في غمرة الضباب الدخاني، وانهيار سوق الأسهم، وخفض إمدادات الغاز في أكتوبر 2026، استقرّ في يقين كثيرٍ من الإندونيسيين أنّ «ذباباً إلكترونياً سنغافورياً» يعمل على زعزعة جاكرتا. وتُخضع هذه الدراسةُ ذلك اليقينَ لانضباط التحليل الاستخباري، فتنتهي إلى أنّ الأدلة المفتوحة لم تكشف حتى الآن عن عمليةٍ تديرها الدولة السنغافورية، في حين أنّ حملة التضليل المنسّقة الوحيدة الموثّقة قد سارت في الاتجاه المعاكس تماماً.
الملخّص
تكشّفت أزمة العلاقات الإندونيسية السنغافورية في أكتوبر 2026 في ثلاث ساحاتٍ متزامنة: ضبابٌ دخانيٌّ عابرٌ للحدود حمل سنغافورة على توجيه إخطاراتٍ قانونية إلى عشر شركاتٍ إندونيسية، وصدمةٌ في سوق رأس المال إثر فتح مؤسسة MSCI باب التشاور في خفض تصنيف إندونيسيا، وخفضٌ لإمدادات الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة اعتباراً من 24 أكتوبر. وفي الفضاء الرقمي ولّدت الأزمة اتهاماتٍ بأنّ «ذباباً إلكترونياً سنغافورياً» يقود دعايةً مناهضةً للحكومة عبر بثّ إطارٍ يقول إنّ سنغافورة محقّةٌ في انتهاج الحزم. وتعامل هذه الدراسة ذلك الاتهام بوصفه فرضيةً لا حقيقةً مسلّمة، وتختبره بإطار «الفاعل والسلوك والمحتوى» (ABC)، وبتصنيف DISARM، وبمؤشرات التنسيق. وهي تميّز بين ستة خيوط: الرأي العفوي لدى مستخدمي الشبكات في سنغافورة، والاتصال الاستراتيجي الرسمي للحكومة السنغافورية، والنقد الداخلي الإندونيسي، وصناعة الذباب الإلكتروني التجارية في إندونيسيا، والسلوك الزائف المنسّق المحتمل من جانب دولةٍ أجنبية، والفاعلين من أطرافٍ ثالثة. وحتى 27 أكتوبر 2026 لا تتضمّن المصادر المفتوحة أيّ دليلٍ على عملية تأثيرٍ سرّية تديرها الدولة السنغافورية. بل إنّ الواقعة الوحيدة الموثّقة لتضليلٍ منسّق، أعني الخبر المختلق عن لقاءٍ جمع دينو باتي جلال (Dino Patti Djalal) وسيف المجاني (Saiful Mujani) بالسفير السنغافوري، قد استهدفت في حقيقتها منتقدي الحكومة بوسمهم بلقب «Londo ireng». وليس غيابُ الدليل هذا فراغاً، بل هو نتيجةٌ استراتيجية في ذاته: فأشدّ الأخطار إلحاحاً على إندونيسيا هي أمننةُ النقد، وتآكلُ الثقة العامة، وانفتاحُ الثغرات أمام تعبئةٍ قوميةٍ قد تنزلق إلى نزعةٍ عرقية.
الأطروحة
نشأ إطار «سنغافورة محقّة في ما تفعل» أساساً من الدبلوماسية العامة المعلنة لسنغافورة ومن الغضب العفوي لدى الإندونيسيين إزاء سوء إدارة ملف الضباب الدخاني، لا من عملية ذبابٍ إلكترونيٍّ أجنبي؛ أمّا الخطر الحقيقي على جاكرتا فهو إغراء وسم كلّ نقدٍ بأنّه صوتُ عملاءِ الخارج.
البيانات والمصادر
البيانات الرسمية الصادرة عن إندونيسيا وسنغافورة، والتغطيات الإخبارية بين 10 و27 أكتوبر 2026، وتقارير شركة ميتا (Meta) عن إزالة شبكات السلوك الزائف المنسّق، وأبحاث معهد أكسفورد للإنترنت (Oxford Internet Institute) ومركز CIPG وشراكة KITLV–LP3ES، ومقالات منصة KBA13 وأرشيفها.
الإطار التحليلي
إطار «الفاعل والسلوك والمحتوى» في دراسة التضليل كما صاغته كاميل فرانسوا (François)، وتصنيف DISARM، ومؤشرات السلوك الزائف المنسّق، وسلّمٌ لدرجات الثقة: عالية ومتوسطة ومنخفضة.
الاستشراف
أربعة سيناريوهات تمتدّ إلى منتصف عام 2027، مشفوعةٌ بتوصياتٍ موجّهة إلى وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية (Komdigi)، والوكالة الوطنية للأمن السيبراني والتشفير (BSSN)، ووكالة الاستخبارات الوطنية (BIN)، ووزارة الخارجية، والمنصّات الرقمية، والصحفيين، والمجتمع المدني، والحكومة السنغافورية.
الكلمات المفتاحية: الذباب الإلكتروني؛ عمليات التأثير؛ التضليل الإعلامي؛ الإسناد؛ سنغافورة؛ برابوو؛ الضباب الدخاني؛ MSCI؛ FICA؛ الدفاع النفسي؛ الأمننة
أولًا: حين يغدو الضباب والأسهم والغاز ساحةً لحرب السرديات
لكلّ أزمةٍ بين الدول في عصر المنصّات الرقمية وجهان. أمّا الأول فيمكن قياسه: مؤشرات تلوّث الهواء، وعدد بؤر الحرائق، والقيمة السوقية التي تبخّرت، وحجم الغاز الذي قُطع. وأمّا الثاني فأشدّ زئبقيةً بكثير، إذ هو صراعٌ على المعنى: مَن الملوم، ومَن يُهين مَن، ومَن يعمل لمصالح الخارج. وقد عرّى أكتوبر 2026 هذين الوجهين معاً في العلاقات بين إندونيسيا وسنغافورة؛ ففي الظاهر كان البلدان يتنازعان حول الضباب الدخاني ومؤشرات الأسهم والطاقة، وفي الباطن انقسم الرأي العام الإندونيسي حول سؤالٍ أكثر انفعالاً: أكانت موجةُ النقد الموجّه إلى حكومة الرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto)، بما فيها الأصوات القائلة إنّ سنغافورة محقّةٌ في حزمها، تعبيراً صادقاً عن رأي المواطنين، أم نتاجاً لشبكات «البازر» (buzzer، وهو المصطلح الإندونيسي الدالّ على المضخِّمين المأجورين أو المنظَّمين على وسائل التواصل الاجتماعي) تُدار من الضفة الأخرى للمضيق؟ إنّ هذا السؤال لا يجوز أن يُجاب عنه بالأحكام المسبقة، ولا أن يُطرح جانباً بالاستخفاف والتهكّم. ففي تقاليد التحليل الاستخباري الرصين ينبغي أن يُعامل مثلُ هذا الاتهام فرضيةَ عمل، تُفكَّك إلى دعاوى قابلةٍ للاختبار، ثم تُوزن بالأدلة المتاحة فعلاً. وفي عام 2026 رسمت مقالةٌ منشورة في منصة KBA13 Insight بعنوان Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia [مستقبل المواجهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا] ثلاثةَ مفجّراتٍ للأزمة، وحذّرت من أنّ الطرف القادر على إثبات الإسناد هو الذي سيكسب الرأي العام العالمي. وتمضي هذه الدراسة بذلك التحذير إلى ميدانٍ أضيق، لكنه أشدّ حسماً، هو إسناد السرديات إلى أصحابها.
وليس الرهان هنا بالهيّن. فإن صحّت فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» كانت إندونيسيا أمام عملية تأثيرٍ أجنبية تستوجب ردّاً استخبارياً مضادّاً ودبلوماسياً وقانونياً. وإن كانت الفرضية باطلةً ثم صُدِّقت مع ذلك، فإنّ الدولة تخاطر بمعاملة مواطنيها معاملةَ الأعداء، وبتضييق فسحة النقد، وبالإضرار بعلاقتها مع الجارة التي تُعدّ أكبر مصدرٍ للاستثمار فيها. وكلا الخطأين باهظ الكلفة، غير أنّ الثاني أعسر تداركاً، لأنه يعمل عبر ريبةٍ تتجدّد بلا انقطاع مع كلّ منشورٍ جديد. ولهذا تسلك هذه الدراسة الطريق الأبطأ: فهي تفصل بين ستة خيوطٍ من الفاعلين كثيراً ما يُخلط بينها، وتقيّم كلّ خيطٍ منها بدرجة ثقةٍ مصرَّحٍ بها، وتبيّن الأدلة التي من شأنها أن تعزّز الفرضية أو تدحضها. وهذا النهج منسجمٌ مع روح دراسةٍ سابقة للمرصد هي الأرباح العابرة: هندسة الضرائب في سنغافورة والتسرّب المالي الإندونيسي، التي صنّفت دعاوى التسرّب المالي بحسب درجة ثبوتها، وانتهت إلى أنه لا يوجد دليلٌ كافٍ على مؤامرةٍ سرّية تحيكها الدولة السنغافورية. والمنطق نفسه يُطبَّق الآن على ساحة المعلومات، حيث تتلاشى الأدلة بسرعةٍ أكبر، وتنتشر العواطف أسرع بكثير.
ثانيًا: وقائع أزمة أكتوبر 2026 ومولد إطار «سنغافورة محقّة»
لهذه الأزمة السردية نقطةُ انطلاقٍ يمكن تحديدها بدقة. فقد نقل تقريرٌ لموقع Mothership في 11 أكتوبر 2026 بعنوان Indonesia communications head: when no smoke, send oxygen كلامَ رئيس وكالة الاتصال الحكومي (Bakom) شاهغندا نايغولان (Syahganda Nainggolan)، الذي وصف في 10 أكتوبر حرائق الغابات بأنها ظاهرةٌ طبيعية لا يد للبشر فيها، وأضاف أنّ إندونيسيا حين لا يكون ثمة دخان ترسل الأكسجين. وسجّل تقريرٌ لموقع detikNews في 19 أكتوبر 2026 بعنوان Singapura Kecewa Kabakom Bilang ‘Kita Bukan Hanya Kirim Asap tapi Oksigen’ العبارةَ الأصلية: «لسنا نرسل الدخان وحده؛ فحين لا يكون دخانٌ نرسل الأكسجين». وهذه العبارة بعينها هي التي أذكت بعد ذلك سخريةً عابرةً للحدود. فقد جمع تقريرٌ لصحيفة The Star في 12 أكتوبر 2026 بعنوان “We send oxygen too”: Indonesian official’s haze remarks spark online ridicule تعليقاتٍ على فيسبوك تتساءل كيف يمكن قياس أكسجينٍ إندونيسيّ المنشأ، في حين أنّ الدخان قابلٌ للقياس بلا ريب. ومنذ تلك اللحظة لم يعد جدل الضباب الدخاني شأناً بيئياً فحسب، بل صار جدلاً حول الكرامة، وحول كفاءة الحكومة في الاتصال، وحول مَن يملك حقّ الكلام باسم الأمة.
ثم تراكمت ثلاثة أحداثٍ في غضون أسبوعٍ واحد. فقد أوضح تقريرٌ لموقع Mothership في 16 أكتوبر 2026 بعنوان Grace Fu: preventive measures notice to 7 Indonesian companies أنّ الوكالة الوطنية للبيئة في سنغافورة (NEA) أصدرت إخطاراتٍ بتدابير وقائية إلى سبع شركاتٍ في سومطرة بموجب قانون التلوّث بالضباب العابر للحدود لعام 2014، وسجّل تقريرٌ لموقع Eco-Business في 19 أكتوبر 2026 بعنوان Singapore widens haze crackdown to Kalimantan, targeting 10 Indonesian firms اتّساعَ دائرة المستهدفين إلى عشر شركات. وفي يوم إعلان غريس فو (Grace Fu) نفسه، سجّل تقريرٌ لصحيفة The Star بعنوان Jakarta stocks plunge 11% as MSCI set to drop Indonesia from indexes هبوطَ مؤشر جاكرتا بأكثر من 11 في المئة بعد أن فتحت MSCI باب التشاور في إعادة تصنيف إندونيسيا سوقاً مستقلّة، وقدّر موقع Mothership لاحقاً أنّ موجة البيع التي امتدّت يومين محت نحو 82 مليار دولار أمريكي من القيمة السوقية. وفي الذروة، أفاد تقريرٌ لصحيفة Malay Mail في 25 أكتوبر 2026 بعنوان Indonesia cuts natural gas exports to Singapore amid regional haze dispute بأنّ هيئة SKK Migas خفّضت إمدادات الغاز إلى سنغافورة بمقدار 31 مليون قدمٍ مكعّبة قياسية يومياً، في حين صرّحت هيئة سوق الطاقة (EMA) بأنّ هذا الخفض لا يبلغ اثنين في المئة من الطلب اليومي، وأنه يمكن تداركه بخطط الطوارئ.
