تحتلّ هذه الدولة-المدينة الصغيرة اليوم المرتبةَ السادسة عشرة عالميًّا في مؤشر نيتشر (Nature Index)، وتضع اثنتين من جامعاتها بين أفضل ثلاثين جامعةً في العالم، وقد رصدت 37 مليار دولار سنغافوري للبحث حتى عام 2030. ويتتبّع هذا التقرير قواعدَ بياناتها ومؤسساتها وعلماءها، ثم يسأل: ماذا يعني ذلك لإندونيسيا، البلدِ الذي يُدرَس أكثر ممّا يَدرُس؟
الملخّص
يرسم هذا التقرير خريطةَ منظومة إنتاج المعرفة في سنغافورة عبر قواعد بياناتٍ قابلةٍ للتحقّق: قوائم كلاريفيت (Clarivate) للباحثين الأكثر استشهادًا (Highly Cited Researchers) للأعوام 2023–2025، وتصنيف QS العالمي للجامعات 2027، وتصنيف تايمز للتعليم العالي (THE) العالمي للجامعات 2027، والتصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (ARWU)، ومؤشر نيتشر للمدّة 2025–2026، إلى جانب الوثائق الرسمية لتمويل خطتَي RIE2025 وRIE2030. وتكشف النتائج عن دولةٍ-مدينةٍ استثمرت باتّساقٍ نحو واحدٍ في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث العام، ورفعت التزامها إلى 37 مليار دولار سنغافوري للمدّة 2026–2030، وتركّز تميّزها في الهندسة والمواد والكيمياء والذكاء الاصطناعي والطب الحيوي. وعلى صعيد العلوم الاجتماعية، تعمل منظومةٌ من مراكز الفكر، كمعهد إيسياس–يوسف إسحاق (ISEAS–Yusof Ishak Institute) وكلية س. راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS) ومعهد دراسات السياسات (IPS) ومعهد شرق آسيا (EAI) ومعهد أبحاث آسيا (ARI) ومعهد الشرق الأوسط (MEI)، عقدةً بين الأكاديميا والدولة، وفق نمطٍ من الباب الدوّار يربط الدبلوماسيين والبيروقراطيين والضباط العسكريين والمثقفين. ثم يرسم التقرير ملامحَ كبار العلماء استنادًا إلى علاماتٍ قابلةٍ للتحقّق، ويحلّل اتجاه أبحاثهم، ولا سيّما في الشأن الإندونيسي، ويقارنه بموقع إندونيسيا: إنفاقٌ على البحث والتطوير يقارب 0.28 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وحصّةٌ في مؤشر نيتشر قدرها 50.06 في مقابل 914.78، وأفضلُ جامعةٍ في المرتبة 191 في تصنيف QS. ويُختتم التقرير بأربعة سيناريوهاتٍ لميزان المعرفة حتى عام 2030، وبتوصياتٍ إلى وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا (Kemdiktisaintek)، والوكالة الوطنية للبحث والابتكار (BRIN)، وصندوق إدارة المنح التعليمية (LPDP)، ووزارة الشؤون الدينية، والجامعات، بما فيها شبكة الجامعات الإسلامية الحكومية (UIN).
الأطروحة
لا يكمن تفوّق سنغافورة في عدد علمائها، بل في اتّساق تمويلها، وتركّزها المؤسسي، والقرب المُدار بين مراكز فكرها والدولة؛ وما دامت إندونيسيا موضوعًا للدراسة من غير أن تبني القدرة على الدراسة المقابلة، فإنّ لاتماثلَ المعرفة سيغدو لاتماثلًا في القوة.
البيانات والمصادر
قوائم كلاريفيت للباحثين الأكثر استشهادًا 2023–2025، وتصنيف QS 2027، وتصنيف THE 2027، وتصنيف ARWU، ومؤشر نيتشر 2025–2026، ووثائق مؤسسة البحث الوطنية (NRF) ومجلس التنمية الاقتصادية (EDB) ومكتب رئيس الوزراء، والملامح الرسمية للمؤسسات والعلماء، ومقتنيات الأرشيف الرقمي.
الإطار التحليلي
علم اجتماع المعرفة، وعلاقات المعرفة بالسلطة، ونقد سيد حسين العطاس لـ«العقل الأسير» (captive mind).
الاستشراف
أربعة سيناريوهاتٍ لميزان المعرفة بين إندونيسيا وسنغافورة حتى عام 2030.
