في مايو 1997 حذّر أمين رايس (Amien Rais) من أنّ حكومةً تصمّ آذانها عن حشود الناخبين الشباب ستواجه اضطرابًا خطيرًا؛ وبعد عامٍ واحد سقط سوهارتو (Soeharto). وبعد ثلاثة عقود باتت لإندونيسيا انتخاباتٌ، وصحافةٌ واقعةٌ تحت الضغط، وأكبرُ حكومةٍ في تاريخها، غير أنّ السؤال ما زال قائمًا: هل يستطيع قادتها أن يسمعوا؟ تتناول هذه الورقة البيضاء القيادةَ بوصفها القدرةَ المؤسسية على الإصغاء والتصحيح الذاتي، وتبيّن ما ينبغي للمؤسسات، من مجالس الوزراء إلى الجامعات، أن تبنيه كي تظلّ هذه القدرة عاملةً.
الملخّص
تدرس هذه الورقة البيضاء القيادةَ والتطويرَ المؤسسي في إندونيسيا منذ أواخر عهد النظام الجديد حتى عام 2026. وتتألّف مادتها الأولية من مقالات الرأي المنشورة في الصحف والمجلات، ومن الكتب والمواد التعليمية المحفوظة في الأرشيف الرقمي pustaka.kba13academy.com، إلى جانب مقالاتٍ منشورة على موقع kba13.com، وبياناتٍ موثّقة عن الفساد، وحوكمة الخدمة المدنية، وحركة الكفاءات، وبنية مجلس الوزراء. وتقرأ الورقة هذا السجلّ من خلال مفهوم «مجسّات الشرعية»، أي القنوات المؤسسية التي يدرك القادة عبرها ثقةَ الجمهور ومظالمَه والتنافسَ بين النخب. وتخلص إلى أنّ القيادة الإندونيسية انتقلت من دورانٍ مغلقٍ للنخبة في ظلّ النظام الجديد، حيث كان الأشخاص يتبدّلون بينما السلطة لا تتبدّل، مرورًا بعهد الإصلاح الذي نجت فيه الشبكات الأوليغارشية من المرحلة الانتقالية، وصولًا إلى حاضرٍ تطبعه مجالسُ وزراء ضخمة، وتداولٌ متسارع للتكنوقراط، وسلطةٌ قائمة على الحضور الرقمي. وقد ضعفت آليات النزاهة: إذ هبطت درجة إندونيسيا في مؤشر مدركات الفساد إلى 34 عام 2025، وأُلغيت الهيئة المستقلة للخدمة المدنية عام 2023 قبل أن يُلزِم حكمٌ للمحكمة الدستورية بإنشاء بديلٍ مستقل. وتحاجّ الورقة بأنّ القيادة في أزمنة الاضطراب تتوقّف على الإصغاء المؤسسي، وفحص النزاهة، وتصميم المراحل الانتقالية، ورعاية المؤسسات، بما فيها الجامعات ومنظومات الكفاءات، أكثر ممّا تتوقّف على الكاريزما، وتُختتم بأربعة سيناريوهات حتى عام 2029.
الأطروحة
ليست الصفة الحاسمة للقيادة في إندونيسيا هي الرؤية أو الكاريزما، بل القدرة المؤسسية على الإصغاء والتصحيح الذاتي؛ فحين تتدهور مجسّات الشرعية يحكم القادة استنادًا إلى تغذيةٍ راجعة زائفة، ويكمن العلاج في فحص النزاهة، والتوظيف المفتوح، وتصميم المراحل الانتقالية، والرعاية المؤسسية، لا في البحث عن فردٍ أقوى.
البيانات والمصادر
مقالات رأي من صحيفة ريبوبليكا (Republika) وتابلويد عادل (Tabloid Adil) وكومباس (Kompas) (1997–2015) محفوظة في الأرشيف، وكتبٌ لماغنيس سوسينو ووينترز وجوكو سانتوسو ومستيكا زيد، وعروضٌ تعليمية (2024)، ومقالاتٌ على موقع kba13.com (2025–2026)، ومؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وبيانات عقوبات صندوق المنح LPDP، وبرنامج المغتربين لعام 2025، وبنية مجلس الوزراء لعام 2024.
الإطار التحليلي
مجسّات الشرعية، والدوران المغلق في مقابل الدوران المفتوح للنخبة، والشرعية الأخلاقية، وقيادة المرحلة الانتقالية بوصفها كابحًا ومسرِّعًا، والقيادة بوصفها رعايةً مؤسسية.
الاستشراف
أربعة سيناريوهات حتى عام 2029 مع احتمالاتٍ يقدّرها المؤلف، وخمسة مؤشرات، وتوصياتٌ للحكومة والجامعات والمؤسسات.
الكلمات المفتاحية: القيادة؛ التطوير المؤسسي؛ دوران النخبة؛ النزاهة؛ مكافحة الفساد؛ نظام الجدارة في الخدمة المدنية؛ حركة الكفاءات؛ القيادة الجامعية؛ إندونيسيا؛ جنوب شرق آسيا
أولًا: الملخّص التنفيذي: القيادة بوصفها القدرة على السماع
تسأل هذه الورقة البيضاء عمّا عنَته القيادة في إندونيسيا على مدى ثلاثة عقود، وعمّا ينبغي للمؤسسات أن تبنيه كي يدرك القادة إخفاقاتهم ويصحّحوها قبل أن تتحوّل تلك الإخفاقات إلى أزمات. وجوابها أنّ الصفة الحاسمة للقيادة صفةٌ مؤسسية. فبوسع الحكومة أن تُجري الانتخابات، وأن تُقرّ الموازنات، وأن تسجّل نموًّا، بينما تفقد في الوقت ذاته القنواتِ التي تعلم عبرها أنّ سياساتها تخفق؛ وحين يقع ذلك فإنها تحكم استنادًا إلى تغذيةٍ راجعة زائفة، وتكون أولى الإشارات التي تتلقّاها هي الأزمة نفسها. والأرشيف المدروس هنا يوثّق حالةً كاملة واحدة لهذا التسلسل، في مقالات الرأي التي سبقت سقوط النظام الجديد عام 1997، وعدّة حالاتٍ جزئية بعدها. ولذلك تتناول الورقة القيادةَ بوصفها صيانةً لتلك القنوات، التي تسمّيها «مجسّات الشرعية»، وتقيّم المؤسسات الإندونيسية بمدى حفاظها على استقلال هذه المجسّات ودقّتها وعلى أن يُصغى إليها.
وتترتّب على ذلك أربعة أحكام. أوّلها، بدرجة ثقةٍ عالية، أنّ منظومة القيادة في إندونيسيا انتقلت من دورانٍ مغلق للنخبة في ظلّ النظام الجديد إلى منظومةٍ أكثر انفتاحًا لكنها مقيّدة بالأوليغارشية بعد عام 1998، كما توثّق ذلك مقالاتُ عام 1997 وتحليلُ جيفري وينترز (Jeffrey Winters) لعام 1999. وثانيها، بدرجة ثقةٍ عالية، أنّ آلياتٍ أساسية للنزاهة قد ضعفت في الآونة الأخيرة: فقد هبطت درجة إندونيسيا في مؤشر مدركات الفساد من 37 إلى 34، وتراجع ترتيبها من المرتبة 99 إلى المرتبة 109 عام 2025، وأُلغيت الهيئة المستقلة للخدمة المدنية عام 2023 قبل أن تُلزِم المحكمة الدستورية بإنشاء بديلٍ مستقل. وثالثها، بدرجة ثقةٍ متوسطة، أنّ شكلًا جديدًا من السلطة آخذٌ في الظهور، يمنح فيه الحضورُ الرقمي قوّةً تفاوضية من دون قاعدةٍ تنظيمية، كما أظهرت إقالةُ وزيرٍ للمالية في سبتمبر 2026. ورابعها، بدرجة ثقةٍ متوسطة، أنّ الساحة الأكثر إهمالًا في الإصلاح هي الرعاية المؤسسية، أي عمل الأنظمة والكوادر والإجراءات الروتينية في الوزارات والجامعات والشركات، وهو الذي يقرّر ما إذا كانت الاستراتيجية ستُنفَّذ. وتكتسب هذه الأحكام أهميتها لأنّ إندونيسيا تقترب من انتخابات 2029 بمجلس وزراء ضخم، وضغوطٍ مالية، وثقةٍ عامة متقلّبة.
ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة
يجمع الإطار بين خمسة مفاهيم. أوّلها، مجسّ الشرعية، مستمدٌّ من كتاب عام 2026 INDONESIA 2030: The Logic of State Deterioration: Legitimacy Sensors, Silent Disintegration, and the Map of Elite Conflict (إندونيسيا 2030: منطق تدهور الدولة) الصادر في 14 سبتمبر 2026. ويعرّف الكتاب مجسّات الشرعية بأنها القنوات المؤسسية التي يقرأ الحكّام عبرها ثقةَ الجمهور، ومظالمَه، والسلطةَ غير الرسمية، والضغوطَ الاقتصادية، والتنافسَ بين النخب، بما في ذلك الفجوة بين الإحصاءات الرسمية والتجربة المعيشة. ومنطلقه أنّ الدولة قد تبدو مستقرّة وهي تفقد قدرتها على ملاحظة إخفاقاتها وتصحيحها، وأنه حين تتدهور المجسّات يستمرّ الحكم على الورق بينما يتلقّى تغذيةً راجعة زائفة. ويعامل الكتاب عام 2030 بوصفه «أفقَ إنذار» لا نبوءة، ويقترح «تقويم الإنذار الوطني للنزاهة» أداةً لرصد التدهور. وتكمن فائدة المفهوم في أنه ينقل النقاش حول القيادة من صفات الشخص إلى حالة المعلومات التي يتلقّاها هذا الشخص. فالرئيس القدير المحاط بوزراء لا ينقلون إليه إلا الأخبار السارّة، وبإحصاءاتٍ تقيس المخرجات بدل النتائج، وبصحافةٍ تعلّمت الحذر، هو من الناحية العملية رئيسٌ سيّئ الاطّلاع. أمّا حدّ المفهوم فهو أنّ صياغته أيسر من قياسه؛ إذ يحدّد الكتاب القنوات لكنه لا يقدّم مؤشرًا كمّيًّا لسلامتها، ولذا تستعين هذه الورقة بمؤشراتٍ بديلة مثل استقلال هيئات الرقابة، وحرية الصحافة، وطريقة التعامل مع المنتقدين.
