخفضة والمتوسّطة، أن يغدو هؤلاء القادة، ومعهم الجيل الذي يمثّلونه، جسرًا جديدًا بين الغرب والعالم الإسلامي، وأن تتعامل معهم حكومات الدول المسلمة رصيدًا دبلوماسيًا لا جالياتٍ فحسب. فصورة المسلم التي يقدّمها عمدة نيويورك أو وزيرة الداخلية البريطانية تختلف اختلافًا جذريًا عن الصورة التي رسمها الإعلام الغربي عقدين من الزمن، وهذا الاختلاف سيترك أثره في شبكة العلاقات بين الدول، من قرارات الكونغرس والبرلمانات إلى الرأي العامّ الذي يرسم حدود ما تقدر عليه الحكومات في الشرق الأوسط.

تاسعًا: ما بعد ترامب: عالمٌ ينتظر

يعيش العالم اليوم انتظارًا حقيقيًا لما سيكون حين يغادر ترامب البيت الأبيض في يناير 2029. فقد أرسى نمطًا من المواجهة المكشوفة: حربٌ على إيران، وضغطٌ على أوروبا بلغ حدّ التلويح بالانسحاب منها في التاسع عشر من أكتوبر 2026، وأزمةٌ مع الدنمارك حول غرينلاند في يناير من العام نفسه. وفي الوقت ذاته كشفت الحرب حدود القوّة الأمريكية؛ فقد اضطرّت واشنطن إلى ما وصفته وسائل الإعلام بـ«الهدنة الانتخابية» في ضرب إيران قبيل الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026، ولم تبلغ أهداف تغيير النظام.

وفي إسرائيل تجري اليوم انتخابات الكنيست السادس والعشرين، وتشير قناة الجزيرة الإنجليزية في تحليلها المنشور في العشرين من أكتوبر إلى أنّ حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحزب «يشار» بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت متقاربان في الاستطلاعات، وأنّ أيًّا من المعسكرين لا يبدو قادرًا على بلوغ الأغلبية بيُسر. غير أنّ الورقة ترى أنّ النتيجة، أيًّا كانت، لن تبدّل المنطق البنيوي الذي وصفناه؛ فالتماس عدوّ مركزي جديد ليس سياسة حزب، بل حاجة مؤسّسية في دولة قامت على الخطر الدائم. قد يختلف الأسلوب بين حكومة يقودها نتنياهو وأخرى يقودها آيزنكوت، فيكون الأوّل أميل إلى الصدام والثاني أميل إلى الحذر، لكنّ الوجهة ستبقى واحدة.

وأمّا الولايات المتّحدة بعد ترامب، فإنّ الإدارة القادمة، جمهوريةً كانت أم ديمقراطية، سترث شرقًا أوسط غير الذي عرفته: إيرانَ باقية جريحة أشدّ تصلّبًا، وسعوديةً تبني حلفها الإسلامي الخاصّ، وإماراتٍ منخرطة في ترتيبات إقليمية مختلفة، وإفريقيا تتحدّى الشروط القديمة، وجالياتٍ مسلمة في الغرب صار لها صوتٌ لم يكن لها من قبل. ولن تستطيع إدارةٌ أيًّا كانت أن تردّ عقارب الساعة إلى ما قبل فبراير 2026.

ولا تقف كلفة هذه المرحلة عند حدود المنطقة. فقد قدّرت المفوضية الأوروبية أنّ الحرب أضافت نحو مئة وستة مليارات يورو إلى فاتورة واردات الاتّحاد الأوروبي من الوقود الأحفوري، وأدّت الضربة الإيرانية على مجمّع رأس لفان إلى خفض طاقة قطر على تصدير الغاز المسال بنحو سبعة عشر في المئة. دفعت أوروبا ثمن حرب لم تخترها، ودفعت آسيا، ومنها إندونيسيا وماليزيا، ثمن غلاء الوقود والنقل. وهذه الكلفة الموزّعة على العالم ستضع الإدارة الأمريكية القادمة تحت ضغط دولي غير مسبوق للبحث عن تسوية مستقرّة، وستمنح الصين والهند وباكستان، وسطاءَ كانت أم متضرّرين، صوتًا أعلى في هندسة النظام الإقليمي الجديد. وما أبلغ أن تأتي الوساطة الأولى التي أوقفت النار من إسلام آباد بسندٍ من بكين، لا من عاصمة أوروبية ولا عربية؛ فتلك إشارةٌ مبكّرة إلى أنّ مفاتيح الشرق الأوسط بعد ترامب لن تكون كلّها في يد واشنطن.

