إنّ الرمال التي تقوم عليها أراضي سنغافورة الجديدة، والغاز الذي يُوقِد محطّات كهربائها، وزيت النخيل المُدرَج في بورصتها، والأيدي التي تجني محاصيل مزارع ماليزيا، تأتي في معظمها من إندونيسيا. وتتتبّع ورقة السياسات هذه الكيفيّة التي يستأثر بها أصغر جارَين لإندونيسيا وأقربهما إليها بالنصيب الأكبر من القيمة المتولّدة من ثرواتها الطبيعية، وتكشف عن هويّة الفاعلين، وتبحث في الأسباب التي تجعل تلك القيمة تستقرّ على الضفّة الأخرى من المضيق.
الملخّص
تتناول ورقة السياسات هذه الجغرافيا السياسية للموارد الطبيعية في علاقات إندونيسيا بكلٍّ من ماليزيا وسنغافورة، وتتساءل عن السبب الذي يجعل الجارَين يحصلان باطّراد على قيمة اقتصادية كبيرة من ثروات إندونيسيا الطبيعية، في حين تتحمّل إندونيسيا التكاليف البيئية والاجتماعية. وهي تجمع بين مصادر أوّلية من مقتنيات «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13» (Arsip dan Pustaka KBA13 Academy) ومقالات منشورة على موقع kba13.com، وبين بيانات رسمية ووثائق شركات جرى التحقّق منها: صادرات رمال البحر وحظرها منذ عام 2003، وعقود الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة، والموافقات المشروطة على استيراد 3.4 غيغاواط من الكهرباء، ومساحات المزارع التابعة لمجموعات زيت النخيل المُدرَجة في سنغافورة وماليزيا، وبيانات العمالة المهاجرة، وعمليات احتجاز سفن الصيد الأجنبية، وتصريحات رؤساء وزراء سنغافورة وماليزيا ووزرائهما. وتخلص الورقة إلى أنّ الآلية الرئيسة ليست الاستيلاء السافر، بل الاستئثار بالقيمة عند حلقات السلسلة الواقعة خارج إندونيسيا: التصنيع، والتجارة، والتمويل، والإدراج في البورصة، والخدمات اللوجستية، والموطن القانوني للشركات. والحقّ أنّ معظم المجموعات التي تظهر بوصفها شركات سنغافورية قد بنتها في الواقع تكتّلات إندونيسية المنشأ نقلت مقارّها الرئيسة إلى سنغافورة. وتُقدّم الورقة أشمل قائمة للفاعلين والشركات يمكن التحقّق منها من المصادر العامّة، وتُصنّف كلّ ادّعاء بحسب قوّة الأدلّة المُسانِدة له، وتقترح جدول أعمال للسياسات من أجل استعادة الحلقات العالية القيمة إلى الداخل.
الأطروحة
لا تتحكّم ماليزيا وسنغافورة في ثروات إندونيسيا الطبيعية بالاستيلاء عليها، وإنما بالتحكّم في العُقَد التي تُحتسَب فيها قيمتها وتُتداوَل وتُموَّل وتُدرَج؛ وما دامت تلك العُقَد قائمةً على الضفّة الأخرى من المضيق، وهو أمرٌ يعود في جانب منه إلى اختيار التكتّلات الإندونيسية نفسها، فستظلّ إندونيسيا هي الحقل وجاراها هما البيدر.
البيانات والمصادر
مقالات منشورة على موقع kba13.com (2024–2026)، ومقتنيات «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13»، والتصريحات الرسمية لوزارة الخارجية السنغافورية ومكتب رئيس الوزراء وسلطة النقد السنغافورية والوكالة الوطنية للبيئة وهيئة سوق الطاقة، وبيانات هيئة «إس كيه كيه ميغاس» (SKK Migas) ووزارة الطاقة والثروة المعدنية الإندونيسية (ESDM)، والتقارير السنوية وإعلانات بورصة سنغافورة (SGX)، وأحكام المحكمة العليا، وبيانات وزارة الشؤون البحرية ومصائد الأسماك (KKP) وهيئة حماية العمّال المهاجرين الإندونيسيين (BP2MI)، والتغطيات الإعلامية خلال الفترة 2007–2026.
الإطار التحليلي
الظهير المُورِّد للموارد، والاستئثار بالقيمة في سلاسل الإمداد، والتمييز بين الموطن القانوني للشركات وجنسية رأس المال، وتدرّج الأدلّة.
الاستشراف
قائمة بالفاعلين والشركات، وثلاثة سيناريوهات حتى عام 2030، وستّة مؤشّرات، وتوصيات موجّهة إلى الحكومة والبرلمان والمؤسّسات المملوكة للدولة والمجتمع المدني.
الكلمات المفتاحية: الجغرافيا السياسية للموارد؛ سنغافورة؛ ماليزيا؛ رمال البحر؛ الغاز المنقول بالأنابيب؛ صادرات الكهرباء؛ زيت النخيل؛ العمّال المهاجرون؛ سلاسل القيمة؛ السيادة الاقتصادية
أولًا: الملخّص التنفيذي: الحقلُ هنا والبيدرُ هناك
تُجيب ورقة السياسات هذه عن سؤال كثيرًا ما يطرحه الرأي العامّ الإندونيسي في غضب، ولكنّه نادرًا ما يرى له جوابًا مُسنَدًا بالبيانات: لماذا تجني ماليزيا وسنغافورة، وهما بلدان أصغر بكثير وفقيران إلى الموارد الطبيعية، منافع كبيرة على نحو مطّرد من ثروات إندونيسيا الطبيعية، ومَن الذي يتمتّع بها فعلًا؟ والجواب متعدّد الطبقات. فقد وسّعت سنغافورة مساحة أراضيها بنحو الربع بفضل رمال جاء معظمها من جزر رياو (Riau)، واعتمدت في عام 2020 على أنابيب قادمة من سومطرة وناتونا (Natuna) لتأمين ما يقارب ستّين في المئة من غازها الطبيعي، ووافقت موافقةً مشروطة على استيراد 3.4 غيغاواط من الكهرباء المنخفضة الكربون من إندونيسيا، وهي تُشكّل مقرًّا للإدراج في البورصة ومركزًا رئيسًا لمجموعات زيت النخيل والورق التي تسيطر على مئات الآلاف من الهكتارات في إندونيسيا. أمّا ماليزيا فتُرسل رأس المال الزراعي إلى إندونيسيا لأنّ أراضيها محدودة، وتعتمد على مئات الآلاف من العمّال الإندونيسيين في جني محاصيل مزارعها، وتتقاسم مع إندونيسيا مياهًا حدودية ما زالت تشهد سرقة الأسماك على أيدي سفن ترفع العلم الماليزي. بيد أنّ أهمّ ما توصّلت إليه الورقة يبعث على الحرج لدى السرديات القومية: إنّ معظم المجموعات التي تظهر بوصفها شركات سنغافورية قد بناها رجال أعمال إندونيسيو المولد اختاروا سنغافورة موطنًا قانونيًّا وبورصةً ومصرفًا لهم.
ويترتّب على الأدلّة أربعة أحكام. فبدرجة ثقة عالية، تجني سنغافورة منفعة بنيوية من الموارد الإندونيسية عبر الرمال والغاز والكهرباء والغذاء، وتُقرّ المؤسّسات السنغافورية نفسها بهذا الاعتماد. وبدرجة ثقة عالية أيضًا، يُستأثَر بالنصيب الأكبر من قيمة زيت النخيل والورق والفحم الإندونيسية عند حلقات التجارة والتمويل والإدراج الواقعة في سنغافورة، لا في المزارع والمناجم. وبدرجة ثقة متوسّطة، تنتفع ماليزيا أساسًا عبر ثلاث قنوات: رأس المال الزراعي، والعمالة المهاجرة الرخيصة، والمياه الحدودية غير المحسومة، وتُلقي القناة الثانية منها بتكلفة إنسانية باهظة على المواطنين الإندونيسيين. وبدرجة ثقة متوسّطة كذلك، يكمن أصل المشكلة في الداخل: ضعف الحوكمة، وتدنّي اليقين القانوني، ونُخَب تثق بسنغافورة أكثر من ثقتها بجاكرتا في حفظ ثرواتها. ويعرض القسم الثامن قائمة الفاعلين والشركات، ويتناول القسم التاسع تصريحات رؤساء الوزراء والوزراء، ويبسط القسم الثاني عشر التوصيات.
ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ومستويات الثقة
تعتمد الدراسة على أربعة مفاهيم. أوّلها الظهير المُورِّد للموارد: وهو إقليم يُزوّد مركزًا اقتصاديًّا يفتقر إلى المواد الخام والمجال والعمالة بما ينقصه منها. ويضرب هذا المفهوم بجذوره في الجغرافيا الاقتصادية الاستعمارية التي نَمَت فيها موانئ سنغافورة وبينانغ (Penang) على منتجات سومطرة وشبه جزيرة الملايو. وفي عام 2025 ذهبت مقالة منشورة على موقع kba13.com بعنوان «هيمنة الشركات السنغافورية على الاقتصاد الإندونيسي» (Dominasi Perusahaan Singapura di Ekonomi Indonesia) إلى أنّ سنغافورة تضع إندونيسيا في موضع الظهير المُورِّد، أي مُورِّدًا للمواد الخام والعمالة الرخيصة وسوقًا كبيرة للخدمات السنغافورية، وفق منطق «المحور والأذرع» الذي يُوجّه رأس المال والتجارة عبر سنغافورة. والمقالة تشخيص حادّ، غير أنّ بعض ادّعاءاتها، كتقديرها للأرباح السنغافورية بمئات المليارات من الدولارات، لم تُسنَد إلى مصادر على نحو يتيح التحقّق منها، ولذلك تتعامل معها هذه الدراسة بوصفها فرضيةً تخضع للاختبار لا نتيجةً ثابتة.