الكلمات المفتاحية: سنغافورة؛ منظومة المعرفة؛ جامعة سنغافورة الوطنية (NUS)؛ جامعة نانيانغ التكنولوجية (NTU)؛ الباحثون الأكثر استشهادًا؛ مؤشر نيتشر؛ RIE2030؛ معهد إيسياس؛ كلية س. راجاراتنام؛ مراكز الفكر؛ الوكالة الوطنية للبحث والابتكار؛ لاتماثل المعرفة
أولًا: مقدّمة: حين يغدو الجارُ الصغير مصنعًا للمعرفة
كشف شهرُ أكتوبر 2026 عن مبلغ الهشاشة التي تعتري العلاقات بين إندونيسيا وسنغافورة حين تتزاحم عليها ثلاثُ مشكلاتٍ في آنٍ واحد: إشعاراتُ التدابير الوقائية بشأن الضباب الدخاني الموجَّهة إلى شركاتٍ مرتبطةٍ بإندونيسيا، وخطةُ مؤسسة MSCI لخفض تصنيف سوق رأس المال الإندونيسية، وتقليصُ إمدادات الغاز عبر الأنابيب إلى سنغافورة. فقد سجّل تقريرٌ لموقع ماذرشيب (Mothership) في 16 أكتوبر 2026 بعنوان «Grace Fu: Preventive measures notice to 7 Indonesian companies» أنّ وزيرة الاستدامة والبيئة غريس فو (Grace Fu) أعلنت توجيه إشعاراتٍ إلى سبع شركاتٍ في إندونيسيا بموجب قانون التلوّث بالضباب العابر للحدود (Transboundary Haze Pollution Act) الصادر عام 2014، في حين نقلت صحيفة ذا ستار (The Star) في تقريرها المؤرَّخ في 21 أكتوبر 2026 بعنوان «Prabowo vows Indonesia will not be ‘frightened’ by MSCI» عن الرئيس برابوو سوبيانتو قوله إنّ إندونيسيا لا تخشى أحدًا. ووراء هذه التوتّرات الدبلوماسية والسوقية طبقةٌ قلّما يُلتفت إليها، هي التفاوت في إنتاج المعرفة؛ إذ كثيرًا ما يكون التحليلُ الذي تسارع وسائل الإعلام الدولية إلى الاستشهاد به عن إندونيسيا عند اندلاع أيّ أزمةٍ تحليلًا وُلد في سنغافورة: في معهد إيسياس–يوسف إسحاق (ISEAS–Yusof Ishak Institute)، أو في كلية س. راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS)، أو بين علماء جامعة سنغافورة الوطنية (NUS). وقد قرأت مقالةٌ نشرتها منصة KBA13 Insight في 25 أكتوبر 2026 بعنوان «Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia» (مستقبل المواجهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا) هذه الصواعقَ الثلاث من زاوية التصعيد الاستراتيجي؛ أمّا هذا التقرير فيتّخذ زاويةً أخرى، هي السؤال عمّن يملك القدرة على تأويل وقائع المنطقة وقياسها وتسميتها.
وليس هذا السؤال جديدًا. ففي عام 2014 قارن هندرا غوناوان (Hendra Gunawan)، أستاذ كلية الرياضيات والعلوم الطبيعية في معهد باندونغ للتكنولوجيا، في مقالةٍ نشرتها صحيفة كومباس (Kompas) اليومية بعنوان «Mengintip Masa Depan» (استراقُ النظر إلى المستقبل)، بين موازنة التعليم العالي في إندونيسيا لعام 2014 البالغة نحو 3.2 تريليونات روبية وموازنةٍ تبلغ نحو 18 تريليون روبية لجامعةٍ واحدة هي جامعة سنغافورة الوطنية في عام 2013. وتصف مذكّرةُ الفهرسة الأرشيفية المرافقةُ للوثيقة هذه المقارنةَ بصراحةٍ بأنها بلاغيّة، لاختلاف بنية الموازنتين ونطاقهما، لكنها تكشف مع ذلك كشفًا ناجعًا عن الهوّة في الاستثمار البحثي. وفي اليوم نفسه كتب بودي سانتوسا (Budi Santosa)، الأستاذ في معهد سِبولوه نوبمبر للتكنولوجيا، في كومباس مقالةً بعنوان «Dari “Brain Drain” ke “Brain Gain”» (من «نزيف العقول» إلى «اكتساب العقول»)، اقترح فيها ألّا يقتصر صندوقُ إدارة المنح التعليمية (LPDP)، وهو الصندوق الوقفي الحكومي للتعليم في إندونيسيا، على إيفاد الطلاب إلى الخارج، بل أن يجتذب كذلك الأساتذةَ والباحثين الأجانب إلى المختبرات الإندونيسية. وبعد اثني عشر عامًا تبدو المقالتان أشبه بتشخيصين لم يُعمَل بهما على النحو الكافي؛ فقد انتقلت سنغافورة من 25 مليار دولار سنغافوري لتمويل البحث إلى 37 مليارًا، في حين لم تُعلن إندونيسيا إلّا في منتصف عام 2026 عن زيادةٍ قدرها 4 تريليونات روبية للبحث الوطني.