عاشرًا: السيناريوهات حتى عام 2030

السيناريو الأوّل: «النظام المجزّأ المُدار»، واحتماله في تقدير المؤلّف أربعون في المئة. تبقى إيران دولةً ذات سيادة في ظلّ عقوبات مخفّفة جزئيًا بعد تسوية هشّة حول هرمز والبرنامج النووي، وتتعمّق الثنائية بين «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة»، فتقترب واشنطن من الإمارات وعواصم عربية أخرى بصفقات ثنائية، وتتّسع اتّفاقية مكّة شيئًا فشيئًا بانضمام دول مسلمة أخرى. ويستمرّ التفتيت في اليمن والسودان والصومال، وتستقرّ العلاقة السعودية الإسرائيلية على برودٍ مُدار لا يبلغ المواجهة.

السيناريو الثاني: «العدوّ الجديد المُعلَن»، واحتماله خمسة وعشرون في المئة. تغدو السعودية في غضون ثلاث سنوات أو أربع الخصمَ المعلن في الخطاب الإسرائيلي، ولا سيّما إذا اقتربت الرياض من قدرة نووية أو من ردعٍ نووي موسّع عبر باكستان. وتنشط الحملات الإعلامية ومراكز التفكير الغربية ضدّ ما تسمّيه «السعودية الإسلاموية»، وتشتدّ الحرب بالوكالة على أطراف المملكة، وتعود إيران شريكًا محتملًا للرياض في مواجهة الضغوط.

السيناريو الثالث: «العودة إلى الحرب الشاملة»، واحتماله عشرون في المئة. تنهار المحادثات نهائيًا، وتُستأنف الضربات الأمريكية الإسرائيلية بعد الانتخابات النصفية، ويطول إغلاق هرمز، ويرتفع النفط فوق مئة وثلاثين دولارًا، وتتكبّد دول الخليج أضرارًا جسيمة. وفي هذا السيناريو تتأجّل التحوّلات البنيوية ولا تُلغى، بل تتسارع بعد انقضاء الجولة.

السيناريو الرابع: «الكتلة الإسلامية الصاعدة»، واحتماله خمسة عشر في المئة. تتحوّل اتّفاقية مكّة إلى نواة نظام أمني إسلامي متعدّد الأقطاب يضمّ مصر وإندونيسيا وماليزيا وقطر، وتنضوي إيران في ترتيب إقليمي جديد بضمانات سعودية تركية باكستانية، وتتراجع قدرة واشنطن وتل أبيب على فرض الشروط. وهذا سيناريو يحتاج إلى قيادات استثنائية وإلى تجاوز خلافات تاريخية عميقة، ولذلك يبقى أبعد الاحتمالات، وإن لم يكن مستحيلًا.

حادي عشر: مؤشّرات للرصد

المؤشّر الأوّل: لغة الخطاب الإسرائيلي، الرسمي والإعلامي، تجاه السعودية بعد تشكيل الحكومة الجديدة، وهل تتحوّل من خطاب «الشريك المأمول» إلى خطاب «الخطر الصاعد». المؤشّر الثاني: اتّساع اتّفاقية مكّة أو جمودها، ولا سيّما انضمام مصر أو قطر أو إندونيسيا أو ماليزيا إليها عضوًا أو شريكًا. المؤشّر الثالث: مسار البرنامج النووي السعودي وطبيعة الترتيبات مع باكستان. المؤشّر الرابع: تكاثر الكيانات دون الدولة في الفضاء العربي، وعدد الاعترافات الدولية بأرض الصومال وأمثالها. المؤشّر الخامس: حجم الحضور السعودي والتركي والإماراتي والإسرائيلي في القرن الإفريقي والساحل، ومواقف إثيوبيا وتحالف دول الساحل من الاصطفافات الخليجية. المؤشّر السادس: نتائج الانتخابات الأمريكية النصفية في نوفمبر 2026 والرئاسية في نوفمبر 2028، وعدد المنتخَبين المسلمين في أمريكا وأوروبا، ومكانة قضايا الشرق الأوسط في حملاتهم.