والمفهوم الثاني هو الاستئثار بالقيمة في سلاسل الإمداد. فقيمة السلعة لا تتوقّف عند المزرعة أو المنجم، بل تتوزّع على امتداد سلسلة تشمل التصنيع والشحن والتجارة والتمويل والتأمين والإدراج وتحديد الأسعار. والبلد الذي يتحكّم في حلقات المنبع دون حلقات المصبّ يتحمّل التكاليف البيئية والاجتماعية ويخسر معظم الأرباح. أمّا المفهوم الثالث فيُميّز بين الموطن القانوني للشركات وجنسية رأس المال؛ إذ يمكن لمجموعةٍ أن يكون مقرّها الرئيس وإدراجها في سنغافورة، وأن تملكها أسرة من ميدان (Medan) أو بيكانبارو (Pekanbaru)، وأن تسيطر على أراضٍ في كاليمانتان. والمسألة بالنسبة إلى إندونيسيا لا تقتصر على جنسية المالك، بل تتعدّاها إلى الولاية القضائية التي تُقيَّد فيها الأرباح وتُدفَع فيها الضرائب وتُتّخذ فيها القرارات. والمفهوم الرابع هو تدرّج الأدلّة، الذي يفصل بين الوقائع التي فصلت فيها المحاكم، والوقائع الرسمية التي لم يُقضَ فيها بعد، والادّعاءات الموثّقة، والشبهات التي لا تسندها أدلّة.
والمنهج المتّبع هو البحث المكتبي القائم على التحليل النوعي للوثائق. وتتمثّل المصادر الأوّلية في المقالات المنشورة على موقع kba13.com خلال الفترة من 2024 إلى 2026، ومقتنيات «أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13» (Arsip dan Pustaka KBA13 Academy)، ومنها كتاب «تصوير وجه شركة سنغافورة المتّحدة في إندونيسيا» (Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia) (2025)، وخُطَب مهاتير محمد في كتاب «العولمة والحقائق الجديدة» (Globalisation and the New Realities)، وكتاب نجيب رزاق «عولمة ماليزيا» (Globalising Malaysia) (2006)، ومقالات الرأي في صحيفة «كومباس» (Kompas) عن الشؤون البحرية. وتُقابَل هذه المصادر بالتصريحات الرسمية لحكومتَي سنغافورة وماليزيا، وببيانات الهيئات الإندونيسية، وإفصاحات الشركات، والتغطيات الإعلامية. ويحمل الحكم درجة ثقة عالية حين يستند إلى مصادر مستقلّة متعدّدة من بينها مصادر رسمية، ودرجة ثقة متوسّطة حين تكون الأدلّة قويّة لكنّها غير مكتملة، ودرجة ثقة منخفضة حين يقوم أساسًا على الاستدلال. وتتعمّد الدراسة ألّا تُكرّر تحليل الضباب الدخاني العابر للحدود الذي كُتب على حدة، ولا تُحيل إليه إلّا حيث تقتضي الصلة.
ثالثًا: خريطة الاعتماد: ما الذي يتدفّق من إندونيسيا عبر المضيق
قبل الحكم على مَن ينتفع، لا بدّ من رسم خريطة لما يتدفّق. وثمّة سبعة تدفّقات رئيسة. أوّلها المواد اللازمة لصناعة المجال: رمال البحر والغرانيت لأعمال الردم والبناء في سنغافورة. والثاني الطاقة: الغاز المنقول بالأنابيب من جنوب سومطرة وغرب ناتونا، والكهرباء القادمة قريبًا من جزر رياو. والثالث السلع الزراعية والحرجية: زيت النخيل واللبّ والورق، التي تُنتَج في إندونيسيا في معظمها على أيدي مجموعات مُدرَجة أو ذات مقارّ رئيسة في سنغافورة وماليزيا. والرابع الفحم والمعادن التي تُتداوَل عبر شركات في سنغافورة. والخامس العمالة، ولا سيّما العمّال المهاجرون الإندونيسيون في المزارع الماليزية والبيوت الماليزية. والسادس المنتجات البحرية، التي تسرق السفن الأجنبية جزءًا منها في المياه الحدودية. والسابع رؤوس أموال النُّخَب الإندونيسية وثرواتها المودعة في سنغافورة، وهو ما تتناوله دراسة مستقلّة عن الضرائب.
وتشترك التدفّقات السبعة في سمة واحدة: إنّ تكاليفها المادّية تتحمّلها إندونيسيا، في حين تُقيَّد معظم قيمتها المالية في مكان آخر. فالرمال تُستخرَج من جزر رياو الصغيرة التي تختفي بعد ذلك، بينما تصير الأرض الجديدة موانئ سنغافورة ومطارها. والغاز يجري في الأنابيب، بينما تبيع محطّات التوليد السنغافورية الكهرباء بأسعار السوق السنغافورية. والمزارع تُزيل الغابات وأراضي الخُثّ في كاليمانتان، بينما تُجمَع الأرباح في حسابات الشركات الأمّ المُدرَجة في بورصة سنغافورة. وتصف مقالة نُشرت على موقع kba13.com عام 2024 بعنوان «العلاقات الإندونيسية السنغافورية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والسياسة الأمنية، والديناميات الاستراتيجية لرابطة آسيان» (Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN) هذا الوضعَ بأنّه اعتماد متبادل غير متكافئ: فسنغافورة تنعم بالاستقرار باعتمادها على الطاقة والغذاء ورأس المال الإندونيسي، وتؤدّي في الوقت ذاته دور الملاذ لرؤوس الأموال الهاربة. وتُلاحظ المقالة نفسها أنّ اعتماد سنغافورة الغذائي اعتماد شبكيّ، إذ تستورد أكثر من تسعين في المئة من غذائها من أكثر من 170 بلدًا، فلا تكون إندونيسيا مُورِّدها الوحيد. ولهذا التمييز أهمّيته: ففي الغذاء تبقى القدرة التفاوضية لإندونيسيا محدودة، أمّا في الرمال والغاز والكهرباء فهي أكبر بكثير، لأنّ القرب الجغرافي لا بديل منه.
وتُبيّن الخريطة كذلك أنّ منافع ماليزيا وسنغافورة تتّخذ أشكالًا مختلفة. فسنغافورة، التي لا تملك أرضًا ولا طاقة خاصّة بها، تنتفع بوصفها مستخدمًا نهائيًّا للمواد ومركزًا للخدمات يستأثر بأرباح سلاسل الإمداد. وأمّا ماليزيا، التي لديها صناعة زيت نخيل خاصّة بها لكنّها نفدت لديها الأراضي والأيدي العاملة، فتنتفع بوصفها مستثمرًا في الأراضي ومستخدمًا للعمالة. ويتطلّب هذان النمطان استجابات سياساتية مختلفة، ودمجُهما في سردية واحدة عن «الجيران الجشعين» يحجب الأدوات المتاحة فعلًا لإندونيسيا.
رابعًا: الرمال وأراضي سنغافورة الجديدة: الجزر الضائعة في رياو
تُعدّ الرمال أوضح مثال على تحوّل الطبيعة الإندونيسية إلى مجال سنغافوري. فبحسب البوّابة الحكومية السنغافورية نفسها SG101، اتّسعت مساحة أراضي سنغافورة من 581.5 كيلومترًا مربّعًا عام 1960 إلى 725.7 كيلومترًا مربّعًا عام 2019، مع هدف يبلغ 766 كيلومترًا مربّعًا بحلول عام 2030، وتقوم على الأراضي المردومة منشآتٌ مثل مطار تشانغي (Changi) وميناء تواس (Tuas) وجزيرة جورونغ (Jurong). وتُسجّل البوّابة ذاتها أنّ إندونيسيا كانت تُزوّد سنغافورة بنحو تسعين في المئة من رمالها قبل حظر التصدير عام 2007، وأنّ تقريرًا للأمم المتحدة صدر عام 2019 وصف سنغافورة بأنّها أكبر مستورد للرمال في العالم على مدى عقدين بنحو 517 مليون طنّ. ولهذا الإقرار أهمّيته لأنّه صادر عن الجانب السنغافوري: فالمجال الذي بات اليوم أثمن أصول البلاد الاستراتيجية قد شُيّد في معظمه بمواد إندونيسية.
وقد تحمّلت جزر رياو التكلفة. فمقالةٌ في موقع «ذا كونفرسيشن» (The Conversation) أعاد نشرها موقع «كوستال كير» (Coastal Care) في يناير 2025 تُسجّل أنّ أكثر من خمسين مليون طنّ من الرمال كانت تُشحَن سنويًّا إلى سنغافورة قبل الحظر، وأنّ الصادرات المنفلتة من أيّ رقابة دمّرت 26 جزيرة رملية في رياو وألحقت الضرر بالسواحل والشعاب المرجانية في بانتن (Banten). ويذكر عرضٌ تجميعيّ عن تهريب الرمال في جنوب شرق آسيا ضياعَ 24 جزيرة في جزر رياو، وتهديدَ 83 جزيرة أخرى، وخسائرَ تبلغ نحو 450 مليون دولار سنويًّا جرّاء التعدين غير المشروع؛ وهذه الأرقام مأخوذة من تقارير مُجمَّعة، فينبغي أن تُقرأ بوصفها مراتب تقريبية للحجم لا إحصاءات رسمية. ويتّفق المصدران على الجوهر: لقد خسرت إندونيسيا جزرًا وكسبت سنغافورة أرضًا. وللجزر الحدودية الصغيرة كذلك قيمة قانونية، إذ تُرسَم خطوط الأساس للمناطق البحرية انطلاقًا من أبعد النقاط، فقد يعني ضياع جزيرةٍ ضياعَ مساحةٍ من البحر.
