, ,

سلامٌ على تباعُد: الحياة الاجتماعية في سنغافورة، وقلق المكانة لدى الطبقة الوسطى العليا، وأخلاقيات العيش من أجل العمل: مقارنةٌ بهونغ كونغ

المرصد الجاوي

سلامٌ على تباعُد: الحياة الاجتماعية في سنغافورة، وقلق المكانة لدى الطبقة الوسطى العليا، وأخلاقيات العيش من أجل العمل: مقارنةٌ بهونغ كونغ

سنغافورة من أكثر مجتمعات العالم انتظامًا وسلامًا، غير أنّ هذا النظام شُيّد على المسافة: مسافةٍ بين أعراقٍ تُدار بالحصص، وبين طبقاتٍ يندر لقاؤها يومًا بعد يوم، وبين المواطنين ومئات الآلاف من العمّال المهاجرين الذين يقيمون في فضاءاتٍ منفصلة. أمّا هونغ كونغ، توأمها المدينيّ، فتُرينا ما يحدث حين تنفجر مسافةٌ كهذه صراعًا.

27 أكتوبر 2026 · ورقة عمل · الأنثروبولوجيا · دراسات جنوب شرق آسيا · السياسات العامة

الملخّص

تتناول ورقة العمل هذه مفارقة الحياة الاجتماعية في سنغافورة: مجتمعٌ آمنٌ مسالمٌ منتظم، يعيش مع ذلك داخل نسقٍ خفيٍّ من التباعد. واستنادًا إلى البيانات الرسمية (التعداد، وإحصاءات العمل، وإحصاءات الإسكان والسكان)، ومسوح معهد الدراسات السياسية عن رأس المال الاجتماعي والوئام العرقي، والأدبيات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية عن جنوب شرق آسيا، تحاجّ الدراسة بأنّ سنغافورة أفلحت في تحويل «المجتمع التعدّدي» الاستعماري الذي وصفه فرنيفال إلى تعدّديةٍ عرقيةٍ تديرها الدولة، غير أنّ خطوط الانقسام انتقلت منذئذٍ من العرق إلى الطبقة، ومن الكامبونغ (القرية) إلى الشقّة الفاخرة، ومن المواطنين إلى العمّال المهاجرين المقيمين في المهاجع. وتكشف أخلاقياتُ العيش من أجل العمل، وقلقُ المكانة لدى الطبقة الوسطى العليا، ومعدّلُ خصوبةٍ هبط إلى 0.87 عام 2025، وقفزةٌ في أعداد المسنّين الذين يعيشون وحدهم، الثمنَ الاجتماعي لهذا النموذج. وتُظهر مقارنةٌ منهجيةٌ بهونغ كونغ، بلامساواتها الأحدّ، وأزمتها السكنية، وموجة احتجاجات 2019، وقانون الأمن القومي لعام 2020، وموجة الهجرة التي أعقبته، أنّ المسافة الاجتماعية غير المُدارة قد تتحوّل إلى قطيعةٍ سياسية. وتختتم الدراسة بسيناريوهاتٍ حتى عام 2030، وتوصياتٍ للفاعلين في سنغافورة وهونغ كونغ وإندونيسيا، ودروسٍ لإندونيسيا التي كثيرًا ما اتّخذت سنغافورة نموذجًا للتنمية.

الأطروحة

ليس سلامُ سنغافورة عيشًا مشتركًا نما من القاعدة، بل تعايشٌ مُهندَس: يختلط المواطنون في الفضاء العام لكنهم قلّما ينصهرون في شبكات الحياة اليومية، والخطوط الفاصلة الرئيسة اليوم هي الطبقة ووضع المواطنة، لا العرق.

البيانات والمصادر

تعداد سنغافورة 2020، ودائرة الإحصاء السنغافورية (SingStat) 2025–2026، ووزارة القوى العاملة (MOM)، وهيئة الإسكان والتنمية (HDB)، ومسوح معهد الدراسات السياسية (IPS) 2016–2024؛ ودائرة التعداد والإحصاء (C&SD) وهيئة الإسكان والمجلس التشريعي (LegCo) في هونغ كونغ؛ وهيئة الإحصاء الإندونيسية (BPS) والمديرية العامة للهجرة في إندونيسيا.

الإطار التحليلي

المجتمع التعدّدي (فرنيفال)، والأيديولوجيا الجماعاتية والإسكان العام (تشوا بنغ هوات)، ونقد الجدارة (كينيث بول تان، وتيو يو ين)، ومجتمع الإنجاز (بيونغ-تشول هان)، ورأس المال الاجتماعي الرابط والجاسر (bonding–bridging) عند بوتنام.

الاستشراف

ثلاثة سيناريوهات لسنغافورة حتى عام 2030، وتوصياتٌ سياساتيةٌ لسنغافورة وهونغ كونغ وإندونيسيا.

الكلمات المفتاحية: سنغافورة؛ هونغ كونغ؛ المجتمع التعدّدي؛ التعدّدية العرقية؛ الجدارة؛ الطبقة الوسطى؛ ثقافة العمل؛ الاحتراق النفسي؛ العمّال المهاجرون؛ رأس المال الاجتماعي؛ الخصوبة؛ إندونيسيا

أولًا: مدخل: مجتمعٌ آمنٌ متباعِد

يكاد كلُّ زائرٍ لسنغافورة يعود منها بالانطباع ذاته: مدينةٌ نظيفةٌ آمنةٌ ناجعةٌ هادئة، تتجاور فيها المساجد والمعابد والكنائس والمزارات البوذية، ويجلس فيها الصينيون والملايويون والهنود إلى الموائد الطويلة نفسها في مراكز الطعام الشعبية، وتصل قطاراتها في مواعيدها، ونادرًا ما يعكّر صفوَ فضائها العام اضطراب. غير أنّ الانطباع الأول، في عُرف الأنثروبولوجي، ليس إلا دعوةً إلى مزيدٍ من الحفر والتنقيب؛ فخلف هذا النظام يقبع سؤالٌ عن جودة العيش المشترك: هل يعيش هؤلاء الذين يتجاورون في سلامٍ معًا حقًّا، أم أنّهم يقيمون جنبًا إلى جنب في فضاءٍ صمّمته الدولة بعنايةٍ فائقة؟ وليس السؤال ترفًا أكاديميًّا؛ فسنغافورة كثيرًا ما تُتّخذ في إندونيسيا مقياسًا للنجاح: نموذجًا في التخطيط العمراني، ونموذجًا في البيروقراطية، ونموذجًا في التعليم، بل نموذجًا في نمط عيش الطبقة الوسطى. ويعمل فيها آلاف الإندونيسيين ويدرسون ويستقرّون، وقد كانت العلاقات بين البلدين في أكتوبر 2026 تمرّ باختبارٍ عسير بفعل نزاع الضباب العابر للحدود، واضطراب أسواق المال، وتقليص صادرات الغاز، على نحو ما رصدته المقالة التحليلية Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia [مستقبل المواجهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا] (25 أكتوبر 2026). وفي ظرفٍ كهذا يغدو فهمُ المجتمع السنغافوري من داخله، لا فهمُ الدولة السنغافورية وحدها، ضرورةً استراتيجية.

تنطلق ورقة العمل هذه من ملاحظةٍ بسيطةٍ كثيرًا ما يُبديها السنغافوريون أنفسهم: إنّهم يعيشون في سلامٍ ولكن على تباعُد. وليس هذا التباعد من جنس العزل الفظّ الذي تعرفه المدن الممزّقة بالصراعات الإثنية، بل هو نسقٌ خفيٌّ لطيف: شبكاتُ صداقةٍ قلّما تعبر الحدَّ الفاصل بين مدارس النخبة والمدارس العادية، وبين الشقق السكنية الفاخرة والمساكن العامة، وبين المواطنين والعمّال المهاجرين. ويتجلّى كذلك في إيقاع حياةٍ يضغطه العمل حتى تنكمش الأوقات المتاحة للقاءاتٍ لا غاية نفعية لها. وفي الآن ذاته، تسجّل سنغافورة واحدًا من أدنى معدّلات الخصوبة في العالم، وتشهد نموًّا متسارعًا في أعداد المسنّين الذين يعيشون وحدهم. وتتضافر هذه الملامح لترسم صورةً واحدة: مجتمعٌ أفلح في ترويض الصراع، لكنه لم يُفلح بالضرورة في إنماء عيشٍ مشتركٍ دافئ. ولكي تزداد هذه الصورة وضوحًا، تقارن الدراسة سنغافورة بهونغ كونغ، تلك المدينة المرفئية التي كانت مستعمرةً بريطانية، وهي كذلك ثرية، مكتظّة، ذات أغلبيةٍ صينية، معتمدةٌ على عاملات المنازل الأجنبيات، سائرةٌ نحو الشيخوخة، غير أنها سلكت منذ عام 2019 مسارًا سياسيًّا مغايرًا كلَّ المغايرة.

ويمكن صياغة سؤال الدراسة المركزي على مستوياتٍ ثلاثة. المستوى الأول وصفيّ: ما الشكل الذي يتّخذه التباعد في المجتمع السنغافوري اليوم، منظورًا إليه من زوايا العِرق والطبقة والعمل والأسرة ووضع المواطنة؟ والمستوى الثاني تفسيريّ: لماذا ينتج نموذج الإدارة الاجتماعية السنغافوري السلامَ والتباعدَ معًا، وما الدور الذي تؤدّيه أيديولوجيا الجدارة وأخلاقيات العمل في إعادة إنتاجهما؟ والمستوى الثالث مقارنٌ ومعياريّ: ما الذي يمكن تعلّمه من تباين مساري سنغافورة وهونغ كونغ، وما الدروس الوثيقة الصلة بإندونيسيا، بوصفها بلدًا كثيرًا ما يحاكي سنغافورة، وبوصفها كذلك بلدَ منشأٍ للعمّال المهاجرين والطلاب المقيمين في المدينتين؟ وبهذا البناء تسعى الدراسة إلى اجتناب فخّين معًا: الإعجاب غير النقدي بـ«المعجزة السنغافورية»، والتهكّم الذي لا يرى في نظام سنغافورة إلا ثمرةً للسلطوية.

ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ومستويات الثقة

يقوم الإطار التحليلي للدراسة على خمسة تقاليد نظرية يتمّم بعضها بعضًا. أولها مفهوم «المجتمع التعدّدي» عند فرنيفال (J. S. Furnivall)، الذي صوّر في كتابه Netherlands India: A Study of Plural Economy (1939) المجتمعَ الاستعماري نظامًا اجتماعيًّا تتجاور جماعاته دون أن تمتزج داخل وحدةٍ سياسيةٍ واحدة، ثم أوجز ذلك في كتابه Colonial Policy and Practice (1948) بعبارته الذائعة إنّ هذه الجماعات «تختلط ولا تتّحد»، على نحو ما نقلته مقالة تاريخ هونغ كونغ Lethbridge Onward. وثانيها تحليل تشوا بنغ هوات (Chua Beng Huat) للأيديولوجيا الجماعاتية والإسكان العام بوصفهما أساسَي الشرعية السياسية، ولا سيّما في كتبه Communitarian Ideology and Democracy in Singapore (1995)، وPolitical Legitimacy and Housing (1997)، وLiberalism Disavowed (2017)، كما تُدرجها ببليوغرافيا تشوا بنغ هوات. وثالثها نقد الجدارة عند كينيث بول تان (Kenneth Paul Tan) في مقالته Meritocracy and Elitism in a Global City (مجلة International Political Science Review، 2008)، وإثنوغرافيا الفقر التي أنجزتها تيو يو ين (Teo You Yenn) في كتابها This Is What Inequality Looks Like (2018). ورابعها تشخيص بيونغ-تشول هان (Byung-Chul Han) لـ«مجتمع الإنجاز» في كتابه The Burnout Society (الطبعة الألمانية 2010، والترجمة الإنجليزية عن مطبعة جامعة ستانفورد 2015). وخامسها تمييز روبرت بوتنام (Robert Putnam) بين رأس المال الاجتماعي الرابط (bonding) ورأس المال الاجتماعي الجاسر (bridging) في كتابه Bowling Alone (2000).

ومن حيث المنهج، تقوم الدراسة على تحليل الوثائق والبيانات الثانوية وفق مقاربةٍ أنثروبولوجيةٍ مقارنة. وتُستقى البيانات الكمّية الأولية من الهيئات الإحصائية الرسمية: دائرة الإحصاء السنغافورية (SingStat)، ووزارة القوى العاملة (MOM)، وهيئة الإسكان والتنمية (HDB)، وشعبة السكان والمواهب الوطنية في سنغافورة؛ ودائرة التعداد والإحصاء، وهيئة الإسكان، ومكتب الإسكان، وأمانة المجلس التشريعي في هونغ كونغ؛ وهيئة الإحصاء الإندونيسية (BPS) والمديرية العامة للهجرة في إندونيسيا. أمّا البيانات النوعية واستطلاعات المواقف فتُستمدّ من دراسات معهد الدراسات السياسية (IPS) التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، ومن تقارير لجان التحقيق الرسمية، ومن تغطيات وسائل إعلامٍ رصينة. وتُستقى المصادر السردية والتأويلية كذلك من مقالات موقع kba13.com ومن وثائق الأرشيف الرقمي pustaka.kba13academy.com. وتجري المقارنة بين سنغافورة وهونغ كونغ على أساسٍ موضوعي، مع وعيٍ تامٍّ بأنّ التعريفات الإحصائية في الولايتين كثيرًا ما تختلف، فلا بدّ من قراءة الأرقام التي تبدو قابلةً للمقارنة في ضوء الملاحظات المنهجية الواردة في كل قسم.

ولكي يتمكّن القارئ من وزن قوّة كل دعوى، تعتمد الدراسة ثلاثة مستوياتٍ للثقة. فالثقة العالية تُمنح للنتائج القائمة على بياناتٍ رسمية أو على مسوحٍ احتمالية واسعة النطاق، كالتركيب الإثني، ومعدّلات الخصوبة، وساعات العمل، وإحصاءات الإسكان. والثقة المتوسطة تُمنح للتأويلات التي تسندها مصادر عدّةٌ متقاربة لكنها تنطوي على بناءٍ تحليلي، كالقول بأنّ الطبقة حلّت محلّ العرق خطًّا فاصلًا رئيسًا، أو بأنّ أخلاقيات العمل تضيّق الفضاء الاجتماعي. أمّا الثقة المنخفضة فتُعطى للإسقاطات والسيناريوهات المستقبلية، بما فيها احتمالات سيناريوهات عام 2030، وهي تقديراتٌ تحليلية للكاتب لا مُخرجاتُ نمذجةٍ إحصائية. وتُسقط الدراسة عمدًا الدعاوى التي يتعذّر التحقّق منها، كتقديم رقمٍ دقيقٍ لعدد عاملات المنازل الإندونيسيات في سنغافورة، لأنّ البيانات الرسمية المتاحة للعموم لا تفصّل ذلك بحسب الجنسية.

ثالثًا: من المجتمع التعدّدي إلى تعدّدية «CMIO» العرقية

وُلدت سنغافورة الحديثة من رحم مجتمعٍ تعدّديٍّ استعماري بالمعنى الأكثر كلاسيكيةً عند فرنيفال. فقد اجتذب الميناء البريطاني الحرّ مهاجرين صينيين من جماعاتٍ لهجيةٍ شتّى، وملايويين من أرجاء الأرخبيل كافة، وهنودًا، وتجّارًا عربًا وأوروبيين، تميل كلُّ جماعةٍ منهم إلى السكنى في حيّها الخاص، ولا تلتقي بغيرها إلا في النشاط الاقتصادي في الأغلب. ذلك هو النسق الذي وصفه فرنيفال بأنه تجاورٌ بلا امتزاجٍ داخل وحدةٍ سياسيةٍ واحدة. وحين استقلّت سنغافورة عام 1965 إثر انفصالها عن ماليزيا، ورث مؤسّسوها مجتمعًا مجزّأ البنية. وكان جواب الدولة عن هذا الإرث هو النموذج الذي عُرف لاحقًا باسم CMIO، أي تصنيف السكان في أربع فئاتٍ عريضة: الصينيون، والملايويون، والهنود، و«الآخرون». وتظهر هذه الفئات على بطاقات الهوية، وتحدّد اللغة الأمّ التي يدرسها التلميذ في المدرسة، وتشكّل أساسًا لطيفٍ واسعٍ من السياسات العامة، من الإسكان إلى منظّمات العون الذاتي القائمة على الجماعة.

والتركيبة التي يديرها هذا النموذج مستقرّةٌ نسبيًّا؛ فقد سجّل البيان الإحصائي لتعداد السكان لعام 2020 الصادر عن دائرة الإحصاء السنغافورية في 16 يونيو 2021 أنّ السكان المقيمين يتوزّعون بين 74.3 في المئة من الصينيين، و13.5 في المئة من الملايويين، و9.0 في المئة من الهنود، والبقية في فئاتٍ أخرى. وسجّل التعداد نفسه تنوّعًا دينيًّا عاليًا: 31.1 في المئة من البوذيين، و18.9 في المئة من المسيحيين، و15.6 في المئة من المسلمين، و8.8 في المئة من الطاويين، و5.0 في المئة من الهندوس، في حين ارتفعت نسبة من لا ينتسبون إلى دينٍ إلى 20.0 في المئة. وتدلّ هذه الأرقام على أنّ سنغافورة مجتمعٌ ذو أغلبيةٍ إثنيةٍ واضحة، لكنه يضمّ أقلياتٍ معتبرة وتنوّعًا دينيًّا بالغ الارتفاع، ومن ثَمّ ظلّت إدارة العلاقات بين الجماعات على الدوام مسألةً من مسائل الأمن الوطني. وتلتقط المقالة التحليلية Ekosistem Blog Singapura: Gaya Hidup, Politik, dan Proyeksi Nasionalisme 2050 [منظومة المدوّنات في سنغافورة: نمط العيش والسياسة واستشراف القومية حتى عام 2050] (15 سبتمبر 2025) هذه السمة حين تصف القومية السنغافورية بأنها هجينٌ يمزج التجانس بالتعدّدية الثقافية، وتصف الهوية الوطنية بأنها شيءٌ يُعاد التفاوض عليه باستمرار في ملتقى العرق والدين واللغة.

ومن منظورٍ أنثروبولوجي، يمثّل نموذج CMIO مفارقةً لافتة. فهو من جهةٍ يرفض الاستيعاب القسري ويمنح كلَّ جماعةٍ اعترافًا رسميًّا، فلا تُكرَه الأقليات على الذوبان في ثقافة الأغلبية. وهو من جهةٍ أخرى يجمّد الهوية في خاناتٍ إداريةٍ صلبة، فإذا بالاختلاف يُعاد إنتاجه على يد الدولة كلَّ يوم. ليست التعدّدية العرقية السنغافورية إذن إلغاءً للمجتمع التعدّدي، بل هي تحويلٌ له: من تعدّديةٍ استعماريةٍ تركها السوق متفرّقة، إلى تعدّديةٍ ما بعد استعمارية تديرها الدولة التنموية وتخضعها للحصص وتُشرف عليها. ويسمّي تشوا بنغ هوات الإطار الذي يسندها «الأيديولوجيا الجماعاتية»، أي الاقتناع بأنّ المصالح الجماعية والوئام الاجتماعي ينبغي أن يتقدّما على الحقوق الفردية وحرية التعبير. وهذه الأيديولوجيا بالغة النجاعة في درء الصراع المكشوف، غير أنها، كما سيبيّن القسم التالي، لا تُنتج بذاتها ما يسمّيه بوتنام رأس المال الاجتماعي الجاسر، أي الروابط الطوعية التي تنمو من القاعدة عابرةً حدودَ الجماعات.

رابعًا: حصص الاندماج والمسافة الاجتماعية: الإسكان العام مختبرًا لصناعة الأمّة

ما من مؤسّسةٍ تصوغ الحياة الاجتماعية في سنغافورة صياغةً أحسم من الإسكان العام. فـالإحصاءات الرئيسة لهيئة الإسكان والتنمية لعام 2025 تسجّل أنّ 76.0 في المئة من السكان المقيمين كانوا يقطنون شقق الهيئة في نهاية مارس 2025، وأنّ الهيئة تدير 1,153,080 وحدةً سكنية. وتُظهر بيانات الأسر الصادرة عن دائرة الإحصاء لعام 2025 أنّ 77.2 في المئة من الأسر المقيمة تسكن شقق الهيئة، و17.9 في المئة تسكن الشقق الفاخرة (الكوندومينيوم) وسائر الشقق، و4.7 في المئة تسكن المنازل المستقلة ذات الأرض. ويرى تشوا بنغ هوات، الذي شغل يومًا منصب مدير البحوث في الهيئة قبل أن يُقال بسبب كتاباته النقدية، أنّ التملّك السكني الجماهيري استراتيجيةُ «إشراكٍ في الحصص»: إذ تحوّل الدولةُ المواطنين إلى مالكي أصول، فيغدو الاستقرار السياسي والامتثال الاجتماعي مغروسَين في المصالح الاقتصادية للأسر. فالإسكان العام إذن ليس مجرّد مأوى، بل أداةٌ لتكوين المواطن.