والمفهوم الثاني هو التمييز بين الدوران المغلق والدوران المفتوح للنخبة، المستمدّ من فلفريدو باريتو (Vilfredo Pareto) وسي. رايت ميلز (C. Wright Mills): ففي الدوران المغلق يتبدّل الأشخاص بينما تبقى السلطة مركّزة؛ وفي الدوران المفتوح تصل جماعاتٌ جديدة إلى السلطة وتفقدها جماعاتٌ قديمة. والثالث هو الشرعية الأخلاقية، المأخوذة من كتاب فرانز ماغنيس سوسينو (Franz Magnis-Suseno) Etika Politik: Prinsip-prinsip Moral Dasar Kenegaraan Modern (الأخلاق السياسية: المبادئ الأخلاقية الأساسية للدولة الحديثة)، ويناقَش في القسم الخامس. والرابع هو قيادة المرحلة الانتقالية بوصفها كابحًا ومسرِّعًا، من تحليل عارف ساتريا (Arif Satria) لإصلاح مصايد الأسماك عام 2015، ويناقَش في القسم السابع. والخامس هو القيادة بوصفها رعايةً مؤسسية، من مقالة عام 2026 «Pengalaman Sebagai Ground Staff bagi Universitas sejak 2022 hingga 2026» (تجربة العمل طاقمًا أرضيًّا للجامعة من 2022 إلى 2026)، وتناقَش في القسم الثامن. وتتيح هذه المفاهيم الخمسة مجتمعةً تحليل القيادة على ثلاثة مستويات: مستوى الدولة، حيث يُحسَم الدوران والشرعية؛ ومستوى القطاع، حيث تُدار المراحل الانتقالية؛ ومستوى المؤسسة، حيث تُنفَّذ الاستراتيجية أو تضيع.
والورقة بحثٌ مكتبي يعتمد التحليل النوعي للوثائق. وتتألّف مادتها الأولية من مقالات الرأي في الصحف والمجلات من عام 1997 إلى عام 2015، والكتب والمواد التعليمية المحفوظة في Arsip dan Pustaka KBA13 Academy، والمقالات المنشورة على موقع kba13.com في عامَي 2025 و2026. ويُجرى التثليث بين هذه المادة وبياناتٍ خارجية عن مدركات الفساد، ونظام الجدارة في الخدمة المدنية، والتزامات المنح الدراسية، وسياسة المغتربين، وبنية مجلس الوزراء. ويحمل الحكمُ درجةَ ثقةٍ عالية حين يستند إلى عدّة مصادر مستقلّة من بينها مصادر رسمية، ودرجةَ ثقةٍ متوسطة حين تكون الأدلة قويةً لكنها غير مكتملة، ودرجةَ ثقةٍ منخفضة حين يستند أساسًا إلى الاستنتاج. وتحمل عدّة موادّ في الأرشيف تواريخ تقديرية أو لا تحمل سنةً مطبوعة، وهي تُذكَر مع هذا التحفّظ، أمّا الأرقام الواردة في المقالات الحديثة، بما فيها نتائج استطلاعات الرأي، فتُنقَل كما تعرضها تلك المقالات.
ثالثًا: عام 1997: الدوران المغلق وصمم القيادة
يمثّل أواخر عهد النظام الجديد أوضحَ حالةٍ في الأرشيف لمنظومة قيادةٍ تعطّلت مجسّاتها. ففي عام 1997، وفي مقالةٍ ينسبها الأرشيف إلى صحيفة ريبوبليكا ويؤرّخها بنحو يونيو من ذلك العام، كتب أحمد سهيلمي (Ahmad Suhelmi)، المحاضر في العلوم السياسية بجامعة إندونيسيا، تحت عنوان «Sirkulasi Elite Politik Orde Baru» (دوران النخبة السياسية في النظام الجديد) عن حدثين: تعيين الجنرال هارتونو (Hartono) وزيرًا للإعلام، وجولةٍ من التجديد في قيادة القوات المسلحة. وقد قرأهما عبر باريتو وميلز، ففسّر كلَيهما هندسةً سياسية تستهدف تأمين دورة مارس 1998 لمجلس الشورى الشعبي والتحكّم في الخلافة الرئاسية. وخلص إلى أنّ التعديلات أكّدت السلطة الشخصية القوية لسوهارتو، وعزّزت قراءات ر. وليام ليدل (R. William Liddle) وكارل د. جاكسون (Karl D. Jackson) اللذين وصفا النظام بأنه حكمٌ شخصي داخل نظامٍ سياسي بيروقراطي. وتكمن أهمية المقالة في منهجها بقدر ما تكمن في خلاصتها. فقد كتب سهيلمي في زمنٍ كان فيه انتقاد الرئيس مباشرةً أمرًا خطرًا، فاستعان بالنظرية الكلاسيكية للنخبة ليقول بصورةٍ غير مباشرة ما لم يكن ممكنًا قوله صراحة: إنّ هذه التنقّلات لم تكن تجديدًا بل محاكاةً له. والتمييز بين تبديل الأشخاص ودوران السلطة هو الخطّ المرجعي الذي يُقاس عليه كلّ تعديلٍ وزاري لاحق في هذه الورقة. أمّا حدّها فهو أنها تستقرئ النوايا من التعيينات؛ إذ لم يكن بمقدور المقالة أن توثّق عملية صنع القرار الكامنة وراءها، ويستند تفسيرها إلى نمط من جرى تعيينهم.
وفي 28 مايو 1997 كتب أمين رايس في تابلويد عادل تحت عنوان «Berbahaya» (خطير) عن الحملة الانتخابية لذلك العام. فوصف حشودًا هائلة من الشباب تتجمّع بتعبئةٍ ذاتية لصالح حزب التنمية المتحدة (PPP)، بينما بدا حزب غولكار (Golkar) فاترًا، وكان الحزب الديمقراطي الإندونيسي (PDI) قد أُضعف بنقل قيادته قسرًا من ميغاواتي (Megawati) إلى سورجادي (Soerjadi). وقرأ في تلك الحشود رفضًا جيليًّا للفساد والتواطؤ وضعف إنفاذ القانون واللامساواة، وحذّر من أنّ الحكومة التي ستتشكّل بعد دورة المجلس عام 1998 ستواجه اضطرابًا خطيرًا إن تجاهلت الرسالة؛ وحثّ القادة على فتح قنواتٍ لتطلّعات الجمهور. والمقالة وثيقةٌ أوّلية لما تسمّيه هذه الورقة «صمم القيادة». وكانت خطوتها التحليلية أنها عاملت الحشد بوصفه معلومة. فقد عامل النظامُ التجمّعاتِ الجماهيرية شأنًا أمنيًّا ينبغي احتواؤه؛ أمّا أمين رايس فعاملها بوصفها الإشارة الوحيدة الباقية من شعبٍ دُجِّنت قنواته الرسمية، أي الأحزاب والبرلمان والصحافة. وتوصيته بفتح قنوات التطلّعات هي في جوهرها مطالبةٌ بإصلاح مجسّات الشرعية. وفي غضون عام تأكّد التحذير. أمّا حدّ المقالة فهو انحيازها الحزبي: فقد كان أمين رايس شخصيةً معارضة بارزة، وكانت قراءته للحشود تخدم سياسته الخاصة. غير أنّ ذلك لا يُضعف قيمتها دليلًا، لأنّ الأحداث اللاحقة طابقت قراءته، لكنه يعني أنّ المقالة تسجّل تحذيرًا مستنيرًا لا قياسًا محايدًا.
وفي 1 أكتوبر 1997 كتب رضال بانغابيان (Rizal Panggabean)، الباحث في مركز دراسات الأمن والسلام بجامعة غاجاه مادا، في تابلويد عادل تحت عنوان «Kucing, Tikus, dan Amien Rais» (القطّ والفئران وأمين رايس) مقالةً بناها على حكاية الفئران التي تريد أن تعلّق جرسًا في عنق القطّ. فالجرس يرمز إلى الأصوات الناقدة التي تنبّه المجتمع حين تقترب السلطة، ويُصوَّر أمين رايس على أنه أجرأ الفئران لهجماته على قضايا بابيندو (Bapindo) وبوسانغ (Busang) وفريبورت (Freeport)، ولطرحه مسألتَي الخلافة الرئاسية وتحديد الولايات. وسجّل بانغابيان التلقّي المتباين، بين إعجاب الحلفاء وعداء الخصوم، وحدّد مشكلتين: أنّ مواجهة السلطة باهظة الكلفة، وأنّ قطاعاتٍ من المجتمع تجد صعوبةً في إدراك أهمية جرس النقد للتحوّل الديمقراطي. وتفسّر الحكايةُ الاقتصادَ السياسي للتحذير. ففي أيّ مؤسسة يتحمّل الفرد الذي ينقل الأخبار السيئة الكلفةَ بينما تعمّ الفائدةُ الجميع، ولذا يقلّ المعروض من التحذيرات ما لم تحمِ المؤسساتُ من يُطلقونها. والمشكلة الثانية لدى بانغابيان هي الأشدّ إقلاقًا لنظرية القيادة، لأنها تحدّد موضع الصمم في المجتمع أيضًا لا في النظام وحده: فالجمهور الذي لا يقدّر الجرس لن يدافع عمّن يقرعه. وإذا قُرئت المقالة مع سهيلمي وأمين رايس، فإنها تُظهر العناصر الثلاثة لمنظومة مجسّاتٍ معطّلة عام 1997: تبديلٌ من دون دوران في القمّة، وإشاراتٌ من القاعدة تُقرأ بوصفها تهديدات، ومنتقدون متروكون بلا حماية. والسؤال الذي يشغل بقية هذه الورقة هو ما إذا كانت المؤسسات التي بُنيت بعد عام 1998، من انتخاباتٍ وصحافةٍ أكثر حرية وهيئةٍ لمكافحة الفساد وحكمٍ ذاتي إقليمي وخدمةٍ مدنية قائمة على الجدارة، قد أبقت المجسّات عاملةً، أم أنّ أشكالًا جديدة من الانغلاق قد ظهرت في ظلّ أشكالٍ ديمقراطية.
رابعًا: أوليغارشية أم قيادة؟ المرحلة الانتقالية غير المكتملة لعهد الإصلاح
الجواب الأكثر تأثيرًا هو أنّ المرحلة الانتقالية تركت بنية السلطة سليمةً في معظمها. ففي عام 1999 نشر جيفري أ. وينترز (Jeffrey A. Winters)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن، لدى دار جمباتان (Djambatan) مجموعةً من كتاباته باللغة الإندونيسية بعنوان Dosa-Dosa Politik Orde Baru (الخطايا السياسية للنظام الجديد). ويتركّز الكتاب على الفساد والتواطؤ والمحسوبية لدى أسرة سوهارتو والمقرّبين منه، ويصف منظومةً أتاح فيها رأسُ المال الأجنبي والأموالُ المقترضة للسلطة السياسية والثروة الخاصة أن تعزّز إحداهما الأخرى. وحمّل وينترز البنكَ الدولي جانبًا من المسؤولية لتساهله مع تسرّب أموال القروض إلى أيدٍ خاصة، تاركًا للمواطنين ما سمّاه «الديون البغيضة»، وأرجع أزمة عامَي 1997 و1998 جزئيًّا إلى إساءة استخدام مساعدات السيولة التي قدّمها البنك المركزي، ودعا إلى مساءلةٍ قانونية بشأن ثروة الدائرة الحاكمة. وتكمن أهمية الكتاب لهذه الورقة في أنه ينقل موضع مشكلة القيادة. فإذا كانت السلطة السياسية والثروة الخاصة منصهرتين، فإنّ جودة القائد الفرد تغدو أقلّ أهمية من البنية التي تختار القادة وتقيّدهم، والقائد الجديد المنحدر من البنية ذاتها أو المموَّل منها سيعيد إنتاج حوافزها. وقد استبقت المجموعةُ أطروحةَ الأوليغارشية التي طوّرها وينترز لاحقًا بإسهاب، وهي المنافس الرئيس للتفسيرات التي تركّز في الحوكمة الإندونيسية على طباع الأفراد. أمّا حدّها، الظاهر بأثرٍ رجعي، فهو أنها لا تقول إلا القليل عن كيفية فتح بنيةٍ منصهرة، وهو السؤال الذي يتعيّن على القيادة أن تجيب عنه.