وحين حظرت إندونيسيا تصدير الرمال، كشف ردّ فعل سنغافورة عن مدى الأهمّية الاستراتيجية لهذه المادّة. ففي 19 فبراير 2007 ردّ متحدّث باسم وزارة الخارجية السنغافورية على مدير عامّ إندونيسي ربط الحظرَ بمفاوضات تسليم المطلوبين وترسيم الحدود. وقالت سنغافورة إنّها ستشعر بخيبة الأمل إن كان هذا هو نهج إندونيسيا، وشكّكت في أن يكون المسوّغ البيئي هو السبب الحقيقي، واستشهدت برأي وزير الخارجية جورج يو (George Yeo) بأنّ محادثات الحدود معقّدة بما يكفي دون إقحام الرمال فيها. وفي 4 مارس 2007، حين نُقل عن وزير الشؤون البحرية ومصائد الأسماك فريدي نومبيري (Freddy Numberi) قوله إنّ إندونيسيا تريد «تسوية نزاعاتنا الحدودية مع سنغافورة» (settle our border disputes with Singapore)، وصفت الوزارة تعليقاته بأنّها «مُحيِّرة ومُخيِّبة للآمال» (puzzling and disappointing)، وأضافت أنّ الغموض بشأن مَن يتحدّث باسم إندونيسيا لا يُفيد. ويُظهر البيانان أنّ سنغافورة فهمت الرمال بوصفها أداة ضغط، وأنّ إندونيسيا لم يكن لها في تلك اللحظة صوت واحد بشأن غاية سياستها هي. فالحظر الذي كان ينبغي أن يكون أداة استراتيجية صار موضع سخرية دبلوماسية لأنّ المسؤولين الإندونيسيين قدّموا له تبريرات متناقضة.
وتكيّفت سنغافورة مع الوضع. فبحسب بوّابة SG101، أفرجت الحكومة عن المخزون الوطني من الرمال، وتحمّلت خمسة وسبعين في المئة من زيادة الأسعار في المشروعات العامّة، واتّجهت إلى فيتنام وكمبوديا، وفي عام 2019 أعلنت وزارة التنمية الوطنية أنّ على المورّدين الحصول على الرمال من «مناطق مسموح بها قانونًا» (legally permissible areas) والامتثال للقوانين البيئية في بلدان المصدر. والتصريح سليم من الناحية القانونية، لكنّه يُحيل المسؤولية إلى غيره: إذ يُترَك إنفاذ القانون في بلدان المصدر لبلدان المصدر، بينما يظلّ الطلب صادرًا عن سنغافورة. وقد أوقفت ماليزيا صادرات رمال البحر إلى سنغافورة عام 2019، على نحو ما تُسجّله مقالة نُشرت على موقع kba13.com في أبريل 2026 بعنوان «سنغافورة في مضيق ملقا: تركّز الوظائف، واختلال موازين القوّة، ومخاطر التصعيد الإقليمي» (Singapura di Selat Melaka: Konsentrasi Fungsi, Asimetri Kekuasaan, dan Risiko Eskalasi Kawasan)، التي تربط كذلك بين الردم والتحوّل في تكوين المجال البحري في أكثر الممرّات الملاحية ازدحامًا في العالم. والدرس المستفاد بالنسبة إلى إندونيسيا هو أنّ الحظر لا يُجدي إلّا إذا أُنفِذ في البحر، إذ استمرّ التهريب بعد عام 2003 بوسم رمال البحر بأنّها رمال برّية.
وجرى الفصل الأحدث من هذه القصّة في الداخل. ففي عام 2023 أعاد الرئيس جوكو ويدودو (Joko Widodo) فتح باب تصدير رمال البحر بموجب اللائحة الحكومية رقم 26/2023، التي صيغت بوصفها تنظيمًا لإدارة نواتج الترسيب، وفي عام 2024 حدّدت الحكومة سبع مناطق تبلغ إمكانات الاستخراج فيها ما يصل إلى 17 مليار متر مكعّب. وفي يونيو 2025، وبحسب موقع «بيسنيس.كوم» (Bisnis.com)، ألغت المحكمة العليا بقرارها رقم 5 P/HUM/2025 الفقرات (2) و(3) و(4) من المادّة العاشرة من اللائحة لمخالفتها قانون البحار، بناءً على طعن تقدّم به محاضر في القانون احتجّ بأنّ الرواسب والرمال تختلف من الناحيتين البيئية والجيولوجية. وقال وزير الشؤون البحرية ومصائد الأسماك ساكتي وحيو ترينغونو (Sakti Wahyu Trenggono) إنّ على الحكومة الامتثال. وتُبيّن هذه الواقعة أنّ باب التصدير لم يُفتَح بضغط سنغافوري، بل بقرار من الحكومة الإندونيسية، ثمّ أُغلِق ثانيةً بحكم محكمة إندونيسية. فالحقل يمكن حراسته، لكنّ حُرّاسه لا بدّ أن يأتوا من الداخل.
خامسًا: الطاقة: الغاز المنقول بالأنابيب، والكهرباء الخضراء، وثمن القرب
إذا كانت الرمال قد بنت أرض سنغافورة، فإنّ الغاز الإندونيسي هو الذي يُضيء بيوتها. فبحسب موقع «ديتيك فاينانس» (detikFinance) في أكتوبر 2021، سجّلت بيانات هيئة SKK Migas لعام 2020 ثلاثة عقود لتصدير الغاز بالأنابيب إلى سنغافورة بحدّ أدنى إجمالي للإمداد يبلغ نحو 700 مليون قدم مكعّبة يوميًّا، في مقابل استهلاك سنغافوري يبلغ نحو 1.22 مليار قدم مكعّبة يوميًّا، أي إنّ ما يقارب ستّين في المئة من غاز سنغافورة كان يأتي من إندونيسيا. وكانت هذه العقود هي عقد غاز «الممرّ» (Corridor) من شركتَي كونوكو فيليبس غريسيك (ConocoPhillips Grissik) وبتروتشاينا (PetroChina) إلى شركة «غاز سبلاي» (Gas Supply Pte Ltd) بمقدار 350 مليار وحدة حرارية بريطانية يوميًّا (BBTUD)، والذي انتهى عام 2023، وعقدان من غرب ناتونا تُبرمهما شركات ميدكو ناتونا (Medco Natuna) وبريمير أويل (Premier Oil) وستار إنرجي (Star Energy) مع شركة «سيمب غاز» (SembGas) ويمتدّان حتى عام 2028. وتُسجّل شركة «سيمبكورب» (Sembcorp) نفسها أنّها بدأت استيراد الغاز المنقول بالأنابيب من غرب ناتونا عام 2001 وأصبحت أكبر مورّد للغاز الطبيعي في سنغافورة. وهكذا بنت شركة مرتبطة بالدولة السنغافورية موقعها بوصفها أكبر مورّد محلّي للطاقة في بلدها على غازٍ مصدرُه المياه الإندونيسية.
وقد حاولت إندونيسيا مرارًا استرجاع ذلك الغاز للاستخدام المحلّي. فقد أعلنت الحكومة عام 2020 أنّها لن تُجدّد عقد «الممرّ» مع سنغافورة بعد عام 2023، لتلبية الطلب في سومطرة، على نحو ما سجّله موقع «كاتاداتا» (Katadata). غير أنّ الصادرات مُدِّدت عام 2022 لخمس سنوات، وفي سبتمبر 2024 وقّعت «سيمبكورب غاز» اتّفاقًا لتوريد الغاز بالأنابيب من حقل ماكو (Mako) لنحو أحد عشر عامًا ابتداءً من 2026، على نحو ما أعلنته شركة المحاماة «كينغ آند وود ماليسونز» (King & Wood Mallesons)، ممّا يمدّ إمدادات «سيمبكورب» إلى ما بعد عام 2028. ويكشف هذا النمط عن توتّر بين المصلحة المالية القصيرة الأجل، أي عائدات التصدير ومشترٍ مضمون، ومصلحة التصنيع، أي الغاز الرخيص لمصانع سومطرة. وما دامت الأنابيب والمشترون المحلّيون غير جاهزين، فسيظلّ الغاز يتدفّق إلى حيث يوجد المشترون والأنابيب أصلًا.
والفصل التالي هو الكهرباء. ففي سبتمبر 2024، وبحسب صحيفة «ذا جاكرتا بوست» (The Jakarta Post)، كانت سنغافورة قد وافقت موافقةً مشروطة على استيراد 3.4 غيغاواط من الكهرباء المنخفضة الكربون من إندونيسيا: غيغاواطان في عام 2023 لشركات باسيفيك ميدكو سولار إنرجي (Pacific Medco Solar Energy) وأدارو سولار إنترناشونال (Adaro Solar International) وإي دي بي رينيوابلز آسيا والمحيط الهادئ (EDP Renewables APAC) وفاندا آر إي (Vanda RE) وكيبل إنرجي (Keppel Energy)، و1.4 غيغاواط في عام 2024 لاتّحادَي شركات يضمّ أحدهما توتال إنرجي (TotalEnergies) ومجموعة «آر جي إي» (RGE)، ويضمّ الآخر شل (Shell) وفينا إنرجي (Vena Energy). وقد قال تان سي لينغ (Tan See Leng)، وزير القوى العاملة السنغافوري والوزير الثاني للتجارة والصناعة، في جاكرتا في 5 سبتمبر 2024 إنّ تجارة الكهرباء العابرة للحدود ينبغي أن تكون «معادلةً رابحةً لجميع الأطراف» (a win-win proposition for all parties). وهذه العبارة جديرة بالاختبار. فالمشروعات ستستخدم الأراضي الإندونيسية وأشعّة الشمس الإندونيسية، وستُقيم الألواح والبطاريات على جزر رياو، وتُرسل الطاقة عبر كابلات بحرية إلى سنغافورة، التي تهدف إلى استيراد ما يصل إلى أربعة غيغاواط بحلول عام 2035. أمّا مَن يستأثر بالقيمة المضافة والتكنولوجيا وأرصدة الكربون، فذلك سؤال لا تُجيب عنه الوثائق العامّة.
ولأوّل مرّة، استخدمت إندونيسيا الطاقة صراحةً أداةً للضغط. ففي 11 فبراير 2025 صرّح وزير الطاقة والثروة المعدنية بهليل لاهاداليا (Bahlil Lahadalia)، بحسب ما أورده موقع «إندونيسيا بيزنس بوست» (Indonesia Business Post)، بأنّه يحجب ترخيص تصدير الكهرباء الخضراء من جزر رياو إلى سنغافورة ولن يمنحه إلّا مقابل معاملة بالمثل واضحة، مضيفًا: «لا تكتفوا بالطلب ثمّ لا تُعطونا أبدًا ما أعطيناكم إيّاه». وفي يونيو 2025 وقّع البلدان ثلاث مذكّرات تفاهم في مجال الاقتصاد الأخضر تتعلّق بتجارة الكهرباء العابرة للحدود، واحتجاز الكربون وتخزينه عبر الحدود، والمناطق الصناعية المستدامة، على نحو ما سجّلته وزارة الخارجية السنغافورية. ويُمثّل موقف بهليل تحوّلًا مهمًّا: فالكهرباء لا تُعامَل بوصفها سلعة عادية، بل بوصفها ورقة استراتيجية. ومع ذلك فإنّ المعاملة بالمثل التي طالب بها لم تُحدَّد قطّ على الملأ، ومذكّرة تخزين الكربون تعني أنّ إندونيسيا مستعدّة لتخزين الانبعاثات الصناعية السنغافورية تحت أرضها. ومن دون شروط مكتوبة بشأن التصنيع المحلّي والتسعير وملكية أرصدة الكربون، تُوشك هذه الورقة أن تُستنفَد في جولة واحدة.