ومن هذه الدوّامة انبثق الإطار الذي تتناوله هذه الدراسة. فإطار «سنغافورة محقّة في ما تفعل» يقوم على ثلاث مقدّمات: أنّ الضباب الدخاني جريمةٌ مؤسسيةٌ كان يمكن تفاديها، وأنّ لسنغافورة سنداً قانونياً للتحرّك ضدّ الشركات المخالفة، وأنّ ردود جاكرتا المتمثّلة في قطع الغاز أو في اتهام السوق بالتآمر إنما هي صرفٌ للأنظار عن إخفاقات الحكم في الداخل. أمّا الإطار المضادّ فيرى أنّ سنغافورة أهانت إندونيسيا، وأنها تؤوي تكتّلاتٍ اقتصادية تتّخذ من أراضيها مقرّاً، وأنها، بحسب اتهام وزير التجارة الأسبق محمد لطفي (Muhammad Lutfi)، ضغطت على MSCI عبر شركتي تيماسيك (Temasek) وGIC. وقد سجّل تقريرٌ لموقع Mothership في 21 أكتوبر 2026 بعنوان Temasek, GIC deny ex-Indonesian minister’s claims أنّ تيماسيك وصفت الاتهام بأنه «باطلٌ بيّن البطلان» (patently untrue)، وأنّ GIC صرّحت بأنه غير صحيح، بينما لاحظت قناة CNN Indonesia أنّ إعلان MSCI لم يتضمّن أيّ دليلٍ على تورّطٍ سنغافوري. وحين يلتقي هذان الإطاران المتنافيان على الخطّ الزمني نفسه، يسهل أن يُتّهم كلّ مناصرٍ للأول بأنه جزءٌ من شبكةٍ أجنبية. وهنا وجدت فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» تربةً خصبة، قبل أن يُقدَّم دليلٌ جنائيٌّ واحد بزمنٍ طويل. والحقّ أنّ لهذا النمط من التراشق سوابق. فقد نقل تقريرٌ لصحيفة Malay Mail في 20 يونيو 2013 بعنوان Indonesia says Singapore ‘behaving like a child’ over haze عن الوزير المنسّق أغونغ لاكسونو (Agung Laksono) قوله إنّ على سنغافورة ألّا تتصرّف تصرّف الطفل فتثير الضجيج. والفارق أنّ الخصومة في عام 2013 دارت أساساً في قاعات المؤتمرات الصحفية، أمّا في عام 2026 فقد دارت في فضاءٍ خوارزميٍّ يكافئ الغضب.
ثالثًا: الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة
تستعين هذه الدراسة بثلاث أدواتٍ غدت اللغةَ المشتركة لمجتمع محلّلي التضليل الإعلامي على الصعيد الدولي. الأداة الأولى هي إطار ABC. ففي عام 2019 صاغت كاميل فرانسوا (Camille François) من شركة Graphika ومركز بيركمان كلاين (Berkman Klein Center)، في مقالةٍ لمركز أننبرغ للسياسات العامة بعنوان Disinformation ABC and Other Strategies to Address Malevolent Speech Online، ثلاثةَ متّجهاتٍ للخداع الفيروسي: الفاعلون المتلاعبون، والسلوك المخادع، والمحتوى الضارّ. وتكمن قيمة هذا الإطار في الفصل المنضبط بين هذه العناصر؛ فالمحتوى الذي يثني على سنغافورة لا يُثبت بذاته وجود فاعلٍ أجنبي، والفاعل الأجنبي لا يلجأ دائماً إلى السلوك المخادع. والأداة الثانية هي تصنيف DISARM، الذي نشأ، بحسب صفحة الأسئلة الشائعة لمؤسسة DISARM، عن إطار AMITT في عام 2019، وهو يوفّر اليوم رموزاً للتكتيكات والتقنيات تستخدمها المفوضية الأوروبية وعددٌ من الحكومات، من بين جهاتٍ أخرى، لوصف عمليات التأثير وصفاً موحَّداً. والأداة الثالثة هي جملة مؤشرات السلوك الزائف المنسّق كما تعمل بها المنصّات: حساباتٌ أُنشئت في نافذةٍ زمنيةٍ متقاربة، ومنشوراتٌ متطابقة تفصل بينها ثوانٍ معدودة، وأنماطٌ شبكيةٌ كثيفة، وصفحاتٌ تديرها حساباتٌ وهمية، وإنفاقٌ إعلانيٌّ عابرٌ للولايات القضائية، وتحويلٌ لحركة الزوّار إلى مواقع خارج المنصّة.
ومن حيث المنهج، تعتمد هذه الدراسة على مصادر مفتوحة فُحصت فحصاً مباشراً: البيانات الرسمية للحكومتين، والتغطيات الإعلامية الإندونيسية والسنغافورية والماليزية بين 10 و27 أكتوبر 2026، وتقارير ميتا عن إزالة الشبكات، والأبحاث الأكاديمية حول صناعة الذباب الإلكتروني في إندونيسيا، ومقالات منصة KBA13 وأرشيفها. ولا تملك الدراسة نفاذاً إلى البيانات الداخلية للمنصّات، ولا إلى سجلّات عناوين بروتوكول الإنترنت، ولا إلى بيانات المعاملات المالية، ومن ثمّ لا يمكن تقييم الإسناد التقني إلا تقييماً غير مباشر. ويُعطى كلّ تقديرٍ درجةً من الثقة: فالعالية تعني أنّ الدعوى تسندها مصادر مستقلّة متعدّدة ووثائق أولية؛ والمتوسطة تعني أنها تسندها أدلةٌ متّسقةٌ لكنها منقوصة، أو أنها تقوم على شهادة أطرافٍ ذات مصلحة؛ والمنخفضة تعني أنها مجرّد تخمينٍ لا تسنده الأدلة المفتوحة، أو تناقضه الأدلة المتاحة. وهذا السلّم مستعارٌ من تقاليد التقدير التحليلي في مجتمع الاستخبارات، التي تميّز بين احتمال وقوع الحدث وجودة الأدلة التي يقوم عليها. وهذا التمييز جوهري، لأنّ الجمهور كثيراً ما يسوّي بين «المعقول» و«الثابت»، في حين أنّ الهوّة بينهما في إسناد عمليات التأثير قد تكون واسعةً جداً.
وينبغي تسمية الخيوط الستة موضع الفحص صراحةً منذ البداية. فالخيط الأول هو الرأي العفوي لدى مستخدمي الشبكات في سنغافورة. والخيط الثاني هو الاتصال الاستراتيجي الرسمي للحكومة السنغافورية، وهو مشروعٌ ومعلنٌ وموثّق. والخيط الثالث هو المنتقدون في الداخل الإندونيسي، ومنهم المعارضة وعامة المواطنين، الذين يتوسّلون بإطار «سنغافورة على حقّ» لانتقاد الحكومة. والخيط الرابع هو صناعة الذباب الإلكتروني التجارية في إندونيسيا، التي يمكن لأيّ أحدٍ أن يستأجرها. والخيط الخامس هو السلوك الزائف المنسّق المحتمل من جانب فاعلٍ حكوميٍّ أجنبي، ولا يصحّ القول بوجود هذا الخيط إلا إذا وُثّق. والخيط السادس هو الفاعلون من دولٍ ثالثة قد ينتفعون من الصدع بين جاكرتا وسنغافورة. ولا تثبت فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» بمعناها القويّ إلا إذا ثبت الخيط الخامس واتّصل بفاعلٍ من الدولة السنغافورية. أمّا سائر الخيوط، مهما علا ضجيجها، فلا تكفي لإقامة الاتهام.
رابعًا: تشريح صناعة الذباب الإلكتروني في إندونيسيا: سوقٌ مفتوحة لكلّ طالب
قبل البحث عن يدٍ أجنبية، لا بدّ للتحليل أن يفهم أولاً السوقَ المحلّية التي تزوّد تلك الأيدي. ففي عام 2017 بيّنت كلارا إستي (Klara Esti) وم. رينالدي كاميل (M. Rinaldi Camil) وناتاشا هـ. أتميمي (Natasha H. Attamimi)، في تقريرٍ لمركز ابتكار السياسات والحوكمة بعنوان Di Balik Fenomena Buzzer: Memahami Lanskap Industri dan Pengaruh Buzzer di Indonesia [وراء ظاهرة الذباب الإلكتروني: فهم مشهد الصناعة وتأثير الذباب الإلكتروني في إندونيسيا]، أنّ هؤلاء المضخِّمين تطوّروا من مروّجين للسلع إلى أدواتٍ للتعبئة السياسية منذ انتخابات حاكم جاكرتا عام 2012 والانتخابات الرئاسية عام 2014، بدوافع وأشكالٍ تزداد تنوّعاً على نحوٍ يعسر معه ضبطهم. وفي عام 2021 أجرى بحثٌ تعاونيٌّ بين جامعة ديبونيغورو (Universitas Diponegoro) ومعهد LP3ES ومعهد KITLV في لايدن وجامعة أمستردام والجامعة الإسلامية الإندونيسية ومنصّة Drone Emprit، نقلت نتائجه قناة CNN Indonesia تحت عنوان LP3ES: Buzzer Dipakai Elite Politik, Lemahkan Demokrasi RI [معهد LP3ES: النخب السياسية تستخدم الذباب الإلكتروني فتُضعف الديمقراطية الإندونيسية]، مقابلاتٍ مع 78 عنصراً من هؤلاء على مدى عامين تقريباً. وخلص وارد بيرنسكوت (Ward Berenschot) إلى أنّ الجيوش السيبرانية تستخدمها النخب السياسية والنخب الاقتصادية والدوائر القريبة من الحكومة، وأنها منظَّمةٌ في أربعة أدوار، هي المنسّقون والمضخِّمون والمؤثّرون وصنّاع المحتوى، وأنها تُجمَع جمعاً مؤقتاً لأغراضٍ بعينها. ولأنّ هذه الخدمة باهظة الثمن، فإنّ الجماعات الثرية هي التي تقدر على شرائها أساساً، فتتّسع بذلك هوّة اللامساواة السياسية.
والبُعد العالمي لهذه الصناعة موثّقٌ توثيقاً جيداً كذلك. فقد سجّل تقريرٌ لمعهد أكسفورد للإنترنت أعدّته سامانثا برادشو (Samantha Bradshaw) وهانا بيلي (Hannah Bailey) وفيليب ن. هوارد (Philip N. Howard) بعنوان Industrialized Disinformation: 2020 Global Inventory of Organized Social Media Manipulation واحداً وثمانين بلداً استُخدمت فيها الدعاية الحاسوبية، مع دورٍ متنامٍ لشركات الاتصال الاستراتيجي الخاصة. وأوضح الحالات الإندونيسية مسجّلٌ في إعلان ميتا الصادر في أكتوبر 2019 بعنوان Removing Coordinated Inauthentic Behavior in UAE, Nigeria, Indonesia and Egypt، حين أزالت المنصّة 69 حساباً على فيسبوك و42 صفحة و34 حساباً على إنستغرام مرتبطةً بشركة الإعلام InsightID، بإنفاقٍ إعلانيٍّ يقارب 300 ألف دولار أمريكي، ونحو 410 آلاف متابعٍ للصفحات، لمحتوى بالإنجليزية والإندونيسية عن بابوا. وتكتسب هذه الحالة أهميتها في هذه الدراسة لأنها تكشف النمط الأكثر شيوعاً في إندونيسيا: عملياتٌ ذات توجّهٍ محلّي، تديرها شركاتٌ محلّية، لخدمة مصالح فاعلين محلّيين، وإن كان بعض المحتوى موجّهاً إلى جمهورٍ دولي.