ويحمل كتابٌ صادر عام 2026 في الأرشيف هذه الحجّة إلى عهد الإصلاح. فكتاب Political Islam and the Indonesian Reformasi: Faith, Corruption, and the Unfulfilled Dream of Democracy in the World’s Largest Muslim Nation (الإسلام السياسي والإصلاح الإندونيسي: الإيمان والفساد وحلم الديمقراطية غير المتحقّق في أكبر بلدٍ مسلم في العالم) الصادر في 10 يوليو 2026 يحاجّ بأنّ حركة الإصلاح فتحت المجال لأصواتٍ جديدة لكنها لم تكسر شبكات السلطة الراسخة، وبأنّ النخب الموروثة من النظام الجديد احتفظت بنفوذها عبر الأحزاب والروابط التجارية والسيطرة على الموارد، فتعثّرت نتيجةً لذلك إصلاحاتُ الحوكمة وظلّ الفساد أمرًا اعتياديًّا. ويقرأ رئاسةَ عبد الرحمن واحد (Abdurrahman Wahid) بوصفها محاولةً متجذّرة دينيًّا لإعادة صياغة العلاقة بين الإسلام والدولة، كشفت هشاشة تحالفات الإصلاح أمام مقاومة النخب، ويمدّ التحليل إلى مشهد عام 2026 الذي يطبعه الإنهاك الديمقراطي وتوطيد النخب. وأطروحته أنّ مشكلة إندونيسيا ليست صدامًا بين الإسلام والديمقراطية، بل الإخفاق المتكرّر في تحقيق ما وعدت به المرحلة الانتقالية. وحالة واحد هي أنفع إسهامات الكتاب في نظريةٍ للقيادة. فقد أُزيح رئيسٌ يتمتّع بسلطةٍ أخلاقية وبرنامجٍ إصلاحي في غضون عامين، وهو ما يبيّن أنّ الشرعية الشخصية من دون قاعدةٍ تنظيمية وتحالفٍ مستقرّ لا تستطيع التغلّب على الشبكات الراسخة. ويتكرّر الدرس نفسه في القسم السابع في صورةٍ أخرى.
وأطروحة الأوليغارشية تحدٍّ وتوضيحٌ في آنٍ واحد. فهي تتحدّى الفكرة القائلة إنّ الأفراد الأفضل وحدهم قادرون على تغيير النتائج. وهي توضّح ما ينبغي للقيادة أن تفعله إن أرادت أن يكون لها شأن: أن تبني مؤسساتٍ تقيّد الثروة المركّزة، وأن تفتح التوظيف أمام أشخاصٍ من خارج الشبكات الراسخة، وأن تُبقي مجسّات الشرعية مستقلّةً عن المصالح التي ترصدها. ويضمّ الأرشيف أيضًا ثقلًا موازنًا مقصودًا للمقاربات المعيارية. فكتاب The Strategy of Shadows: Machiavelli, Sun Tzu, Milton, and the Dark Logic of Power Across Civilizations (استراتيجية الظلال: ميكافيلي وصن تزو وميلتون والمنطق المظلم للسلطة عبر الحضارات) الصادر في 10 يونيو 2026 يستند إلى ميكافيلي وصن تزو وميلتون وابن خلدون ليصف ستّ قنواتٍ للسلطة الخفية: الإدراك الاستراتيجي، والسرديات والرموز، والاستخبارات وصنع القرار، والقيادة في ظلّ عدم اليقين، وصعود الحضارات وأفولها، وقوى التغيير غير المرئية. وتقابله المركزية هي أنّ المراقبين يسجّلون الأحداث بعد وقوعها بينما يستبق الاستراتيجيون القوى قبل أن تصير مرئية. وللكتاب في هذه الورقة استعمالان. فهو يذكّر المصلحين بأنّ المؤسسات وحدها لا تحسم النتائج، لأنّ السلطة تتحرّك أيضًا عبر الإدراك والسردية، والقادة الذين يتجاهلون هذه القنوات يُتفوَّق عليهم. وهو يدعم كذلك حجّة مجسّات الشرعية من جهةٍ غير متوقّعة: فحتى بالمعايير الميكافيلية، يكون الحاكم العاجز عن إدراك القوى قبل أن تصير مرئيةً في موقع ضعف، ومن ثَمّ فإنّ القدرة على السماع رصيدٌ استراتيجي بقدر ما هي واجبٌ أخلاقي.
خامسًا: أخلاقيات السلطة وممارسة النزاهة
إذا كانت الأوليغارشية تصف البنية، فإنّ الأخلاق تقدّم المعيار الذي تُحاكَم به القيادة. فقد كتب فرانز ماغنيس سوسينو، الفيلسوف اليسوعي المولود في سيليزيا عام 1936، الذي صار مواطنًا إندونيسيًّا عام 1977 ودرّس سنواتٍ طويلة في معهد الفلسفة درياركارا (STF Driyarkara)، كتابه «الأخلاق السياسية» لدار غراميديا (Gramedia)؛ ولا تحمل نسخة الأرشيف سنةً مطبوعة، وتذكر الفهارس المقارنة عام 1987 تاريخًا للطبعة الأولى. ويميّز الكتاب بين الأبعاد الاجتماعية والقانونية والأخلاقية للشرعية، ويوازن بين الدعاوى الدينية والنخبوية والديمقراطية للحكم، ويخلص إلى أنّ الدولة الحديثة لا تكون مسوَّغةً أخلاقيًّا إلا إذا حمت حقوق الإنسان، وكانت مقيّدة بالقانون، وكانت ديمقراطية. وقد نُشر في ظلّ النظام الجديد، فصار قراءةً تكوينية للطلاب الذين انضمّوا إلى حركة الإصلاح عام 1998. وتكمن قيمته لهذه الورقة في الفصل بين الأبعاد الثلاثة. فقد يتمتّع القائد بشرعيةٍ اجتماعية، أي أن يكون مقبولًا بل محبوبًا، وبشرعيةٍ قانونية، أي أن يكون قد انتُخب انتخابًا مشروعًا، بينما يخفق في الاختبار الأخلاقي لأنّ الحقوق وسيادة القانون تتآكل. وكثيرٌ من الجدل السياسي الإندونيسي يدمج الأبعاد الثلاثة، فيعامل الفوز الانتخابي أو معدّلات التأييد دليلًا على الشرعية؛ وإطار ماغنيس سوسينو يبيّن لماذا يسقط هذا الاستدلال. ويشير فهرس الأرشيف إلى حدود الكتاب: فهو يتّكئ كثيرًا على الفلسفة الغربية، ولا يتفاعل مع النقاشات اللاحقة حول الديمقراطية التداولية والتعدّدية الثقافية. غير أنّ اختباره المركزي يظلّ صالحًا للاستعمال، وإجراءات النزاهة التي تُناقَش أدناه هي الوسائل التي يصير بها البعد الأخلاقي قابلًا للإنفاذ.
وتُظهر ثلاث مقالاتٍ من عامَي 2014 و2015 كيف حاول ناشطون ومسؤولون تحويل الأخلاق إلى إجراء. ففي 26 أغسطس 2014 كتب عدنان باندو براجا (Adnan Pandu Praja)، وكان آنذاك عضوًا في هيئة مكافحة الفساد (KPK)، في صحيفة كومباس تحت عنوان «KPK dan Jokowi-JK» (هيئة مكافحة الفساد وجوكوي–يوسف كالا) أنّ الرئيس المنتخب ونائبه وقّعا في 1 يوليو 2014 التزامًا من سبع نقاط لمكافحة الفساد، وتعهّدا برفع موازنة الهيئة عشرة أضعاف. وسجّل أنّ الهيئة تلقّت 69,773 شكوى منذ تأسيسها وتولّت مباشرةً أقلّ من 500 منها، واقترح ثلاثة معايير لمساعدي الحكومة: سجلٌّ نظيف، وثروةٌ شفّافة، وشجاعةٌ على البقاء نزيهًا، مع فحص روابط القرابة حتى الدرجة الثالثة على النموذج الكوري الجنوبي، وتوقيع الأزواج على الالتزام. وإسهام المقالة هو التحديد. فهي تحوّل مطلبًا عامًّا بحكومةٍ نظيفة إلى إجراءِ فحصٍ يمكن نشره وتدقيقه، وتكشف أرقام الشكاوى فيها حجم الفجوة بين توقّعات الجمهور والقدرة المؤسسية: إذ لم يكن بالإمكان معالجة أكثر من شكوى واحدة من كلّ مئة مباشرةً. أمّا حدّها فهو أنها كانت رهينةً باستعداد الرئيس لاعتمادها؛ فلم يكن أيّ قانونٍ يفرض مثل هذا الفحص، ولا يفرضه أيّ قانونٍ اليوم.
وفي اليوم ذاته كتب ديدي هارْيادي (Dedi Haryadi)، نائب الأمين العام لمنظمة الشفافية الدولية في إندونيسيا، في كومباس تحت عنوان «Mewujudkan TNI Bebas Korupsi» (نحو قواتٍ مسلّحة خالية من الفساد)، ردًّا على إعلان قائد القوات المسلحة إنشاء مناطق نزاهة ومناطق خالية من الفساد داخل المؤسسة العسكرية. وأشار إلى أنّه في نحو عشر سنوات لم تظهر إلا قضيةٌ واحدة تخصّ ضابطًا كبيرًا، واستشهد بدراسةٍ لمنظمة الشفافية الدولية في يناير 2013 وضعت قطاع الدفاع الإندونيسي في فئة المخاطر المرتفعة جدًّا إلى جانب أفغانستان والعراق وفنزويلا، ودون ماليزيا وسنغافورة، وحاجّ بأنّ الإصلاح الحقيقي يعني استيفاء مؤشرات اللائحة الوزارية لعام 2012 بشأن الإصلاح البيروقراطي، مع أدوارٍ لهيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، ووزارة الإصلاح البيروقراطي، وديوان المظالم، فضلًا عن الرقابة البرلمانية ورقابة المجتمع المدني. وتحدّد المقالة نمطًا متكرّرًا في القيادة الإندونيسية: النزاهة بوصفها إعلانًا. فبوسع القائد أن يعلن منطقة نزاهة بلا كلفة؛ أمّا التحقّق منها وفق مؤشراتٍ منشورة على يد جهاتٍ خارجية فهو ما يمنح الإعلان معناه. والتمييز ذاته ينطبق على الجامعات التي تعلن نفسها جامعاتٍ عالمية المستوى، وعلى الوزارات التي تعلن نفسها مُصلَحة.