سادسًا: زيت النخيل والورق وبورصة سنغافورة: مزارعُ في كاليمانتان وأرباحٌ في رافلز بليس
تمرّ أكبر قناة للاستئثار بقيمة الطبيعة الإندونيسية عبر المزارع والغابات. وتُظهر الإفصاحات المودعة لدى بورصة سنغافورة حجم ذلك. فشركة «غولدن أغري ريسورسز» (Golden Agri-Resources)، التي أُسّست عام 1996 وأُدرجت في سنغافورة منذ عام 1999 بوصفها الشركة القابضة لأعمال زيت النخيل التابعة لمجموعة «سينار ماس» (Sinar Mas)، أعلنت في بيان نتائجها لعام 2025 عن مساحة مزروعة في إندونيسيا تبلغ 531,000 هكتار بما فيها مزارع البلازما، وإيرادات قدرها 12.95 مليار دولار، وصافي ربح قدره 400 مليون دولار. وأعلنت شركة «فيرست ريسورسز» (First Resources)، المُدرَجة في البورصة ذاتها، في عرض جمعيتها العامّة السنوية لعام 2026 عن 272,616 هكتارًا في رياو وشمال سومطرة وبانغكا بليتونغ وغرب كاليمانتان وشرق كاليمانتان، وإيرادات قدرها 1.66 مليار دولار، وصافي ربح قدره 353.9 مليون دولار في عام 2025. وأعلنت شركة «بوميتاما أغري» (Bumitama Agri) في عرض نتائج النصف الأوّل من عام 2025 عن 186,000 هكتار مزروع، منها 123,000 من المزارع النواة و63,000 من مزارع البلازما، تقع كلّها تقريبًا في غرب كاليمانتان ووسطها، بصافي ربح قدره 1.27 تريليون روبية في ستّة أشهر. أمّا شركة «ويلمار إنترناشونال» (Wilmar International)، التي يقع مقرّها الرئيس في سنغافورة، فتُسجّل مساحة مزروعة تبلغ 230,951 هكتارًا ورصيدًا من الأراضي يبلغ 351,181 هكتارًا على مستوى العالم بحسب ملفّها في منصّة SPOTT، يقع معظمها في إندونيسيا، وتملك شركة «آرتشر دانيلز ميدلاند» (Archer Daniels Midland) نحو 25 في المئة منها.
وتسيطر هذه المجموعات الأربع وحدها على أكثر من 1.2 مليون هكتار، تقع كلّها تقريبًا في إندونيسيا. وتُجمَع أرباح تلك الأراضي في حسابات الشركات الأمّ المُدرَجة في سنغافورة، وتُوزَّع أرباحًا على المساهمين في بورصة سنغافورة، وتُموَّل في جانب منها من مصارف سنغافورية. وفي قطاع اللبّ والورق يتكرّر النمط ذاته. فشركة «آسيا باسيفيك ريسورسز إنترناشونال هولدينغز» (APRIL)، التي يقع مقرّها الرئيس في سنغافورة بحسب ملفّ تجميعي وتديرها مجموعة «رويال غولدن إيغل» (Royal Golden Eagle) المملوكة لسوكانتو تانوتو (Sukanto Tanoto)، تُشغّل مصنع بانغكالان كيرينتشي (Pangkalan Kerinci) في رياو عبر شركة «رياو أندالان بالب آند بيبر» (PT Riau Andalan Pulp & Paper) بطاقة تصل إلى 2.8 مليون طنّ من اللبّ سنويًّا. وتشتري شركة «آسيا بالب آند بيبر» (APP)، المسجّلة في سنغافورة ضمن مجموعة «سينار ماس»، ألياف الخشب من مورّدين في جنوب سومطرة وكاليمانتان، على نحو ما تعرضه مقالة نُشرت على موقع kba13.com في أكتوبر 2026 بعنوان «ما وراء الدخان» (Beyond the Smoke)، التي تُسجّل أنّ أربعًا من الشركات العشر التي تسلّمت إشعارات بتدابير وقائية من سنغافورة عام 2026 قد ثبت أنّها من مورّدي APP.
ومن الحقائق التي كثيرًا ما يُغفَل عنها أصلُ هذه المجموعات. فشركتا «غولدن أغري ريسورسز» وAPP تنتميان إلى «سينار ماس» التي أسّستها أسرة ويدجايا (Widjaja) في إندونيسيا. وتنتمي APRIL و«آسيان أغري» (Asian Agri) إلى «رويال غولدن إيغل» التي أسّسها سوكانتو تانوتو في ميدان. وتُسيطر على «فيرست ريسورسز» أسرة فانغ (Fang) ذات الجذور في رياو. وشارك في تأسيس «ويلمار» مارتوا سيتوروس (Martua Sitorus) من شمال سومطرة وكووك خون هونغ (Kuok Khoon Hong) من أسرة كووك الماليزية. ومن ثَمّ فإنّ كثيرًا من الاستئثار بالقيمة الذي يبدو مكسبًا سنغافوريًّا هو في حقيقته قرارُ تكتّلاتٍ إندونيسية المنشأ بأن تضع مقارّها الرئيسة وإدراجاتها وسيولتها النقدية في سنغافورة. ويصف كتاب «تصوير وجه شركة سنغافورة المتّحدة في إندونيسيا» (Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia) (2025) التوسّعَ المؤسّسي السنغافوري منذ عام 1998 بأنّه تصميم منهجي لقوّة تمزج بين الشركات والدولة؛ والأدلّة المجموعة هنا تُبيّن أنّ هذا التصميم قد نفّذه في قطاعَي زيت النخيل والورق، إلى حدّ بعيد، رأسُ مال إندونيسي اختار الولاية القضائية السنغافورية. وهذا التمييز حاسم بالنسبة إلى السياسات: فلا يسع إندونيسيا أن تُطالب سنغافورة بإعادة ما نقله الإندونيسيون أنفسهم، لكنّ في وسعها أن تُغيّر الحوافز التي تجعل سنغافورة أكثر جاذبية بوصفها موطنًا قانونيًّا.
وحين شرعت الدولة في تتبّع أسعار التصدير، ظهرت الحلقة السنغافورية إلى العيان. ففي مايو 2026، وبحسب موقع «إندونيسيا بيزنس بوست»، سمّى وزير المالية بوربايا يودهي ساديوا (Purbaya Yudhi Sadewa) شركة «ويلمار نباتي إندونيسيا» (PT Wilmar Nabati Indonesia) ومجموعة «موسيم ماس» (Musim Mas) ضمن الشركات الخاضعة للتحقيق بتهمة بيع زيت النخيل الخام لشركات تابعة في سنغافورة بأسعار منخفضة قبل إعادة بيعه بأسعار السوق، مستشهدًا بقيمة تصدير مُعلَنة قدرها 2.6 مليون دولار في مقابل 4.2 مليون دولار في سجلّات الاستيراد الأمريكية. والتحقيق ما زال جاريًا ولم يُفصَل فيه، ولذلك تتعامل معه هذه الدراسة بوصفه واقعة رسمية لم يُقضَ فيها بعد، لا بوصفه مخالفة ثابتة. وقد أدانت المحكمة العليا «ويلمار» في سبتمبر 2025 في قضية الفساد المتعلّقة بتراخيص تصدير زيت الطهي في الفترة 2021–2022، مع تعويض يبلغ نحو 11.8 تريليون روبية، على نحو ما أورده موقع «آي دي إن فاينانشالز» (IDN Financials)، وذلك بعد أن ثبت أنّ القضاة الذين برّؤوها في الدرجة الأولى قد تلقّوا رشاوى. وتُظهر القضيّتان، إحداهما محسومة والأخرى قيد التحقيق، نوعين من التسرّب: مخالفة قواعد التصدير في أثناء أزمة محلّية، وتحويل الأرباح عبر التسعير التحويلي. ويتناول كلَيهما بمزيد من التفصيل الدراسةُ المتعلّقة بالضرائب.
سابعًا: ماليزيا: المزارع، وأيدي العمّال، والمياه الحدودية
تتدفّق منافع ماليزيا من الطبيعة الإندونيسية عبر ثلاث قنوات. أولاها الأراضي الزراعية. ففي يناير 2018، وفي ندوة عُقدت في بوتراجايا (Putrajaya) غطّتها مجلّة «تمبو» (Tempo)، أظهرت البيانات المعروضة أنّ ثلاث عشرة شركة ماليزية لزيت النخيل تسيطر على الورق على نحو 1.34 مليون هكتار في إندونيسيا، وأنّ ثمانيًا منها يُعتقَد أنّها تملك مزارع في مناطق غابات. وقد شرح رئيس هيئة زيت النخيل الماليزية أحمد خصيري دين (Ahmad Khusairi Din) السببَ بصراحة: «إنّ مساحتنا المخصّصة للزراعة محدودة، ولذلك نستثمر في إندونيسيا». وتُعبّر هذه الجملة بأمانة عن منطق الظهير المُورِّد. فقد استنفدت ماليزيا احتياطياتها من الأراضي، وتُوفّر إندونيسيا امتدادًا مكانيًّا للصناعة ذاتها. وفي سبتمبر 2026 سمّت مذكّرة بحثية صادرة عن مصرف «سي آي إم بي» (CIMB)، نقلتها صحيفة «بيزنس توداي» (Business Today)، شركات «إس دي غوثري» (SD Guthrie، «سايم داربي بلانتيشن» سابقًا) و«جنتنغ بلانتيشنز» (Genting Plantations) و«كوالالمبور كيبونغ» (Kuala Lumpur Kepong) بوصفها شركات الزراعة الماليزية الأكبر انكشافًا مطلقًا في إندونيسيا، و«آي أو آي» (IOI) بوصفها أصغر انكشافًا، في حين قد يُلزِم قانون الإصلاح الزراعي الذي أقرّه البرلمان الإندونيسي في 22 سبتمبر 2026 أصحابَ حقوق الاستغلال الزراعي بتخصيص عشرين في المئة من أراضيهم لإعادة التوزيع.