وفي رحم هذه الأداة وُلدت واحدةٌ من أكثر السياسات الاجتماعية تفرّدًا في العالم: سياسة الاندماج الإثني (Ethnic Integration Policy). فبحسب البوابة الرسمية SG101 بشأن هذه السياسة، طرحها وزير التنمية الوطنية س. دانابالان (S. Dhanabalan) في البرلمان في 16 فبراير 1989، بعد أن تبيّن للحكومة أنّ العزل العرقي أخذ يعود إلى الظهور عبر سوق إعادة بيع الشقق: فقد تجاوز الملايويون 30 في المئة من السكان في بيدوك وتامبينس، وتجاوز الصينيون 90 في المئة من الأسر في هوغانغ. وكانت الحصص المقرّرة يومئذٍ 84 في المئة للصينيين، و22 في المئة للملايويين، و10 في المئة للهنود والأقليات الأخرى على مستوى الحيّ، و87 و25 و13 في المئة على مستوى المبنى. وفي عام 2010 رُفع سقف الهنود والأقليات الأخرى إلى 12 في المئة على مستوى الحيّ و15 في المئة على مستوى المبنى. وقد حذّر دانابالان من أنّ الجيوب الإثنية المنفصلة ستقلّل التفاعل بين الأعراق، وقد تغدو مرتعًا للتحريض الطائفي.

ونجاح هذه السياسة في الحيلولة دون نشوء أحياءٍ إثنيةٍ مغلقة أمرٌ يصعب المجادلة فيه. بيد أنّ بيانات المسوح تُظهر أنّ التجاور المادي لا يولّد تلقائيًّا قربًا اجتماعيًّا. فقد وجد مسح مؤشرات الوئام العرقي والديني لعام 2024 الصادر عن معهد الدراسات السياسية ومنظّمة OnePeople.sg، الذي قابل وجهًا لوجه 4,000 مواطنٍ ومقيمٍ دائم بين أبريل وأغسطس 2024، أنّ 53.2 في المئة فقط من المستجيبين لديهم صديقٌ حميمٌ من عرقٍ آخر، نزولًا من 55.5 في المئة عام 2018. وانكمش متوسّط عدد الأصدقاء المقرّبين للفرد انكماشًا حادًّا، من 10.67 عام 2018 إلى 6.49 عام 2024. والأدعى إلى الاهتمام في سياق حجّة هذه الدراسة أنّ نحو 60 في المئة من سكان شقق الهيئة لديهم أصدقاء مقرّبون من أعراقٍ أخرى، في حين لا تتجاوز النسبة 49.1 في المئة بين سكان العقارات الخاصة. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الإسكان العام المحكوم بالحصص يُنتج صداقاتٍ عابرةً للأعراق أكثر مما تُنتجه الشقق الفاخرة المتروكة لمنطق السوق، ومع ذلك فإنّ قرابة نصف السكان حتى هناك ليس لهم صديقٌ حميمٌ من جماعةٍ أخرى. ذلك هو الوجه المعاصر لصيغة فرنيفال: اختلاطٌ في ردهات المصاعد ومراكز الطعام، دون اندماجٍ تامٍّ في دوائر الألفة.

خامسًا: الطبقة خطًّا فاصلًا جديدًا: الجدارة و«الكافات الخمس» وقلق المكانة

إذا كان العرقُ خطًّا فاصلًا تديره الدولة بالحصص، فإنّ الطبقة خطٌّ فاصلٌ ينبت من رحم النجاح الاقتصادي ذاته. وأهمّ الشواهد على ذلك دراسة رأس المال الاجتماعي التي أجراها معهد الدراسات السياسية بقيادة فنسنت تشوا (Vincent Chua) وتان إرن سير (Tan Ern Ser) وجيليان كوه (Gillian Koh). فتقرير Study of Social Capital in Singapore يستند إلى مسحٍ بالمقابلة المباشرة شمل 3,000 مواطنٍ ومقيمٍ دائم بين يناير ويوليو 2016، ورسم خريطةً لـ17,413 رابطةً اجتماعية بمتوسّط حجمٍ للشبكة قدره 5.8 أشخاص. وقد وقعت مؤشّرات تنوّع الشبكات بحسب العرق والدين في الفئة المتوسطة، بمتوسّطين قدرهما 0.32 و0.41 على التوالي، في حين وقع التنوّع بحسب الخلفية المدرسية (نخبوية أو غير نخبوية) وبحسب نوع السكن (عام أو خاص) في الفئة المنخفضة، بوسيطٍ قدره صفر. وقد لخّص تقريرٌ لأخبار جامعة سنغافورة الوطنية في 29 ديسمبر 2017 هذه النتائج بالقول إنّ خرّيجي مدارس النخبة وغيرها، وسكانَ المساكن العامة والخاصة، لا يختلطون حقًّا. وفي تعليقٍ نشرته صحيفة TODAY وأعادت نشره كلية لي كوان يو للسياسات العامة في 11 يناير 2018، أقرّ الباحثون الثلاثة بأنّ الانقسام الطبقي بدا أوسع من انقسامَي العرق والدين، وإن رفضوا الخلوص إلى أنّ سنغافورة مجتمعٌ منقسم.

وتضع هذه النتائج الجدارةَ، الأيديولوجيا الرسمية لسنغافورة، في قلب التحليل. فكينيث بول تان يرى، في مقالته المنشورة في مجلة International Political Science Review (المجلد 29، العدد 1، 2008)، أنّ الجدارة مفهومٌ غير مستقرّ، لأنّ مبدأها المساواتي يصطدم بتشديدها على التنافس والمكافأة، فتغدو في الممارسة مسوّغًا سهلًا للّامساواة والنخبوية. ويبدأ التنافس في سنٍّ مبكرة: امتحان إتمام المرحلة الابتدائية، ومدارس النخبة، ومنح الدولة الدراسية، ومساراتٌ مهنيةٌ بالغة الانضباط. والدولة نفسها تقرّ بجانبٍ من المشكلة؛ ففي مارس 2019 أعلن وزير التعليم أونغ يي كونغ (Ong Ye Kung) إلغاء نظام التشعيب في المرحلة الثانوية ابتداءً من عام 2024 للحدّ من آثار الوسم والوصم، كما أوردت صحيفة Malay Mail في 6 مارس 2019. أمّا إثنوغرافيا تيو يو ين، المؤلَّفة من مقابلاتٍ مع أكثر من 200 شخص و90 زيارةً لأسرٍ منخفضة الدخل على مدى ثلاث سنوات، فتكشف الوجه الآخر لتلك الجدارة: فالأسر الفقيرة تعيش في عالمٍ هو هو مادّيًّا، لكنه مختلفٌ تجربةً ومعاشًا، وكثيرًا ما يُقرأ فقرها على أنه إخفاقٌ شخصي. وقد بيع من الكتاب أكثر من 20,000 نسخة، وهي علامةٌ على أنّ الطبقة الوسطى السنغافورية ذاتها متعطّشةٌ إلى لغةٍ تسمّي بها اللامساواة التي تستشعرها.

وهذه اللامساواة حقيقية، وإن كانت آخذةً في التراجع. فقد سجّلت الاتجاهات الرئيسة لدخل الأسر لعام 2025 الصادرة عن دائرة الإحصاء في 9 فبراير 2026 أنّ الدخل السوقي الشهري الوسيط للأسر المقيمة بلغ 12,446 دولارًا سنغافوريًّا، بزيادةٍ اسمية قدرها 7.7 في المئة، وأنّ معامل جيني بلغ 0.452 قبل التحويلات الحكومية والضرائب، وهو الأدنى منذ بدء التسجيل عام 2015، و0.379 بعد التحويلات والضرائب. ويفسّر ارتفاعُ الوسيط لماذا يبدو المجتمع السنغافوري مجتمعَ طبقةٍ وسطى عليا. غير أنّ الرخاء المشترك على نطاقٍ واسع يزيد التنافس على المكانة رهافةً ودقّة. فقد أقرّ نائب رئيس الوزراء لورنس وونغ (Lawrence Wong)، وهو يفتتح مهرجان «سنغافورة إلى الأمام» في 27 أكتوبر 2023، بأنّ السنغافوريين لم يعودوا يتحدّثون كثيرًا عن «الكافات الخمس»، أي الشقّة الفاخرة (condominium)، والسيارة (car)، والمال النقدي (cash)، وبطاقة الائتمان (credit card)، ونادي النخبة (country club)، كما أوردت صحيفة Malay Mail. ومجرّد الاعتراف بضرورة تجاوز هذه الرموز يكشف عمق تجذّرها. ويُعرف هذا القلق من التخلّف عن الركب في الكلام اليومي باسم كياسو (kiasu)، وهو لفظٌ من لهجة هوكيين يعني الخوف من الخسارة، يتحوّل في مجتمع الجدارة من طبعٍ شخصيٍّ إلى عقلانيةٍ اجتماعية. والشقّة الفاخرة ليست مجرّد مسكن؛ إنها علامةٌ طبقية تغدو، كما تُظهر بيانات المعهد، حدًّا لشبكات الصداقة أيضًا.

سادسًا: العيش من أجل العمل: أخلاقيات العمل والاحتراق النفسي وسياسات المرونة

كثيرًا ما يصف المراقبون من الخارج سنغافورة بأنها مجتمعٌ يحيا ليعمل. والبيانات الرسمية ترسم صورةً أكثر تدقيقًا، لكنها تؤكّد مع ذلك شدّةً عاليةً في العمل. فقد سجّل تقرير وزارة القوى العاملة Labour Force in Singapore Advance Release 2025 متوسّطًا لساعات العمل الأسبوعية المعتادة قدره 43.8 ساعة للمقيمين العاملين بدوامٍ كامل عام 2025، نزولًا من 44.1 ساعة عام 2024. وقد حدث فعلًا تراجعٌ طويل الأمد: فساعات عمل المهنيين والمديرين والتنفيذيين والفنيين المتفرّغين انخفضت من 46.5 ساعة عام 2015 إلى 43.5 ساعة عام 2025. غير أنّ المشاركة في سوق العمل ما تزال مرتفعةً جدًّا: فـ83.3 في المئة من المقيمين بين 25 و64 عامًا يعملون، و31.5 في المئة ممّن بلغوا 65 عامًا فما فوق لا يزالون في العمل. وللرقم الأخير دلالةٌ أنثروبولوجيةٌ بالغة، إذ يكشف أنّ العمل ليس مجرّد مرحلةٍ من مراحل العمر، بل هويةٌ تُحمل إلى الشيخوخة، اختيارًا أو اضطرارًا اقتصاديًّا.