وفي 27 أبريل 2015 كتب فبري هندري (Febri Hendri)، منسّق رقابة الخدمات العامة في منظمة رقابة الفساد الإندونيسية (Indonesia Corruption Watch)، في كومباس تحت عنوان «Megakorupsi Pendidikan di DKI» (الفساد التعليمي الضخم في جاكرتا) عن شراء وحدات إمداد الطاقة غير المنقطعة لمدارس جاكرتا، بخسائر تقديرية للدولة تبلغ نحو 186 مليار روبية، ووصفها بأنها أكبر قضية فسادٍ في التعليم جرى التحقيق فيها، إلى جانب ثلاث قضايا أخرى تتعلّق بطابعاتٍ ثلاثية الأبعاد وماسحاتٍ ضوئية وكتب. ووصف الآلية في أربع خطوات: يعرّف الموردون منتجاتهم إلى المشرّعين والمسؤولين عبر الندوات والرحلات ويدفعون العمولات؛ وتُضخَّم الأسعار والكميات؛ وتُدرَج بنودٌ في الموازنة لم تطلبها المدارس قطّ؛ وتُزوَّر المناقصات. وكانت حلوله التخطيطَ والموازنةَ والمشترياتِ والشراءَ الإلكتروني، وأن يعاقب الناخبون المشرّعين الفاسدين. وقد نشأت القضية من نزاع عام 2015 بين حاكم جاكرتا والمجلس التشريعي الإقليمي حول ما سُمّي «بنود الموازنة الوهمية»، ثمّ أدانت المحاكم لاحقًا مسؤولين. وبالنسبة إلى دراسةٍ في القيادة، توثّق المقالة حالةً استعملت فيها سلطةٌ تنفيذية الأنظمةَ الرقمية لجعل شبكةٍ افتراسية مرئية. ودرسها أنّ النزاهة في إعداد الموازنة تتوقّف على جعل كلّ بندٍ قابلًا للتتبّع إلى الوحدة التي طلبته أكثر ممّا تتوقّف على الوعظ.
وبعد عقدٍ صار السجلّ الوطني أضعف. فقد هبطت درجة إندونيسيا في مؤشر مدركات الفساد إلى 34 عام 2025، وتراجع ترتيبها إلى المرتبة 109 من 182 بعد أن كان 99، وأشارت منظمة الشفافية الدولية في إندونيسيا إلى تصاعد الرشوة، والضغط على الحريات المدنية بما يُضعف الرقابة، والإلغاء غير الشفّاف لتراخيص شركاتٍ بعد فيضانات سومطرة، واستمرار المحسوبية، على نحو ما أفاد موقع IDN Financials في 12 فبراير 2026. وتغيّرت كذلك البنية المؤسسية للجدارة. فقد ألغى قانون جهاز الدولة المدني لعام 2023 الهيئةَ المستقلة للخدمة المدنية، ونقل الرقابة على نظام الجدارة إلى الوزارة، ثمّ قضى حكم المحكمة الدستورية رقم 121/PUU-XXII/2024، بناءً على طعنٍ تقدّمت به منظمات Perludem وKPPOD ورقابة الفساد الإندونيسية، بأنّ الرقابة على الجدارة والأخلاقيات والسلوك يجب أن تتولّاها هيئةٌ مستقلة تُنشأ في غضون عامين، كما يوضح مقال رأي في وكالة أنتارا (ANTARA) بتاريخ 23 أكتوبر 2025، ينبغي التحقّق من تواريخه في سجلّات المحكمة. ويتطابق تعليل المحكمة مع حجّة مجسّات الشرعية: فالرقيب المقيم داخل الوزارة التي يراقبها لا يستطيع الإبلاغ عن إخفاقات تلك الوزارة. والإجراءات التي تحوّل المعايير الأخلاقية إلى ممارسة، أي الفحص والتحقّق والرقابة المستقلة، هي المجسّات الأكثر عرضةً للضعف حين لا يكون القادة ملتزمين بها.
سادسًا: من يحقّ له أن يقود: التوظيف والمال والثقافة
تتوقّف جودة القيادة على طريقة اختيار القادة، ويوثّق الأرشيف صراعًا حاسمًا حول هذه المسألة عام 2014. ففي 8 سبتمبر 2014 كتب بيما آريا (Bima Arya)، وكان آنذاك عمدةَ مدينة بوغور (Bogor)، في كومباس تحت عنوان «Arus Mundur Demokrasi» (التيّار الارتدادي للديمقراطية) معارضًا مشروع قانونٍ يعيد انتخاب رؤساء الأقاليم إلى المجالس التشريعية الإقليمية. واستنادًا إلى تعريف خوان لينز (Juan Linz) للديمقراطية الراسخة بأنها تلك التي تكون فيها الديمقراطية «اللعبة الوحيدة في المدينة» (the only game in town)، حاجّ بأنّ الانتخابات المباشرة تكسر الأوليغارشيات المحلية، مستشهدًا بحملته الخاصة التي قال إنها كلّفت أقلّ بكثير ممّا نصحه به كبار السياسيين، لأنّ الطبقة الوسطى المتنامية والناخبين الشباب كانوا أصعب على الشراء. واختتم بالمقابلة بين السياسيين الذين يفكّرون في الانتخابات المقبلة ورجال الدولة الذين يفكّرون في الجيل المقبل. وفي 23 سبتمبر 2014 كتب بستامي زين الدين (Bustami Zainudin)، رئيس منطقة واي كانان (Way Kanan) في لامبونغ (Lampung) المنتخب انتخابًا مباشرًا، في كومباس تحت عنوان «Jangan Rampas Hak Rakyat» (لا تسلبوا الشعب حقّه) أنّ الانتخابات المباشرة علّمت المواطنين الديمقراطية، وأنّ عيوبها تستدعي إدارةً أفضل لا إلغاءً، وأنّ الشعب هو أكبر المساهمين في البلاد، وأنّ الاختيار عبر المجالس التشريعية سيُنتج قادةً ذوي سجلّاتٍ ضئيلة لا يعرفهم ناخبوهم. وقد أُقرّ مشروع القانون في 26 سبتمبر 2014 بعد انسحاب إحدى الكتل؛ ثمّ أعادت لائحةٌ حكومية بديلةٌ عن القانون الانتخاباتِ المباشرة، وصارت قانونًا عام 2015، وأُجريت أولى الانتخابات الإقليمية المتزامنة في ديسمبر من ذلك العام. والمقالتان دليلٌ على قيادةٍ تُمارَس من القاعدة: فقد حاجّ رؤساء أقاليم في مناصبهم علنًا ضدّ تغييرٍ كان سيزيد اعتمادهم على نخب الأحزاب. وحجّتهما تربط التوظيف بالمجسّات. فالقائد الذي يختاره مجلسٌ تشريعي يصغي إلى المجلس التشريعي؛ أمّا القائد الذي يختاره الناخبون فعليه أن يصغي إلى الناخبين، دوريًّا على الأقلّ. وحدّهما هو المصلحة الذاتية، إذ يدين كلا الكاتبين بمنصبه للانتخابات المباشرة، غير أنّ التراجع عن السياسة الذي أعقب ذلك يُظهر أنّ حجّتهما أقنعت السلطة التنفيذية الوطنية.
ويتعرّض التوظيف للإفساد كذلك من جانب الطلب. ففي 3 مايو 2014، بعد نحو أربعة أسابيع من الانتخابات التشريعية لذلك العام، كتب سيف الرحمن (Saifur Rohman)، المحاضر في علم نفس القيادة، في كومباس تحت عنوان «Manusia Indonesia 2019» (الإنسان الإندونيسي 2019) أنّ الديمقراطية صارت صفقةً اقتصادية تُباع فيها الأصوات وتُشترى. واستنادًا إلى صورة الشخصية الإندونيسية التي رسمها مختار لوبيس (Mochtar Lubis)، حاجّ بأنّ الإيمان بالخرافة تحوّل إلى إيمانٍ بالمال، ووصف أربعة أنماطٍ من البراغماتية لدى الناخبين والنخب مع حالاتٍ إقليمية، ووصف التثقيف السياسي علاجًا. ويشير فهرس الأرشيف إلى أنّ المقالة معيارية لا تجريبية. وإسهامها أنها تُكمل الصورة التي تركتها مقالة بيما آريا متفائلة. فالانتخابات المباشرة لا تكسر الأوليغارشيات إلا إذا تعذّر شراء الناخبين؛ وحيث يمكن شراؤهم، فإنّ القائد الذي يُختار بالمال يدين بمنصبه للمموّلين، وتُضبط مجسّات الشرعية على موجتهم. والمقالتان، إذا قُرئتا معًا، تُظهران أنّ قواعد التوظيف والثقافة السياسية يجب أن تتغيّرا معًا.
ويسجّل الأرشيف أيضًا مُثُلًا لشخصية القائد، وهي تكشف توتّرًا. ففي كتابٍ أُطلق قبيل انتخابات 2014، حين كان يُتداول اسمه مرشّحًا محتملًا للرئاسة، عرض القائد السابق للقوات المسلحة جوكو سانتوسو (Djoko Santoso) في Menggagas Indonesia Masa Depan (تصوّر إندونيسيا المستقبل) ستّ صفاتٍ للقائد الوطني المقبل: أن يكون مستعدًّا للإصغاء، نزيهًا، قديرًا، شجاعًا، كفؤًا، وتحويليًّا. ولتقديم الاستعداد للإصغاء في المقام الأول دلالةٌ حين يصدر عن قائدٍ عسكري تُعلي مؤسستُه من شأن القيادة الآمرة. ويؤطّر الجزء الأول من الكتاب مكافحةَ الفساد بوصفها وطنيةً متجدّدة، ويدعو إلى الاعتماد على الذات اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. وهو، بوصفه وثيقةَ حملةٍ انتخابية، رؤيةٌ وإشارةٌ سياسية معًا، وقائمة الفضائل فيه لا تقدّم أيّ بيانٍ لكيفية اختبارها. وفي 17 أكتوبر 2014، قبل ثلاثة أيام من تنصيب رئيسٍ جديد، كتب رادهار بانجا داهانا (Radhar Panca Dahana) في كومباس تحت عنوان «Salah Tafsir Jokowi» (سوء تفسير جوكوي) أنّ قياس الرئيس المنتخب بالمعايير الحديثة للخطابة واللغة الإنجليزية والعرض التنفيذي قراءةٌ خاطئة، وأنّ قوّته تكمن في ذكاءٍ حدسي متجذّر في التجربة المعيشة والموروث الجاوي. وقرأ داهانا «الثورة الذهنية» الموعودة بوصفها استعادةً لقدرةٍ باطنية أزاحتها المادية العقلانية، وحذّر من أنها ستفشل إن سُلّمت إلى التكنوقراط. وينبّه الفهرس إلى خطر عبادة الشخصية وإلى ضآلة ما تقوله المقالة عن المؤسسات. والنصّان معًا يعبّران عن خيطٍ مستمرّ في التفكير الإندونيسي يحدّد موضع القيادة الصالحة في الفضيلة الشخصية أو الحدس. وحجّة هذه الورقة أنّ الفضيلة لا تُغني عن التصميم: فالقائد المستعدّ للإصغاء يظلّ بحاجةٍ إلى قنواتٍ تنقل إليه معلوماتٍ دقيقة، والحدس المتجذّر في التجربة لا يكون مجسًّا إلا للتجارب التي عاشها القائد.