والقناة الثانية هي العمالة. فمقالةٌ نُشرت على موقع kba13.com عام 2024 بعنوان «استغلال العمّال المهاجرين الإندونيسيين في المزارع الماليزية» (Eksploitasi Pekerja Migran Indonesia di Perkebunan Malaysia) تُسجّل أنّه إلى جانب نحو 4.6 مليون عامل مهاجر إندونيسي مسجّلين لدى هيئة BP2MI في مايو 2023، يُقدَّر أنّ أربعة ملايين آخرين غير موثّقين، وأنّ نحو 87 في المئة من العمّال الأجانب في مزارع نخيل الزيت الماليزية إندونيسيون. وتستشهد المقالة بتقرير صدر في أغسطس 2025 عن «ائتلاف العمّال المهاجرين ذوي السيادة» (Koalisi Buruh Migran Berdaulat) في صباح (Sabah)، وجد أنّ أقلّ من نصف العمّال لديهم عقود رسمية، وأنّ أكثر من نصفهم يتقاضون أجورًا دون الحدّ الأدنى للأجور في ماليزيا، وأنّ العمّال مضطرّون إلى شراء معدّات الحماية بأنفسهم، وأنّ النساء يتقاضين أجورًا أدنى مع أنّهنّ كثيرًا ما يُكلَّفن بمهامّ خطرة كرشّ المبيدات. وهذا هو أكثر أشكال الاستئثار بالقيمة مباشرةً: فعمل الأجساد الإندونيسية يُنتج زيت النخيل الماليزي، بينما يتحمّل العمّال مخاطر الحوادث وهشاشة الوضع القانوني والأجور المكبوتة. صحيحٌ أنّ التحويلات المالية تتدفّق إلى الوطن وتصير عملة أجنبية، لكنّ التحويلات هي ما يتبقّى من أجور مكبوتة، لا حصّة عادلة من القيمة المُنتَجة.
والقناة الثالثة هي البحر. فمقالةٌ نُشرت على موقع kba13.com عام 2025 بعنوان «الوضع الأمني البحري لإندونيسيا في ظلّ التهديدات الإقليمية» (Situasi Keamanan Maritim Indonesia di Tengah Ancaman Regional) تُلاحظ أنّ الحدود البحرية مع ماليزيا ما زالت غير محسومة في عدّة قطاعات، منها جنوب مضيق ملقا، ومضيق سنغافورة، وبحر الصين الجنوبي قرب صباح وسراواك، وبحر سولاويسي، ممّا يُتيح مجالًا لحوادث الدوريات وسرقة الأسماك. وتؤكّد البيانات الميدانية ذلك. ففي 26 مايو 2025، وبحسب وكالة «أنتارا» (ANTARA)، احتجزت سفينة دورية تابعة لوزارة الشؤون البحرية ومصائد الأسماك قاربين يرفعان العلم الماليزي يستخدمان شباك الجرّ دون ترخيص في مضيق ملقا، وكان طاقماهما من الإندونيسيين بالكامل، وقد جُنِّدوا عبر قنوات غير رسمية، وسجّلت الوزارة ثلاث سفن ماليزية من بين ثلاث عشرة سفينة صيد أجنبية احتُجزت من يناير إلى مايو 2025. ولتفصيل الطاقم أهمّيته: فالقوارب الماليزية تسرق الأسماك الإندونيسية بأيدي صيّادين إندونيسيين لم يجدوا عملًا لائقًا في وطنهم. وقد كتب عارف ساتريا (Arif Satria) عن القيادة البحرية في صحيفة «كومباس» في عامَي 2014 و2015، في مقالتين محفوظتين في الأرشيف بعنوان «القيادة البحرية» (Kepemimpinan Kelautan) و«السياسة الجديدة لمصائد الأسماك» (Politik Baru Perikanan)، مؤكّدًا أنّ السيادة في البحر تحتاج إلى مكابح من إنفاذ القانون وإلى دوّاسة تسريع من رفاه الصيّادين؛ وتُظهر واقعة عام 2025 أنّه من دون دوّاسة التسريع لا تكفي المكابح وحدها لمنع الصيّادين الإندونيسيين من العمل على قوارب الصيد غير المشروع.
وثمّة أيضًا مناطق متنازع عليها ذات قيمة من حيث الموارد. فقد كاد قطاع أمبالات (Ambalat) في بحر سولاويسي، الذي يدّعيه البلدان كلاهما، أن يُشعل مواجهات بحرية في عامَي 2005 و2009. وفي يونيو 2025 اتّفق الرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto) ورئيس الوزراء أنور إبراهيم على البدء في التنمية المشتركة. وقال برابوو، بحسب ما أورده موقع «آي إن بي بولري» (INP Polri)، إنّ أيّ موارد يُعثَر عليها ستُدار بصورة مشتركة لصالح الأمّتين، في حين قال أنور إنّ التعاون الاقتصادي يمكن أن يبدأ ويُحقّق نتائج ملموسة للشعب، مع إقراره بأنّ المسار القانوني قد يستغرق وقتًا طويلًا جدًّا. والتنمية المشتركة خيار عملي، لكنّها تعني أيضًا أنّ إندونيسيا تتقاسم عائدات منطقة تدّعيها كاملةً. وفيما يتجاوز المزارع، يحضر رأس المال الماليزي في القطاع المصرفي عبر «ماي بنك إندونيسيا» (Maybank Indonesia) و«سي آي إم بي نياغا» (CIMB Niaga)، وفي الاتّصالات عبر «أكسياتا» (Axiata) المالكة لشركة «إكس إل» (XL)، وفي الطاقة عبر «بتروناس» (Petronas)، وقد بلغ الاستثمار الماليزي نحو 4.5 مليار دولار في عام 2025 بحسب بيانات هيئة تنسيق الاستثمار (BKPM) التي جمعها موقع «إنفست إن آسيا» (Invest in Asia). وتُطالب خُطَب مهاتير محمد في كتاب «العولمة والحقائق الجديدة» (Globalisation and the New Realities) بنظام عالمي عادل للدول الصغيرة؛ والمفارقة أنّ ماليزيا تتمتّع في علاقاتها بإندونيسيا بالموقع ذاته الذي انتقده في علاقات الشمال بالجنوب.
ثامنًا: الفاعلون والشركات: مَن يحصد ماذا
يجمع الجدول أدناه الفاعلين والشركات الذين يمكن التحقّق من ضلوعهم في استغلال الموارد الإندونيسية من المصادر العامّة. ويُبيّن العمود الأخير نوع الدليل، لأنّ هذه ليست قائمةً بالمخالفات: فمعظم الكيانات تعمل وفق القانون، ولا يرتبط بقضايا قانونية إلّا قليلٌ منها. والغرض منها رسم خريطة للمواضع التي تُقيَّد فيها قيمة الطبيعة الإندونيسية، لا توجيه الاتّهام.