والدلالة التحليلية هنا قاطعة. ففي إندونيسيا لا حاجة إلى استيراد البنية التحتية اللازمة لتصنيع انطباعٍ برأيٍ عامٍّ جارف؛ إنها متاحةٌ ومجرَّبةٌ ومعروضةٌ للإيجار. وقد وصفت مقالةٌ في منصة KBA13 Insight عام 2025 بعنوان Islamophobia in Indonesia’s Cyberspace: Politics, Buzzers, and Virtual Fear هؤلاء المضخِّمين بأنهم «ميليشيات سيبرانية» تقتات من بيع سرديات الخوف، في حين لاحظت مقالةٌ بعنوان Pasca 25 Agustus 2025: Operasi Wacana, Influencer, dan Perang Informasi di Medsos [ما بعد 25 أغسطس 2025: عمليات الخطاب والمؤثّرون وحرب المعلومات على وسائل التواصل] أنه لم يكن بالإمكان، في موجة تظاهرات أغسطس 2025، تحديد عقلٍ مدبّرٍ واحد على الملأ. ويترتّب على ذلك أنّ كلّ حملةٍ تبدو منسّقةً على الخطوط الزمنية الإندونيسية ينبغي أن تُختبر أولاً في ضوء الفرضية المحلّية قبل أن تُنسب إلى دولةٍ أجنبية. بل إنّ الرئيس برابوو نفسه، كما نقل موقع kumparan في 6 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Prabowo: Biar yang Punya Uang Bayar Buzzer-Biayai Demo, Kita Tak Gentar [برابوو: فليدفع أصحاب المال للذباب الإلكتروني ويموّلوا التظاهرات، فلسنا نهاب]، أشار إلى أطرافٍ تملك مئات التريليونات من الروبيات تدفع للمضخِّمين وللخوارزميات، وذلك في سياق تسليم الأراضي التي استولت عليها فرقة إنفاذ القانون في المناطق الحرجية (Satgas PKH)، أي في سياقٍ محلّيٍّ يتعلّق بتسوية أوضاع المناطق الحرجية، لا بدولةٍ مجاورة.
خامسًا: الخيطان الأول والثاني: رأي مستخدمي الشبكات في سنغافورة والاتصال الاستراتيجي للدولة
إنّ رأي مستخدمي الشبكات السنغافوريين في الضباب الدخاني وفي السياسة الإندونيسية موجودٌ بلا ريب، غير أنّ كلّ أثرٍ يمكن تتبّعه يشير إلى طابعٍ عفوي. فالتعليقات التي جمعتها صحيفة The Star في 12 أكتوبر صدرت عن حساباتٍ على فيسبوك بأسماءٍ شخصية تسخر من دعوى الأكسجين، بل إنّ الصحيفة لم تستطع التحقّق من جنسية أصحاب التعليقات. ووصف تقريرٌ لموقع Plan B في 26 أكتوبر 2026 بعنوان Netizens Criticise Indonesia’s Gas Export Cuts to Singapore Amid Haze Tensions الانتقاداتِ الإلكترونية لقطع الغاز دون أن يقتبس من حسابٍ واحد، ودون أيّ إشارةٍ إلى التنسيق. وهذا النمط ينسجم مع المنظومة الإلكترونية السنغافورية التي رسمت خريطتها مقالةٌ في منصة KBA13 Insight عام 2025 بعنوان Ekosistem Blog Singapura: Gaya Hidup, Politik, dan Proyeksi Nasionalisme 2050 [منظومة المدوّنات في سنغافورة: نمط الحياة والسياسة واستشراف القومية حتى عام 2050]، وهي منظومةٌ تتعايش فيها القومية المبتذلة اليومية والسخرية ونقد المرء لحكومته. فمستخدمو الشبكات الذين يشكون ضيق التنفّس في شارع أورتشارد لا يحتاجون إلى تعليماتٍ كي يغضبوا. ودرجة الثقة في أنّ الخيط الأول عفويٌّ وغير منسّقٍ من الدولة عالية، مع التحفّظ بأنه لا يوجد تحليلٌ شبكيٌّ علنيّ يشمل المنصّات كافة.
أمّا الخيط الثاني، أي الاتصال الاستراتيجي للحكومة السنغافورية، فهو على النقيض من ذلك معلنٌ موثّقٌ برمّته، ولذلك لا ينطبق عليه تعريف العملية السرّية. فقد عبّرت وزيرة الدولة رحايو محزم (Rahayu Mahzam)، كما نقل موقع Langit7 في 20 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Singapura Sentil Kabakom soal Oksigen vs Asap [سنغافورة توبّخ رئيس وكالة الاتصال بشأن الأكسجين والدخان]، عن خيبة أملها من تصريح الأكسجين، مع تقديرها، بالنظر إلى ردود الفعل المرصودة، أنّ التصريح لا يمثّل آراء الشعب الإندونيسي. وقال الوزير الأقدم شانموغام (K. Shanmugam)، بحسب detikNews، إنّ المفارقة أنّ أكثر المتضرّرين هم الإندونيسيون أنفسهم، وإنّ آراء ذلك المسؤول لا تمثّل موقف الحكومة الإندونيسية في مجملها. ومن منظور تحليل التأثير، فإنّ هذه الصياغة تقنيةٌ مألوفة في الدبلوماسية العامة: فصلُ مسؤولٍ بعينه عن حكومته وشعبه، وتقديمُ سنغافورة في صورة المتعاطف مع الضحايا، وتأطيرُ الإجراءات بوصفها إنفاذاً للقانون في حقّ الشركات لا عداءً لأمّة. وهذه التقنية مشروعةٌ ومعلنة، ويجوز نقدها علناً بالقدر نفسه. وهي تختلف اختلافاً نوعياً عن الحسابات الوهمية، لأنّ مصدرها مسمّى، وتصريحاتها قابلةٌ للاقتباس، ومسؤوليتها السياسية واضحة.
بيد أنّ هذا الفارق النوعي لا يمحو أثرها الاستراتيجي. فحين يصرّح المسؤولون السنغافوريون بأنّ الشعب الإندونيسي هو أكبر الضحايا، وبأنّ مسؤولاً واحداً لا يمثّل حكومته، فإنّ الرسالة تمدّ المنتقدين في الداخل الساعين إلى الضغط على الحكومة بذخيرةٍ بلاغية. فالرسالة المشروعة قد تُحدث آثاراً تُدرَك على أنها تدخّل. وقد بيّنت مقالةٌ في منصة KBA13 Insight عام 2024 بعنوان Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN [العلاقات الإندونيسية السنغافورية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل وسياسات الأمن والديناميات الاستراتيجية لآسيان] أنّ العلاقات بين البلدين ظلّت موسومةً على الدوام بالتوتّر والتبعية معاً، وأنّ قضية الضباب الدخاني تحوّلت إلى معضلةٍ أمنيةٍ غير تقليدية. وفي وضعٍ كهذا، ستُقرأ الدبلوماسية العامة الحازمة لدولةٍ صغيرةٍ هشّة دائماً، لدى قطاعٍ من جمهور الدولة الكبيرة، على أنها غطرسة. ودرجة الثقة في أنّ الخيط الثاني اتصالٌ رسميٌّ معلن لا عمليةٌ سرّية عالية؛ ودرجة الثقة في أنه عزّز إطار «سنغافورة محقّة» في إندونيسيا عاليةٌ كذلك، غير أنّ هذا التعزيز جرى عبر التغطية الإخبارية السائدة، لا عبر شبكاتٍ من الحسابات الزائفة.
سادسًا: الخيط الثالث: النقد الداخلي واعتذارات مستخدمي الشبكات ولغة المساءلة
إنّ أقوى دليلٍ على أنّ إطار «سنغافورة محقّة» نما من الداخل يأتي من الإندونيسيين الأشدّ تضرّراً من الضباب الدخاني. فقد نقل تقريرٌ لصحيفة South China Morning Post في 15 أكتوبر 2026 بعنوان ‘Forgive us’: Indonesians urge Singapore, Malaysia to sue Jakarta as haze blankets region كلامَ كريستاين ألبرت (Kristaen Albert)، مهندس البرمجيات البالغ من العمر 31 عاماً في كاليمانتان الوسطى، الذي يحتفظ بأسطوانات الأكسجين عند باب منزله، والذي قال إنّ استجابة الحكومة كانت بطيئةً جداً وإنّ السكان غاضبون. ووثّق تقريرٌ لموقع MalangTIMES في 19 أكتوبر 2026 بعنوان Ehsan Upin Ipin Sindir Kabut Asap, Warganet Indonesia Ramai-Ramai Minta Maaf [إحسان من «أوبين وإيبين» يسخر من الضباب الدخاني، ومستخدمو الشبكات الإندونيسيون يعتذرون جماعات] كيف أُغرق منشورٌ على إنستغرام لشخصيةٍ كرتونيةٍ ماليزية عن موسم الضباب (jerebu) باعتذاراتٍ مازحة من حساباتٍ إندونيسية. ويكشف هذا النمط سماتٍ عفويةً مميّزة: تفاوتٌ في الأساليب اللغوية، ودعابةٌ تستند إلى ثقافةٍ شعبيةٍ مشتركة، وامتزاجٌ للخجل بالغضب من الحكومة الوطنية. ولا شيء يدلّ على أنّ هذه الحسابات كانت تُدار من الخارج.
وقد امتدّ نقد استجابة الحكومة أيضاً إلى قضية سوق رأس المال. فقد سجّل تقريرٌ لموقع Inilah Koran في 22 أكتوبر 2026 بعنوان Pernyataan Prabowo Soal MSCI Viral di Medsos, Tuai Kritik Pedas Netizen [تصريح برابوو بشأن MSCI ينتشر على وسائل التواصل ويستجلب نقداً لاذعاً من مستخدمي الشبكات] تعليقاتٍ على منصة Threads تحتجّ بأنّ MSCI إنما تطلب أساساً شفافية البيانات وتنظيم السوق، لا التهويل ولا الخطابة السياسية. وقد رفض نائب وزير الخارجية الأسبق دينو باتي جلال، كما نقلت CNN Indonesia في 24 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Silat Pendapat Lutfi vs Dino soal Singapura hingga Karhutla [مبارزة الآراء بين لطفي ودينو حول سنغافورة وحرائق الغابات]، نظريةَ المؤامرة المتعلّقة بـMSCI بوصفها عبثاً، وصرّح بأنّ التآمر للإضرار بإندونيسيا من المحرّمات لدى النخبة السنغافورية. وهذه الأصوات، من مهندسٍ في كاليمانتان إلى دبلوماسيٍّ رفيعٍ سابق، يجمعها أمرٌ واحد: أنها تتكلّم لغة المساءلة، أي المطالبة بمعاقبة مضرمي الحرائق وبتفسير السياسة الاقتصادية تفسيراً عقلانياً. وقد تصادف أن توافقت لغة المساءلة هذه مع موقف سنغافورة، لكنّ التوافق ليس تنسيقاً. ودرجة الثقة في أنّ الخيط الثالث محلّيٌّ عفويٌّ عالية.
والأجدر بالتمحيص الدقيق هو ردّ الفعل على هذا الخيط الثالث. ففي عام 2026 احتجّ أدّي أوريزا ريو (Adde Oriza Rio)، المحاضر في علوم الاتصال بالجامعة المسيحية الإندونيسية، في مقابلةٍ نشرها موقع Jurnas بعنوان Akademisi: Kabut Asap 2026 Tidak Dapat Dibebankan kepada Indonesia Semata [أكاديمي: لا يمكن تحميل إندونيسيا وحدها وزر ضباب 2026]، وفي خبرٍ لموقع RMOL بعنوان Dosen UKI: Warganet Tak Perlu Minta Maaf ke Singapura soal Karhutla [محاضرٌ في الجامعة المسيحية الإندونيسية: لا حاجة لأن يعتذر مستخدمو الشبكات لسنغافورة عن حرائق الغابات]، بأنّ المواطنين لا يملكون تفويضاً بالإقرار بالخطأ نيابةً عن الدولة، وبأنّ التعاطف قد يُقرأ اعترافاً بذنبٍ جماعي. وهذه الحجّة مشروعةٌ بوصفها جزءاً من النقاش العام، بل إنها تنطوي على ملاحظةٍ مهمّة بشأن شبكات الشركات في سنغافورة وماليزيا. غير أنّ حجّة «التفويض» قد تنزلق بسهولة، في مناخٍ محموم، إلى حجّةٍ حول «الولاء». وهذا الانزلاق يفتح الباب أمام تأويلٍ يرى أنّ المواطنين الذين يعتذرون أو يُثنون على حزم سنغافورة ليسوا مواطنين خاب أملهم، بل جزءٌ من شبكةٍ أجنبية. وعند هذه النقطة بالذات تتحوّل فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» من سؤالٍ تجريبيٍّ إلى أداةٍ للضبط السياسي.