بيد أنّ قياس ساعات العمل لا يلتقط إلا جانبًا من التجربة. فقد وجد مؤشّر السعادة في مكان العمل: سنغافورة الصادر عن Jobstreet by SEEK، المنشور في 10 فبراير 2026 والقائم على مسحٍ لألف عاملٍ بين 18 و64 عامًا أُجري في أكتوبر ونوفمبر 2025، أنّ 45 في المئة من المستجيبين يشعرون بالسأم أو الإنهاك من العمل، وأنّ 41 في المئة ممّن يصفون أنفسهم بالسعداء يُبلغون مع ذلك عن احتراقٍ نفسي، ولا سيّما من يتجاوز دخلهم 6,000 دولار سنغافوري شهريًّا. وتنسجم هذه النتيجة مع تشخيص بيونغ-تشول هان؛ فالمجتمع المعاصر، في رأيه، انتقل من مجتمع الانضباط الذي يحكمه الحظر إلى مجتمع الإنجاز الذي يحكمه الممكن، وذاتُ الإنجاز لم تعد مستغَلّةً من سيّدٍ خارجي، بل تستغلّ نفسها وهي تحسب أنها حرّة. وإنهاكُ الطبقة الوسطى العليا السنغافورية «السعيدة المحترقة» يكاد يكون مثالًا إمبيريقيًّا مكتملًا على هذه الأطروحة: فالكدح الشديد يُعاش اختيارًا حرًّا وطريقًا إلى تحقيق الذات، فيصير الإنهاك شأنًا خاصًّا لا مشكلةً بنيوية.

وقد استجابت الدولة السنغافورية على طريقتها المعهودة: عبر الشراكة الثلاثية والمبادئ التوجيهية، لا عبر تشريعٍ صارمٍ قائمٍ على الحقوق. ففي أكتوبر 2020، حين اقترح النائب ملفين يونغ (Melvin Yong) قانونًا يكرّس الحقّ في الانقطاع عن اتصالات العمل خارج ساعات الدوام، ردّ وزير الدولة الأول للقوى العاملة زقي محمد (Zaqy Mohamad) بأنّ تشريعًا كهذا قد يغدو عديم الجدوى أو جامدًا في السياق السنغافوري، كما أورد موقع Mothership في 6 أكتوبر 2020. وبدلًا من ذلك، وضعت الحكومة والنقابات وأصحاب العمل المبادئ التوجيهية الثلاثية بشأن طلبات ترتيبات العمل المرن، النافذة منذ 1 ديسمبر 2024. وتمنح هذه المبادئ الحقَّ في طلب العمل المرن، وتُلزم أصحاب العمل بالنظر في الطلبات نظرًا جادًّا في غضون شهرين، لكنها لا تمنح الحقَّ في الحصول عليه. وتذكّرنا مقالةٌ لطالبةٍ منشورةٌ على kba13.com بعنوان Burnout di Kalangan Pelajar [الاحتراق النفسي بين الطلاب] (29 أغسطس 2025) بأنّ أعراضًا مماثلة بدأت تظهر لدى الجيل الإندونيسي الشاب، إذ صارت الدرجات تُقدَّم على العافية. فالمشكلة إذن ليست سنغافوريةً خالصة، بل هي عَرَضٌ من أعراض حداثةٍ آسيويةٍ يحرّكها التنافس.

سابعًا: الأسرة والوحدة والشيخوخة: الثمن الاجتماعي لمجتمع الإنجاز

لعلّ أحدّ مؤشّرات المجتمع الذي يحيا ليعمل هو أزمته في إعادة الإنتاج الاجتماعي. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء غان كيم يونغ (Gan Kim Yong) في البرلمان في 26 فبراير 2026 أنّ معدّل الخصوبة الكلّي للمقيمين في سنغافورة هبط إلى 0.87 عام 2025 وفق البيانات الأولية، وهو أدنى مستوى مسجّل، نزولًا من 0.97 عام 2024 و1.24 عام 2015، كما أوردت مجلة Her World في 2 مارس 2026 نقلًا عن صحيفة The Straits Times. وبلغت ولادات المقيمين نحو 27,500 ولادة عام 2025، بانخفاضٍ قدره نحو 11 في المئة عن 30,808 ولادات عام 2024. وصار واحدٌ من كل خمسة مواطنين في الخامسة والستين فما فوق، بعد أن كان واحدًا من كل ثمانية عام 2015، ومن دون تدخّلاتٍ جديدة يُتوقّع أن يبدأ عدد المواطنين في الانكماش مطلعَ أربعينيات هذا القرن. وقد أعلنت الحكومة أنها ستستقبل ما بين 25,000 و30,000 مواطنٍ جديد ونحو 40,000 مقيمٍ دائم سنويًّا خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو إقرارٌ بأنّ التكاثر البيولوجي لم يعد كافيًا لإدامة تكاثر الأمّة.

وخلف أرقام الخصوبة يكمن تحوّلٌ في أنماط الاقتران. فقد سجّل بيان تعداد 2020 أنّ 81.6 في المئة من الرجال و69.0 في المئة من النساء في الفئة العمرية 25–29 لا يزالون عزّابًا، صعودًا من 74.6 و54.0 في المئة عام 2010؛ وفي الفئة العمرية 30–34 بلغت النسبة 41.9 في المئة من الرجال و32.8 في المئة من النساء. ويرتبط تأخّر الزواج ارتباطًا وثيقًا بمنطق الجدارة وتملّك المسكن؛ فالأزواج الشباب ينتظرون عادةً استقرار المسار المهني ودورَهم في الحصول على شقّة قبل تكوين أسرة. وعلى الطرف الآخر من دورة الحياة، تكشف الوحدة عن وجهها. فالردّ الحكومي المكتوب على سؤالٍ برلمانيٍّ من النائب وان رزال (Wan Rizal)، المنشور على موقع وزارة الصحة السنغافورية، سجّل أنّ الأسر المكوّنة من فردٍ واحدٍ في الخامسة والستين فما فوق قفزت من 42,100 عام 2014 إلى 87,200 عام 2024، واستشهد بدراسةٍ لكلية Duke-NUS عام 2018 وجدت أنّ المسنّين الذين يعيشون وحدهم أكثر عرضةً بمقدار الضعف للإبلاغ عن أعراض الاكتئاب. والوحدة هنا ليست ظاهرةً نفسيةً فحسب، بل نتيجةٌ بنيوية لانكماش الأسر، وللحراك المهني، ولفضاءات سكنٍ صُمّمت على مقاس الأسرة النووية.

وتكتسب هذه الأعراض معنًى إضافيًّا حين تُقرأ إلى جانب نتائج مسح الوئام العرقي التي سبق تناولها، أي انكماش متوسّط عدد الأصدقاء المقرّبين من 10.67 إلى 6.49 في ستّ سنوات. وقد فسّر رئيس منظّمة OnePeople.sg، جانيل بوتوتشيري (Janil Puthucheary)، تراجعَ الصداقات العابرة للأعراق بأنه نتيجةٌ لانكماش الدوائر الاجتماعية. وبعبارةٍ أخرى، قد لا تكون مشكلة سنغافورة الرئيسة هي العنصرية، بل ضمورًا عامًّا في الاجتماعية: فالناس صار لهم أصدقاء أقلّ، ومن ثَمّ صار لهم أصدقاء أقلّ من الجماعات الأخرى. ويسمّي بوتنام رأسَ المال الاجتماعي الرابط غراءً اجتماعيًّا فائق اللصوق، ورأسَ المال الجاسر مُزلِّقًا يتيح للاختلافات أن تتحرّك بعضها بمحاذاة بعض. ويبدو أنّ المجتمع السنغافوري يشهد ترقّقًا في كليهما معًا: فالأسر تصغر وتتكوّن متأخّرة، والجسور العابرة للطبقة والعرق لا تبقى إلا في فضاءاتٍ صمّمتها الدولة عن قصد. وفي إطار هان، هذا هو ثمن مجتمع الإنجاز: إذ يُضحّى بزمن التأمّل والصداقة والرعاية على مذبح تحسينٍ للذات لا ينتهي.

ثامنًا: سنغافورة الخفيّة: مهاجع العمّال المهاجرين وعاملات المنازل

لا يقع التباعد الأحدّ في سنغافورة بين أعراق مواطنيها، بل بين المواطنين والعمّال المهاجرين ذوي الأجور المتدنّية. فقد سجّلت أعداد القوى العاملة الأجنبية الصادرة عن وزارة القوى العاملة لشهر يونيو 2026 قوةً عاملةً أجنبيةً إجماليةً قدرها 1,655,900، منهم 204,300 من حاملي تصاريح التوظيف (Employment Pass)، و177,300 من حاملي تصاريح S Pass، و1,243,600 من حاملي تصاريح العمل (Work Permit)، بينهم 323,800 من عاملات المنازل المهاجرات و490,700 عاملٍ في قطاعات البناء وأحواض بناء السفن والصناعات التحويلية. وهؤلاء العمّال في قطاع البناء، الذين يأتي معظمهم من جنوب آسيا والصين، يقيمون عمومًا في مهاجع مشيّدة لهذا الغرض على أطراف المدينة، بعيدًا عن الأحياء السكنية. إنهم يبنون الأبراج التي تفاخر بها المدينة، لكنهم قلّما يكونون جزءًا من الحياة الاجتماعية التي ينعم بها مواطنوها. وتؤكّد المقالة التحليلية Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN [العلاقات الإندونيسية السنغافورية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وسياسات الأمن، والديناميات الاستراتيجية في آسيان] أنّ سنغافورة ما كانت لتقدر على تشييد ناطحات السحاب أو تسيير البيوت الحديثة من دون العمالة المهاجرة.