| القطاع | الفاعل / الشركة | الموطن القانوني / الإدراج | الضلوع في إندونيسيا | نوع الدليل |
|---|---|---|---|---|
| زيت النخيل | غولدن أغري ريسورسز (Golden Agri-Resources) (سينار ماس) | سنغافورة، بورصة سنغافورة (SGX) | 531,000 هكتار مزروع بما فيها مزارع البلازما (2025) | إفصاح لدى البورصة |
| زيت النخيل | ويلمار إنترناشونال (Wilmar International) | سنغافورة، بورصة سنغافورة | 230,951 هكتارًا مزروعًا على مستوى العالم، معظمها في إندونيسيا؛ إدانة من المحكمة العليا عام 2025 (تراخيص التصدير)؛ شركة تابعة قيد التحقيق عام 2026 | حكم قضائي؛ تحقيق رسمي |
| زيت النخيل | فيرست ريسورسز (First Resources) | سنغافورة، بورصة سنغافورة | 272,616 هكتارًا في سومطرة وكاليمانتان (2025) | إفصاح لدى البورصة |
| زيت النخيل | بوميتاما أغري (Bumitama Agri) | سنغافورة، بورصة سنغافورة | 186,000 هكتار في غرب كاليمانتان ووسطها (2025) | إفصاح لدى البورصة |
| زيت النخيل | موسيم ماس (Musim Mas) | مقرّها الرئيس في سنغافورة | قيد التحقيق بشبهة خفض قيمة الفواتير عبر شركات تابعة في سنغافورة (2026) | تحقيق رسمي |
| زيت النخيل | إندوفود أغري (Indofood Agri)، كينكانا أغري (Kencana Agri)، تي إس إتش ريسورسز (TSH Resources) | بورصة سنغافورة / بورصة ماليزيا (Bursa Malaysia) | مزارع في إندونيسيا؛ استفسرت عنها بورصة سنغافورة في أثناء أزمة الضباب الدخاني عام 2026 | إعلانات البورصة |
| زيت النخيل | إس دي غوثري (SD Guthrie)، كوالالمبور كيبونغ (Kuala Lumpur Kepong)، جنتنغ بلانتيشنز (Genting Plantations)، آي أو آي (IOI) | ماليزيا، بورصة ماليزيا | الأكبر انكشافًا على الأراضي الإندونيسية بين شركات الزراعة الماليزية | مذكّرة بحثية لمصرف CIMB عام 2026 |
| زيت النخيل | 13 شركة ماليزية منها «إف جي في» (FGV) و«تابونغ حاجي بلانتيشنز» (Tabung Haji Plantations) | ماليزيا | نحو 1.34 مليون هكتار على الورق (2018) | بيانات ندوة ماليزية رسمية |
| اللبّ والورق | APRIL / رويال غولدن إيغل (Royal Golden Eagle) | سنغافورة | مصنع بانغكالان كيرينتشي، رياو، بطاقة تصل إلى 2.8 مليون طنّ من اللبّ سنويًّا | ملفّ تعريفي بالشركة |
| اللبّ والورق | آسيا بالب آند بيبر (Asia Pulp & Paper) (سينار ماس) | مسجّلة في سنغافورة | مشترية للألياف من مورّدين تسلّموا إشعارات سنغافورية (2015، 2026) | بيانات رسمية للوكالة الوطنية للبيئة (NEA) |
| الغاز | سيمبكورب غاز (Sembcorp Gas)؛ غاز سبلاي (Gas Supply Pte Ltd) | سنغافورة | مشترون للغاز المنقول بالأنابيب من غرب ناتونا و«الممرّ»؛ عقد ماكو من 2026 إلى نحو 2037 | بيانات SKK Migas؛ إعلانات الشركات |
| الغاز | ميدكو (Medco)، كونوكو فيليبس (ConocoPhillips)، بتروتشاينا (PetroChina)، بريمير أويل (Premier Oil)، ستار إنرجي (Star Energy)، ويست ناتونا إكسبلوريشن (West Natuna Exploration) | إندونيسية وأجنبية | بائعون للغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة | بيانات SKK Migas |
| الكهرباء | باسيفيك ميدكو سولار (Pacific Medco Solar)، أدارو سولار إنترناشونال (Adaro Solar International)، إي دي بي رينيوابلز آسيا والمحيط الهادئ (EDP Renewables APAC)، فاندا آر إي (Vanda RE)، كيبل إنرجي (Keppel Energy)، توتال إنرجي–آر جي إي (TotalEnergies–RGE)، شل–فينا إنرجي (Shell–Vena Energy) | مختلطة | موافقة مشروطة على تصدير 3.4 غيغاواط إلى سنغافورة | تصريح وزاري سنغافوري |
| الكهرباء | كيبل إلكتريك (Keppel Electric)، سيمبكورب إندستريز (Sembcorp Industries)، سنغافورة إنرجي إنتركونكشنز (Singapore Energy Interconnections) | سنغافورة | مذكّرات تفاهم مع «دانانتارا» (Danantara) لمشروعات الطاقة العابرة للحدود (يوليو 2026) | خطاب رئيس وزراء سنغافورة |
| الرمال | الحكومة السنغافورية ومقاولو الردم؛ المُعدِّنون والمهرّبون في رياو | سنغافورة وإندونيسيا | نحو 90% من رمال سنغافورة جاءت من إندونيسيا قبل عام 2007 | البوّابة الحكومية السنغافورية |
| مصائد الأسماك | مُلّاك السفن التي ترفع العلم الماليزي | ماليزيا | الصيد بشباك الجرّ دون ترخيص في مضيق ملقا | بيانات الاحتجاز الصادرة عن وزارة الشؤون البحرية ومصائد الأسماك (KKP) |
| العمالة | المزارع الماليزية، بما فيها مزارع صباح | ماليزيا | نحو 87% من العمّال الأجانب في المزارع إندونيسيون | تقارير منظّمات غير حكومية وهيئة BP2MI |
| المال والاتّصالات | تيماسيك (Temasek)، جي آي سي (GIC)، دي بي إس (DBS)، أو سي بي سي (OCBC) (OCBC NISP)، يو أو بي (UOB)، سينغتل (Singtel) (Telkomsel)؛ ماي بنك (Maybank)، سي آي إم بي نياغا (CIMB Niaga)، أكسياتا (Axiata) (XL) | سنغافورة؛ ماليزيا | التمويل والملكية في القطاعات الاستراتيجية | مقالة على موقع kba13.com؛ بيانات عامّة |
ويكشف الجدول عن ثلاث طبقات. تتألّف الأولى من مجموعات ليست إندونيسية من الناحية القانونية لكنّها إندونيسية المنشأ تاريخيًّا، وهي التي تملك أكبر قدر من الأراضي. وتتألّف الثانية من شركات مرتبطة بالدولة السنغافورية، مثل «سيمبكورب» و«كيبل» و«تيماسيك»، وهي تُمسك بقطاعات الطاقة والبنية التحتية والمال. وتتألّف الثالثة من شركات ماليزية حاضرة أساسًا في الأراضي والمصارف والاتّصالات. والطبقة الأولى هي الأهمّ في الاستئثار بالقيمة الطبيعية، وهي الأكثر قابلية للتأثّر بالسياسة الإندونيسية ذاتها.
تاسعًا: ما قاله القادة: قراءة في تصريحات رؤساء الوزراء والوزراء
تُشكّل تصريحات قادة سنغافورة بشأن إندونيسيا نمطًا متّسقًا: إقرارٌ بالاعتماد، مُغلَّفٌ بلغة الشراكة، ومقاومةٌ لأيّ محاولة إندونيسية لتحويل ذلك الاعتماد إلى أداة ضغط. ويبدأ هذا النمط بواقعة كثيرًا ما يُستشهَد بها. ففي 4 أغسطس 1998 نقلت صحيفة «إيجيان وول ستريت جورنال» (Asian Wall Street Journal) أنّ الرئيس بحر الدين يوسف حبيبي (B.J. Habibie) أشار إلى خريطة وقال إنّ النقطة الحمراء هي سنغافورة، على نحو ما يُسجّله تاريخ عبارة «النقطة الحمراء الصغيرة». وفي 23 أغسطس 1998، في خطابه السنوي بمناسبة اليوم الوطني، قال رئيس الوزراء غوه تشوك تونغ (Goh Chok Tong) إنّ سنغافورة ستساعد إندونيسيا «في حدود قدرتنا» (within the limits of our ability)، وتساءل أين هي القدرة على مساعدة 211 مليون نسمة. وفي 3 مايو 2003 وصف نائب رئيس الوزراء لي هسين لونغ (Lee Hsien Loong) ملاحظة حبيبي بأنّها تذكير ثمين بأنّ سنغافورة صغيرة وهشّة، وقال إنّ النقطة الحمراء الصغيرة قد تغلغلت في وجدان كلّ سنغافوري. وإذا قُرئت هذه الملاحظات الثلاث معًا، فإنّها تشرح منطق السياسة السنغافورية تجاه الموارد الإندونيسية: فالهشاشة تُصاغ هويّةً وطنية، وهذه الهويّة تُسوّغ تأمين الإمدادات من جارٍ كبير بكلّ وسيلة مشروعة، من العقود الطويلة الأجل إلى التنويع.
وفي شأن الرمال، تُظهر بيانات وزارة الخارجية السنغافورية في فبراير ومارس 2007، التي نوقشت في القسم الرابع، الوجهَ الآخر لذلك المنطق. فقد اعترضت سنغافورة بشدّة حين ربط المسؤولون الإندونيسيون حظر التصدير بمفاوضات الحدود وتسليم المطلوبين، بحجّة أنّ اتّفاق القادة عام 2005 ربط معاهدة تسليم المطلوبين باتّفاق للتعاون الدفاعي، لا بالرمال. ويُظهر هذا الردّ أنّ سنغافورة تقبل ربط القضايا بعضها ببعض حين تكون هي مَن يُحدّد الحزمة، وترفضه حين تكون إندونيسيا مَن يُقيم الربط. وفي عام 2019 أعلنت وزارة التنمية الوطنية أنّ على المورّدين الحصول على الرمال من مناطق مسموح بها قانونًا، وهو تصريح يضع عبء الرقابة على بلدان المصدر. وفي شأن الضباب الدخاني، قال وزير البيئة والموارد المائية فيفيان بالاكريشنان (Vivian Balakrishnan)، حين وجّه إشعارات إلى أربع شركات إندونيسية وطلب معلومات من شركة APP المُدرَجة في سنغافورة في 25 سبتمبر 2015، في بيان صحفي رسمي، إنّ الضباب الدخاني «مشكلة من صنع الإنسان لا ينبغي التسامح معها» (a man-made problem that should not be tolerated)، وإنّ على الشركات المخالفة أن تعلم أنّ ثمّة ثمنًا يجب أن تدفعه. وقد جاء التصريح حازمًا تجاه الشركات، لكنّه لم يتوقّف عند حقيقة أنّ الشركة الأمّ التي تشتري الألياف من تلك الامتيازات مسجّلة في سنغافورة.
وفي مجال الطاقة، تتحوّل النبرة السنغافورية إلى لغة المنفعة المتبادلة. فقد قال تان سي لينغ في سبتمبر 2024 إنّ تجارة الكهرباء ينبغي أن تكون معادلةً رابحةً لجميع الأطراف. وفي 16 يونيو 2025 جاء في بيان خلوة القادة الذي أصدرته وزارة الخارجية السنغافورية أنّ مذكّرات الاقتصاد الأخضر ستُسهم في «إطلاق الإمكانات الخضراء الهائلة في المنطقة» (unlock the enormous green potential in the region)، وسجّل البيان استثمارًا سنغافوريًّا مباشرًا في إندونيسيا قدره 20.1 مليار دولار في عام 2024. وفي 6 يوليو 2026 في جاكرتا، قال رئيس الوزراء لورانس وونغ (Lawrence Wong) في المؤتمر الصحفي المشترك إنّ «سنغافورة تثق ثقةً تامّة بمستقبل إندونيسيا» (Singapore has every confidence in Indonesia’s future)، وإنّ سنغافورة تريد لإندونيسيا أن تنجح «لأنّ مستقبلَينا مترابطان ترابطًا وثيقًا» (because our futures are closely linked)، معلنًا في الوقت ذاته عن مذكّرات تفاهم بين «دانانتارا» وكلٍّ من «كيبل إلكتريك» و«سيمبكورب إندستريز» و«سنغافورة إنرجي إنتركونكشنز»، وعن مشروع مشترك للطاقة الشمسية في موروالي (Morowali). وعبارة وونغ صادقة بمعنًى ما: فمستقبل سنغافورة مرتبط فعلًا بإندونيسيا، ولا سيّما في مجال الطاقة. والسؤال المطروح على إندونيسيا هو ما إذا كان هذا الترابط سيُترجَم إلى تقاسم متكافئ للقيمة أم إلى مجرّد أمن إمدادات لسنغافورة.