سابعًا: دراسة حالة الخبر المختلق عن «Londo Ireng»: تضليلٌ يسير في الاتجاه المعاكس
إنّ الواقعة الوحيدة في هذه الأزمة التي تحمل سمات التضليل المنسّق لم تهاجم حكومة برابوو قطّ، بل هاجمت منتقديها باتهامهم بالتواطؤ مع سنغافورة. فقد أوضح تقريرٌ لموقع detikNews في 24 أكتوبر 2026 بعنوان Dino Patti Djalal Bantah Viral ‘Tamu Dubes Singapura’, Bakal Lapor Komdigi [دينو باتي جلال ينفي ما انتشر عن كونه «ضيفاً للسفير السنغافوري» وسيبلّغ وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية] أنّ منشوراً زعم أنّ دينو وسيف المجاني زارا مقرّ إقامة السفير السنغافوري يوم أحد، وتساءل: «أكان ثمّة أمرٌ أُودِع لديهما؟»، وأرفق مقطعاً مصوّراً لبوّابة السفارة مع تعليق: «Londo ireng قادم». وأوضح تقريرٌ لوكالة ANTARA في 26 أكتوبر 2026 بعنوان Singapore Embassy denies claims of meeting with Indonesian figures أنّ هذه العبارة (Londo ireng، وتعني بالجاوية «الهولنديون السود») يُقصد بها الإندونيسيون الذين يُعدّون متعاونين مع القوى الأجنبية. وقد صرّحت سفارة سنغافورة، بحسب تقريرٍ لـCNA Indonesia بعنوان ‘Jelas disinformasi’: Kedubes Singapura bantah kabar Dino Patti Djalal dan Saiful Mujani temui duta besar [«تضليلٌ واضح»: السفارة السنغافورية تنفي أنباء لقاء دينو باتي جلال وسيف المجاني بالسفير]، بأنه «لم تكن ثمة زيارةٌ من هذا القبيل»، وبأنها ستتعاون مع وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية. وقال سيف المجاني لقناة Metro TV إنه لم يتحدّث قطّ إلى دينو مباشرةً ولا بالواسطة، فضلاً عن أن يلتقيه.
والوقائع القابلة للتحقّق تنقلب على دعوى المنشور. فقد لاحظ تقريرٌ لصحيفة The Star في 26 أكتوبر 2026 بعنوان Singapore embassy rejects claims of meeting with Indonesian figures أنّ دينو كان في بيرث بأستراليا من 18 إلى 20 أكتوبر لحضور فعاليةٍ لمنظمة Global Citizen حول تغيّر المناخ، والتقى فيها رئيس تيمور الشرقية جوزيه راموس هورتا (Jose Ramos-Horta)، وأنّ الاتهام ظهر بعد أيامٍ قليلة من تفنيد دينو لنظرية المؤامرة المتعلّقة بـMSCI التي طرحها لطفي. ونقل تقريرٌ لموقع Suara.com في 25 أكتوبر 2026 بعنوان Fitnah Temui Dubes Singapura, Dino Patti Djalal Duga Ada ‘Tim Siluman’ Penyebar Hoaks [افتراءُ لقاء السفير السنغافوري: دينو باتي جلال يرجّح وجود «فريقٍ شبحيّ» ينشر الأخبار المختلقة] قولَ دينو إنّ القصة رُفعت على حساباتٍ متعدّدة أنشأها الفريق نفسه، وإنّ «هذا عملٌ منسّقٌ منظَّم، وله من يسنده». وبلغة تصنيف DISARM، يشتمل النمط الموصوف على اختلاق سرديةٍ زائفة، واستخدام حساباتٍ خاضعةٍ للسيطرة، والنشر عبر حساباتٍ متعدّدة لخلق انطباعٍ بالعفوية، واستغلال دليلٍ بصريٍّ لا يثبت شيئاً. ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ دعوى التنسيق هذه صادرةٌ عن الطرف المستهدَف بالهجوم، ولم تتحقّق منها المنصّات أو الباحثون المستقلّون بعد.
ويُظهر التضخيم الذي تلا ذلك كيف يمكن لخبرٍ مختلقٍ أن يكتسب شرعية. فقد أعلنت الكتلة البرلمانية لحزب غريندرا (Gerindra)، على لسان أمينها بامبانغ هارْيادي (Bambang Haryadi) كما نقلت صحيفة Republika في خبرٍ بعنوان Gerindra Cermati Isu Dino Patti Djalal Temui Dubes Singapura [غريندرا تتفحّص مسألة لقاء دينو باتي جلال بالسفير السنغافوري]، أنها تدرس المعلومات، وحذّرت من أن يتسلّل إلى النقد ما سواه من المصالح، ولا سيما الأجنبية منها. ونشر موقع Warta Ekonomi في 26 أكتوبر 2026 عنواناً عريضاً هو Rezim Prabowo Geger, Terendus Konspirasi Level Tinggi Tokoh Antipemerintah dan Dubes Singapura [نظام برابوو في هرج بعد اشتمام مؤامرةٍ رفيعة المستوى بين شخصياتٍ مناهضة للحكومة والسفير السنغافوري]، مع أنّ متن الخبر نفسه وصف القضية بأنها شائعةٌ جامحة. ووصف المحلّل PLE Priatna، في عمودٍ لموقع RMOL في 27 أكتوبر 2026 بعنوان Singapura, Dino Patti Djalal dan Opini Sesat [سنغافورة ودينو باتي جلال والرأي المضلِّل]، الفاعلين بأنهم «ذبابٌ إلكترونيٌّ شبحيّ»، واتّهمهم بأنهم مموَّلون من الدولة، دون أن يقدّم دليلاً. وهكذا تنطوي هذه القضية على دعويين غير مثبتتين تتقابلان: دعوى أنّ المنتقدين التقوا سنغافورة، وقد دحضتها أدلة الغياب عن المكان، ودعوى أنّ العملية كانت برعاية الدولة، وهي دعوى لا يسندها دليلٌ بعد. ودرجة الثقة في أنّ هذا الخبر المختلق تضليلٌ عالية؛ وفي أنّ نشره كان منسّقاً متوسطة؛ وفي إمكان تحديد الجهة الراعية له منخفضة.
إنّ التضليل المنسّق الوحيد الموثّق في هذه الأزمة لم يكن دفاعاً عن سنغافورة، بل كان اتهاماً لمنتقدي الحكومة بأنهم «Londo ireng».
ثامنًا: لماذا يملك إطار «سنغافورة محقّة» قوّة الإقناع؟
لا تتحدّد قوّة الإقناع في أيّ إطارٍ بمن ينشره في المقام الأول، بل بمدى ملاءمته لتجربة الجمهور وللّغة الأخلاقية التي يعرفها سلفاً. ولإطار «سنغافورة محقّة» ثلاثة موارد إقناعيةٍ قوية. أوّلها لغة المساءلة القانونية والأخلاقية عن الضباب الدخاني. فقانون التلوّث بالضباب العابر للحدود يمدّ الخطاب بمعجمٍ يبدو محايداً وإجرائياً: إخطارات، وخطط عمل، وإنفاذٌ للقانون في حقّ الشركات المقصّرة. وقد نقل تقرير Eco-Business عن شانموغام قوله إنّ سنغافورة ستستخدم «كلّ رافعةٍ قانونيةٍ وتنظيمية» ضدّ الشركات المسؤولة، سواءٌ أكان لها حضورٌ في سنغافورة أم لم يكن. وهذا المعجم يتردّد صداه مع غضب سكّان رياو وجامبي وسومطرة الجنوبية وكاليمانتان، الذين تكون رئاتهم أوّل ما يصيبه الأذى. بل إنّ الرئيس برابوو نفسه، بحسب موقع Katadata في 21 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Prabowo Sebut Negara Asing Hina Indonesia soal Karhutla [برابوو: دولٌ أجنبية تُهين إندونيسيا بشأن حرائق الغابات]، وصف الإحراق المتعمَّد بأنه إرهابٌ بيئي، وتعهّد بسحب تراخيص الشركات المخالفة، بحيث إنّ المطالبة بمساءلة الشركات هي في الحقيقة موضع إجماع، لا موضع نزاع.
والمورد الإقناعي الثاني هو سردية انضباط السوق. ففي هذا الإطار يُفهم خفض MSCI للتصنيف على أنه نتيجةٌ تكنوقراطية لمشكلاتٍ في بنية الملكية ولشبهات التداول المنسّق، لا هجوماً سياسياً. وقد لاحظ تقريرٌ لموقع DealStreetAsia في 21 أكتوبر 2026 بعنوان Prabowo responds to downgrade warning, says MSCI trying to “intimidate” Indonesia أنّ MSCI أكّدت أنّ قرارها يقوم على منهجيةٍ شفّافةٍ محكومةٍ بالقواعد، في حين حثّ عددٌ من أعضاء مجلس النواب (DPR) من أحزابٍ مختلفة الحكومةَ على أخذ تلك المخاوف بجدّية. وحين تواجه خطابةُ السيادة لغةَ المنهجية، تميل الطبقة الوسطى الحضرية التي تحوز صناديق الاستثمار المشترك أو الأسهم إلى الثقة بالثانية. أمّا المورد الإقناعي الثالث فهو أخطاء الحكومة نفسها في الاتصال. فتصريح الأكسجين منح الخصوم والمنتقدين حكايةً سهلة الحفظ، سهلة التحويل إلى ميمٍ ساخر، عسيرة الدفاع عنها. وفي نظرية التأطير تؤدّي حكايةٌ كهذه وظيفةَ «البرهان الصغير» الذي يجعل الإطار كلّه يبدو صادقاً.
ومن هذه الموارد الثلاثة يمكن استخلاص نتيجةٍ تحليليةٍ لا تُريح أنصار نظريات المؤامرة. فإطار «سنغافورة محقّة» لا يحتاج إلى ذبابٍ إلكترونيٍّ أجنبي لكي ينتشر، لأنه يملك وقوداً محلّياً وفيراً: معاناةٌ حقيقية سبّبها الضباب الدخاني، وغموضٌ اقتصادي، وتصريحُ مسؤولٍ صار أضحوكةً في الإقليم. وقد بيّنت دراسةٌ للمرصد في 20 أكتوبر 2026 بعنوان ما وراء الدخان: حرائق إندونيسيا 2026، وشبكات الشركات المرتبطة بسنغافورة وماليزيا، وفجوة المساءلة الإقليمية أنّ لهذا الإطار أيضاً نقطةَ ضعفٍ حقيقية، إذ إنّ الروابط بالشركات التي تتّخذ من سنغافورة مقرّاً، ولا سيما مورّد لبّ الورق Asia Pulp & Paper، تعني أنّ المساءلة لا يمكن أن تُلقى على عاتق إندونيسيا وحدها. وهذه النقطة بالذات هي التي ينبغي أن تكون مادّةً لسرديةٍ مضادّةٍ ذكية، أي سرديةٍ للمساءلة المشتركة، لا لاتهام كلّ من يستشهد بحزم سنغافورة بأنه عميلٌ أجنبي.