وقد صار هذا التباعد مرئيًّا في حدثين. أولهما شغب ليتل إنديا في 8 ديسمبر 2013، الذي اندلع، بحسب مدخل موسوعة Infopedia التابعة للمكتبة الوطنية في سنغافورة، إثر حادثٍ مميتٍ ذهب ضحيّته عامل بناء، وشارك فيه نحو 300 شخص، وأسفر عن إصابة 54 من أفراد الأمن وثمانية مدنيين، وإتلاف 29 مركبة. ورُحّل سبعة وخمسون شخصًا. وخلصت لجنة التحقيق إلى أنّ الكحول كان عاملًا مساهمًا رئيسًا، ولم تجد أنّ السخط على ظروف العمل أو المعيشة كان سببًا؛ فجاءت الاستجابة السياسية بإعلان ليتل إنديا منطقةً خاضعةً لضبط الكحول ابتداءً من 1 أبريل 2015. وثانيهما تفشّي كوفيد-19 في مهاجع العمّال عام 2020. فقد سجّل بيانٌ صحفيٌّ لوزارة القوى العاملة في 14 ديسمبر 2020 أنّ 54,505 من بين نحو 323,000 من نزلاء المهاجع ثبتت إصابتهم بفحص PCR، واكتُشفت إصابة 98,289 آخرين عبر الفحص المصلي، فبلغ معدّل الانتشار الإجمالي 47 في المئة. وظلّ هؤلاء العمّال قرابة عامين محصورين عمليًّا في مهاجعهم إلا للعمل، ولم يُرفع اشتراط تصاريح الخروج إلا في يوليو 2022، مع بقاء زيارة أربعة مواقع شعبية أيام الآحاد مشروطةً بالإذن، كما أوردت صحيفة Inquirer في 26 يونيو 2022؛ ووصف ناشطٌ من منظّمة HOME القيودَ المتبقّية بأنها تمييزية.

أمّا عاملات المنازل المهاجرات، ومنهنّ كثيراتٌ من الإندونيسيات، فيعشن التباعد في صورته المعكوسة: إنهنّ يقمن داخل بيوت الأسر السنغافورية، لكنهنّ يبقين خارجها اجتماعيًّا. يربّين الأطفال ويرعين المسنّين، فيسندن في الواقع أخلاقيات العيش من أجل العمل لدى الطبقة الوسطى العليا السنغافورية، إذ يتاح للزوج والزوجة كليهما أن يمضيا في مسارٍ مهنيٍّ بدوامٍ كامل. ولا تستطيع هذه الدراسة تقديم رقمٍ رسميٍّ لعدد عاملات المنازل الإندونيسيات في سنغافورة، لأنّ بيانات الوزارة المتاحة للعموم لا تفصّل ذلك بحسب الجنسية. غير أنّ النسق، أنثروبولوجيًّا، واضح: فسنغافورة الحديثة مجتمعٌ ثلاثيّ الطبقات، يقف في طبقته الأولى المواطنون والمقيمون الدائمون، وفي الثانية المهنيون الأجانب، وفي الثالثة العمّال المهاجرون ذوو الأجور المتدنّية، الحاضرون في كل مكانٍ والغائبون تقريبًا عن السردية الوطنية. ذلك هو مجتمع فرنيفال التعدّدي في صيغته في القرن الحادي والعشرين: سوق العمل يجمع الناس، ووضع المواطنة يفرّقهم.

لقد أفلحت سنغافورة في نقل الخطّ الفاصل في المجتمع التعدّدي من العرق إلى الطبقة ووضع المواطنة؛ فرُوِّض الصراع، لكنّ المسافة لم تُمحَ قطّ محوًا حقيقيًّا.

تاسعًا: فضاءات اللقاء وحدودها: مراكز الطعام الشعبية وفسحات المباني والعيش المشترك المصمَّم

من الخطأ قراءة التباعد السنغافوري من دون الالتفات إلى فضاءات اللقاء التي صُمّمت بقصدٍ بالغ. ومركز الطعام الشعبي، أو مركز الباعة (hawker centre)، هو أهمّ أمثلتها. فقد أُدرجت ثقافة الباعة السنغافورية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو في 16 ديسمبر 2020، كما أعلنت الوكالة الوطنية للبيئة. وتصف وثيقة التقييم مركزَ الباعة بأنه «غرفة طعامٍ للجماعة» يلتقي فيها أناسٌ من خلفياتٍ متنوّعة، ودعت الوزيرة غريس فو (Grace Fu) المواطنين إلى إبقاء غرف الطعام الجماعية هذه نابضةً بالحياة. وعند تلك الموائد الطويلة يجلس موظّف المصرف إلى جانب سائق الأجرة، والأسرة الملايوية إلى جانب المتقاعد الصيني، والعامل المهاجر إلى جانب طالب الجامعة. وإلى جانب الفسحات المفتوحة في الطوابق الأرضية لمباني الهيئة، المعروفة باسم الطابق الفارغ (void deck)، حيث قد تُقام الأعراس الملايوية وطقوس الجنائز الصينية بالتناوب، يغدو مركز الباعة المسرحَ اليوميَّ للتعدّدية العرقية.

غير أنّ لفضاءات اللقاء هذه حدودًا تستحقّ التأمّل الدقيق. فاللقاءات في مركز الباعة عابرةٌ وذات طابعٍ تبادلي؛ يتقاسم الناس الموائد لكنهم قلّما يتقاسمون الحديث. وبمفردات علم الاجتماع الحضري، هذا هو اللااكتراث المهذّب (civil inattention)، أي لياقة ألّا يتطفّل المرء على الآخر، وهي لياقةٌ تجعل السلام ممكنًا لكنها لا تولّد الحميمية بذاتها. وتُظهر بيانات المعهد التي سبق تناولها أنّ تنوّع الشبكات بحسب السكن والمدرسة يبقى منخفضًا رغم توافر هذه الفضاءات على نطاقٍ واسع. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الفضاء العام المشترك شرطٌ لازمٌ لرأس المال الاجتماعي الجاسر لكنه غير كافٍ. ويلاحظ باحثو المعهد أنفسهم أنّ المشاركة في الرياضة والأنشطة الثقافية ومجموعات التطوّع ترتبط بشبكاتٍ أكثر تنوّعًا، ولذلك يوصون بتشجيع المواطنين على العمل والتطوّع معًا. والرسالة واضحة: العيش المشترك لا يولد من التجاور المادي وحده، بل من نشاطٍ مشتركٍ متكرّرٍ ذي معنى، وهو نشاطٌ يزداد ندرةً وسط جداول العمل المزدحمة.

ويُظهر الفضاء الرقمي دينامياتٍ مماثلة. فالمقالة التحليلية عن منظومة المدوّنات في سنغافورة تبيّن أنّ مدوّنات نمط العيش مثل TheSmartLocal وLadyironchef تبني ما يسمّيه مايكل بيليغ (Michael Billig) «القومية المبتذلة»، أي الاعتزاز بطعام المدينة وأمنها ورفاهيتها، في حين تثير المدوّنات ووسائل الإعلام المستقلّة الناقدة، ككتابات تشيريان جورج (Cherian George) وكيرستن هان (Kirsten Han) ومنصّة New Naratif، قضايا اللامساواة وحرية التعبير ومعاملة العمّال المهاجرين. وتصوغ المقالة نفسها ثلاثة سيناريوهات للقومية حتى عام 2050، منها سيناريو «الرفاه بلا صوت»، أي انسحاب المواطنين إلى حياةٍ خاصةٍ مريحة وتركُ القومية تتحوّل إلى حنين. وهذا السيناريو وثيق الصلة بموضوع هذه الدراسة، لأنه يصوّر المآل المنطقي لمجتمعٍ آمنٍ متباعد: مواطنون راضون مادّيًّا وآمنون جسديًّا، لكن لم يعد لديهم متّسعٌ ولا طاقةٌ لعيشٍ مدنيٍّ مشتركٍ فاعل.

عاشرًا: مرآة هونغ كونغ: مقارنةٌ منهجية بين مدينتين-دولتين ما بعد استعماريتين

هونغ كونغ هي أصدق مرآةٍ لسنغافورة. فكلتاهما مدينةٌ مرفئيةٌ كانت مستعمرةً بريطانية، ومركزٌ ماليٌّ عالمي، بالغة الاكتظاظ، ذات أغلبيةٍ صينية، تعتمد على عاملات المنازل الأجنبيات، وتواجه شيخوخةً متسارعة. وتكمن الفروق في ثلاثة ميادين جوهرية: الوضع السياسي، ونموذج الإسكان، وطريقة إدارة الدولة للّامساواة. فمن حيث التركيبة، هونغ كونغ أكثر تجانسًا بكثير؛ إذ تسجّل بيانات تعداد 2021 المجمّعة في الملخّص Demographics of Hong Kong أنّ 91.6 في المئة من السكان صينيو الإثنية، يليهم الفلبينيون بنسبة 2.7 في المئة والإندونيسيون بنسبة 1.9 في المئة، ومعظمهم من عاملات المنازل. ومن ثَمّ لم يكن الخطّ الفاصل في هونغ كونغ منذ البداية هو العرق بين المواطنين، بل الطبقة والجيل، ومنذ عام 2019 الموقفُ السياسي من بكين. وبمصطلحات فرنيفال، هونغ كونغ مجتمعٌ متجانسٌ إثنيًّا نسبيًّا لكنه منقسمٌ اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، في حين أنّ سنغافورة مجتمعٌ متغايرٌ إثنيًّا أفلح في احتواء هذا الاختلاف ضمن إطارٍ مُدار.

ويكمن الفارق الأشدّ لفتًا للنظر في الإسكان واللامساواة. فقد سجّل بيان التعداد السكاني المرحلي لعام 2016 الصادر عن حكومة هونغ كونغ في 9 يونيو 2017 معاملَ جيني قدره 0.539 على أساس الدخل الأصلي للأسرة، و0.473 بعد الضرائب والتحويلات الاجتماعية. وبحسب Housing in Figures 2025، لم يكن يقطن الإسكان العام في هونغ كونغ عام 2024 سوى 44.7 في المئة من السكان، مقابل 76.0 في المئة في سنغافورة. وبلغ متوسّط مدّة الانتظار للحصول على مسكنٍ عامٍّ مستأجَر للمتقدّمين العاديين 5.1 سنوات في نهاية ديسمبر 2025، كما أعلن موقع news.gov.hk في 12 فبراير 2026. وتحت هذه الطبقة يقبع عالم الوحدات المقسَّمة (subdivided units): إذ تقدّر الحكومة وجود نحو 110,000 وحدةٍ من هذا النوع في المباني السكنية يقطنها قرابة 220,000 شخص، ولم تنظّم معاييرها الدنيا إلا عبر قانون الوحدات السكنية الأساسية النافذ منذ 1 مارس 2026، وفقًا لإعلانٍ رسميٍّ في 3 أكتوبر 2025. وسجّل ردّ الحكومة على سؤالٍ في المجلس التشريعي بتاريخ 12 يوليو 2023 نحو 34,000 طفلٍ دون الخامسة عشرة يعيشون في هذه الوحدات عام 2021.