ويتحدّث قادة ماليزيا بنبرة مختلفة. فقد أقرّ أحمد خصيري دين عام 2018 بأنّ الاستثمار في إندونيسيا مدفوع بشحّ الأراضي في ماليزيا. وشدّد أنور إبراهيم عام 2025 على أنّ التعاون الاقتصادي في أمبالات يمكن أن يبدأ وإن كان المسار القانوني سيطول. وفي أكتوبر 2026، حين غطّى دخان الحرائق الإندونيسية شبه الجزيرة، أعلن مجلس الوزراء الماليزي أنّه لا توجد شركة زراعية ماليزية ضالعة في الإحراق في إندونيسيا، على نحو ما تُسجّله مقالة «ما وراء الدخان» المنشورة على موقع kba13.com، التي ترى أنّ الأَولى قراءة هذا الادّعاء بوصفه تصريحًا بأنّ الوزارات الماليزية لم ترصد إحراقًا في الامتيازات المملوكة لماليزيين، وفق منهجية لم تُنشَر. وتُظهر التصريحات الثلاثة النمط الماليزي: إقرار براغماتي بالمصلحة الاقتصادية، مقرون بالدفاع عن الشركات الوطنية حين تكون السمعة على المحكّ. وقد قدّم كتاب نجيب رزاق «عولمة ماليزيا» (Globalising Malaysia) (2006) العولمةَ بوصفها طريق ماليزيا إلى مصافّ الدول المتقدّمة؛ والتوسّع الزراعي في إندونيسيا شكل ملموس من أشكال تلك الاستراتيجية.
وعلى الجانب الإندونيسي، مالت التصريحات الرسمية إلى أن تكون ردود أفعال غير متّسقة. ففي عام 2007 قدّم المسؤولون الإندونيسيون أسبابًا متباينة لحظر الرمال. وفي عام 2023 أعادت الحكومة فتح باب تصدير الرمال، وفي عام 2025 أغلقته محكمة. وفي فبراير 2025 طالب بهليل لاهاداليا بالمعاملة بالمثل في صادرات الكهرباء لكنّه لم يُحدّد مضمونها. وفي عام 2026 سمّى بوربايا يودهي ساديوا شركاتٍ يُشتبَه في تحويلها الأرباح عبر سنغافورة. والنمط هنا سياسةٌ تنتقل من واقعة إلى أخرى دون استراتيجية متكاملة للموارد. فسنغافورة تتكلّم بصوت واحد لأنّ لها غاية واحدة، هي أمن الإمدادات؛ أمّا إندونيسيا فتتكلّم بأصوات كثيرة لأنّ غاياتها، من عائدات التصدير والتصنيع والبيئة والدبلوماسية، لم تُرتَّب قطّ في سلّم أولويات واحد.
عاشرًا: لماذا تصير إندونيسيا هي الحقل: خمسة تفسيرات بنيوية
تنبثق من الأدلّة خمسة تفسيرات بنيوية. أوّلها الجغرافيا. فجزر رياو تقع على مسافة تقلّ عن عشرين كيلومترًا من سنغافورة، وتُتاخم كاليمانتان وسومطرة ماليزيا مباشرة. ويجعل القربُ الرمالَ والغاز والكهرباء والعمالة الإندونيسية الخيارَ الأرخص لجيرانها، ويجعل وقف التهريب أمرًا عسيرًا. والثاني اختلال التوازن المؤسّسي. فسنغافورة توفّر اليقين القانوني، ومحاكم يمكن التنبّؤ بأحكامها، ومصارف قويّة، وبورصة ذات سيولة، فتختار التكتّلات التي تحصل على الأراضي والتراخيص في إندونيسيا أن تُقيّد أرباحها وتحفظ ثرواتها هناك. وتُلاحظ المقالة المنشورة على موقع kba13.com عن هيمنة الشركات السنغافورية أنّ سنغافورة هي أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي في إندونيسيا منذ عام 2013؛ وجزء من ذلك الاستثمار هو رأس مال إندونيسي يعود تحت لافتة سنغافورية، على نحو ما أقرّ به رئيس هيئة الاستثمار توماس ليمبونغ (Thomas Lembong) عام 2018، وعلى نحو ما نوقش في الدراسة السابقة «سنغافورة في إندونيسيا».
والتفسير الثالث هو موقع الحلقات العالية القيمة. فالمزارع والمناجم والبحار في إندونيسيا، لكنّ التجارة وتحديد الأسعار والتمويل والتأمين في سنغافورة. وتُلاحظ مقالة «سنغافورة في مضيق ملقا» (Singapura di Selat Melaka) أنّ ميناء سنغافورة تعامل مع نحو 44.66 مليون حاوية نمطية (TEU) في عام 2025 ويؤدّي دور مركز التجميع وإعادة التوزيع، في حين تسيطر إندونيسيا وماليزيا على معظم مياه المضيق دون أن تصيرا مركزَي توزيع. والمنطق ذاته ينطبق على السلع: فمَن يتحكّم في نقطة التجميع يتحكّم في الهامش. والتفسير الرابع هو حوكمة إندونيسيا ذاتها. فحظر الرمال الذي لا يُنفَّذ، وتراخيص المزارع في مناطق الغابات، والأسطول الهزيل من سفن الدورية، وعقود الغاز التي تُمدَّد لأنّ البنية التحتية المحلّية لم تكن جاهزة، والعمّال الذين يغادرون عبر قنوات غير رسمية، كلّها إخفاقات للدولة الإندونيسية لا تدبيرات لجيرانها. والتفسير الخامس هو مصلحة النُّخَب. إذ ترى المقالة المتعلّقة بهيمنة الشركات السنغافورية أنّ بعض النُّخَب السياسية والبيروقراطية ونُخَب الأعمال أفسحت لرأس المال السنغافوري مجالًا واسعًا مقابل عمولات أو حصص أو مناصب. ويصعب التحقّق من هذا الادّعاء على نحو منهجي، لكنّ قضية «ويلمار»، التي ثبت فيها أنّ القضاة الذين برّؤوا الشركة قد تلقّوا رشاوى، تُبيّن أنّ حماية مصالح الشركات قد تخترق محاكم إندونيسيا.
وتُجيب التفسيرات الخمسة مجتمعةً عن السؤال: لماذا تصير إندونيسيا دائمًا هي الحقل؟ إنّ جيران إندونيسيا لا يحتاجون إلى مؤامرة؛ يكفيهم أن يُوفّروا مؤسّسات أكثر جاذبية عند النقاط الحاسمة، فتنقل نُخَب إندونيسيا وتكتّلاتها القيمةَ إليها من تلقاء نفسها. ولا يُبرّئ هذا الاستنتاج سنغافورة وماليزيا. فقد بنت سنغافورة نظامًا يجني الأرباح من أنشطة تجري في ولايات قضائية أخرى، وكثيرًا ما يترك الرقابة لبلدان المصدر؛ وتجني ماليزيا عمالة رخيصة تعيش في وضع قانوني هشّ. غير أنّ أعظم رافعة للتغيير تكمن في جاكرتا.
حادي عشر: أقوى الحجج المضادّة والردّ عليها
ثمّة ثلاث حجج مضادّة تستحقّ الردّ. ترى الأولى أنّ هذا كلّه تجارة عادية: فإندونيسيا تبيع الرمال والغاز والكهرباء بأسعار متّفق عليها، والشركات تختار موطنها القانوني وفق القانون، والعمّال المهاجرون يغادرون طوعًا، فلا شيء يُؤخَذ بلا مقابل. وترى الثانية أنّ الاستثمار السنغافوري والماليزي يجلب رأس المال وفرص العمل والتكنولوجيا التي لا تستطيع إندونيسيا توفيرها بنفسها، وأنّ سنغافورة هي أكبر مستثمر أجنبي بمبلغ 20.1 مليار دولار في عام 2024. وترى الثالثة أنّ لوم الجيران نزعة قومية تصرف الأنظار عن إخفاقات الحوكمة الداخلية.
وفي ما يخصّ الأولى، تُوافق الدراسة على أنّ معظم هذه التدفّقات مشروعة، لكنّ المشروعية ليست هي التكافؤ. فالجزر الضائعة في رياو لا تنعكس في سعر الرمال، وعقود الغاز الطويلة الأجل تُقيّد خيارات إندونيسيا الصناعية، وأجور المهاجرين التي تقلّ عن الحدّ الأدنى الماليزي ليست تبادلًا طوعيًّا بأيّ معنى ذي دلالة. وفي ما يخصّ الثانية، تُقرّ الدراسة بمنافع الاستثمار، لكنّها تُلاحظ أنّ جزءًا من الاستثمار السنغافوري هو رأس مال إندونيسي عائد، وأنّ أكبر أرباح زيت النخيل والورق تُقيَّد خارج إندونيسيا. وفي ما يخصّ الثالثة، فإنّ الدراسة تضع في الواقع إخفاق الحوكمة الإندونيسية في صميم تفسيرها، على نحو ما يعرضه القسم العاشر؛ وما ترفضه هو الاستنتاج القائل بأنّه ما دام الخلل في الداخل، فلا حاجة إلى تحليل البنية الإقليمية التي تستغلّه.
ومن شأن أدلّة بعينها أن تُغيّر هذه الأحكام. فلو أظهرت بيانات الربح لكلّ هكتار أنّ المجموعات المُدرَجة في سنغافورة تدفع ضرائب في إندونيسيا على قدم المساواة مع المجموعات المحلّية المماثلة، لوجب تليين الحكم المتعلّق بالاستئثار بالقيمة عبر الموطن القانوني. ولو أُنشئت مشروعات تصدير الكهرباء بمكوّن محلّي مرتفع وتقسيم عادل لأرصدة الكربون، لخفّ القلق من نمط الظهير المُورِّد في قطاع الطاقة. ولو تحسّنت حماية العمّال المهاجرين الإندونيسيين في ماليزيا تحسّنًا قابلًا للقياس، لوجبت مراجعة الحكم المتعلّق بقناة العمالة.