ويبني هذا التقرير على مقالةٍ نشرتها منصة KBA13 Insight عام 2025 بعنوان «Profil Sarjana Terkenal Singapura: Politik, Ekonomi, Teknologi, Hukum, dan Sains» (ملامح العلماء البارزين في سنغافورة: السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والقانون والعلوم)، وعلى السيرة الفكرية الصادرة عام 2026 بعنوان «Kishore Mahbubani: Singapore’s Diplomat-Philosopher and the Case for an Asian Century» (كيشور محبوباني: الدبلوماسي الفيلسوف السنغافوري وحجّة القرن الآسيوي)، وهي سيرةٌ تتفحّص فكر محبوباني في القرن الآسيوي، مع التنبيه على فجوةٍ في قراءته للإسلام والعالم الإسلامي. وإذا كان هذان العملان قد اتّخذا شكلَ الملامح الشخصية والسيرة، فإنّ هذا التقرير ينتقل إلى مستوى المنظومة، ويطرح ثلاثة أسئلةٍ محورية: أولها، ماذا تُظهر قواعد البيانات العلمية العالمية حقًّا عن القوة البحثية لسنغافورة، وإلى أيّ حدٍّ يمكن الوثوق بهذه الأرقام؟ وثانيها، مَن هم كبار علماء سنغافورة، وفي أيّ اتجاهٍ تمضي أبحاثهم، ولا سيّما في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطب الحيوي والمناخ ودراسات جنوب شرق آسيا وإندونيسيا؟ وثالثها، ما الدروس والتحذيرات التي ينبغي لإندونيسيا أن تستخلصها من هذا اللاتماثل، في زمنٍ تشتدّ فيه حرارة العلاقات الثنائية وتغدو المعرفة فيه أداةً من أدوات القوة على نحوٍ متزايد؟
ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ومستويات الثقة
يقوم هذا التقرير من الناحية النظرية على ثلاث طبقاتٍ من الفكر. أولاها علمُ اجتماع المعرفة، الذي لا يرى العلمَ تراكمًا محايدًا للحقائق، بل نتاجًا للمؤسسات والتمويل والشبكات والحوافز. والثانية العلاقةُ بين المعرفة والسلطة؛ فالمؤسسات القادرة على تعريف المشكلات وتصميم المسوح ونشر التحليلات السريعة هي التي تصوغ الطريقة التي تفهم بها الحكوماتُ والمستثمرون والرأيُ العام العالمي بلدًا من البلدان. والثالثة، وهي الأقرب إلى التجربة الفكرية لهذه المنطقة، نقدُ سيد حسين العطاس (Syed Hussein Alatas) لـ«العقل الأسير» (captive mind) وللصور النمطية الاستعمارية. ففي عام 2019 ذكر تقريرٌ لكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة سنغافورة الوطنية بعنوان «Lessons from Syed Hussein Alatas» أنّ العطاس كان أوّل رئيسٍ لقسم الدراسات الملايوية في الجامعة، ومؤلّف كتاب «خرافة الأهلي الكسول» (The Myth of the Lazy Native، 1977)، وهو عملٌ فكّك الصورة الغربية لشعوب جنوب شرق آسيا بوصفها كسولةً غيرَ متحضّرة. والمفارقة أنّ فكرة إنهاء استعمار المعرفة هذه قد وُلدت في سنغافورة، البلد الذي أضحى اليوم واحدةً من أكفأ العُقد في منظومة معرفةٍ عالمية قائمةٍ على التصنيفات والاستشهادات. ويتّخذ هذا التقرير من ذلك التوتّر عدسةً للنظر: فسنغافورة تُبيّن أنّ الاستقلال الأكاديمي والاندماج العالمي لا يتنافيان بالضرورة، في حين لا تزال إندونيسيا تكابد في سبيل امتلاكهما معًا.
ومن الناحية المنهجية يعتمد هذا التقرير على تحليل الوثائق والبيانات الثانوية. وتشمل مصادره الرئيسة بيانَ شركة كلاريفيت (Clarivate) الصحفي بشأن قائمة الباحثين الأكثر استشهادًا (Highly Cited Researchers) لعام 2025، وبياناتِ الجامعات بشأن قوائم 2023 و2024 و2025، والصفحاتِ الرسمية لتصنيفات QS وTHE وتصنيف شنغهاي (ShanghaiRanking) كما أوردتها الجامعات، وصفحاتِ مؤشر نيتشر (Nature Index) الخاصة بسنغافورة وإندونيسيا، ووثائقَ مؤسسة البحث الوطنية في سنغافورة (NRF) ومجلس التنمية الاقتصادية (EDB) ومكتب رئيس الوزراء، والملامحَ الرسمية لمراكز الفكر والعلماء، وتغطيةَ وسائل الإعلام الإندونيسية لسياسات البحث في عام 2026. وتُستخدم مقتنياتُ الأرشيف الرقمي (pustaka.kba13academy.com) ومقالاتُ منصة KBA13 Insight مصادرَ مقارنةً ووثائقَ تاريخية. وقد حاول المؤلف كذلك استخراج بياناتٍ على مستوى المؤسسات من واجهة البرمجة المفتوحة لقاعدة أوبن أليكس (OpenAlex API)، بالاستعلام عن قائمة المؤسسات ذات رمز البلد SG مرتّبةً بحسب عدد الأعمال، وبالبحث عن مؤسسة جامعة سنغافورة الوطنية؛ غير أنّ الوصول إلى الواجهة تعذّر من بيئة البحث المستخدمة، فصار مؤشر نيتشر هو مقياسَ الناتج المؤسسي في هذا التقرير بدلًا منها. ويُصرَّح بهذا القرار علنًا ليدرك القرّاء أنّ أرقام الحجم الكلّي للمنشورات، كتلك المستمدّة من سكوبس (Scopus) أو أوبن أليكس، لا تُعرض هنا.