وفي ما يتّصل بالعمل، تُعرف المدينتان كلتاهما بطول ساعات العمل. فقد سجّلت دراسةٌ إحصائيةٌ لأمانة المجلس التشريعي عن ساعات العمل في هونغ كونغ (8 نوفمبر 2019) وسيطًا لساعات العمل الأسبوعية للعاملين بدوامٍ كامل قدره 44.3 ساعة عام 2018، وأنّ 37 في المئة من العاملين يعملون 48 ساعة أسبوعيًّا على الأقل، وذكرت أنّ متوسّط ساعات العمل في هونغ كونغ أطول منه في معظم الاقتصادات المتقدّمة المماثلة باستثناء سنغافورة. وليس في هونغ كونغ قانونٌ لساعات العمل المعيارية؛ فاللجنة التي أُنشئت عام 2013 لم تُخرج إلا مبادئ توجيهيةً قطاعيةً غير ملزمة. ومن حيث السكان، تقبع المدينتان في ذيل الترتيب العالمي: فقد بلغ معدّل الخصوبة الكلّي في هونغ كونغ 0.841 عام 2024 بحسب بيانات دائرة التعداد والإحصاء التي استُشهد بها في سؤالٍ في المجلس التشريعي بتاريخ 16 يوليو 2025. وتعتمد المدينتان كلتاهما على عاملات المنازل الأجنبيات: إذ تضمّ هونغ كونغ نحو 375,000 منهنّ بحسب بيانٍ حكوميٍّ في 30 سبتمبر 2025 دافع عن قاعدة الإقامة الإلزامية في منزل صاحب العمل.

المؤشّرسنغافورةهونغ كونغملاحظات المصدر
التركيب الإثنيصينيون 74.3%؛ ملايويون 13.5%؛ هنود 9.0% (2020)صينيون 91.6%؛ فلبينيون 2.7%؛ إندونيسيون 1.9% (2021)دائرة الإحصاء السنغافورية 2021؛ تعداد هونغ كونغ 2021
السكان في الإسكان العام76.0% (مارس 2025)44.7% (2024)هيئة الإسكان والتنمية 2025؛ هيئة الإسكان في هونغ كونغ 2025
معامل جيني قبل التحويلات0.452 (2025، لكل فردٍ من أفراد الأسرة)0.539 (2016، لكل أسرة)أساسا حسابٍ مختلفان؛ غير قابلين للمقارنة المباشرة
معامل جيني بعد التحويلات0.379 (2025)0.473 (2016)دائرة الإحصاء السنغافورية 2026؛ حكومة هونغ كونغ 2017
ساعات عمل المتفرّغين43.8 ساعة أسبوعيًّا، متوسّط معتاد (2025)44.3 ساعة أسبوعيًّا، وسيط (2018)وزارة القوى العاملة 2025؛ المجلس التشريعي 2019
معدّل الخصوبة الكلّي0.87 (2025، أوّلي)0.841 (2024)البرلمان السنغافوري فبراير 2026؛ المجلس التشريعي يوليو 2025
عاملات المنازل الأجنبيات323,800 (يونيو 2026)نحو 375,000 (2025)وزارة القوى العاملة؛ حكومة هونغ كونغ سبتمبر 2025
طوابير السكن والهشاشةالأغلبية تملك شقق الهيئةانتظار المسكن العام المستأجَر 5.1 سنوات؛ نحو 220,000 يقطنون وحداتٍ مقسَّمةمكتب الإسكان 2026؛ حكومة هونغ كونغ أكتوبر 2025
الهجرة إلى الخارجلا نزوح كبير؛ استقبال 25,000–30,000 مواطنٍ جديد سنويًّاغادر 113,200 مقيم (منتصف 2021–2022)؛ منح 181,609 تأشيرات BN(O)HKFP 2022؛ Hong Kong Watch/وزارة الداخلية البريطانية 2025
الفضاء المدنيمُدار ومستقرّقانون الأمن القومي 2020؛ قانون المادة 23 (2024)؛ حلّ 49 منظّمةً من منظّمات المجتمع المدني بين يناير وسبتمبر 2021Jones Day 2020؛ Made in China Journal 2022

غير أنّ الفارق الأكثر حسمًا سياسيّ. فالمسافة الاجتماعية في هونغ كونغ، وقد فاقمتها اللامساواة السكنية وإحساسُ الشباب بمستقبلٍ ضائع، انفجرت في حركة احتجاج 2019. ففي 16 يونيو 2019، وبحسب Bloomberg، ادّعى المنظّمون مشاركة نحو مليوني شخص في المسيرة المناهضة لمشروع قانون تسليم المطلوبين، في حين قدّرت الشرطة الحشد في ذروته بنحو 338,000. وكان ردّ بكين قانونَ الأمن القومي الذي دخل حيّز النفاذ في الساعة الحادية عشرة ليلًا من 30 يونيو 2020، بأربع فئاتٍ من الجرائم هي الانفصال والتخريب والإرهاب والتواطؤ مع قوى أجنبية، كما لخّصته شركة Jones Day. وبحسب أو لونغ-يو (Au Loong-Yu) في Made in China Journal (8 مارس 2022)، اختارت 49 منظّمةً من منظّمات المجتمع المدني أن تحلّ نفسها بين يناير ونهاية سبتمبر 2021، ومنها نقابة المعلّمين PTU بأعضائها البالغين نحو 90,000، واتحاد النقابات العمّالية HKCTU. وأعقب ذلك موجةُ هجرة: فبحسب Hong Kong Free Press، غادر المدينةَ 113,200 مقيم بين منتصف 2021 ومنتصف 2022، وهو أكبر تراجعٍ سنويٍّ في عدد السكان منذ عام 1961، وبحسب Hong Kong Watch، نقلًا عن إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية، منحت المملكة المتحدة 181,609 تأشيرات BN(O) حتى يونيو 2025. ثم انعكس هذا التدفّق انعكاسًا معتدلًا؛ إذ سجّلت الحكومة صافيَ تدفّقٍ وافدٍ قدره 18,200 مقيم بين منتصف 2024 ومنتصف 2025، وعددًا للسكان بلغ 7,527,500، بحسب news.gov.hk.

وتفضي هذه المقارنة إلى خلاصةٍ تحليليةٍ مهمّة. فسنغافورة وهونغ كونغ كلتاهما مجتمعان موسومان بالتباعد، لكنّ سنغافورة تدير تباعدها بأدواتٍ توزيعيةٍ قويّة، وفي مقدّمتها الإسكان العام الذي يملكه أغلب المواطنين، فلا يلتقي السخط الطبقي بأزمةٍ في الشرعية السياسية. أمّا هونغ كونغ فقد تركت سوق العقار يقرّر مصائر معظم سكانها، في حين باتت شرعيتها السياسية موضع مساءلةٍ بفعل بنية «دولةٌ واحدة ونظامان». وحين تلتقي المسافة الطبقية بالمسافة السياسية تكون النتيجة انفجارًا، ثم قمعًا، ثم نزوحًا. وجماعة عاملات المنازل الإندونيسيات في هونغ كونغ، اللواتي يجعلن من حديقة فيكتوريا أيام الآحاد فضاءً خاصًّا بهنّ يجتمعن فيه ويتلون القرآن ويرقصن ويفتحن مكتباتٍ في حقائب السفر، كما وصفت بريجيتا إيزابيلا (Brigitta Isabella) في Inside Indonesia (2016)، تُظهر أنّ أشدّ الفئات تهميشًا قادرةٌ على خلق فضاءات لقاءٍ من القاعدة، وهو أمرٌ أكثر تقييدًا في سنغافورة بفعل تنظيم الفضاء. وترصد المقالة التحليلية Perkawinan Lintas Negara Buruh Migran Indonesia dan Bangladesh di Hong Kong dan Malaysia [الزيجات العابرة للحدود بين العمّال المهاجرين الإندونيسيين والبنغلاديشيين في هونغ كونغ وماليزيا] (20 أغسطس 2025) الوجهَ المعتم للوضع ذاته: العزلة في بيوت أصحاب العمل، ووحدةٌ تدفع إلى علاقاتٍ حميمةٍ محفوفةٍ بالمخاطر.

حادي عشر: ما يقوله القادة: كيف تقرأ النخب المسافة الاجتماعية

تكشف تصريحات القادة كيف تُقرأ المسافة الاجتماعية من أعلى. ففي سنغافورة، أُرسيت أسس سياسة الاندماج بلغة الأمن. فقد حذّر س. دانابالان، في خطابٍ بمناسبة رأس السنة أمام قادة المجتمع في 6 يناير 1989، من أنّ الجيوب الإثنية ستغدو «مَشاتلَ للتحريض الطائفي»، ووصف لاحقًا سياسة الاندماج الإثني بأنها سياسةٌ «علنيةٌ وواضحة»، على نحو ما وثّقته بوابة SG101. وبعد ثلاثة عقود، انتقلت تلك اللغة من الأمن إلى معنى الحياة. فقد صرّح لورنس وونغ، رئيس الوزراء حاليًّا، في 27 أكتوبر 2023، بأنّ الحلم السنغافوري «أكبر من مجرّد النجاح المادي»، وأنّ الحلم المتجدّد «أقلّ تعلّقًا بالأنا وبي وبما هو لي، وأكثر تعلّقًا بنحن وبنا وبما هو لنا»، كما أوردت صحيفة Malay Mail. واستعمل أونغ يي كونغ، وهو يُلغي التشعيب المدرسي، استعارة علبة البسكويت: فإذا وُسمت العلبة بأنها علبة أناناس، وُسم كلُّ ما فيها كذلك. وصرّح جانيل بوتوتشيري، رئيس منظّمة OnePeople.sg، بأنّ انكماش الدوائر الاجتماعية يعني فرصًا أقلّ لنسج صداقاتٍ عابرةٍ للأعراق، معربًا عن أمله في أن يعيش كلُّ جيلٍ سنغافورةَ أكثر تماسكًا من تلك التي عاشها الجيل الذي سبقه.

وتُظهر هذه التصريحات أنّ نخب سنغافورة تدرك أنّ النموذج القديم بدأ يولّد كلفةً اجتماعية، لكنها تُظهر أيضًا حدود الإصلاح. فحين سُئل زقي محمد عن الحقّ في الانقطاع عن اتصالات العمل، آثر رفض تشريعٍ رآه جامدًا، فجاءت الاستجابة البديلة في صورة مبادئ توجيهيةٍ ثلاثية. أمّا في هونغ كونغ فلغة القيادة مختلفةٌ كلَّ الاختلاف. فقد أعلن الرئيس التنفيذي جون لي (John Lee)، بعد أن أقرّ المجلس التشريعي مشروع قانون صون الأمن القومي في 19 مارس 2024، أنّ «هذا اليوم لحظةٌ تاريخية لهونغ كونغ»، بحسب بيانٍ حكوميٍّ رسمي، وأكّد أنّ القانون سيدخل حيّز النفاذ في 23 مارس 2024. فالمسافة الاجتماعية في هونغ كونغ تُقرأ أساسًا بوصفها تهديدًا للأمن القومي يُجاب عنه بالقانون، لا بوصفها عجزًا في التماسك يُردم بإعادة التوزيع.