تاسعًا: هندسة الدفاع المعلوماتي في سنغافورة ومفارقة اللاتماثل
ينبغي كذلك أن تُوزن فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» بميزان عقيدة سنغافورة وقانونها. فسنغافورة من أشدّ دول العالم صرامةً في أنظمة مكافحة التدخّل الأجنبي. فبحسب مكتب المحاماة Allen & Gledhill في مراجعةٍ بعنوان Protection from Online Falsehoods and Manipulation Act 2019 effective from 2 October 2019، يتيح قانون الحماية من الأكاذيب والتلاعب على الإنترنت (POFMA) إصدارَ أوامر التصحيح، والحجبَ، وتصنيفَ المواقع الإلكترونية التي تنشر الأكاذيب مراراً، وإلزامَ المنصّات بمعالجة الحسابات الزائفة والسلوك الزائف المنسّق. وبحسب وزارة الداخلية السنغافورية (MHA) في مقالةٍ بعنوان Foreign Interference (Countermeasures) Bill: Safeguarding Singapore from Foreign Interference، أقرّ البرلمان قانون التدابير المضادّة للتدخّل الأجنبي (FICA) في 4 أكتوبر 2021 لمنع التدخّل الأجنبي وكشفه وتعطيله، سواءٌ جرى عبر حملاتٍ معلوماتيةٍ عدائية أم عبر وكلاء محلّيين، انطلاقاً من مبدأ أنّ سياسة سنغافورة شأنٌ يخصّ السنغافوريين. ودخلت الأحكام المتعلّقة بحملات المعلومات العدائية حيّز النفاذ، بحسب إعلانٍ للوزارة بعنوان HIC Provisions of the Foreign Interference (Countermeasures) Act to Take Effect from 7 July 2022، في 7 يوليو 2022.
وليست هذه الأدوات حبراً على ورق. فقد سجّل تقريرٌ لصحيفة Malay Mail في 19 يوليو 2024 بعنوان Singapore to block 95 social media accounts tied to convicted Chinese billionaire Guo Wengui إصدارَ أوامر تقييدٍ بحقّ 95 حساباً على خمس منصّات نشرت على نحوٍ منسّق أكثر من 120 مقطعاً مصوّراً عن انتقال القيادة في سنغافورة. وأوضح إعلانٌ للوزارة في 23 أبريل 2026 بعنوان Six inauthentic websites blocked for potential threat of being used to mount hostile information campaigns against Singapore حجبَ ستة مواقع يديرها فاعلون أجانب، خمسةٌ منها جزءٌ من شبكةٍ رصدتها مجموعة تحليل التهديدات في غوغل وشركة Mandiant. وعلى مستوى العقيدة، تضع صفحةُ وزارة التنمية الرقمية والمعلومات بعنوان Total Defence Strengthened with Addition of Digital Defence as the Sixth Pillar الدفاعَ النفسيَّ، ومنذ 15 فبراير 2019 الدفاعَ الرقميَّ، ضمن ركائز «الدفاع الشامل». وتنصّ صحيفةُ وقائع لوزارة الدفاع (MINDEF) مؤرّخة في 28 أكتوبر 2022 عن الخدمة الرقمية والاستخبارية (Digital and Intelligence Service) على أنّ هذه الخدمة (DIS) أُنشئت في 28 أكتوبر 2022 بوصفها الفرع الرابع للقوات المسلّحة، وتضمّ قيادةً للدفاع الرقمي تشرف على مجموعةٍ للدفاع النفسي.
ومن ههنا تنشأ مفارقةٌ ولاتماثلٌ ينبغي قراءتهما بوضوح. أمّا المفارقة فهي أنّ الدولة التي تعاقب أشدّ العقاب على التدخّل المعلوماتي الأجنبي في أراضيها تدرك لا محالة الكلفةَ القانونية والمعنوية التي ستتكبّدها لو ضُبطت متلبّسةً بفعل الشيء ذاته بجارتها الكبرى. بل إنّ وزارة الداخلية، كما نقلت Malay Mail في 4 يناير 2024 في خبرٍ بعنوان Singapore home affairs ministry warns against importing foreign politics، ردّت على دعاوى إمكان استخدام سنغافورة منصّةً للتأثير في الانتخابات الإندونيسية بالتأكيد على أنها ستتّخذ إجراءاتٍ بحقّ كلّ من يدير حملاتٍ سياسيةً أجنبية من أراضيها. وأمّا اللاتماثل فهو أنّ لسنغافورة قدرةً مؤسسيةً معتبرة في مجال المناعة الإدراكية والاستخبارات الرقمية، على نحو ما تناولته دراسةٌ للمرصد بعنوان القوة الاستخبارية لسنغافورة: البنية والتحالفات والتكنولوجيا في السنوات العشر الأخيرة، وكتابُ Intelligence as Statecraft: Singapore’s Strategic Transformation in the Indo-Pacific (2025). غير أنّ القدرة ليست هي النيّة، والنيّة ليست هي الفعل. ومع ذلك فإنّ فجوة القدرات هذه تفسّر لماذا يجد قطاعٌ من الجمهور الإندونيسي الريبةَ أمراً طبيعياً، ولماذا تحتاج إندونيسيا إلى بناء قدرتها الجنائية الرقمية الخاصة بدلاً من الاتّكاء على الريبة.
عاشرًا: الفاعلون من أطرافٍ ثالثة، والتعبئة القومية، وخطر النزعة العرقية
إنّ تحليل الإسناد الناضج يسأل دائماً: مَن المنتفع من هذا الصدع؟ ففي مشهد جنوب شرق آسيا لعددٍ من القوى الكبرى مصالح في العلاقة بين جاكرتا وسنغافورة، من التنافس الأمريكي الصيني في مضيق ملقا إلى موقع أستراليا بعد معاهدة الأمن المتبادل التي أبرمتها مع إندونيسيا في فبراير 2026، كما لاحظت مقالة «مستقبل المواجهة». ويؤكّد كتاب The Beijing Factor in Southeast Asia: Chinese Power, Regional Response, and the Contest for the Archipelago (2026) أنّ النفوذ الخارجي في الإقليم تحدّده إلى حدٍّ بعيد مواطنُ الضعف لدى دوله وخياراتُها. وعمليات التأثير العابرة للحدود التي تحاكي وسائل الإعلام المحلّية موثّقةٌ فعلاً على الصعيد العالمي. فقد كشف تقريرٌ لمختبر المواطن (Citizen Lab) في فبراير 2024 بعنوان PAPERWALL: Chinese Websites Posing as Local News Outlets Target Global Audiences with Pro-Beijing Content عن 123 موقعاً في 30 بلداً، غير أنّ إندونيسيا وسنغافورة لم تكونا في قائمة أهدافه. وحتى 27 أكتوبر 2026 لم تعثر هذه الدراسة على توثيقٍ مفتوحٍ لعمليةٍ من دولةٍ ثالثة تركب موجة أزمة الضباب أو MSCI أو الغاز. ودرجة الثقة في وجود الخيط السادس في هذه الواقعة منخفضة.
والحقّ أنّ أبرز الفاعلين من الأطراف الثالثة كانوا مستخدمي الشبكات الماليزيين، وكان نشاطهم علنياً. فقد وصف تقريرٌ لصحيفة The Straits Times أعادت نشره شبكة أخبار آسيا (Asia News Network) في 26 أكتوبر 2026 بعنوان Smell of smoke, sting of insults: Malaysians target Indonesia with boycott of goods over haze دعواتٍ على فيسبوك لمقاطعة المنتجات الإندونيسية، دون أيّ إشارةٍ إلى التنظيم، في حين نصح اقتصاديون وخبراء قانونيون ماليزيون بأن تقتصر أيّ مقاطعةٍ على الشركات التي تثبت صلتها بالإحراق. وهذا عَرَضٌ ينبغي رصده، لا لأنه عمليةٌ سرّية، بل لأنه قد يطلق دورةً من القوميات المتبادلة بين مستخدمي الشبكات يسهل على أيّ أحدٍ استغلالها. وفي دورةٍ كهذه لا يحتاج الفاعلون الانتهازيون، محلّيين كانوا أم أجانب، إلى اختلاق النزاع؛ بل يكفيهم أن يسرّعوا نزاعاً قائماً.
وأخطر ما في التعبئة القومية المضادّة انزلاقُ المشاعر المناهضة لسنغافورة إلى مشاعر مناهضةٍ للصينيين. فقد لاحظت مقالة «مستقبل المواجهة» رواجَ سرديةٍ تزعم أنّ سنغافورة أسّستها عصابةٌ صينية، وهي دعوى لا أساس لها في التاريخ، لكنها متداولةٌ لدى قطاعٍ من الجمهور الإندونيسي والماليزي، وحذّرت من خطر العداء العرقي تجاه الإندونيسيين من أصلٍ صيني. والذاكرة الجماعية لأحداث مايو 1998 تجعل هذا التحذير شديد الواقعية. ففي عام 2017 حذّرت رئيسة اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضدّ المرأة (Komnas Perempuan) أزريانا مانالو (Azriana Manalu)، كما نقل موقع Merahputih في خبرٍ بعنوان Komnas Perempuan: Tragedi Mei 98 Memoar Bahaya Sentimen Etnis [اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضدّ المرأة: مأساة مايو 98 ذاكرةٌ لخطر النزعة العرقية]، من أنّ أطرافاً شتّى ستستغلّ الانقسام. وفي إطار تصنيف DISARM يُعدّ استغلال الهوية العرقية والدينية من أنجع التقنيات في تضخيم الاستقطاب. ولذلك فإنّ الوسم المتهوّر بـ«الذباب الإلكتروني السنغافوري» ليس مجرّد خطأٍ تحليلي، بل قد يصير مدخلاً لعملياتٍ خطيرةٍ حقاً.
حادي عشر: ما قاله القادة: تصريحاتٌ موثّقة
تصوغ تصريحات القادة الإطارَ التأويليَّ لملايين من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك ينبغي تسجيل كلماتهم بعناية. ففي معهد غونتور في 19 سبتمبر 2026، وبحسب موقع Suara.com في خبرٍ بعنوان Punya Uang Bisa Bayar Buzzer, Prabowo: Jangan Percaya Antek-antek Asing dan yang Ada di Medsos [يملكون المال فيدفعون للذباب الإلكتروني؛ برابوو: لا تثقوا بعملاء الخارج ولا بما على وسائل التواصل]، نصح الرئيس برابوو قائلاً: «لا تثقوا بمن أسمّيهم عملاءَ الخارج»، وأضاف: «إنهم يملكون المال، ويستطيعون أن يدفعوا للذباب الإلكتروني، ويستطيعون العبث بوسائل التواصل، فاحذروا!». وفي الجلسة العامة لمجلس الوزراء في 21 أكتوبر 2026، وبحسب Suara.com في خبرٍ بعنوان Sebut Karhutla Kejahatan Kemanusiaan, Prabowo Perintahkan Usut Tuntas Korporasi Nakal [برابوو يصف حرائق الغابات بالجريمة ضدّ الإنسانية ويأمر بتحقيقٍ شاملٍ مع الشركات المارقة]، صرّح الرئيس بقوله: «أمّا الدول التي يحلو لها أن تُهين الأمة الإندونيسية، فسنكشف شركاتها في الوقت المناسب». ثم أوضح رئيس وكالة الاتصال الحكومي شاهغندا نايغولان، بحسب Suara.com في خبرٍ بعنوان Syahganda Nainggolan Luruskan Pesan Prabowo ke MSCI [شاهغندا نايغولان يصحّح رسالة برابوو إلى MSCI]: «ليس ذلك تحدّياً. إنما يقصد: لا تتحدّوه». وقال الوزير بهليل لاهاداليا (Bahlil Lahadalia)، بحسب Eco-Business في خبرٍ بعنوان Indonesia signals gas export curbs for countries that do not “respect” it، إنه لن يتردّد في النظر في وقف الصادرات إلى الدول التي لا تحترم إندونيسيا.