ويُسنَد إلى كلّ ادّعاءٍ مستوًى من الثقة. فالثقة العالية تُمنح للأرقام المأخوذة مباشرةً من الوثائق الرسمية أو قواعد البيانات الأولية، كموازنة RIE2030 البالغة 37 مليار دولار سنغافوري، وحصّة مؤشر نيتشر (Share)، وأعداد الباحثين الواردة في البيانات الرسمية للجامعات. والثقة المتوسطة تُمنح للمقارنات بين قواعد بياناتٍ لا تتطابق فتراتها، كأن يغطّي مؤشر نيتشر لسنغافورة المدّة من يونيو 2025 إلى مايو 2026، ولإندونيسيا المدّة من أبريل 2025 إلى مارس 2026، على النحو المعروض في الصفحتين عند الاطّلاع عليهما، وكذلك لتأويلات اتجاهات البحث المستنبَطة من منشورات المؤسسات وبرامجها. أمّا الثقة المنخفضة فتُمنح لإسقاطات السيناريوهات، لأنها تخمينيةٌ بطبيعتها. ويُغفل هذا التقرير عمدًا مؤشراتِ h-index وأعدادَ الاستشهادات الفردية للعلماء، لأنّ هذه الأرقام تتغيّر يومًا بيوم، وتختلف من قاعدة بياناتٍ إلى أخرى، ويسهل إساءةُ استعمالها مقياسًا وحيدًا للجودة الفكرية. والعلامات المستعملة بدلًا منها هي المناصب، والأعمال الكبرى، والجوائز، وعضويات الأكاديميات، ممّا يمكن التحقّق منه في المصادر الرسمية.
ثالثًا: معمار التمويل: من RIE2025 إلى RIE2030
يقوم أساسُ مصنع المعرفة السنغافوري على اتّساقٍ ماليٍّ قلّما تُضاهيه البلدان النامية. ففي 15 فبراير 2022 أكّد ردٌّ برلمانيٌّ نشرته مؤسسة البحث الوطنية بعنوان «Goals and Priorities Set under Research, Innovation and Enterprise 2025 Plan» تخصيصَ 25 مليار دولار سنغافوري لخطة البحث والابتكار والمشاريع RIE2025، وذكر أنّ الخطة تُبقي الاستثمار في البحث عند نحو واحدٍ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد قُسّمت الخطة إلى أربعة مجالات: التصنيع والتجارة والترابط؛ وصحة الإنسان وإمكاناته؛ والحلول الحضرية والاستدامة؛ والأمة الذكية والاقتصاد الرقمي. ومع مرور الوقت وُسّعت موازنة RIE2025؛ إذ سجّل تقريرٌ لمجلس التنمية الاقتصادية في 31 أغسطس 2026 بعنوان «Singapore’s inaugural RIE2025 report card» أنّ قيمة RIE2025 بلغت 28 مليار دولار سنغافوري للمدّة من أبريل 2021 إلى مارس 2026، وأنّ إنفاق قطاع الأعمال على البحث والتطوير ارتفع بنسبة 64 في المئة إلى 9 مليارات دولار سنغافوري بين عامي 2018 و2023، وأنّ كلّ دولارٍ سنغافوريٍّ واحد من الإنفاق العام على البحث والتطوير قابله 1.87 دولار من إنفاق قطاع الأعمال في عام 2023، صعودًا من 1.48 دولار في عام 2018. وهذه النسبة الأخيرة هي في الحقيقة الأهمّ: فالمال العام يؤدّي وظيفةَ الطُّعم الذي يجتذب رأس المال الخاص، لا وظيفةَ البديل عنه.