سابعًا: القيادة القطاعية والانتقالية: الكابح والمسرِّع والحضور
تُمارَس القيادة أيضًا في القطاعات. ففي 3 مايو 2014 كتب عارف ساتريا، وكان آنذاك عميدًا لكلية الإيكولوجيا البشرية في معهد بوغور الزراعي (IPB)، في كومباس تحت عنوان «Kepemimpinan Kelautan» (القيادة البحرية) أنّ الوعي بالبحر يوجد على مستوياتٍ فردية وجماعية وسياسية، وأنّ صانعي السياسات الإندونيسيين لم يبلغوا المستوى السياسي. وقارن الوضع بالطريقة التي صار بها تغيّر المناخ أولويةً في السياسات، ونسب إلى عبد الرحمن واحد فضل إنشاء وزارةٍ بحرية، وطالب الرئيس المقبل بأن يعامل البحر مصدرًا للنموّ والعدالة الاقتصادية. وفي 7 أبريل 2015، تحت عنوان «Politik Baru Perikanan» (السياسة الجديدة لمصايد الأسماك)، قيّم الأشهر الخمسة الأولى لوزيرة مصايد أسماكٍ جديدة، استهدف وقفُها لتراخيص السفن الأجنبية سابقًا وحظرُها للنقل بين السفن في عرض البحر ازدواجيةَ الأعلام والوثائقَ المزوّرة والأطقمَ الأجنبية، وهدفت قيودُها على الكركند والسلطعون وأدوات الصيد المدمّرة مثل شباك الجرّ والشباك الكيسية إلى الاستدامة، مستشهدًا بتعافي مخزون الحبّار في هونغ كونغ بعد حظر الصيد بشباك الجرّ. وكانت حجّته المركزية أنّ على الحكومة أن تعمل كابحًا يحمي الموارد، ومسرِّعًا يوفّر رأس المال لاستبدال أدوات الصيد، والتدريبَ، وسبلَ العيش البديلة، والمُهَلَ الانتقالية لمن تتعطّل مداخيلهم. وقوّة النموذج أنه يفسّر لماذا تفشل الإصلاحات الجذرية حتى حين تكون صائبة: فالكلفة تقع فورًا على جماعاتٍ محدّدة، بينما المنافع منتشرة ومؤجّلة، ولذا فإنّ الإصلاح الخالي من المسرِّع يولّد المقاومة التي تنقضه. والمقالتان، اللتان كتبهما الكاتب نفسه بفارق عام، تُظهران أيضًا محلّلًا قطاعيًّا يحدّث رأيه مع انتقال سياسةٍ من الوعد إلى التطبيق.
ويضيء النموذج حالةً حديثة موثّقة على موقع kba13.com. فمقالة «The Purbaya Episode: Technocracy, Digital Visibility, and Indonesia’s Unsettled Road to 2029» (حلقة بوربايا: التكنوقراطية والحضور الرقمي وطريق إندونيسيا المضطرب إلى 2029) المنشورة في 16 سبتمبر 2026 تحلّل إقالة وزير المالية بوربايا يودي ساديوا (Purbaya Yudhi Sadewa) في 14 سبتمبر 2026، الذي علم بها عبر الهاتف في أثناء جلسة استماعٍ برلمانية؛ وأدّى نائبه اليمين في غضون ساعات، ولم يقدّم القصر أيّ سبب. وتوازن المقالة بين ثلاثة أسباب: عامٌ من تآكل المصداقية المالية والسوقية، وانهيار السلطة داخل الوزارة بعد تدويرٍ للموظفين في 10 سبتمبر، ونزاعٌ علني مع صندوق الثروة السيادي دانانتارا (Danantara). وتقابل بين نهجه الموجَّه نحو السيولة ومعاملة سلفه للمصداقية بوصفها القيدَ الحاكم، وترفض الرواية القائلة إنه أُقيل لمحاربته الأوليغارشيين، مشيرةً إلى أنّ صراعاته كانت مع مديرياته هو، ومع دانانتارا، ومع البنك المركزي. وتفيد بأنّ منشورًا واحدًا بلغ نحو ثمانية ملايين مشاهدة في ثماني عشرة ساعة، بينما بلغت حظوظه الانتخابية 1.1 في المئة في استطلاعٍ أُجري في يوليو 2026، وتسمّي الظاهرة «الشخصانية الخوارزمية المُسمسَرة»: فالحضور يولّد قوّةً تفاوضية، لكنّ القواعد الدستورية الخاصة بترشيح الأحزاب ما تزال تحرس بوّابة الرئاسة. وإذا قُرئت الحالة عبر نموذج ساتريا، فهي حالةُ مسرِّعٍ بلا كابحٍ وبلا تنظيم. فقد دفع وزيرٌ نحو السيولة والطلب، وفقد ثقة المؤسسات التي كان يحتاج إلى تعاونها، واكتشف أنّ الحضور العام لا يُغني عن السلطة داخل وزارته. وترتبط الحالة كذلك بمثال واحد في القسم الرابع: فالشرعية الشخصية من دون قاعدةٍ تنظيمية هشّةٌ، سواء جاءت من المكانة الأخلاقية أو من الانتشار الرقمي. وتُنقل أرقام المقالة كما تعرضها، وينبغي التحقّق منها في بيانات الاستطلاعات والمنصّات الأولية.
والبنية لا تقلّ أهميةً عن الشخصية. فمجلس الوزراء الذي أدّى اليمين في 21 أكتوبر 2024 يضمّ 48 وزارة بموجب اللائحة الرئاسية 139/2024، منها سبع وزاراتٍ تنسيقية مقابل أربع في الحكومة السابقة، مع تقسيم تسع وزاراتٍ سابقة إلى إحدى وعشرين، وأربعةٍ وخمسين مسؤولًا بدرجة وزير في المجموع، على نحو ما أفاد موقع Bisnis.com. ومجلس الوزراء الكبير يوسّع الائتلاف ويمثّل مصالح أكثر، لكنه يضاعف كلفة التنسيق ويطمس المساءلة، وكلّ طبقةٍ إضافية بين الوزارة والرئيس نقطةٌ يمكن أن تُصفّى عندها الأخبار السيئة. وفي بنيةٍ كهذه يغدو الحفاظ على انضباط الكابح والمسرِّع أصعب، لأنّ الوزارات التي تكبح والوزارات التي تنفق قد تكون تابعةً لشركاء ائتلافٍ مختلفين. وصارت قيادة المرحلة الانتقالية الآن تتوقّف على تصميم التنسيق بقدر ما تتوقّف على الوزير الفرد.
ثامنًا: الجامعات مدارجَ إقلاع: القيادة بوصفها رعايةً مؤسسية
الجامعات من بين المؤسسات التي تكون فيها القيادة أوضحَ ما تكون وأقلَّ ما تُدرَس. ومقالة العمل «طاقمًا أرضيًّا» للجامعة بين عامَي 2022 و2026، المنشورة في 11 أغسطس 2026، شهادةٌ من الداخل لعميد كليةٍ للشريعة والقانون، وهي غير بطوليةٍ عن قصد. فهي تصف العمل الكامن وراء طموح الجامعة العالمية المستوى بأنه تجهيزُ المدرج، والحفاظُ على الانضباط والإيقاع والروتين، والتقاطُ الاضطرابات الصغيرة مبكرًا، وتقرّر أنّ «tidak semua orang harus berada di kokpit»، أي ليس على الجميع أن يكونوا في قمرة القيادة. وتحاجّ بأنّ «kecerdikan institusi tidak diukur dari banyaknya instruksi yang dikeluarkan»، أي إنّ ذكاء المؤسسة لا يُقاس بعدد التعليمات التي تُصدرها، وتحذّر من الوقوع في أسر «kebanggaan simbolik»، أي الاعتزاز الرمزي، وتعدّد دروسًا: أنّ الجاهزية التي يُستخفّ بها بوصفها عملًا إداريًّا هي في الحقيقة تأسيسية؛ وأنّ الأنظمة أجدر بالثقة من التحكّم الفوقي؛ وأنّ موظفي الدعم وعمّال النظافة وأفراد الأمن والسائقين يصنعون الجودة؛ وأنّ الطاقة الجماعية محدودة، فيجب أن تمتصّ الهياكلُ الضغطَ من دون أن تُنهك الناس بصمت؛ وأنّ نقد الأفكار درسٌ في التواصل. وتستند المقالة إلى عملٍ سابق في جامعة واليلاك (Walailak) في تايلاند، حيث اكتسب برنامجٌ للدراسات الإقليمية حضورًا عبر عملٍ منهجي متكرّر في الترويج ومعايير الخدمة وقدرة الفريق على التحمّل. ويقلب نموذج المقالة الصورةَ المعتادة للقيادة الأكاديمية بوصفها رؤيةً وإعلانًا. ودعواها أنّ ذكاء المؤسسة يكمن في إجراءاتها الروتينية لا في تعليماتها هي دعوى عن المجسّات: فالإجراءات الروتينية تولّد معلوماتٍ منتظمة عمّا إذا كانت الأمور تسير على ما يُرام، بينما لا تولّد التعليمات إلا تقارير عن الامتثال. أمّا حدّها فهو أنها لا تقدّم درجات اعتماد، ولا أرقام قيد، ولا تصنيفاتٍ مسمّاة، وهذه الورقة لا تقدّمها كذلك؛ فهي تأمّلٌ في الممارسة لا تقييمٌ للنتائج.
ويحفظ الأرشيف آثار تلك الرعاية. فعرضٌ تقديمي من 23 شريحة أُعدّ للمنتدى الوطني لعمداء كليات الشريعة في جيبوتات (Ciputat) في 22 يوليو 2024، بعنوان «Rumpun Ilmu Fakultas Syariah dan Hukum» (عائلة العلوم في كلية الشريعة والقانون)، اقترح خيارين لتجميع تخصّصات هذه الكليات، ونموذجًا شجريًّا يمتدّ من الجذع إلى الفروع إلى الأغصان، طُبّق على الفقه الشرعي، والفقه المقارن، والقانون الاقتصادي الإسلامي، وقانون الأسرة، والقانون الجنائي الإسلامي، والقانون الدستوري الإسلامي، وعلم الفلك. وخريطةٌ ذهنية في شريحةٍ واحدة من أبريل 2024، بعنوان «Standar Pengembangan Keilmuan di Fakultas» (معيار التطوير العلمي في الكلية)، رسمت إطارًا لتطوير المعرفة في الكلية يقوم على أساس التوحيد ويمتدّ إلى علم الكون، والعلوم الطبيعية، والإنسانيات، والعالم الافتراضي، والشؤون الكوكبية، والسلوك الإنساني، والحياة الاجتماعية، والذات الباطنة. وهذه وثائق متواضعة. وأهميتها في نمط القيادة الذي تسجّله: عميدٌ يشكّل بنية حقلٍ معرفي عبر منتدى أقرانٍ من العمداء الآخرين وعبر إطارٍ مشترك، لا عبر التعليمات. والقيادة بالجَمع والتشاور أبطأ من القيادة بالأمر، لكنها تُنتج ترتيباتٍ تصمد بعد تغيّر العميد، وهذا هو اختبار الرعاية.