وفي إندونيسيا، يظهر موضوع المسافة الاجتماعية في صورةٍ أخرى: رغبة المواطنين الشباب في الرحيل. فحين انتشر وسم #KaburAjaDulu (ومعناه على وجه التقريب: «اهرب أوّلًا فحسب») في فبراير 2025، وصفه وزير القوى العاملة ياسيرلي (Yassierli) بأنه تحدٍّ «إن كان متّصلًا حقًّا بتطلّعاتهم»، في حين قال وزير الشؤون الزراعية والتخطيط المكاني نصرون واحد (Nusron Wahid): «إن كنّا وطنيين حقًّا، فإذا وقعت مشكلةٌ حللناها معًا»، على نحو ما جمعه موقع Teknologi.id في 18 فبراير 2025. وقبل ذلك بزمنٍ غير قصير، صرّح المدير العام للهجرة سلمي كريم (Silmy Karim) في 13 يوليو 2023 بأنّ 3,912 مواطنًا إندونيسيًّا صاروا مواطنين سنغافوريين خلال الفترة 2019–2022، وأنهم «في سنّ الإنتاج، بين 25 و35 عامًا»، كما أورد موقع Bisnis.com. وتُظهر هذه التصريحات أنّ سنغافورة، على ما فيها من تباعد، تظلّ مغناطيسًا يجذب شطرًا من الطبقة الوسطى المتعلّمة في إندونيسيا.

ثاني عشر: حججٌ مضادّة: هل «التباعد» في حقيقته أكثرُ صور السلام واقعية؟

أقوى حجّةٍ مضادّةٍ لهذه الدراسة أنّ المسافة المهذّبة إنجازٌ لا إخفاق. فلمجتمعٍ وُلد من رحم شغبٍ عرقي، ويقع في إقليمٍ عصف به يومًا العنف الطائفي، تُعدّ قدرةُ الملايين من أعراقٍ وأديانٍ مختلفة على التجاور من دون صراعٍ مكشوف إنجازًا حضاريًّا. ووفق هذا الرأي، فإنّ المطالبة بالحميمية بين الجماعات تضع معيارًا أعلى من اللازم، لا تبلغه حتى المجتمعات الغربية الليبرالية. والبيانات تسند جانبًا من هذه الحجّة: فمسح المعهد لعام 2024 سجّل فعلًا ارتفاعًا في درجات الوئام العرقي والديني، وباحثو رأس المال الاجتماعي في المعهد أنفسهم يشدّدون على أنّ وجود انقسامٍ طبقي لا يعني أنّ سنغافورة منقسمة، بل أنها مجتمعٌ ما يزال قيد التشكّل، «مشروعٌ قيد الإنجاز». يُضاف إلى ذلك أنّ معامل جيني في سنغافورة واصل الهبوط إلى أدنى مستوياته منذ 2015، وأنّ الدولة تتّخذ إجراءاتٍ تصحيحيةً فعلية، من إلغاء التشعيب المدرسي إلى إصدار مبادئ العمل المرن التوجيهية.

وترى الحجّة المضادّة الثانية أنّ المسافة بين المواطنين والعمّال المهاجرين سمةٌ مشتركة في جميع الاقتصادات الثرية المعتمدة على العمالة الأجنبية، من الخليج إلى أوروبا، فليس من الإنصاف عدُّها خصيصةً سنغافورية. وتلاحظ المقالة التحليلية Dubai sebagai Destinasi Global untuk Tinggal dan Berbisnis [دبي وجهةً عالميةً للإقامة والأعمال] (8 أغسطس 2025) أنّ الوافدين يشكّلون نحو 88.5 في المئة من سكان الإمارات العربية المتحدة، وهي نسبةٌ تفوق نظيرتها في سنغافورة بفارقٍ كبير. وترى الحجّة الثالثة أنّ أخلاقيات العمل الصارمة خيارٌ عقلانيٌّ لمجتمعٍ لا موارد طبيعية له، وأنّ ساعات العمل في سنغافورة في تراجعٍ مطّرد. وتقبل هذه الدراسة وجاهة الحجج الثلاث جميعًا، غير أنها تتمسّك بأطروحتها لسببين. أولهما أنّ المسألة المطروحة ليست وجود الصراع من عدمه، بل جودة العيش المشترك، ومؤشّراتٌ مثل انكماش دوائر الأصدقاء، والقفزة في أعداد المسنّين الذين يعيشون وحدهم، والخصوبة دون الواحد، تدلّ على عجزٍ حقيقي. وثانيهما أنّ المقارنة بهونغ كونغ تُظهر أنّ المسافة التي تُحسب آمنةً قد تغدو هشّةً حين تصطدم بصدمةٍ سياسية أو اقتصادية.

ثالث عشر: سيناريوهات 2030 وتوصياتٌ للفاعلين الرئيسيين

استنادًا إلى الاتجاهات الديموغرافية والعمالية والسياساتية المعروضة آنفًا، تصوغ هذه الدراسة ثلاثة سيناريوهات للحياة الاجتماعية في سنغافورة حتى عام 2030. السيناريو الأول، «التعدّدية المُدارة 2.0»، يستعير مصطلحًا من المقالة المتعلّقة بمنظومة المدوّنات السنغافورية: تواصل الدولة صقل أدوات الاندماج، وتتراجع اللامساواة ببطء، لكنّ نسق العيش المتباعد والحياة المتمحورة حول العمل يستمرّ، وتبقى الخصوبة دون الواحد. والسيناريو الثاني، «الجدارة الرحيمة»، يستلهم عبارةً استعملها باحثو المعهد: تنجح الإصلاحات في التعليم والإسكان والعمل المرن في توسيع تعريف النجاح ومضاعفة فضاءات النشاط المشترك العابر للطبقات، فتزداد الشبكات الاجتماعية تنوّعًا. أمّا السيناريو الثالث، «تصدّعات الطبقة والمواطنة»، فيقع إذا ما شحذت صدماتٌ خارجية، كتباطؤٍ اقتصاديٍّ عالمي أو توتّراتٍ إقليمية، التنافسَ بين المواطنين والمهنيين الأجانب والعمّال المهاجرين، فتتحوّل المسافة الاجتماعية إلى ضغينةٍ سياسية.

السيناريوالاحتمال
1. التعدّدية المُدارة 2.055%
2. الجدارة الرحيمة30%
3. تصدّعات الطبقة والمواطنة15%

الاحتمالات تقديراتٌ تحليلية للكاتب (ثقةٌ منخفضة)، لا مُخرجاتُ نمذجةٍ إحصائية، وهي مبنيّةٌ على اتجاهات البيانات الرسمية للفترة 2015–2026 وعلى القدرة السياساتية للدولة.

وتتوجّه التوصيات السياساتية إلى فاعلين بأعيانهم. فبالنسبة إلى وزارة التنمية الاجتماعية والأسرية في سنغافورة وهيئة الإسكان والتنمية، تكمن الأولوية في مدّ منطق الاندماج من العرق إلى الطبقة، كأن يُمزج بين أنماط السكن المختلفة داخل الحيّ الواحد، وتُطلق برامج مستدامة للنشاط المشترك، إذ تُظهر بيانات المعهد أنّ النشاط المشترك أهمّ لتنوّع الشبكات من التجاور المادي. وبالنسبة إلى وزارة القوى العاملة وشركائها الثلاثيين، ينبغي إجراء تقييمٍ علنيٍّ مفتوح لكيفية تطبيق مبادئ العمل المرن التوجيهية، يشمل بيانات عن نسبة الطلبات التي حظيت بالموافقة، كي لا يبقى الحقّ في الطلب رمزيًّا فحسب. وبالنسبة إلى حكومة هونغ كونغ، ينبغي أن يقترن تطبيق قانون الوحدات السكنية الأساسية وأهدافُ تقليص مدد انتظار المساكن العامة المستأجرة بفضاءٍ أرحب للحوار الاجتماعي، لأنّ الإسكان بلا مشاركة لن يستعيد ثقة الجيل الشاب.

أمّا في إندونيسيا، فتتوجّه التوصيات إلى عددٍ من المؤسّسات. ينبغي لوزارة حماية العمّال المهاجرين الإندونيسيين، بالتعاون مع السفارة الإندونيسية في سنغافورة والقنصلية العامة الإندونيسية في هونغ كونغ، أن تعزّز المراكز المجتمعية وخدمات الدعم النفسي-الاجتماعي لعاملات المنازل، بالنظر إلى أنّ العزلة الناجمة عن قواعد الإقامة في منزل صاحب العمل مصدرٌ موثّقٌ للهشاشة. وينبغي لوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا ولصندوق المنح التعليمية الإندونيسي (LPDP) أن يوفّرا إعدادًا في التواصل بين الثقافات وفي الصحة النفسية للطلاب الإندونيسيين في سنغافورة وهونغ كونغ؛ فكتاب Complete Independence: The Essential Life Skills Every International Student Needs to Thrive Abroad (2026)، المحفوظ في الأرشيف الرقمي، يحدّد الوحدة والحنين إلى الوطن بوصفهما التحدّيين الرئيسين أمام الطلاب الدوليين. وينبغي لهيئة التخطيط التنموي الوطني (Bappenas) ولحكومات المدن الإندونيسية الكبرى، التي كثيرًا ما تتّخذ سنغافورة نموذجًا، أن تحاكي أدواتها التوزيعية وفضاءات اللقاء فيها، لا جماليات نظامها فحسب.

رابع عشر: دروسٌ لإندونيسيا: محاكاة النظام واجتناب التباعد

لإندونيسيا علاقةٌ ملتبسةٌ بسنغافورة. فجارتها من جهةٍ وجهةٌ للتسوّق والعلاج والدراسة وحيازة الأصول لدى الطبقة الوسطى العليا الإندونيسية؛ إذ تلاحظ المقالة التحليلية عن العلاقات بين البلدين أنّ المشترين الإندونيسيين من أكثر المنفقين في شارع أورتشارد، وأنّ آلاف المرضى الإندونيسيين يقصدونها للعلاج كلَّ عام، وهو موضوعٌ تناولته كذلك دراسة المرصد الجاوي المرضى العابرون للحدود (24 أكتوبر 2026). ومن جهةٍ أخرى، كثيرًا ما يُشتبه في أنّ سنغافورة هي اليد الخفيّة وراء الصدمات الاقتصادية في إندونيسيا، وهي سرديةٌ تنتشر على نطاقٍ واسع رغم أنها غير مثبتة، بحسب المقالة المتعلّقة بمستقبل المواجهة، وهي مسجّلةٌ أيضًا في وثيقة الأرشيف Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia (2026). وتقترح هذه الدراسة منظورًا ثالثًا: فهم سنغافورة بوصفها مجتمعًا له مواطن قوّته وجراحه الاجتماعية الخاصة، كي تتعلّم إندونيسيا منها انتقائيًّا، من دون أن تجعلها مثالًا أعلى أو خصمًا.