ثاني عشر: سيناريوهات حتى عام 2030، والمؤشّرات، والتوصيات
يمكن التمييز بين ثلاثة سيناريوهات حتى عام 2030، باحتمالات تُمثّل تقدير الكاتب. في الأوّل، يستمرّ وضع الظهير المُورِّد، باحتمال يبلغ نحو 50 في المئة: تمضي صادرات الغاز والكهرباء بشروط فضفاضة، وتبقى مجموعات زيت النخيل والورق متّخذةً سنغافورة موطنًا قانونيًّا، وتنتهي تحقيقات التسعير التحويلي بأحكام قليلة. وفي الثاني، تُستعاد القيمة، باحتمال يبلغ نحو 30 في المئة: تستخدم إندونيسيا صادرات الكهرباء والغاز وتراخيص المزارع روافعَ لإعادة التصنيع والتجارة والإدراج إلى الداخل، مدعومةً ببيانات متكاملة عن أسعار التصدير. وفي الثالث، قومية الموارد الانفعالية، باحتمال يبلغ نحو 20 في المئة: تُغلق الحكومة باب الصادرات وتضغط على المستثمرين على نحو مفاجئ دون بناء القدرات المحلّية، فيرحل رأس المال ولا تعود القيمة.
وستُبيّن ستّة مؤشّرات أيّ السيناريوهات يتحقّق: شروط المكوّن المحلّي وأرصدة الكربون في تراخيص تصدير الكهرباء؛ وتجديد عقود الغاز مع سنغافورة بعد عام 2028 أو إنهاؤها؛ والمآل القانوني لتحقيقات أسعار تصدير زيت النخيل لعام 2026؛ وأيّ انتقال لمقارّ مجموعات زيت النخيل أو إدراجاتها إلى بورصة إندونيسيا؛ وتطبيق حدود حيازة الأراضي بموجب قانون الإصلاح الزراعي؛ وعدد العمّال المهاجرين الإندونيسيين في ماليزيا الموثّقين الذين يتقاضون الحدّ الأدنى للأجور.
وتأتي التوصيات بحسب الفاعلين. فعلى الحكومة أن تعتمد استراتيجية للموارد تضع سلّم أولويات واضحًا بين عائدات التصدير والتصنيع والبيئة، ثمّ تستخدم صادرات الكهرباء أداةَ ضغط مكتوبة: التزامات بتصنيع الألواح والبطاريات في إندونيسيا، وأسعار مربوطة بالسوق السنغافورية، وتقاسم شفّاف لأرصدة الكربون. وعليها كذلك أن تبني قاعدة بيانات لأسعار التصدير تُقارن كلّ شحنة بسجلّات الاستيراد في بلد المقصد، كما شرعت في ذلك عام 2026، وأن تُنفِذ حظر رمال البحر في البحر بأسطول كافٍ من سفن الدورية. وعلى البرلمان أن يضمن أن تتضمّن اللوائح التنفيذية للإصلاح الزراعي حدودًا لحيازة الأراضي تأخذ في الحسبان الشركات التابعة العابرة للحدود. وعلى شركات الطاقة المملوكة للدولة أن تُعطي الأولوية للأنابيب والمشترين المحلّيين حتى لا يُصدَّر الغاز لانعدام الطلب المحلّي. وعلى وزارة القوى العاملة وهيئة BP2MI أن تُعيدا التفاوض على حماية عمّال المزارع في ماليزيا بمعايير قابلة للتدقيق في شأن الأجور والعقود والوثائق. وعلى المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية أن تواصل رسم خرائط سلاسل الملكية والإمداد، لأنّه من دون خريطة ستظلّ السياسات ردودَ أفعال على الوقائع.
ثالث عشر: حدود الدراسة
للدراسة حدود عدّة. فبيانات الأراضي مأخوذة من وثائق شركات ذات تعريفات غير متّسقة، كأن تشمل مزارع البلازما أو تستبعدها، فتكون المجاميع بين المجموعات إرشادية. ورقم أراضي الشركات الماليزية يعود إلى عام 2018 ويحتاج إلى تحديث. وأرقام الجزر الضائعة وقيمة تهريب الرمال مأخوذة من تقارير مُجمَّعة لا من مسوح رسمية. ولم تحصل الدراسة على بيانات عن الضرائب التي تدفعها كلّ مجموعة في إندونيسيا، فحُكمُها المتعلّق بالاستئثار بالقيمة عبر الموطن القانوني يستند إلى البنية لا إلى أرقام الضرائب. ولم يُفصَل بعدُ في تحقيقات أسعار التصدير لعام 2026. والسيناريوهات أحكام تقديرية، لا تنبّؤات.
رابع عشر: الخاتمة: نقل البيدر إلى الحقل
تصف المصادر المجموعة هنا بنيةً واحدة. فقد بنت سنغافورة أرضها برمال رياو، وتُوقِد محطّات توليدها بغاز ناتونا وسومطرة، وتستعدّ لاستيراد الكهرباء من جزر إندونيسية، وتؤدّي دور مقرّ الإدراج لمجموعات تسيطر على أكثر من مليون هكتار من المزارع الإندونيسية. وتمدّ ماليزيا صناعة زيت النخيل لديها إلى كاليمانتان وسومطرة، وتجني محاصيل مزارعها بأيدٍ إندونيسية، وتتقاسم مياهًا حدودية ما زالت تتسرّب منها الثروة. وتُقرّ تصريحات قادة البلدين بهذا الترابط بلغة الشراكة، وتقاومه حين تتعامل معه إندونيسيا بوصفه أداة ضغط.
غير أنّ هذه البنية لم يبنِها الجيران وحدهم. فقيمة الطبيعة الإندونيسية تنتقل عبر المضيق أساسًا لأنّ التكتّلات الإندونيسية تختار الولاية القضائية السنغافورية، ولأنّ الدولة لا تُنفِذ ما تفرضه هي من حظر، ولأنّ سياسة الموارد تنتقل من واقعة إلى أخرى. والجواب ليس إغلاق الحدود، بل إعادة الحلقات العالية القيمة إلى الداخل: التجارة، والتصنيع، والتمويل، والإدراج، وتحديد الأسعار. وما دام البيدر قائمًا على الضفّة الأخرى من المضيق، فستظلّ إندونيسيا هي الحقل. ومهمّة السياسات أن تبني البيدر في حقلها هي.
المراجع والمصادر
- Government of Singapore, SG101: Sand: case study on land reclamation and sand imports
- Ministry of Foreign Affairs Singapore (2007): MFA Spokesman’s Comments on Indonesia’s Concreting Sand Ban, 19 February 2007
- Ministry of Foreign Affairs Singapore (2007): MFA Spokesman’s Comments on Minister Freddy Numberi’s Remarks, 4 March 2007
- Ministry of Foreign Affairs Singapore (2025): Singapore-Indonesia Leaders’ Retreat, 16 June 2025
- Prime Minister’s Office Singapore (2026): PM Lawrence Wong at the Singapore-Indonesia Leaders’ Retreat Joint Press Conference, July 2026
- National Archives of Singapore (2015): Singapore sends notices to four Indonesian companies and seeks information from Singapore-listed APP
- Golden Agri-Resources (2026): FY2025 Media Release (SGX)
- First Resources (2026): AGM Presentation 2026 (SGX)
- Bumitama Agri (2025): 1H2025 Results Presentation (SGX)
- Sembcorp Industries: Journey in Indonesia
- ZSL SPOTT: Wilmar International Ltd: palm oil assessment
- Wikipedia (compiled sources): Sand smuggling in Southeast Asia
- Wikipedia (compiled sources): Little red dot
- Wikipedia (compiled sources): Asia Pacific Resources International Holdings
- King & Wood Mallesons (2024): KWM Advises Sembcorp on New Cross-Border Gas Sales Agreement
- Invest in Asia: Malaysian Investment in Indonesia
- The Conversation via Coastal Care (2025): Ban on exports of sea sand, that destroyed dozens of Indonesian islands, is being lifted
- Bisnis.com (2025): MA Batalkan Aturan Ekspor Pasir Laut, Menteri KKP Bilang Begini
- detikFinance (2021): Singapura Bisa Gelap Gegara Kekurangan Gas RI, Seberapa Gede Ekspornya?
- Katadata Insights (2020): Four Gas Export Contracts to Expire Until 2028
- The Jakarta Post (2024): Singapore OKs importing 1.4 GW more solar power from RI
- Indonesia Business Post (2025): RI holds back green electricity exports to S’pore, demands reciprocity
- Indonesia Business Post (2026): Indonesia probes palm oil export under-invoicing as DSI takes shape
- IDN Financials (2025): MA convicts Wilmar and orders IDR 11.8 trillion compensation
- Tempo English (2018): The Neighbor in Our Forests
- Business Today Malaysia (2026): SD Guthrie, KLK, Genting Face Regulatory Uncertainty From Indonesia’s New Land Reform Law
- ANTARA (2025): KKP tangkap 2 kapal Malaysia diduga curi ikan di Selat Malaka
- INP Polri (2025): President Prabowo, PM Anwar agree on joint development in disputed Ambalat border region
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia (2025)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Mahathir Mohamad — Globalisation and the New Realities (Pelanduk, 2002)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Mohd Najib Abdul Razak — Globalising Malaysia (2006)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Arif Satria — Kepemimpinan Kelautan (Kompas, 2014)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Arif Satria — Politik Baru Perikanan (Kompas, 2015)
- KBA13 Insight (2025): Dominasi Perusahaan Singapura di Ekonomi Indonesia
- KBA13 Insight (2024): Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN
- KBA13 Insight (2024): Eksploitasi Pekerja Migran Indonesia di Perkebunan Malaysia
- KBA13 Insight (2025): Situasi Keamanan Maritim Indonesia di Tengah Ancaman Regional
- KBA13 Insight (2026): Singapura di Selat Melaka: Konsentrasi Fungsi, Asimetri Kekuasaan, dan Risiko Eskalasi Kawasan
- KBA13 Insight (2026): Beyond the Smoke: Indonesia’s 2026 Fires, Singapore- and Malaysia-Linked Corporate Networks
- KBA13 Academy Research Center (2026): Singapura di Indonesia: Kedaulatan Ekonomi
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). الحقلُ هنا والبيدرُ هناك: جغرافيا الموارد السياسية وكيف تستأثر ماليزيا وسنغافورة بقيمة الطبيعة الإندونيسية. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com