ويجعل السياقُ البنيوي الرعايةَ أصعب. ففي 2 مايو 2014 كتب هندرا غوناوان (Hendra Gunawan)، أستاذ الرياضيات في معهد باندونغ للتكنولوجيا (ITB)، في كومباس تحت عنوان «Mengintip Masa Depan» (استراق النظر إلى المستقبل) أنّ الجامعات ومعاهد البحث هي «lumbung benih» الأمّة، أي مخازن بذورها، وأنها تعاني نقص التمويل. وتتبّع الاستراتيجية الطويلة الأمد للفترة 2003–2010، وتحويلَ سبع جامعاتٍ إلى كياناتٍ قانونية مع منحٍ إجمالية موعودة لم تصل قطّ، وإبطالَ قانون الكيانات القانونية التعليمية لعام 2009، وقانونَ التعليم العالي لعام 2012 الذي لم يكن بوسعه أن يعمل من دون مال، وقابل بين موازنة التعليم العالي الإندونيسي بأكمله لعام 2014، البالغة نحو 3.2 تريليون روبية، وموازنة جامعة سنغافورة الوطنية لعام 2013، البالغة نحو 18 تريليون روبية، وهي مقارنةٌ يصفها سجلّ الأرشيف بأنها بلاغية. وخلص إلى أنّ الأولوية الحقيقية هي تلاميذ المرحلة الابتدائية، الذين سيقودون البلاد بعد خمسةٍ وعشرين إلى أربعين عامًا. وتكتسب المقالة أهميتها هنا لأنها تُظهر أنّ الاستقلالية مُنحت للجامعات من دون الموارد اللازمة لاستعمالها، وهو نمطٌ يحوّل القيادة إلى إدارةٍ للندرة. وتحاجّ مقالةٌ منشورة عام 2026 على موقع kba13.com، بعنوان «Why Thailand Is Becoming Southeast Asia’s Leading Study Destination» (لماذا تصبح تايلاند الوجهة الدراسية الأولى في جنوب شرق آسيا) في 31 يوليو 2026، بأنّ تايلاند تعامل الجامعات بوصفها أصولًا وطنية استراتيجية عبر برامج تُدرَّس بالإنجليزية، وروابط مع الصناعة، وكلفةٍ ميسورة؛ وهي لا تتضمّن بياناتٍ كمّية، ونسبة التأليف فيها غير متّسقة على الصفحة، ولذا لا تصلح إلا مقارنةً تأطيرية. غير أنّ المقارنة التي توحي بها حادّة الدلالة: فالدولة التي تعامل الجامعات أصولًا تموّل إجراءاتها الروتينية، أمّا الدولة التي تعاملها مراكزَ كلفة فتنتظر من قادتها أن يُنتجوا تصنيفاتٍ من دون مدارج إقلاع.
تاسعًا: الكفاءات: من هجرة العقول إلى دوران العقول
تعني القيادة أيضًا اجتذاب الكفاءات والإبقاء عليها. ففي 2 مايو 2014، وهو يوم مقالة غوناوان نفسه ويوم التعليم الوطني، كتب بودي سانتوسا (Budi Santosa)، أستاذ الهندسة الصناعية في معهد سيبولوه نوبمبر للتكنولوجيا (ITS) والمحكّم في صندوق المنح الوقفي الوطني (LPDP)، في كومباس تحت عنوان «Dari ‘Brain Drain’ ke ‘Brain Gain’» (من هجرة العقول إلى كسب العقول) أنّ الصندوق كان لديه نحو 300 مستفيد في الخارج عام 2013 مقابل هدفٍ يبلغ نحو 2,000 سنويًّا، مع عشرات الآلاف من المتقدّمين، وأنّ المستفيدين مُلزَمون بالعودة. وذكّر بأنه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين عاد خرّيجون دُرّبوا لصالح هيئة تقييم التكنولوجيا وتطبيقها (BPPT) والوكالة الوطنية للطاقة النووية (BATAN) وشركة صناعة الطائرات (IPTN) فلم يجدوا وظائف، لأنّ تدريبهم فاق ما تستطيع الصناعة المحلية استيعابه، فاستقرّ كثيرون منهم في الخارج. واستشهد بـ«الخطة 111» الصينية التي أُطلقت عام 2006 لتحسين الجامعات ودعوة مئاتٍ من كبار العلماء الأجانب، وببرنامج «Contact Korea» الكوري الجنوبي الذي يُدار عبر مراكز الأعمال الكورية في الخارج، وأوصى بعدم فرض العودة الفورية، وبجعل إندونيسيا جاذبةً من حيث الأجور والخدمات وجودة الحياة، وبتوظيف أساتذة أجانب ذوي سمعة برواتب تنافسية، وبتمويل باحثين أجانب في مرحلة ما بعد الدكتوراه في المختبرات الإندونيسية، وبأن يشرف أعضاء هيئة تدريس أجانب على الأطروحات داخل البلاد. ويضيف فهرس الأرشيف تحفّظين: أنّ الصين وكوريا كانت لديهما قدراتٌ صناعية وبحثية تفتقر إليها إندونيسيا، فالكفاءات لا تعود تلقائيًّا، وأنّ إسقاط التزام العودة يثير أسئلةً عن المساءلة بشأن الأموال العامة. والبصيرة المركزية للمقالة هي سابقة عهد حبيبي (Habibie). فقد دُرّبت الكفاءات من دون مؤسساتٍ مستعدّة لتوظيفها، فكانت النتيجة خسارة. والدرس يخصّ القيادة أكثر ممّا يخصّ سياسة المنح: فإرسال الناس إلى الخارج عملٌ إداري، أمّا بناء مؤسساتٍ يرغبون في العودة إليها فمهمّةٌ قيادية.
وبعد اثني عشر عامًا اتّجهت السياسة نحو الإنفاذ. فقد ألزمت قاعدةٌ صادرة عام 2022 الخرّيجين بالعودة في غضون 90 يومًا من التخرّج ما لم يُؤذن لهم بمتابعة الدكتوراه. وفي 23 فبراير 2026 أعلن المدير الرئيس للصندوق أنّ 44 مستفيدًا عوقبوا لإخلالهم بالتزامات الخدمة، وأُمر ثمانيةٌ منهم بردّ المبالغ مع الفوائد، مع 36 قضيةً قيد المعالجة وربما أكثر من 600 حالةٍ مُبلَّغ عنها، جرى رصدها عبر بيانات الهجرة ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وفقًا لوكالة أنتارا. وفي الوقت ذاته فتحت الحكومة قناةً ألين. ففي نوفمبر 2025 أطلقت وزارة الهجرة برنامج «المواطنة العالمية لإندونيسيا» (Global Citizenship of Indonesia)، الذي يمنح إقامةً غير محدّدة المدّة للأجانب الذين تربطهم بإندونيسيا روابط دمٍ أو قرابةٍ أو تاريخ، بمن فيهم المواطنون السابقون وذرّياتهم، مع الإبقاء على الجنسية الواحدة، على نحو ما أفادت أنتارا. والنزيف قابلٌ للقياس: إذ تُظهر بيانات الهجرة التي أوردها موقع NU Online أنّ 3,912 إندونيسيًّا حصلوا على الجنسية السنغافورية بين عامَي 2019 و2022، إذ ارتفع العدد من 940 عام 2019 إلى 1,091 عام 2022. والسياستان تشدّان في اتّجاهين مختلفين، إحداهما تعاقب على المغادرة والأخرى ترحّب بروابط المغتربين، ولا تعالج أيٌّ منهما ما أشار إليه سانتوسا بشأن المؤسسات التي يعود إليها الخرّيجون.
والسؤال القيادي هو: أيُفرَض الرجوع أم تُبنى الجاذبية؟ كلاهما مطلوب؛ لكنّ الجاذبية هي الحاسمة. فالإنفاذ يحمي الأموال العامة، لكنه لا يستطيع أن يجعل العائد منتجًا في مؤسسةٍ تفتقر إلى الموارد والاستقلالية والرعاية. ويصف ملفٌّ تعريفي نُشر عام 2025 على موقع kba13.com، بعنوان «Profil Sarjana Terkenal Singapura» (ملامح العلماء البارزين في سنغافورة) بتاريخ 12 سبتمبر 2025، كيف تقوم القيادة المعرفية في سنغافورة على تعليم النخبة، والتوظيف القائم على الجدارة، وروابط وثيقة لكنها موضع نزاع بين العلماء والدولة. ويعرض ملامح علماء ممارسين يتنقّلون بين الأكاديمية والمنصب، من بينهم كيشور محبوباني (Kishore Mahbubani) وتومي كوه (Tommy Koh) وتشان هينغ تشي (Chan Heng Chee) وثارمان شانموغاراتنام (Tharman Shanmugaratnam)، واستقطاب علماء أجانب لقيادة المؤسسات، ويسجّل كذلك الحدود التي تضعها الدولة على المعارضة، بما في ذلك رفض منح التثبيت الأكاديمي، وأمر تصحيحٍ بموجب قانون الأكاذيب الإلكترونية، وطرد أكاديميٍّ أجنبي. وتكمن فائدة الملفّ في أنه يعرض شطرَي النموذج كليهما. فسنغافورة تجتذب الكفاءات بمنح العلماء تأثيرًا حقيقيًّا في السياسات، وتقيّدهم حين يتخطّى نقدهم خطوطًا تحدّدها الدولة. ولا تحتاج إندونيسيا إلى نسخ الشطر الثاني كي تتعلّم من الأول: فالكفاءات تذهب حيث تمنحها المؤسسات عملًا ذا معنى وأذنًا صاغية.