وترفع خطة RIE2030 سقفَ الرهان. فقد أورد تقريرٌ لمجلس التنمية الاقتصادية في 5 ديسمبر 2025 بعنوان «Singapore invests S$37 billion in RIE2030 research plan» زيادةً بنسبة 32 في المئة على RIE2025، منها 10.8 مليارات دولار سنغافوري للمجالات الأربعة، و3 مليارات لنوعين جديدين من البرامج هما البرامج الرائدة (RIE Flagships) والتحدّيات الكبرى (RIE Grand Challenges)، و24 في المئة للبحث الأساسي، و20 في المئة للابتكار والمشاريع، و17 في المئة للبنية التحتية والبرامج الجديدة، و10 في المئة لتنمية المواهب. وأوّلُ البرامج الرائدة أشباهُ الموصلات، بقيادة وكالة العلوم والتكنولوجيا والبحث (A*STAR) ومجلس التنمية الاقتصادية، في حين يستهدف أوّلُ التحدّيات الكبرى الشيخوخةَ النشطة، أي إبطاءَ التراجع الإدراكي والجسدي لدى المسنّين من المواطنين. وأضاف تقرير مجلس التنمية الاقتصادية الصادر في أغسطس 2026 تفصيلًا مفاده أنّ حزمة البرامج الرائدة والتحدّيات الكبرى البالغة 3 مليارات دولار سنغافوري تتألّف من 800 مليون لكلٍّ من أشباه الموصلات، والنقل والترابط، وإزالة الكربون، و350 مليونًا لطول العمر الصحي، وصندوقٍ احتياطيٍّ قدره 250 مليونًا. وثمّة كذلك منحةٌ لترجمة البحوث إلى تطبيقات (Research Translation Grant) قدرها 300 مليون دولار سنغافوري للتعجيل بتسويق نتائج البحث. وتكشف هذه البنية عن منطق الدولة-المدينة: فالبحث موجَّهٌ نحو مواطن الهشاشة الوجودية، كالاعتماد على سلاسل إمداد الرقائق، وشيخوخة السكان، والتهديد المناخي لجزيرةٍ منخفضة.
ولنقارن ذلك بإندونيسيا. فقد أورد تقريرٌ لموقع إنفستور تراست (InvestorTrust) في 29 يونيو 2026 بعنوان «Indonesia Boosts Research Budget by $252 Million» بياناتِ البنك الدولي التي تُظهر أنّ إنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير يبلغ نحو 0.28 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل متوسطٍ عالميٍّ قدره 2.59 في المئة، و1.01 في المئة لماليزيا، و0.94 في المئة لتايلاند. وأضاف تقريرٌ لوكالة أنتارا (Antara) في 15 أغسطس 2026 بعنوان «Laying stronger footing for Indonesia’s research push» أنّ الإنفاق الوطني على البحث ظلّ سنواتٍ يتراوح بين 5 و7 تريليونات روبية سنويًّا، ثم هبط إلى نحو 3 إلى 4 تريليونات بعد سياسة كفاءة الموازنة لعام 2025، ثم حظي بزيادةٍ قدرها 4 تريليونات روبية كادت تضاعف موازنة الوكالة الوطنية للبحث والابتكار (BRIN) من أدنى مستوياتها. وذكر التقرير نفسه أنّ الرئيس السابق للوكالة لاكسانا تري هاندوكو (Laksana Tri Handoko) أشار إلى رقمٍ مثاليٍّ يقارب واحدًا في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقمٌ يصادف أن يكون بالضبط المستوى الذي حافظت عليه سنغافورة قرابة عقدين. والفارق الجوهري لا يكمن في الحجم وحده، بل في القابلية للتنبّؤ كذلك: فسنغافورة تضع أُطُرًا خمسيةً يعرفها الباحثون قبل وقتٍ طويل، في حين يرتهن البحث الإندونيسي لدورة موازنةٍ سنويةٍ قابلةٍ للاقتطاع المفاجئ، ممّا يُعسّر على المختبرات التخطيطَ لبرامج طويلة الأمد واجتذابَ أفضل الباحثين.
رابعًا: قراءة قواعد البيانات: التصنيفات ومؤشر نيتشر والباحثون الأكثر استشهادًا
تصنيفاتُ الجامعات هي العدسة الأكثر استشهادًا بها، وهي في الوقت نفسه الأكثر تعرّضًا لسوء الفهم. ففي تصنيف QS العالمي للجامعات لعام 2027 الصادر في 18 يونيو 2026، سجّل تقريرٌ لصحيفة ذا ستريتس تايمز (The Straits Times) أرشفته جامعة نانيانغ التكنولوجية (NTU) بعنوان «NUS falls to 10th place while NTU retains 12th spot» أنّ جامعة سنغافورة الوطنية تراجعت من المرتبة الثامنة إلى العاشرة عالميًّا، وأنّ جامعة نانيانغ التكنولوجية احتفظت بالمرتبة الثانية عشرة، وأنّ جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم (SUTD) قفزت 253 مرتبةً إلى المرتبة 266، وأنّ جامعة سنغافورة للإدارة (SMU) صعدت إلى المرتبة 411. وفي تصنيف تايمز للتعليم العالي (THE) العالمي للجامعات لعام 2027، ذكر تقريرٌ لكلية الحوسبة في جامعة سنغافورة الوطنية في 1 أكتوبر 2026 بعنوان «NUS reaches highest-ever position at 15th» أنّ الجامعة بلغت أعلى مرتبةٍ في تاريخها، وهي الخامسة عشرة من بين 2,297 مؤسسة، في حين سجّل تقريرٌ لجامعة نانيانغ التكنولوجية في 14 أكتوبر 2026 بعنوان «NTU Singapore rises to 28th» صعودَها ثلاث مراتب إلى المرتبة الثامنة والعشرين. ويقدّم التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (ARWU) صورةً أبسط: إذ تُظهر صفحة تصنيف شنغهاي الخاصة بـجامعة سنغافورة الوطنية المرتبةَ السادسة والخمسين لعام 2025، في حين تُظهر الصفحة الخاصة بـجامعة نانيانغ التكنولوجية المرتبةَ الرابعة والثمانين لعام 2026.