وعلى الجانب السنغافوري، تؤكّد التصريحات المسجّلة على المشروعية القانونية وعلى مصالح الضحايا. فقد صرّح شانموغام، كما نقل detikNews، بقوله: «لا ينبغي أن نتحمّل عبء الضباب الناجم عن إحراق هذه الأراضي»، وأضاف أنه يعتقد أنّ آراء المسؤول المعنيّ لا تمثّل موقف الحكومة الإندونيسية في مجملها. وصرّحت وزيرة الدولة رحايو محزم، كما نقلت CNN Indonesia في 22 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Singapura Kritik RI Soal Asap Kebakaran Hutan hingga Oksigen [سنغافورة تنتقد إندونيسيا بشأن ضباب حرائق الغابات والأكسجين]، بأنّ «تصريحاتٍ كهذه غير مقبولةٍ لدينا»، مع ترحيبها بالتزام الرئيس برابوو بمعالجة الحرائق. ووصفت سفارة سنغافورة في جاكرتا خبر لقائها بدينو وسيف بأنه «تضليلٌ واضح». وعلى الضفة الأخرى في إندونيسيا، قال دينو لـdetikNews: «هذا منشورٌ مختلقٌ من فريقٍ شبحيّ»، في حين شدّد بامبانغ هارْيادي من غريندرا على أنّ النقد ينبغي أن يتّجه إلى الإصلاح دون أن تُقحم فيه مصالح أخرى، ولا سيما الأجنبية منها.
وقراءة هذه التصريحات جنباً إلى جنب تُسفر عن نمطٍ واضح. فالحكومة السنغافورية تستخدم لغة القانون والضحايا والفصل بين المسؤولين والشعب. والحكومة الإندونيسية تستخدم لغة السيادة والإهانة واليقظة إزاء عملاء الخارج الذين يدفعون للذباب الإلكتروني. وليس ثمة تصريحٌ رسميٌّ إندونيسيٌّ واحد يتّهم سنغافورة صراحةً بإدارة عملية ذبابٍ إلكتروني؛ فالاتهام يعيش في الفسحة الفاصلة بين التصريحات الرسمية والتأويل الشعبي. غير أنّ تلك الفسحة البينية بالذات هي الأخطر، لأنّ عبارة «عملاء الخارج» التي قيلت في سبتمبر يسهل أن تُلصق بكلّ من أثنى في أكتوبر على حزم سنغافورة في قضية الضباب. وعند هذه النقطة لا يعود خطاب القادة مجرّد رسالة، بل يصير خريطةً تحدّد الوجهة التي تُصوَّب إليها ريبة الجمهور.
ثاني عشر: مصفوفة تقييم الفرضيات ومؤشرات الإثبات
يلخّص الجدول التالي تقييم الخيوط الستة استناداً إلى الأدلة المفتوحة حتى 27 أكتوبر 2026. ويبيّن العمود الأخير الأدلةَ التي من شأنها أن تغيّر التقييم، بحيث يمكن للصحفيين والباحثين ومؤسسات الدولة أن يعيدوا استخدام هذه المصفوفة حين تظهر بياناتٌ جديدة.
| الخيط | نتائج المصادر المفتوحة | درجة الثقة | الأدلة التي من شأنها تغيير التقييم |
|---|---|---|---|
| 1. مستخدمو الشبكات في سنغافورة | حاضرون وعفويون؛ تعليقاتٌ بأسماءٍ شخصية، ولا نمط تنسيق | عالية (عفوي) | عناقيد من الحسابات الجديدة تنشر محتوىً متطابقاً بالإندونيسية |
| 2. الاتصال الرسمي السنغافوري | علنيٌّ موثّق، مصوغٌ بلغة القانون والضحايا | عالية (مشروع، غير سرّي) | إعلاناتٌ مدفوعة بلا تعريفٍ بالمموّل، أو وكلاء محلّيون ممَوَّلون |
| 3. النقد الداخلي الإندونيسي | ضحايا الضباب، ومستخدمو Threads، ودبلوماسيون سابقون؛ لغة المساءلة | عالية (محلّي) | أدلةٌ على تدفّقاتٍ تمويليةٍ أجنبية إلى حساباتٍ أو شخصياتٍ بعينها |
| 4. صناعة الذباب الإلكتروني المحلّية | بنيةٌ موثّقة؛ الخبر المختلق عن «Londo ireng» استهدف المنتقدين | متوسطة (التنسيق)؛ منخفضة (الراعي) | تقارير المنصّات عن شبكات الحسابات، وبيانات إنشاء الحسابات |
| 5. عملية تديرها الدولة السنغافورية | لم يُعثر على توثيق؛ مناقضةٌ للعقيدة القانونية لسنغافورة | منخفضة | إسنادٌ تقنيٌّ من منصّةٍ أو جهةٍ مستقلّة يربط شبكةً بكيانٍ حكومي |
| 6. دولٌ ثالثة | لم يُعثر عليها في هذه الواقعة؛ المقاطعة الماليزية كانت علنية | منخفضة | مواقع تحاكي الإعلام المحلّي، أو شبكاتٌ متعدّدة البلدان تدفع بقضية الضباب أو الغاز |
تُظهر المصفوفة أنّ فرضية «الذباب الإلكتروني السنغافوري» بمعناها القويّ تتوقّف كلّياً على الخيط الخامس، وأنّ هذا الخيط هو أفقرها دليلاً. ويمكن صياغة المؤشرات التي من شأنها تعزيز الفرضية صياغةً ملموسة: عناقيد من الحسابات الناطقة بالإندونيسية أُنشئت في نافذةٍ زمنيةٍ ضيّقة وتنشر محتوىً متطابقاً مؤيّداً لسنغافورة؛ وإدارةُ صفحاتٍ من مواقع في سنغافورة مع إخفاء الهويات؛ وإنفاقٌ على الإعلانات السياسية بالدولار السنغافوري دون الإفصاح عن الجهة الدافعة؛ وروابطُ ماليةٌ بين كياناتٍ حكومية ووكالات اتصالٍ إندونيسية؛ أو نتائجُ تقنية في تقارير التهديدات الصادرة عن المنصّات. وعلى العكس من ذلك، تضعف الفرضية إذا ثبت أنّ الحسابات المتّهمة قديمة العهد، ذات سجلّات نشرٍ متنوّعة، موجودةٌ في إندونيسيا، وسبق أن عبّرت عن النقد ذاته في قضايا محلّيةٍ سابقة. وجميع المؤشرات التي يمكن التحقّق منها حالياً من المصادر المفتوحة تميل إلى المجموعة الثانية.
وينبغي أن يُقرأ غياب الدليل هذا قراءةً صحيحة. ففي التحليل الاستخباري ليس غيابُ الدليل دليلاً على الغياب، لأنّ العمليات المتطوّرة مصمَّمةٌ تحديداً كي لا تترك أثراً علنياً. غير أنّ لغياب الدليل قيمةً معلوماتية أيضاً متى اقترن بثلاثة شروط: أن يكون اهتمام الجمهور بالقضية بالغاً، وأن تكون لأطرافٍ كثيرة مصلحةٌ في العثور على الدليل، وأن يكون لدى الدولة المتّهمة حافزٌ قويٌّ على الإحجام عن الفعل. والشروط الثلاثة متحقّقةٌ كلّها في هذه الحالة. فقد ناقشت الحكومة والحزب الحاكم ووسائل الإعلام الحزبية والمحلّلون احتمالَ وجود عمليةٍ سنغافورية، لكنّ أحداً منهم لم يقدّم دليلاً تقنياً. بل إنّ خبراً لموقع RMOL في 26 أكتوبر 2026 بعنوان Waspadai Operasi Intelijen Singapura Menggoyang Prabowo Buntut Bisnis Terganggu [احذروا عمليةً استخباريةً سنغافورية لزعزعة برابوو بعد تضرّر الأعمال] يقدّم دعوةً إلى اليقظة، لا نتائج. ومن ثمّ فإنّ أصدق تقييم هو أنّ فرضية العملية التي تديرها الدولة السنغافورية لا يمكن إثباتها بعد، وأنها تناقض عدداً من المؤشرات البنيوية، ولذلك تقع عند درجة ثقةٍ منخفضة.
ثالث عشر: الحجج المضادّة: اختبار استنتاجاتنا نحن
ترى الحجّة المضادّة الأولى أنّ الدولة الصغيرة ذات القدرة الاستخبارية الرقمية العالية هي بالضبط الأقدر على إدارة عمليةٍ لا تترك أثراً، فيكون غياب الدليل علامةً على البراعة. وهذه الحجّة لا يمكن دحضها دحضاً مطلقاً، ولذلك لا تزعم هذه الدراسة أنّ احتمالها صفر. غير أنّ حجّةً من هذا الضرب تعاني ضعفاً منطقياً خطيراً: إنها غير قابلةٍ للتكذيب. فكلّ غيابٍ للدليل يُقرأ دليلاً، فلا يمكن اختبار الفرضية أبداً. والتحليل الرصين ينبغي أن يرفض بنيةً حجاجيةً كهذه، أو أن يقرّ على الأقلّ بأنها تقع خارج حيّز المعرفة وتدخل حيّز الاعتقاد. ثم إنّ عملية التأثير الفعّالة تقتضي حجماً، والحجم يكاد يخلّف دائماً بقايا تستطيع المنصّات رصدها، كما تبيّن من إزالة شبكة InsightID ومن شبكة غوو ونغوي (Guo Wengui) التي اتّخذت سنغافورة نفسها إجراءاتٍ بحقّها.
وترى الحجّة المضادّة الثانية أنّ سنغافورة لا حاجة بها إلى الذباب الإلكتروني، لأنها تملك أصلاً قنوات نفوذٍ أقوى بكثير: الاستثمار، وشبكات الأعمال، والنفاذ إلى النخب. وهذه الحجّة صحيحةٌ في بعضها، بل هي أقوى من فرضية الذباب الإلكتروني. فكتاب Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia: Jejak Kapital, Diplomasi, dan Ekonomi Intelijen Singapura di Indonesia Paska-Krisis 1998 [تصوير وجه «سنغافورة المساهمة» في إندونيسيا: آثار رأس المال والدبلوماسية واقتصاد الاستخبارات السنغافوري في إندونيسيا بعد أزمة 1998] (2025)، ودراسةٌ للمرصد بعنوان هيمنة الشركات السنغافورية على الاقتصاد الإندونيسي، يرسمان شبكةً واسعةً من رأس المال تمتدّ من المصارف إلى الاتصالات. غير أنّ النفوذ البنيوي من هذا النوع مسألةٌ تتعلّق بالسياسة الاقتصادية وبحوكمة الاستثمار، لا بالدعاية الإلكترونية. والخلط بين الأمرين يُضعف في الحقيقة قدرة إندونيسيا على التعامل معه، لأنّ الانتباه يُصرف عن تنظيم الملكية وشفافية الشركات وإنفاذ الضرائب إلى مطاردة حساباتٍ مجهولة.
وتأتي الحجّة المضادّة الثالثة من الاتجاه المقابل: لعلّ هذه الدراسة تتعجّل في استنتاج أنّ الخبر المختلق عن «Londo ireng» نشأ في شبكةٍ محلّيةٍ موالية للحكومة، في حين يمكن أن يكون قد اختلقه أيّ أحد، بما في ذلك فاعلٌ أجنبيٌّ يسعى إلى مفاقمة الاستقطاب في إندونيسيا. وهذا الاعتراض في محلّه، ولذلك لا تحدّد هذه الدراسة الجهة الراعية للخبر المختلق. والتقييم الوحيد الذي تقدّمه هو أنّ اتجاه محتوى الخبر هاجم منتقدي الحكومة وعزّز إطار الخيانة، فهو لا ينسجم مع فرضية عمليةٍ سنغافورية تهاجم حكومة برابوو. وترى الحجّة المضادّة الرابعة أنّ الاتصال العام السنغافوري الذي يفصل المسؤولين عن الشعب الإندونيسي يُعدّ ضرباً من التدخّل. وهذه الحجّة جديرةٌ بالنقاش في المجال الدبلوماسي، لكنها تظلّ مختلفةً اختلافاً نوعياً عن العملية السرّية، لأنّ مصدرها معلنٌ ويمكن الردّ عليه علناً.