عاشرًا: القيادة الريادية والأخلاقية
لا تُمارَس القيادة في الدول والجامعات وحدها. فسيرة مستيكا زيد (Mestika Zed) Saudagar Pariaman: Menerjang Ombak Membangun Maskapai (تاجر باريامان: مقتحم الأمواج وباني الشركة)، الصادرة عن LP3ES بتقديمٍ من م. دوام رهارجو (M. Dawam Rahardjo)، تروي قصة محمد صالح داتوق رانغكايو باسا (Muhammad Saleh Datuk Rangkayo Basa) من باريامان (Pariaman) (1841–1921)، الذي ترقّى من مساعدٍ في متجر إلى بائع سمك، فبحّارٍ على قارب، فربّان سفينة. وقد بنى تجارةً بين الساحل والداخل، يرسل الملح والسمك والمنتجات البحرية إلى الداخل ويعود بالخضار والسكّر والتبغ والغامبير، وأدار الملاحة من آتشيه إلى باندر سبولوه (Bandar Sepuluh)، وأسّس في مطلع القرن العشرين شركةً تجارية ذات إدارةٍ مهنية. وأحيا الإنتاج المحلّي للملح وزيت جوز الهند لكسر الاحتكارات، وأدخل نظام تقاسم الأرباح مع العمّال، ومارس أخلاقيةً تجمع بين العُرف (الأدات) والإسلام. ويتحدّى تقديم دوام رهارجو الروايةَ الاستعمارية القائلة إنّ روّاد الأعمال من أهل البلاد كانوا خاسرين حتمًا أمام الشركات الصينية والأوروبية. وتستند السيرة أساسًا إلى السيرة الذاتية التي كتبها صالح بالخطّ الجاوي باللغة المينانغكاباوية، ونشرها حفيده عام 1933، ويحذّر فهرس الأرشيف من أنها قد تعيد إنتاج تقديمه لنفسه. وبالنسبة إلى هذه الورقة، تكتسب الحالة أهميتها من خياراتها التنظيمية. فقد انتقل صالح من التجارة الشخصية إلى شركةٍ ذات إدارةٍ مهنية، وهي الخطوة من الموهبة الفردية إلى المؤسسة، وتقاسم الأرباح مع العمّال، فوائم بين مصالحهم ومصالح الشركة ومنح نفسه سببًا للإصغاء إلى همومهم. وقيد المصدر حقيقي، لكنّ البنية الموثّقة للمشروع لا تتوقّف على صورته الذاتية.
ويسجّل الأرشيف كذلك انتشار الأطر الروحية في القيادة المؤسسية. فكتاب ميخال ليفين (Michal Levin) Spiritual Intelligence: Awakening the Power of Your Spirituality and Intuition (الذكاء الروحي: إيقاظ قوّة روحانيتك وحدسك)، الصادر عن Hodder & Stoughton، يقترح أن يعترف المهنيون بطبيعتهم الروحية، وأن ينمّوا حدسهم، وأن يطبّقوا كليهما، ضمن سلسلةٍ تمتدّ من الذكاءات المتعدّدة لدى غاردنر (Gardner) مرورًا بالذكاء العاطفي لدى غولمان (Goleman) وصولًا إلى زوهار (Zohar) ومارشال (Marshall). ويربطه سجلّ الأرشيف بانتشار تدريبات ESQ في إندونيسيا بين موظفي الخدمة المدنية والعاملين والطلاب، وهي ظاهرةٌ يصفها بـ«إسلام السوق» أو «الروحانية المؤسسية»، ويشير إلى أنّ الكتاب ليس أكاديميًّا، وأنّ دعاواه قصصية، وأنّ الذكاء الروحي مفهومٌ موضع خلاف. ويحدّد تحفّظ السجلّ خطرًا يهدّد تطوير القيادة: فالتدريب الذي يعامل النزاهة بوصفها نزعةً باطنية قد يحلّ محلّ الإجراءات الواردة في القسم الخامس التي تجعل النزاهة قابلةً للتحقّق. ويمثّل كتاب سايمون سينك (Simon Sinek) Leaders Eat Last (القادة يأكلون أخيرًا) (طبعة الجيب لعام 2017) الحجّةَ المؤسسية السائدة القائلة إنّ القادة يصنعون الأمان والثقة اللذين يجعلان التعاون طوعيًّا. وحجّة سينك تدعم أطروحة المجسّات من داخل المؤسسات: فالموظفون الذين يشعرون بالأمان يُبلغون عن المشكلات مبكرًا، والموظفون الذين يخشون اللوم يُخفونها.
وتقدّم مقالةٌ نُشرت عام 2026 على موقع kba13.com، بعنوان «Erich Fromm dan Krisis Manusia Modern: Dari Hasrat Memiliki Menuju Seni Menjadi» (إريك فروم وأزمة الإنسان الحديث: من شهوة التملّك إلى فنّ الكينونة) في 24 مايو 2026، إطارًا فلسفيًّا. فهي تعرض تمييز إريك فروم (Erich Fromm) بين التملّك والكينونة، حيث تقيس الحضارة الحديثة قيمة الإنسان بما يملك وما يستهلك، وتمدّ وسائل التواصل الاجتماعي هذا المقياس إلى الهوية، ويُلخَّص ذلك في عبارة «Saya adalah apa yang saya miliki dan apa yang saya konsumsi»، أي أنا ما أملك وما أستهلك. ولا تناقش المقالة القيادة، لكنّ التمييز ينطبق مباشرةً على المنصب. فالقائد الذي يعيش في نمط التملّك يعامل المنصب ملكيةً تُحاز وتُعرض وتُستعمل، ويعامل النقد تهديدًا لهذه الملكية؛ أمّا القائد الذي يعيش في نمط الكينونة فيعامل المنصب مسؤوليةً تُمارَس من أجل الآخرين، ويعامل النقد معلومةً عن كيفية أداء هذه المسؤولية. وفي ثقافةٍ سياسية يشكّلها المال السياسي والحضور الرقمي، يتعزّز نمط التملّك في كلّ خطوة. والقيادة الأخلاقية بمعنى فروم لا تحلّ محلّ المؤسسات؛ بل هي النزعة التي تجعل القائد مستعدًّا لإبقاء مجسّات الشرعية عاملةً حين يكون ما تنقله غير مرغوبٍ فيه.
حادي عشر: الإنذار المبكر: من «غورو غورو» إلى «هورو هارا»
إذا كانت القيادة هي القدرة على السماع، فإنّ الإنذار المبكر هو شكلها المؤسسي. ففي 9 سبتمبر 2026 أجرت مقالةٌ على موقع kba13.com، بعنوان «Dari Goro-Goro ke Huru-Hara: Audit Prediksi KBA13 tentang Indonesia Menuju 2030» (من غورو غورو إلى هورو هارا: تدقيق تنبّؤات KBA13 بشأن إندونيسيا نحو 2030)، تدقيقًا لـ«تقويم الإنذار الوطني للنزاهة» المنشور في 1 يناير 2026 في ضوء الأحداث حتى 8 سبتمبر. ومن بين 26 تنبّؤًا قابلًا للقياس، تفيد بأنّ 13 ثبتت أو ثبتت بقوّة، و4 ثبتت جزئيًّا، و2 أخطأت، و1 لم يقع، و1 ما يزال جاريًا، و3 لم تُختبر بعد، وتعترف بسوء تقدير الروبية وقدرة المنظومة على امتصاص الصدمات. وتستعمل تمييز مسرح الظلّ (الوايانغ) بين «غورو غورو» (goro-goro)، أي قلق مرحلةٍ ما تزال فيها المؤسسات تعمل، و«هورو هارا» (huru-hara)، أي اللحظة التي يتجاوز فيها الصراعُ قدرةَ الدولة، وتحدّد الجامعات والإعلام المستقلّ والهيئات المهنية والمحاكم بوصفها مؤسساتِ إنذارٍ مبكر وصماماتِ أمانٍ للديمقراطية. وجملتها المفتاحية هي «Huru-hara bukan takdir yang menunggu di ujung jalan»، أي إنّ الفوضى ليست قدرًا ينتظر في نهاية الطريق. ومنهج التدقيق هو إسهامه الرئيس. فالتوقّع الذي يُنشر مسبقًا، ويُقيَّم لاحقًا، ويُصحَّح علنًا، هو في ذاته مجسٌّ عامل، والاستعداد لنشر الإخفاقات هو ما يميّز التحليل من الدعاية. أمّا حدوده فهي أنّ التنبّؤات قيّمها صاحبها، وأنّ عدّة أدلّةٍ يستشهد بها، منها أسعار الصرف وأرقام الموازنة، تُنقل كما تعرضها المقالة؛ ومن شأن تقييمٍ مستقلّ أن يعزّزه.
ويربط الإطارُ مؤسساتِ الإنذار بخيارات القيادة. فالقيادة التي تقدّرها تحمي استقلالها، وتموّلها، وتعامل نتائجها بوصفها معلوماتٍ لا خيانة. أمّا القيادة التي لا تقدّرها فتُضعفها عبر خفض الموازنات، والضغط على الصحفيين، والتعيينات المسيَّسة، أو إلحاق الهيئات المستقلة بالوزارات، كما حدث للرقابة على الخدمة المدنية عام 2023. ومن ثَمّ فإنّ الفرق بين «غورو غورو» و«هورو هارا» هو جزئيًّا مسألةُ قيادة: فالصدمات ذاتها، من كوارث وضغوطٍ مالية وصراعٍ بين النخب، تُنتج الفوضى حيث أُطفئت المجسّات، وتُنتج التكيّف حيث ما تزال تعمل.
ثاني عشر: أقوى الحجج المضادّة والردّ عليها
ثلاث حججٍ مضادّة تستحقّ ردًّا مباشرًا. الأولى ترى أنّ مشكلات إندونيسيا بنيويةٌ وأوليغارشيةٌ واقتصادية، وأنّ أيّ تركيزٍ على القيادة، مهما كان مؤسسيًّا، يبالغ في تقدير فاعلية الأفراد والمؤسسات. والثانية ترى أنّ القيادة القوية الحازمة هي ما يحتاجه بلدٌ كبير ومتنوّع في أزمنة الاضطراب، وأنّ التشديد على الإصغاء والتشاور ينطوي على خطر الشلل. والثالثة ترى أنّ الأدلّة انتقائية: فمقالات الرأي والمقالات تعكس آراء كتّابها، وأرشيف جامعٍ واحد لا يمكن أن يمثّل طيف الممارسة القيادية في إندونيسيا.
وعن الأولى، فقد تفاعلت الورقة مع أطروحة الأوليغارشية في القسم الرابع، وهي توافق على أنّ البنى تقيّد الأفراد؛ وحجّتها أنّ القيادة تكون أكثر أهميةً في تشكيل المؤسسات التي تعيد إنتاج تلك البنى أو تقيّدها، مثل فحص النزاهة، والرقابة على الجدارة، وقواعد التوظيف، وتراجعُ عام 2014 بشأن الانتخابات الإقليمية يُظهر أنّ مثل هذه القواعد يمكن تغييرها. وعن الثانية، فإنّ الإصغاء ليس ترددًا. فنموذج الكابح والمسرِّع يصف فعلًا حازمًا مقرونًا بالانتباه إلى من يتحمّلون كلفته، ومفهوم مجسّات الشرعية يتعلّق بجودة المعلومات التي تستند إليها القرارات. والقيادة الحازمة القائمة على تغذيةٍ راجعة زائفة هي أخطر أنواع القيادة، كما أظهر عام 1997. وعن الثالثة، فإنّ الورقة تقرّ بهذا القيد، وقد ثلّثت مادة الأرشيف ببياناتٍ خارجية، وهي تعامل الأرشيف مصدرًا للمفاهيم والحالات لا عيّنةً تمثيلية.
وثمّة أدلّة محدّدة من شأنها أن تغيّر هذه الأحكام. فتحسّنٌ جوهري في مؤشرات النزاهة مع استمرار حجم مجلس الوزراء ومشكلات التنسيق من شأنه أن يُضعف التشديد على التصميم المؤسسي. وإنشاء هيئةٍ مستقلة فعّالة للرقابة على الجدارة من شأنه أن يخفّف القلق من ضعف المجسّات. ووجود أدلّة على تحويل الحضور الرقمي إلى قدرةٍ تنظيمية دائمة من شأنه أن يستدعي مراجعة القراءة التي تعدّ «الشخصانية الخوارزمية المُسمسَرة» هشّة.