وتنطوي بيانات هذا التصنيف على قرينةٍ لافتة. ففي صفحة تصنيف شنغهاي الخاصة بجامعة سنغافورة الوطنية، سُجّلت درجتا مؤشرَي الخرّيجين (Alumni) والجوائز (Award)، أي الخرّيجين وأعضاء الهيئة الذين نالوا جائزة نوبل أو ميدالية فيلدز، كلتاهما صفرًا (0.0)، في حين بلغت درجة المنشورات 64.5، ودرجة الباحثين الأكثر استشهادًا 43.6. وبعبارةٍ أخرى، تنبع قوة سنغافورة من حجم المنشورات المعاصرة وجودتها، لا من إرثٍ من أرفع الأوسمة العلمية. وتُسدّ تلك الفجوة جزئيًّا بالاستقطاب؛ ففي 5 أبريل 2019 أعلنت أخبار جامعة سنغافورة الوطنية (NUS News) في تقريرها «Nobel laureate Konstantin Novoselov joins NUS» أنّ الحائز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2010 عن أبحاث الغرافين قد انضمّ إليها أستاذًا متميّزًا، فكان أوّلَ حائزٍ لجائزة نوبل يصبح من أعضاء هيئة جامعةٍ سنغافورية. وهذه الاستراتيجية القائمة على استيراد المواهب من الطراز الأول، مقرونةً بتنمية العلماء المحليين، سمةٌ مميِّزة للمنظومة السنغافورية تستحقّ التمحيص الدقيق من غير إضفاء طابعٍ رومانسيٍّ عليها.
ويوفّر مؤشر نيتشر مقياسًا أكثر صرامة، لأنه لا يُحصي إلّا المقالات المنشورة في مجموعةٍ منتقاة من مجلّات العلوم الطبيعية والصحة. فـصفحة مؤشر نيتشر الخاصة بسنغافورة للمدّة من 1 يونيو 2025 إلى 30 مايو 2026 تسجّل 2,488 مقالةً بحصّةٍ قدرها 914.78، ممّا يضع سنغافورة في المرتبة السادسة عشرة عالميًّا والسادسة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتُسهم جامعة سنغافورة الوطنية بحصّةٍ قدرها 426.79، وجامعة نانيانغ التكنولوجية بـ317.41، ووكالة A*STAR بـ89.00. وتكمن أعظم مواطن قوتها في العلوم التطبيقية، حيث تحتلّ المرتبة الرابعة عشرة عالميًّا، وفي الكيمياء، حيث تحتلّ المرتبة الرابعة عشرة عالميًّا كذلك. وفي المقابل تسجّل صفحة مؤشر نيتشر الخاصة بإندونيسيا للمدّة من 1 أبريل 2025 إلى 31 مارس 2026 مئتين وخمس مقالات (205) بحصّةٍ قدرها 50.06، ومرتبةً عالميةً هي السابعة والأربعون، وتتصدّر الوكالةُ الوطنية للبحث والابتكار الترتيبَ الوطني بحصّةٍ قدرها 7.57، تليها جامعة إندونيسيا بـ5.26، ومعهد باندونغ للتكنولوجيا (ITB) بـ4.80، وجامعة غادجاه مادا (UGM) بـ4.61. وبعبارةٍ أخرى، تبلغ حصّة جامعة سنغافورة الوطنية وحدها نحو ثمانية أضعافٍ ونصفٍ من حصّة إندونيسيا بأسرها، وإن لم تكن المدّتان في الصفحتين متطابقتين تمامًا.