رابع عشر: سيناريوهات حتى منتصف 2027 وتوصياتٌ للسياسات
تُبنى الاستشرافات التالية على أفقٍ يمتدّ إلى منتصف عام 2027، وهي مدّةٌ تشمل الموعد النهائي لقرار MSCI في 30 يونيو 2027 كما نقلت CNN Indonesia، وموسم الجفاف المقبل، ومفاوضات إمدادات الغاز قبيل انتهاء العقد في نهاية عام 2028. والاحتمالات المعروضة أحكامٌ تحليلية مبنيّةٌ على الأنماط التاريخية والأدلة الراهنة، لا مخرجاتُ نموذجٍ كمّي.
| السيناريو | الاحتمال |
|---|---|
| 1. خفضُ تصعيدٍ مُدار وسرديةُ مساءلةٍ مشتركة | 40% |
| 2. حربُ سردياتٍ مطوّلة تتخلّلها أخبارٌ مختلقة دورية | 35% |
| 3. أمننةُ النقد وتعبئةٌ قومية مشوبةٌ بنزعةٍ عرقية | 18% |
| 4. انكشافُ عملية تأثيرٍ أجنبيةٍ موثّقة | 7% |
هذه الاحتمالات تقديرٌ ذاتيٌّ للمحلّل، يراعي أنماط أزمتي الضباب في عامي 2013 و2015، وسلوكَ السوق في أعقاب تشاور MSCI، وغيابَ الدليل على عمليةٍ تديرها دولةٌ أجنبية حتى 27 أكتوبر 2026. ويشمل السيناريو الرابع أيّ فاعلٍ حكومي، ولا يقتصر على سنغافورة.
يتحقّق السيناريو الأول إذا أخمد موسم الأمطار بؤر الحرائق، ونقلت الحكومتان النزاع إلى مسارٍ مشتركٍ لإنفاذ القانون في حقّ الشركات، وحلّ محلّ خطاب «الإهانة» الإفصاحُ عن أسماء الشركات الثابتة إدانتها، بما فيها تلك التي تتّخذ من سنغافورة مقرّاً. ويغدو السيناريو الثاني أكثر واقعيةً إذا ظلّت السوق تحت الضغط واتّسع نطاق قطع الغاز، فيصير كلّ منشورٍ ناقدٍ موضع شبهة، ويُوسم كلّ دفاعٍ عن الحكومة بأنه من صنيع الذباب الإلكتروني. أمّا السيناريو الثالث، فهو وإن كان أدنى احتمالاً، أشدّها ضرراً، لأنه قد يطبّع وسمَ الأكاديميين والصحفيين والدبلوماسيين السابقين بأنهم «عملاء الخارج»، ويفتح في الوقت ذاته فسحةً للمشاعر المناهضة للصينيين. وأمّا السيناريو الرابع، إن وقع، فسيستوجب ردّاً استخبارياً مضادّاً حازماً، لكنه لن يكون ذا مصداقيةٍ إلا إذا قام على أدلةٍ تقنيةٍ قابلةٍ للتدقيق.
التوصية الأولى موجّهةٌ إلى وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية: أن تنشر تقريراً علنياً للإسناد بشأن الخبر المختلق عن «Londo ireng» الذي أبلغ عنه دينو والسفارة السنغافورية، وأن تُصدر إحصاءاتٍ عن طلبات حجب المحتوى المتعلّقة بحرائق الغابات، وأن تتجنّب استخدام وسم «عملاء الخارج» في الاتصال الرسمي. وتشتدّ الحاجة إلى هذه الشفافية لأنّ إسماعيل فهمي (Ismail Fahmi)، بحسب موقع VOI في 23 أكتوبر 2026 في خبرٍ بعنوان Drone Emprit Sebut Jawaban Meta AI Tak Bisa Jadi Bukti [منصّة Drone Emprit: إجابة Meta AI لا تصلح دليلاً]، رأى أنّ السند القانوني لكلّ عملية حجبٍ لم يُعلَن دائماً، في حين تبقى مسألة تقييد المحتوى المتعلّق بحرائق الغابات رهينةَ الدعوى والدعوى المضادّة. وتوصي هذه الدراسة الوكالةَ الوطنية للأمن السيبراني والتشفير (BSSN) بإنشاء وحدةٍ للتحقيق الجنائي الرقمي في عمليات التأثير تعمل وفق معايير DISARM، وتتبادل المؤشرات التقنية مع المنصّات. وتوصي وكالةَ الاستخبارات الوطنية (BIN) بالفصل الحازم بين التقييم الاستراتيجي للتدخّل الأجنبي والوسم السياسي للمنتقدين، وبرفع ما تتوصّل إليه إلى اللجنة الأولى في مجلس النواب في منتدىً مغلقٍ خاضعٍ للمساءلة. ويظلّ تحذير الأعراف (Al Araf) في صحيفة Kompas اليومية عام 2014، في مقالته Intelijen, Munir, dan Jokowi [الاستخبارات ومنير وجوكوي]، من أجهزة الاستخبارات التي تنظر إلى الحركات الديمقراطية بوصفها تهديداتٍ، وثيقَ الصلة بوصفه حاجزاً واقياً.
وتوصي هذه الدراسة وزارةَ الخارجية بإنشاء قناةٍ ثنائيةٍ للتشاور في شأن التضليل الإعلامي، على نحو ما بادرت إليه السفارة السنغافورية بتعاونها مع وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية، مع بيانٍ مشترك يعلن فيه البلدان رفضهما استخدام الحسابات الزائفة في هذا النزاع. وتوصي المنصّاتِ، من قبيل ميتا وX وتيك توك، بالتحقيق في السلوك الزائف المنسّق للشبكة التي نشرت الخبر المختلق عن اللقاء في مقرّ إقامة السفير، وبنشر نتائج التحقيق. وتوصي الصحفيين بتجنّب العناوين التي تحوّل الشائعة إلى «مؤامرةٍ رفيعة المستوى»، وبالفصل الدائم بين الدعاوى والنفي والأدلة. وتوصي منظماتِ المجتمع المدني، من قبيل Drone Emprit وSAFEnet وجهات تدقيق الحقائق، بإجراء تدقيقٍ شبكيٍّ مستقلٍّ للوسوم والسرديات المتعلّقة بسنغافورة خلال أكتوبر 2026. وتوصي الحكومةَ السنغافورية بنشر الأساس الإثباتي لإخطاراتها القانونية بشأن الضباب بمزيدٍ من التفصيل، وباتّخاذ الإجراءات ذاتها بحقّ الشركات التي تتّخذ من سنغافورة مقرّاً، وبالحفاظ على شفافية تيماسيك وGIC في قضية المؤشرات، وبمعايرة لغة الدبلوماسية العامة حتى لا يُقرأ الفصل بين المسؤولين والشعب الإندونيسي على أنه محاولةٌ للتفريق.
خامس عشر: حدود الدراسة وخاتمتها
لهذه الدراسة حدودٌ ينبغي التصريح بها علناً. أولاً، يعتمد التحليل اعتماداً كلّياً على المصادر المفتوحة، ولا يملك نفاذاً إلى البيانات الداخلية للمنصّات، ولا إلى البيانات الوصفية للحسابات، ولا إلى المعاملات المالية، ومن ثمّ فإنّ تقييم التنسيق تقييمٌ غير مباشر. ثانياً، تعذّرت قراءة بعض المصادر المهمّة كاملةً، ومنها مضمون خبر RMOL عن عمليةٍ استخباريةٍ سنغافورية وعددٌ من التقارير الإعلامية التي تقيّد النفاذ الآلي، ولذلك لا تستشهد هذه الدراسة إلا بعناوينها دون أن تبني استنتاجاتٍ على مضمونها. ثالثاً، إنّ دعوى التنسيق في قضية «Londo ireng» صادرةٌ في معظمها عن الطرف المستهدَف بالهجوم، ولم يُتحقَّق منها تحقّقاً مستقلاً. رابعاً، الإطار الزمني للتحليل قصيرٌ جداً، أي من 10 إلى 27 أكتوبر 2026، فقد لا تكون العمليات العاملة على المدى البعيد قد ظهرت بعد. خامساً، لم تُجرِ هذه الدراسة تحليلاً شبكياً كمّياً خاصاً بها لوسومٍ أو حساباتٍ بعينها. وهذه الحدود لا تُبطل النتائج، لكنها تقيّد درجة الثقة، وتترك المجال مفتوحاً للمراجعة إن ظهرت أدلةٌ جديدة.
ويمكن بسط خلاصة هذه الدراسة بوضوح. فإطار «سنغافورة محقّة» قد راج فعلاً على نطاقٍ واسع في الفضاء الرقمي الإندونيسي خلال أزمة أكتوبر 2026، وأضرّ فعلاً بصورة الحكومة. غير أنّ الأدلة المفتوحة تُظهر أنّ هذا الإطار نشأ أساساً من ثلاثة مصادر مشروعةٍ أو عفوية: الدبلوماسية العامة المعلنة لسنغافورة، وغضب الإندونيسيين المتضرّرين من الضباب الدخاني، والنقد العقلاني لاستجابة الحكومة الاقتصادية ولأدائها الاتصالي. أمّا فرضية أنّ الدولة السنغافورية أدارت عملية ذبابٍ إلكترونيٍّ سرّية لزعزعة حكومة برابوو فتقع عند درجة ثقةٍ منخفضة. بل على العكس من ذلك، فإنّ التضليل المنسّق الوحيد الموثّق سار في الاتجاه المعاكس، متّهماً منتقدي الحكومة بأنهم «Londo ireng». وهذه النتيجة متّسقةٌ مع التحذير الوارد في مقالةٍ بمنصة KBA13 Insight بعنوان Mind Control, Intelijen, dan Kebangkitan AI [التحكّم في العقول والاستخبارات وصعود الذكاء الاصطناعي] من الحكم بالانطباع المعقول، حيث لا يحتاج الفاعلون إلى إثبات الحقيقة، بل يكفيهم أن يبدوا مقنعين.
وتتجاوز الدلالاتُ الاستراتيجية العلاقةَ الثنائية. فإندونيسيا تحتاج إلى قدرةٍ ذات مصداقية على الإسناد، لا إلى مجرّد ريبةٍ صاخبة، لأنّ المصداقية هي العملة الرئيسة في حرب المعلومات. وقد حذّرت مقالةٌ في منصة KBA13 Insight عام 2024 بعنوان Membaca Arah Geopolitik dan Geostrategi Pemerintahan Prabowo: Suatu Perspektif Intelijen Strategis [قراءة الاتجاه الجيوسياسي والجيواستراتيجي لحكومة برابوو: منظورٌ من الاستخبارات الاستراتيجية] من أنّ الاستخبارات الاستراتيجية كثيراً ما تتوارى خلف الاستخبارات الأمنية؛ وهذه الأزمة تكشف ثمن ذلك الاختلال. فإن استطاعت جاكرتا أن تبيّن بالدليل مَن نشر الخبر المختلق، وأن تتّخذ الإجراءات بحقّ الشركات المُحرِقة أيّاً كان منشأ رأسمالها، وأن تجيب عن النقد بالبيانات، فإنّ إطار «سنغافورة محقّة» سيفقد قوّة إقناعه من تلقاء نفسه. وعلى العكس من ذلك، إن قُوبل كلّ نقدٍ بوسم العمالة للخارج، فستكسب إندونيسيا معارك صغيرةً على الخطوط الزمنية، لكنها ستخسر ما هو أثمن بكثير: ثقةَ مواطنيها ومكانتَها في عيون الإقليم. وقد لا تُرضي خلاصةٌ كهذه الباحثين عن عدوٍّ على الضفة الأخرى للمضيق، لكنّ ذلك بالضبط هو موضع القيمة في التحليل النزيه.
المراجع والمصادر
- Ministry of Home Affairs Singapore (2021): Foreign Interference (Countermeasures) Bill: Safeguarding Singapore from Foreign Interference. MHA.
- Ministry of Home Affairs Singapore (2022): HIC Provisions of the Foreign Interference (Countermeasures) Act to Take Effect from 7 July 2022. MHA.
- Ministry of Home Affairs Singapore (2026): Six inauthentic websites blocked for potential threat of being used to mount hostile information campaigns against Singapore. MHA.
- Ministry of Digital Development and Information Singapore (2019): Total Defence Strengthened with Addition of Digital Defence as the Sixth Pillar. MDDI.
- MINDEF Singapore (28 October 2022): Fact sheet: Digital and Intelligence Service. MINDEF.
- Meta (2019): Removing Coordinated Inauthentic Behavior in UAE, Nigeria, Indonesia and Egypt. Meta Newsroom.
- DISARM Foundation (n.d.): Frequently Asked Questions. DISARM Foundation.