ثالث عشر: السيناريوهات حتى عام 2029 والمؤشرات والتوصيات
يمكن التمييز بين أربعة سيناريوهات حتى انتخابات 2029، مع احتمالاتٍ تمثّل تقدير المؤلف. في الأول، الاستقرار المُدار، بنحو 40 في المئة، يستمرّ الحكم بمجلس وزراء ضخم مع تعديلاتٍ دورية، وتركد مؤشرات النزاهة، وتضعف مجسّات الشرعية تدريجيًّا من دون أزمةٍ معلنة. وفي الثاني، التجديد المؤسسي، بنحو 25 في المئة، تُنشأ هيئةٌ مستقلة للرقابة على الجدارة كما تقتضي المحكمة الدستورية، ويُعزَّز فحص النزاهة، وتتعافى درجات مدركات الفساد، وتستثمر الدولة في رعاية الجامعات والخدمة المدنية. وفي الثالث، التقلّب الشخصاني، بنحو 25 في المئة، يقود الحضورُ الرقمي وتقلّباتُ الاستطلاعات التنافسَ نحو 2029، ويصعد التكنوقراط والشخصيات الإقليمية ويهبطون بسرعة، وتتضرّر استمرارية السياسات. وفي الرابع، تعطّل المجسّات، بنحو 10 في المئة، تتجاوز الضغوطُ المالية والكوارثُ وصراعُ النخب القدرةَ المؤسسية، فيتكرّر الانتقال من «غورو غورو» إلى «هورو هارا».
وخمسة مؤشرات ستُبيّن أيّ السيناريوهات يتحقّق: إنشاء هيئة الرقابة على الجدارة ومدى استقلالها؛ ومسار مؤشر مدركات الفساد؛ وتواتر التعديلات الوزارية ومبرّراتها المعلنة؛ وحرية الصحافة وطريقة التعامل مع مؤسسات الإنذار المبكر المستقلة؛ وعودة خرّيجي المنح الدراسية والإبقاء عليهم. وتتوزّع التوصيات بحسب الفاعلين. فعلى الحكومة أن تمتثل امتثالًا تامًّا لاشتراط المحكمة الدستورية رقابةً مستقلة على الجدارة، وأن تعتمد فحصًا علنيًّا للنزاهة في التعيينات الوزارية على النموذج المقترح عام 2014، وأن تُرشّد التنسيق في مجلس الوزراء الضخم، وأن تحمي استقلال مؤسسات الإنذار المبكر. وعلى الجامعات والمؤسسات العامة أن تستثمر في الرعاية، أي في الإجراءات الروتينية والأنظمة والكوادر التي تنفّذ الاستراتيجية، وأن تقيّم القادة بسلامة مؤسساتهم لا بإعلاناتهم. وعلى سياسة الكفاءات أن تقرن إنفاذ التزامات المنح بالاستثمار في المؤسسات التي يعود إليها الخرّيجون. وعلى القادة في كلّ مستوى أن يعاملوا الأخبار السيئة معلوماتٍ، وأن يحموا من ينقلونها.
والتسلسل لا يقلّ أهميةً عن المضمون. ففي الأشهر الاثني عشر الأولى تكون الخطوة الأقلّ كلفةً والأبعد أثرًا هي استعادة الرقابة المستقلة على الجدارة، لأنه من دونها يتوقّف كلّ تحسينٍ في التوظيف على حسن نيّة من يمسك بالسلطة. وفي المرحلة التالية ينبغي أن يُجعل فحص نزاهة المسؤولين العموميين علنيًّا، بمعايير مكتوبة، وجداول زمنية معلنة، ومجالٍ يتيح للمجتمع المدني تقديم الاعتراضات. وبوسع الجامعات أن تتحرّك أسرع من الدولة، لأنها تتحكّم في طريقة اختيار العمداء، وكيفية تقييم أداء الوحدات، ومقدار المكانة التي يحظى بها موظفو الدعم. ومقاييس النجاح بسيطة: هل يمكن تفسير القرارات المهمّة علنًا، وهل يتلقّى النقد الداخلي ردًّا مكتوبًا، وهل يترك تغيّر القائد الإجراءاتِ الراسخة سليمة. وحين تتحقّق هذه الثلاثة، يصير الإصغاء ممارسةً مؤسسية يمكن فحصها وتكرارها وتسليمها من دون أن تتوقّف على مزاج شخصٍ واحد.
رابع عشر: حدود الدراسة
لهذه الورقة عدّة حدود. فمادتها الأولية مأخوذة من أرشيف جامعٍ واحد، يوفّر العمق لكنه ليس عيّنةً تمثيلية للممارسة القيادية في إندونيسيا. وتحمل عدّة موادّ في الأرشيف تواريخ تقديرية أو لا تحمل سنةً مطبوعة. والأرقام الواردة في المقالات الحديثة، بما فيها نتائج الاستطلاعات ومشاهدات المنصّات والبيانات الاقتصادية، تُنقل كما تعرضها المقالات، وينبغي التحقّق منها في المصادر الأولية. ولم تُجمع بصورةٍ منهجية أدلّةٌ مقارنة عن القيادة في ماليزيا وفيتنام وتايلاند وسنغافورة، وقيادة المرأة، وهي بُعدٌ مهمّ، غائبةٌ إلى حدٍّ كبير عن المادة المدروسة. ويعتمد عرض حكم المحكمة الدستورية بشأن الرقابة على الجدارة على تقارير ثانوية ينبغي التحقّق من تواريخها. والسيناريوهات أحكامٌ تقديرية لا توقّعات.
خامس عشر: الخاتمة: إبقاء المجسّات حيّة
تصف المصادر المستعرَضة هنا، إذا قُرئت عبر ثلاثة عقود، آليةً واحدة في أشكالٍ متعدّدة. ففي عام 1997 حلّ التبديل محلّ الدوران، وقُرئت الحشود تهديدات، وتُرك المنتقدون بلا حماية. وبعد عام 1998 نجت من المرحلة الانتقالية بنى الثروة والسلطة التي وصفها وينترز، وأُزيح قادةٌ إصلاحيون لا قواعد تنظيمية لهم. وبين عامَي 2014 و2015 اقترح مسؤولون وناشطون إجراءاتٍ تجعل النزاهة قابلةً للتحقّق، ودافع رؤساء أقاليم في مناصبهم عن الانتخابات المباشرة في وجه العودة إلى الاختيار عبر المجالس التشريعية. وبحلول عامَي 2025 و2026 كانت درجة مدركات الفساد قد هبطت، وكانت الرقابة المستقلة على الخدمة المدنية قد فُكّكت بانتظار بديل، وكان مجلس الوزراء قد تضخّم، وأُقيل وزيرٌ له ملايين المشاهدين على الإنترنت من دون تنظيمٍ يدافع عنه. وفي كلّ حالة لم يكن الإخفاق نقصًا في الموهبة أو الرؤية، بل انهيارًا في القنوات التي يعلم القادة عبرها بما يجري ويُحاسَبون من خلالها.
والعلاج ينبثق من التشخيص. فالقدرة على الإصغاء والتصحيح الذاتي تُبنى عبر فحص النزاهة، والتوظيف المفتوح، وتصميم المراحل الانتقالية بما يقرن الكوابح بالمسرِّعات، ومؤسسات الإنذار المبكر المستقلة، ورعاية المؤسسات من الوزارات إلى الكليات. وهذه مهامّ مؤسسية تدوم بعد أيّ قائدٍ بمفرده. وسيتوقّف طريق إندونيسيا إلى عام 2029 على ما إذا كانت المؤسسات التي تنقل الأخبار السيئة ستُعزَّز أو تُضعَف في الأثناء، أكثر ممّا سيتوقّف على أيّ شخصيةٍ ستفوز.
المراجع والمصادر
- IDN Financials (2026): Indonesia’s Corruption Ranking Fell from 99th to 109th Place
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Franz Magnis-Suseno — Etika Politik: Prinsip-prinsip Moral Dasar Kenegaraan Modern
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Jeffrey A. Winters — Dosa-Dosa Politik Orde Baru (1999)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Simon Sinek — Leaders Eat Last (2017)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Michal Levin — Spiritual Intelligence
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Mestika Zed — Saudagar Pariaman: Menerjang Ombak Membangun Maskapai
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Djoko Santoso — Menggagas Indonesia Masa Depan
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — INDONESIA 2030: The Logic of State Deterioration (2026)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — Political Islam and the Indonesian Reformasi (2026)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — The Strategy of Shadows (2026)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — Rumpun Ilmu Fakultas Syariah dan Hukum (2024)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — Standar Pengembangan Keilmuan di Fakultas (2024)
- ANTARA (2026): Mewujudkan Lembaga Pengawas Independen Sistem Merit ASN
- ANTARA English: LPDP Sanctions 44 Recipients, Orders 8 to Repay Scholarship Funds
- ANTARA English: Indonesia Launches GCI Scheme to Address Dual Citizenship Issues
- NU Online: Ribuan Mahasiswa Pindah Jadi WN Singapura
- Bisnis.com (2024): Gerak Lincah Prabowo dengan Kabinet Gemuk
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: M. Amien Rais — Berbahaya (28 Mei 1997)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Ahmad Suhelmi — Sirkulasi Elite Politik Orde Baru (Republika, 1997)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Rizal Panggabean — Kucing, Tikus, dan Amien Rais (1997)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Saifur Rohman — Manusia Indonesia 2019 (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Adnan Pandu Praja — KPK dan Jokowi-JK (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Dedi Haryadi — Mewujudkan TNI Bebas Korupsi (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Febri Hendri AA — Megakorupsi Pendidikan di DKI (2015)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Bustami Zainudin — Jangan Rampas Hak Rakyat (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Bima Arya — Arus Mundur Demokrasi (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Radhar Panca Dahana — Salah Tafsir Jokowi (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Arif Satria — Kepemimpinan Kelautan (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Arif Satria — Politik Baru Perikanan (2015)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Budi Santosa — Dari Brain Drain ke Brain Gain (2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Hendra Gunawan — Mengintip Masa Depan (2014)
- KBA13.com: Pengalaman sebagai Ground Staff bagi Universitas sejak 2022 hingga 2026
- KBA13.com: The Purbaya Episode: Technocracy, Digital Visibility, and Indonesia’s Unsettled Road to 2029
- KBA13.com: Dari Goro-Goro ke Huru-Hara: Audit Prediksi KBA13 tentang Indonesia Menuju 2030
- KBA13.com: Profil Sarjana Terkenal Singapura
- KBA13.com: Why Thailand Is Becoming Southeast Asia’s Leading Study Destination
- KBA13.com: Erich Fromm dan Krisis Manusia Modern
- Indoleft / Kompas (2026): Corruption Perception Index declines, global ranking drops by 10 places
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). القيادة بوصفها إصغاءً: دوران النخبة والنزاهة والتجديد المؤسسي في إندونيسيا من النظام الجديد إلى عام 2026. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com