وتكشف قائمة كلاريفيت للباحثين الأكثر استشهادًا عن ديناميّاتٍ أدقّ. فقد سجّل بيانٌ صحفيٌّ لجامعة نانيانغ التكنولوجية في 15 نوفمبر 2023 بعنوان «NTU is 22nd globally and first locally with most highly cited researchers» اثنين وأربعين باحثًا من الجامعة بأربعٍ وأربعين إدراجًا، وهو العدد الأكبر في سنغافورة للعام السادس على التوالي. وسجّل بيان الجامعة المؤرَّخ في 19 نوفمبر 2024 بعنوان «NTU Singapore scientists named among most influential researchers in the world» ستةً وثلاثين باحثًا، وسجّل بيانها المؤرَّخ في 12 نوفمبر 2025 بعنوان «NTU Singapore scientists named among world’s most influential researchers» ثلاثةً وثلاثين باحثًا بستٍّ وثلاثين إدراجًا. وعلى العكس من ذلك، سجّلت أخبار جامعة سنغافورة الوطنية في 12 نوفمبر 2025، في تقريرها «NUS academics recognised among world’s leading scientists»، سبعةً وثلاثين باحثًا من الجامعة، بينما تجاوز العدد ثلاثين في قائمة 2022 بحسب بيان أخبار الجامعة المؤرَّخ في 15 نوفمبر 2022. وينبغي أن يُقرأ التراجع في جامعة نانيانغ التكنولوجية جنبًا إلى جنبٍ مع التغييرات في منهجية كلاريفيت: إذ يذكر البيان الصحفي «Clarivate Announces Highly Cited Researchers 2025 List» أنّ 432 ترشيحًا استُبعدت بسبب النشر المفرط الغزارة، فضلًا عن فرزٍ جديدٍ للاستشهاد الذاتي المفرط. وعلى مقياس عشر سنوات، لاحظ تحليلٌ لكلاريفيت أورده موقع إنفودوكِت (Infodocket) في 26 فبراير 2026 أنّ عدد الإدراجات لسنغافورة تضاعف أربع مرّاتٍ بين عامي 2015 و2025.
خامسًا: منظومة مراكز الفكر ونمط الباب الدوّار
إذا كانت الجامعات محرّكاتِ الإنتاج العلمي، فإنّ مراكز الفكر هي غرفةُ التحكّم في التأويل. ولسنغافورة منظومةٌ كثيفةٌ قياسًا إلى حجمها. فصفحة معهد إيسياس «Our History and Mission» تسجّل أنّ البرلمان أقرّ قانون معهد دراسات جنوب شرق آسيا في 7 يونيو 1968، وأنّ المعهد أُعيدت تسميته بمعهد إيسياس–يوسف إسحاق في أغسطس 2015؛ وتشمل برامجُه مركزَ دراسات آسيان (ASEAN Studies Centre)، ومركزَ سنغافورة لدراسات أبيك (Singapore APEC Study Centre)، ودراساتِ اقتصاد المنطقة وشؤونها الاجتماعية والثقافية وسياستها واستراتيجيتها، وبرامجَ قُطريةً لإندونيسيا وماليزيا وميانمار والفلبين وتايلاند وفيتنام، إلى جانب برامج عن تغيّر المناخ وعن الإعلام والتكنولوجيا. أمّا معهد دراسات السياسات (IPS)، فبحسب صفحته «About Us» أُسّس عام 1988 مركزَ فكرٍ مستقلًّا، وانضمّ عام 2008 إلى كلية لي كوان يو للسياسات العامة مركزَ بحثٍ مستقلًّا، ثم أصبح عام 2026 معهدَ بحثٍ مستقلًّا على مستوى الجامعة. وأمّا معهد شرق آسيا (East Asian Institute)، فبحسب صفحته «Profile and Objectives» أُنشئ في أبريل 1997 خلفًا لمعهدٍ أسّسه غوه كنغ سوي (Goh Keng Swee) عام 1983 لدراسة الكونفوشيوسية، وهو يركّز اليوم على الصين واليابان وشبه الجزيرة الكورية. ويعمل معهد أبحاث آسيا (ARI) التابع لجامعة سنغافورة الوطنية منذ عام 2001 بحسب صفحته «About ARI»، في حين أُسّس معهد الشرق الأوسط (MEI) التابع للجامعة نفسها عام 2007 بحسب صفحته «About MEI».
وفي جامعة نانيانغ التكنولوجية تصف كلية س. راجاراتنام للدراسات الدولية نفسها بأنها كليةُ دراساتٍ عليا عالميةٌ ومركزُ فكرٍ استراتيجي. وتُعدّد صفحتها «About RSIS» خمسة مراكز بحثية، هي مركز دراسات التعدّدية (Centre for Multilateralism Studies)، ومركز دراسات الأمن غير التقليدي (Centre for Non-Traditional Security Studies)، ومركز التميّز للأمن الوطني (Centre of Excellence for National Security)، ومعهد الدراسات الدفاعية والاستراتيجية (Institute of Defence and Strategic Studies)، والمركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب (International Centre for Political Violence and Terrorism Research)، إضافةً إلى برامج في دراسات الأمن الوطني والتماسك الاجتماعي والعلاقات بين الأديان. ويكشف نمطُ قيادتها عمّا يمكن تسميته «بابًا دوّارًا مُدارًا». فقد ذكر إعلانٌ للكلية في 3 نوفمبر 2014 بعنوان «Leadership Transition at RSIS» أنّ السفير أونغ كنغ يونغ (Ong Keng Yong) أصبح نائبًا تنفيذيًّا للرئيس خلفًا للسفير باري ديسكر (Barry Desker)، في حين أصبح الأكاديمي جوزيف ليو (Joseph Liow) عميدًا. وفي معهد إيسياس تسجّل صفحة «About Us» أنّ نغ تشي كيرن (Ng Chee Khern) عُيّن مديرًا ورئيسًا تنفيذيًّا في 1 أبريل 2026؛ وكان قبل ذلك أمينًا دائمًا لوزارة القوى العاملة (2022–2025)، وأمينًا دائمًا للأمة الذكية والحكومة الرقمية (2017–2022)، وقائدًا لسلاح الجوّ في جمهورية سنغافورة (2006–2009).