يتعلّق الدرس الأول بالطبقة الوسطى. ففي 28 أغسطس 2024، أعلنت القائمة بأعمال رئيس هيئة الإحصاء الإندونيسية، أماليا أدينينغار ويدياسانتي (Amalia Adininggar Widyasanti)، أنّ الطبقة الوسطى في إندونيسيا انكمشت من 57.33 مليون نسمة، أي 21.45 في المئة من السكان، عام 2019 إلى 47.85 مليونًا، أي 17.13 في المئة، عام 2024، في حين اتّسعت الفئة المعرّضة للفقر إلى 67.69 مليونًا، كما أورد موقع Bisnis.com في 29 أغسطس 2024. وتُبيّن سنغافورة أنّ طبقةً وسطى عريضة يمكن بناؤها عبر التملّك السكني الجماهيري، لكنها تُبيّن أيضًا أنّ الطبقة الوسطى المزدهرة قد تغدو قلقةً، تنافسيةً، متباعدة. وإندونيسيا، التي تنكمش طبقتها الوسطى في الواقع، تواجه مهمّةً مزدوجة: توسيع الطبقة الوسطى، والحيلولة في الآن نفسه دون نشوء قلق مكانةٍ يمزّق المجتمع. وتُظهر مقالةٌ لطالبةٍ منشورةٌ على kba13.com بعنوان Hidup Nggak Harus Sesuai Standar TikTok [ليس على الحياة أن تطابق معايير تيك توك] (2 نوفمبر 2025) أنّ المقارنة الاجتماعية المُنهِكة قد أصابت المراهقين الإندونيسيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى قبل أن يدخلوا سوق العمل.

ويتعلّق الدرس الثاني بالهجرة والمواهب. ففي عام 2014، كتب بودي سانتوسا (Budi Santosa) في صحيفة كومباس (Kompas) مقالةً بعنوان Dari “Brain Drain” ke “Brain Gain” [من «نزيف العقول» إلى «كسب العقول»]، رأى فيها أنّ القلق من هجرة المواهب مبالَغٌ فيه، وأنّ على الدولة أن تتعلّم من الصين وكوريا الجنوبية في استقطاب مغتربيها للعودة. وفي العام نفسه، كتب هندرا غوناوان (Hendra Gunawan) في صحيفة كومباس مقالةً بعنوان Mengintip Masa Depan [استراقُ نظرةٍ إلى المستقبل]، قارن فيها ميزانية التعليم العالي في إندونيسيا البالغة نحو 3.2 تريليون روبية بميزانية جامعة سنغافورة الوطنية البالغة نحو 18 تريليون روبية عام 2013. وتساعد هاتان الوثيقتان على تفسير اختيار آلاف الشباب الإندونيسيين أن يصيروا مواطنين سنغافوريين: إنهم ينجذبون إلى منظومة جدارةٍ تكافئ الإنجاز. غير أنّ هذه الدراسة تُبيّن أنّ المنظومة ذاتها تتقاضى ثمنًا اجتماعيًّا في صورة ساعات عملٍ طويلة، وقلق مكانة، ووحدة. وليس على إندونيسيا أن تحاكي الحزمة بأكملها؛ فالجدير بالمحاكاة هو جدّية الدولة في بناء مؤسّساتٍ عامةٍ ذات مصداقية، وسكنٍ ميسور الكلفة، وفضاءات لقاءٍ عابرةٍ للجماعات.

أمّا الدرس الثالث فهو الأعمق، ويتعلّق بطبيعة الهوية الإندونيسية. فإندونيسيا، كسنغافورة، وارثةٌ لمجتمع فرنيفال التعدّدي، بل إنّ المفهوم ذاته وُلد من ملاحظة جزر الهند الهولندية. والفرق أنّ لإندونيسيا تقاليد غوتونغ رويونغ (gotong royong، أي التعاضد الأهلي)، والكامبونغ (kampung، أي القرية والحيّ الأهلي)، والمنظّمات الدينية الجماهيرية التي تولّد رأس المال الاجتماعي من القاعدة، وهو ما ينبغي في سنغافورة أن تصمّمه الدولة. وتذكّر المقالة التحليلية Buruh Indonesia dalam Kapitalisme Global [العمّال الإندونيسيون في الرأسمالية العالمية] (1 مايو 2026) بأنّ هجرة العمالة صارت بنيةً اقتصاديةً منهجيةً تعيل ملايين الأسر، فحماية العمّال المهاجرين إذن مسألةٌ من مسائل المناعة الوطنية. وإذا حاكت إندونيسيا سنغافورة محاكاةً سطحية، كأن تبني جيوبًا مسوّرةً منظّمةً للطبقة الوسطى العليا، وتترك الكامبونغ الحضرية عرضةً للإخلاء القسري، فإنها تخاطر باكتساب التباعد الاجتماعي السنغافوري من دون الحصول على أدواته التوزيعية، وتلك وصفة هونغ كونغ لا وصفة سنغافورة.

خامس عشر: حدود الدراسة والخاتمة

لهذه الدراسة جملةٌ من الحدود ينبغي الإفصاح عنها. أولها أنها تقوم على بياناتٍ ثانوية ومسوحٍ أجراها آخرون، لا على عملٍ ميدانيٍّ إثنوغرافيٍّ جديد، فلا يمكن التقاط طبقة المعنى اليومي المتّصل بالتباعد الاجتماعي إلا عبر الأدبيات القائمة. وثانيها أنّ المقارنة الإحصائية بين سنغافورة وهونغ كونغ تواجه اختلافاتٍ في التعريف: فمعامل جيني السنغافوري يُحسب لكل فردٍ من أفراد الأسرة، في حين يُحسب نظيره في هونغ كونغ لكل أسرة، وبيانات ساعات العمل في سنغافورة تعتمد متوسّط الساعات المعتادة، في حين تعتمد بيانات هونغ كونغ الوسيط، وسنوات القياس لا تتطابق دائمًا. ولذا ينبغي قراءة جدول المقارنة مؤشّرًا على الاتجاه لا ترتيبًا دقيقًا. وثالثها أنّ البيانات الرسمية عن أعداد عاملات المنازل والطلاب الإندونيسيين في سنغافورة غير متاحةٍ للعموم بحسب الجنسية، فجاء البعد الإندونيسي في هذه الدراسة ذا طابعٍ نوعيٍّ أغلب. ورابعها أنّ لاستطلاعات المواقف، كدراسات المعهد ومسوح الاحتراق النفسي الخاصة، حدودًا تصميميةً خاصة بكلٍّ منها، منها تحيّز الرغبة الاجتماعية، والعيّنات الإلكترونية في حالة المسوح التجارية.

ومع كل هذه الحدود، يمكن صوغ خلاصة الدراسة بقدرٍ كبيرٍ من الحسم. فسنغافورة مجتمعٌ أفلح في تحويل مجتمعٍ تعدّديٍّ استعماري إلى تعدّديةٍ عرقيةٍ مسالمة تديرها الدولة، ولا سيّما عبر الإسكان العام، وحصص الاندماج، والأيديولوجيا الجماعاتية. غير أنّ هذا النجاح لم يمحُ المسافة، بل نقلها من موضعها. فالخطوط الفاصلة الرئيسة اليوم هي الطبقة، الظاهرة في ضعف تنوّع الشبكات بحسب المدرسة والسكن، ووضع المواطنة، الظاهر في الحياة المنفصلة لمئات الآلاف من العمّال المهاجرين. وأخلاقيات العيش من أجل العمل، المعيشة حرّيةً في ظلّ مجتمع الإنجاز، تضغط الزمن والفضاء المتاحين للاجتماعية، وتتبدّى كلفتها في الاحتراق النفسي، وتأخّر تكوين الأسرة، والخصوبة دون الواحد، والقفزة في أعداد المسنّين الذين يعيشون وحدهم. وتقدّم هونغ كونغ بديلًا أشدّ قتامة: فحين لا تُعوَّض المسافة الطبقية بإعادة التوزيع، وتلتقي بأزمةٍ في الشرعية السياسية، تكون النتيجة انفجارًا اجتماعيًّا، وقمعًا قانونيًّا، ونزوحًا للمواطنين.

أمّا بالنسبة إلى إندونيسيا، فالدرس الأهمّ ليس محاكاة وجه النظام السنغافوري، بل فهم البنية الاجتماعية الكامنة خلفه، بما فيها كلفتها. فتقاليد إندونيسيا الدينية، والكامبونغ، وغوتونغ رويونغ، تختزن رأس مالٍ اجتماعيًّا اضطرّت سنغافورة إلى بنائه بجهدٍ جهيد. والتحدّي الماثل أمام إندونيسيا هو بناء مؤسّساتٍ ذات مصداقيةٍ وقدرةٍ توزيعية من دون التضحية برأس المال الاجتماعي النابع من القاعدة. وكما تذكّرنا دراسة الدبلوماسي-المفكّر السنغافوري Kishore Mahbubani: Singapore’s Diplomat-Philosopher and the Case for an Asian Century (2026)، فإنّ قصة النجاح السنغافورية متجذّرةٌ في أساسٍ متعدّد الأعراق جرت رعايته عن قصدٍ منذ الأيام الأولى للاستقلال. والعناية ذاتها مطلوبةٌ اليوم لجسر هوّتَي الطبقة والمواطنة. ويبقى السؤال المطروح على سنغافورة وهونغ كونغ وإندونيسيا واحدًا في جوهره: كيف يُحوَّل مجتمعٌ يختلط ولا يتّحد إلى مجتمعٍ لا يكتفي بأن يكون آمنًا، بل يكون مجتمِعًا حقًّا.

المراجع والمصادر

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). سلامٌ على تباعُد: الحياة الاجتماعية في سنغافورة، وقلق المكانة لدى الطبقة الوسطى العليا، وأخلاقيات العيش من أجل العمل: مقارنةٌ بهونغ كونغ. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الجيوسياسة والإعلام والفكر الإسلامي.

من المرصد

تحليلات أخرى