ثاني عشر: توصيات للدول المسلمة ولإندونيسيا وجنوب شرق آسيا

أوّلًا، على الدول المسلمة أن تدرك أنّ ثنائية «الدولة العربية» و«الدولة المسلمة» ليست قدرًا مقدورًا، بل أداة تصنيف يمكن ردّها أو تسخيرها. وأنجع ردّ على سياسة التفتيت بناءُ أطر تعاون متعدّدة القوميات، اقتصادية وأمنية ومعرفية، تقوم على المصالح المشتركة لا على العرق أو اللسان. وثانيًا، على السعودية وشريكيها أن يحذروا من تحويل اتّفاقية مكّة إلى حلف مذهبي في وجه إيران؛ فذلك يعيد إنتاج الانقسام الذي طالما استثمرته القوى الخارجية، في حين يمنح الحوارُ مع طهران، كما في زيارة السادس والعشرين من أكتوبر، الحلفَ شرعيةَ الوسيط الإسلامي.

وثالثًا، على إندونيسيا، أكبر الدول المسلمة سكّانًا، أن ترى في هذه التحوّلات فرصةً لا تهديدًا. فلها موقعٌ فريد: دولةٌ مسلمة غير عربية، ديمقراطية، متوازنة الصلات بواشنطن وبكين، تُشرف على ممرّات بحرية لا تقلّ خطرًا عن هرمز وباب المندب. وحريٌّ بجاكرتا أن تبني حضورًا دبلوماسيًا أعمق في الخليج وإفريقيا، وأن تتدبّر موقعها من أيّ ترتيب أمني إسلامي ناشئ، دون أن تنجرّ إلى محاور مذهبية أو حروب بالوكالة. ورابعًا، على دول جنوب شرق آسيا، ولا سيّما ماليزيا وبروناي، أن تتأهّب لصدمات طاقة متعاقبة، فقد رأينا ما فعله إغلاق هرمز بأسعار الوقود والنقل، وأن تستثمر في تنويع مصادر الطاقة وطرق إمدادها.

وخامسًا، على الجامعات ومراكز التفكير في العالم الإسلامي أن تصنع معرفتها الخاصّة بهذه التحوّلات، بدل أن تتّكئ على تحليلات غربية كثيرًا ما تصدر عن مصالح حكوماتها. فالمعركة على تفسير ما يجري في الشرق الأوسط لا تقلّ شأنًا عن المعركة على الأرض، ومن صنع السرديّة صنع شطرًا من الواقع.

خاتمة: شرقٌ أوسط لم يعد كما كان

أرادت الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 أن تطوي «المسألة الإيرانية» مرّة وإلى الأبد، فإذا بها تطوي النظام الإقليمي الذي كانت إيران أحد أعمدته. ستبقى إيران دولةً ذات سيادة، لكنّها ستعيش في إقليم آخر: إقليمٍ تلتمس فيه إسرائيل عدوًّا جديدًا وقد تجده في الرياض، وتقسم فيه واشنطن المنطقة إلى دول عربية قابلة للتجزئة ودول مسلمة عصيّة على الاحتواء، وينهض فيه فاعلون من إفريقيا لا يستأذنون أحدًا، ويتبدّل فيه وجه الإسلام في عيون الغرب على أيدي أبنائه في نيويورك ولندن.

وإن كان لهذه الورقة خلاصةٌ واحدة، فهي أنّ القوّة العسكرية تقدر على أن تقتل القادة وتهدم المنشآت، لكنّها لا تقدر على أن تحكم الوعي الذي تُطلقه. لقد أطلقت الحرب على إيران، ومعها نهج المواجهة الذي وسم عهد ترامب، وعيًا جديدًا في العالم الإسلامي وفي الغرب معًا، وهذا الوعي هو الذي سيرسم ملامح النظام القادم أكثر ممّا ترسمه القنابل. يترقّب العالم ما بعد ترامب، أمّا الشرق الأوسط فلا يترقّب؛ إنّه يتغيّر الآن، أمام أعيننا، في مكّة وطهران، وفي أديس أبابا وواغادوغو، وفي نيويورك.

من المرصد

تحليلات أخرى