- Bradshaw, S., Bailey, H., & Howard, P. N. (2021): Industrialized Disinformation: 2020 Global Inventory of Organized Social Media Manipulation. Oxford Internet Institute.
- François, C. (2019): Disinformation ABC and Other Strategies to Address Malevolent Speech Online. Annenberg Public Policy Center.
- Sastramidjaja, Y. (n.d.): Creating Chaos and Consent: Cyber Troops and Organised Propaganda in Indonesia’s Cybersphere. ISEAS–Yusof Ishak Institute.
- Esti, K., Camil, M. R., & Attamimi, N. H. (2017): Di Balik Fenomena Buzzer: Memahami Lanskap Industri dan Pengaruh Buzzer di Indonesia [Behind the Buzzer Phenomenon: Understanding the Industry Landscape and Influence of Buzzers in Indonesia]. CIPG.
- Citizen Lab (2024): PAPERWALL: Chinese Websites Posing as Local News Outlets Target Global Audiences with Pro-Beijing Content. University of Toronto.
- Allen & Gledhill (2019): Protection from Online Falsehoods and Manipulation Act 2019 effective from 2 October 2019.
- المرصد الجاوي (2026): الأرباح العابرة: هندسة الضرائب في سنغافورة والتسرّب المالي الإندونيسي
- Mothership (11 October 2026): Indonesia communications head: when no smoke, send oxygen.
- The Star (12 October 2026): “We send oxygen too”: Indonesian official’s haze remarks spark online ridicule.
- South China Morning Post (15 October 2026): ‘Forgive us’: Indonesians urge Singapore, Malaysia to sue Jakarta as haze blankets region.
- Mothership (16 October 2026): Grace Fu: preventive measures notice to 7 Indonesian companies.
- The Star (16 October 2026): Jakarta stocks plunge 11% as MSCI set to drop Indonesia from indexes.
- Eco-Business (19 October 2026): Singapore widens haze crackdown to Kalimantan, targeting 10 Indonesian firms.
- detikNews (19 October 2026): Singapura Kecewa Kabakom Bilang ‘Kita Bukan Hanya Kirim Asap tapi Oksigen’ [Singapore Disappointed as Bakom Head Says ‘We Don’t Only Send Smoke but Oxygen’].
- MalangTIMES (19 October 2026): Ehsan Upin Ipin Sindir Kabut Asap, Warganet Indonesia Ramai-Ramai Minta Maaf [Upin & Ipin’s Ehsan Pokes Fun at the Haze, Indonesian Netizens Apologise en Masse].
- Langit7 (20 October 2026): Singapura Sentil Kabakom soal Oksigen vs Asap, Malaysia Minta Indonesia Minta Maaf [Singapore Rebukes Bakom Head over Oxygen vs Smoke, Malaysia Asks Indonesia to Apologise].
- Katadata (21 October 2026): Prabowo Sebut Negara Asing Hina Indonesia soal Karhutla [Prabowo Says Foreign Countries Insult Indonesia over Forest Fires].
- Suara.com (21 October 2026): Sebut Karhutla Kejahatan Kemanusiaan, Prabowo Perintahkan Usut Tuntas Korporasi Nakal [Calling Forest Fires a Crime against Humanity, Prabowo Orders a Thorough Investigation of Rogue Corporations].
- DealStreetAsia (21 October 2026): Prabowo responds to downgrade warning, says MSCI trying to “intimidate” Indonesia.
- Mothership (21 October 2026): Temasek, GIC deny ex-Indonesian minister’s claims they were behind MSCI downgrade threat.
- CNN Indonesia (22 October 2026): Singapura Kritik RI Soal Asap Kebakaran Hutan hingga Oksigen [Singapore Criticises Indonesia over Forest Fire Haze and Oxygen].
- Eco-Business (22 October 2026): Indonesia signals gas export curbs for countries that do not “respect” it.
- Inilah Koran (22 October 2026): Pernyataan Prabowo Soal MSCI Viral di Medsos, Tuai Kritik Pedas Netizen [Prabowo’s Statement on MSCI Goes Viral on Social Media, Draws Sharp Netizen Criticism].
- Suara.com (22 October 2026): Syahganda Nainggolan Luruskan Pesan Prabowo ke MSCI: Bukan Menantang, tapi Tak Mau Ditekan [Syahganda Nainggolan Clarifies Prabowo’s Message to MSCI: Not a Challenge, but Refusing to Be Pressured].
- VOI (23 October 2026): Drone Emprit Sebut Jawaban Meta AI Tak Bisa Jadi Bukti: Hanya Rangkum Informasi yang Beredar [Drone Emprit Says Meta AI’s Answer Cannot Serve as Evidence: It Only Summarises Circulating Information].
- CNN Indonesia (24 October 2026): Silat Pendapat Lutfi vs Dino soal Singapura hingga Karhutla [Lutfi vs Dino Spar over Singapore and the Forest Fires].
- detikNews (24 October 2026): Dino Patti Djalal Bantah Viral ‘Tamu Dubes Singapura’, Bakal Lapor Komdigi [Dino Patti Djalal Denies Viral ‘Guest of the Singaporean Ambassador’ Claim, Will Report to Komdigi].
- Suara.com (25 October 2026): Fitnah Temui Dubes Singapura, Dino Patti Djalal Duga Ada ‘Tim Siluman’ Penyebar Hoaks [Slandered over Meeting the Singaporean Ambassador, Dino Patti Djalal Suspects a ‘Phantom Team’ Spreading Hoaxes].
- Republika (25 October 2026): Gerindra Cermati Isu Dino Patti Djalal Temui Dubes Singapura [Gerindra Scrutinises Issue of Dino Patti Djalal Meeting the Singaporean Ambassador].
- Jurnas (25 October 2026): Akademisi: Kabut Asap 2026 Tidak Dapat Dibebankan kepada Indonesia Semata [Academic: The 2026 Haze Cannot Be Blamed on Indonesia Alone].
- Malay Mail (25 October 2026): Indonesia cuts natural gas exports to Singapore amid regional haze dispute.
- CNA Indonesia (25 October 2026): ‘Jelas disinformasi’: Kedubes Singapura bantah kabar Dino Patti Djalal dan Saiful Mujani temui duta besar [‘Clearly disinformation’: Singapore Embassy denies reports that Dino Patti Djalal and Saiful Mujani met the ambassador].
- ANTARA (26 October 2026): Singapore Embassy denies claims of meeting with Indonesian figures.
- The Star / The Straits Times (26 October 2026): Singapore embassy rejects claims of meeting with Indonesian figures, says it’s “disinformation”.
- Warta Ekonomi (26 October 2026): Rezim Prabowo Geger, Terendus Konspirasi Level Tinggi Tokoh Antipemerintah dan Dubes Singapura [Prabowo Regime in Uproar as High-Level Conspiracy between Anti-Government Figures and Singaporean Ambassador Sniffed Out].
- RMOL (26 October 2026): Waspadai Operasi Intelijen Singapura Menggoyang Prabowo Buntut Bisnis Terganggu [Beware a Singaporean Intelligence Operation to Destabilise Prabowo after Business Is Disrupted] (headline only; content not accessible).
- RMOL (26 October 2026): Dosen UKI: Warganet Tak Perlu Minta Maaf ke Singapura soal Karhutla [UKI Lecturer: Netizens Need Not Apologise to Singapore over the Forest Fires].
- Plan B (26 October 2026): Netizens Criticise Indonesia’s Gas Export Cuts to Singapore Amid Haze Tensions.
- The Straits Times / Asia News Network (26 October 2026): Smell of smoke, sting of insults: Malaysians target Indonesia with boycott of goods over haze.
- Priatna, PLE (27 October 2026): Singapura, Dino Patti Djalal dan Opini Sesat [Singapore, Dino Patti Djalal and Misleading Opinion]. RMOL.
- Suara.com (19 September 2026): Punya Uang Bisa Bayar Buzzer, Prabowo: Jangan Percaya Antek-antek Asing dan yang Ada di Medsos [Having Money, They Can Pay Buzzers, Prabowo: Don’t Trust Foreign Lackeys and What’s on Social Media].
- kumparan (6 October 2026): Prabowo: Biar yang Punya Uang Bayar Buzzer-Biayai Demo, Kita Tak Gentar [Prabowo: Let Those with Money Pay Buzzers and Fund Demonstrations, We Are Not Afraid].
- CNN Indonesia (1 November 2021): LP3ES: Buzzer Dipakai Elite Politik, Lemahkan Demokrasi RI [LP3ES: Buzzers Used by Political Elites, Weakening Indonesian Democracy].
- Malay Mail (4 January 2024): Singapore home affairs ministry warns against importing foreign politics amid claims country could be used as platform to influence Indonesian elections.
- Malay Mail (19 July 2024): Singapore to block 95 social media accounts tied to convicted Chinese billionaire Guo Wengui.
- Malay Mail (20 June 2013): Indonesia says Singapore ‘behaving like a child’ over haze.
- Merahputih (8 May 2017): Komnas Perempuan: Tragedi Mei 98 Memoar Bahaya Sentimen Etnis [Komnas Perempuan: The May ’98 Tragedy, a Memoir of the Danger of Ethnic Sentiment].
- Ahmad, K. B. (2025): Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia: Jejak Kapital, Diplomasi, dan Ekonomi Intelijen Singapura di Indonesia Paska-Krisis 1998 [Portraying the Face of Singapore Inc. in Indonesia: Traces of Singapore’s Capital, Diplomacy, and Intelligence Economy in Post-1998 Indonesia]. KBA13 Insight.
- Ahmad, K. B., & Ibrahim, F. Z. (2025): Intelligence as Statecraft: Singapore’s Strategic Transformation in the Indo-Pacific. KBA13 Insight.
- Ahmad, K. B. (2026): The Beijing Factor in Southeast Asia: Chinese Power, Regional Response, and the Contest for the Archipelago.
- KBA13 Insight (2026): Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia [The Future of Confrontation towards Open War between Singapore and Indonesia] (archive).
- Al Araf (2014): Intelijen, Munir, dan Jokowi [Intelligence, Munir, and Jokowi]. Kompas, 8 September 2014.
- KBA13 Insight (2026): Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia [The Future of Confrontation towards Open War between Singapore and Indonesia].
- المرصد الجاوي (2026): ما وراء الدخان: حرائق إندونيسيا 2026، وشبكات الشركات المرتبطة بسنغافورة وماليزيا، وفجوة المساءلة الإقليمية
- المرصد الجاوي (2025): القوة الاستخبارية لسنغافورة: البنية والتحالفات والتكنولوجيا في السنوات العشر الأخيرة
- KBA13 Insight (2025): Ekosistem Blog Singapura: Gaya Hidup, Politik, dan Proyeksi Nasionalisme 2050 [The Singapore Blog Ecosystem: Lifestyle, Politics, and Projections of Nationalism to 2050].
- KBA13 Insight (2024): Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN [Indonesia–Singapore Relations: Economic Interdependence, Security Politics, and ASEAN Strategic Dynamics].
- المرصد الجاوي (2025): هيمنة الشركات السنغافورية على الاقتصاد الإندونيسي
- KBA13 Insight (2025): Islamophobia in Indonesia’s Cyberspace: Politics, Buzzers, and Virtual Fear.
- KBA13 Insight (2025): Pasca 25 Agustus 2025: Operasi Wacana, Influencer, dan Perang Informasi di Medsos [After 25 August 2025: Discourse Operations, Influencers, and Information Warfare on Social Media].
- KBA13 Insight (2026): Mind Control, Intelijen, dan Kebangkitan AI: Dari Dominasi Pikiran ke Otomatisasi Kesadaran [Mind Control, Intelligence, and the Rise of AI: From the Domination of Minds to the Automation of Consciousness].
- KBA13 Insight (2024): Membaca Arah Geopolitik dan Geostrategi Pemerintahan Prabowo: Suatu Perspektif Intelijen Strategis [Reading the Geopolitical and Geostrategic Direction of the Prabowo Government: A Strategic Intelligence Perspective].
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). حرب السرديات عبر المضيق: الذباب الإلكتروني، وعمليات التأثير، وإطار «سنغافورة محقّة» في الهجوم على حكومة برابوو. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