ويتجلّى النمط ذاته في أهمّ شخصيةٍ عامّة في دراسات السياسات السنغافورية. فصفحة «Distinguished Fellow» في معهد أبحاث آسيا تسجّل أنّ كيشور محبوباني (Kishore Mahbubani) خدم في السلك الدبلوماسي السنغافوري ثلاثةً وثلاثين عامًا (1971–2004)، وكان سفيرًا لدى الأمم المتحدة مرّتين، وأمينًا دائمًا لوزارة الخارجية (1993–1998)، ثم العميدَ المؤسِّس لكلية لي كوان يو (2004–2017)، قبل أن يصبح زميلًا متميّزًا في المعهد ابتداءً من 1 يوليو 2019. وفي التقليد الإندونيسي كثيرًا ما يُرتاب في الانتقال من البيروقراطية إلى الأكاديميا بوصفه تسييسًا للعلم؛ أمّا في التقليد السنغافوري فيُعدّ وسيلةً لنقل خبرة الدولة إلى فضاءٍ للتأمّل، وفي المقابل لحمل التحليل الأكاديمي إلى طاولة السياسات. وتترتّب على ذلك نتيجتان: فمن جهةٍ تحظى مراكز الفكر السنغافورية بدرجةٍ عاليةٍ من النفاذ والسرعة والحساسية للسياسات؛ ومن جهةٍ أخرى يغدو الحدّ الفاصل بين التحليل المستقلّ ومصلحة الدولة ضبابيًّا، فيحتاج القرّاء الإندونيسيون إلى قراءة نتاجها بوصفه معرفةً قيّمةً وجزءًا من العُدّة الدبلوماسية لدولةٍ صغيرة في آنٍ معًا. ويصف كتابُ قمر الزمان بستمام أحمد وفطري زلفيدار إبراهيم الصادر عام 2025، «Intelligence as Statecraft: Singapore’s Strategic Transformation in the Indo-Pacific» (الاستخبارات فنًّا لإدارة الدولة: التحوّل الاستراتيجي لسنغافورة في المحيطين الهندي والهادئ)، هذا المنطقَ بأنه دمجٌ للإدراك البشري والرقمي عبر المؤسسات العسكرية والمدنية والأكاديمية، وأطروحتُه أنّ التنسيق، لا الحجم، هو ما يحدّد القوة.
سادسًا: علماء العلوم الاجتماعية والإنسانيات: من وانغ غونغوو إلى تيو يو ين
على قمّة التقليد الإنساني في سنغافورة يقف وانغ غونغوو (Wang Gungwu). ففي 22 يونيو 2020 سجّل تقريرٌ لجامعة سنغافورة الوطنية بعنوان «Eminent NUS historian Professor Wang Gungwu receives prestigious Tang Prize» أنه نال جائزة تانغ (Tang Prize) لعام 2020 في علم الصينيات عن دراساته للنظام العالمي الصيني والشتات والهجرة الصينية؛ وهو أستاذٌ جامعيٌّ (University Professor) في جامعة سنغافورة الوطنية منذ عام 2007، وكان مديرًا لمعهد شرق آسيا من 1997 إلى 2007، ونائبًا لرئيس جامعة هونغ كونغ من 1986 إلى 1995، وهو عضوٌ فخريٌّ في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. ويكمن تميّز وانغ في زاوية نظره: فهو يقرأ الصين من الجنوب، عبر علاقاتها بجنوب شرق آسيا، لا من داخلها ولا من الغرب. وفي علم الاجتماع يحتلّ تشوا بنغ هوات (Chua Beng Huat) مكانةً مماثلة. فقد نشرت مطبعة جامعة سنغافورة الوطنية (NUS Press) عام 2017 كتابه «Liberalism Disavowed: Communitarianism and State Capitalism in Singapore» (الليبرالية المتبرَّأ منها: الجماعاتية ورأسمالية الدولة في سنغافورة)، الذي يحلّل كيف بنى حزب العمل الشعبي أيديولوجيا جماعاتيةً عبر الإسكان العام والتعدّدية العرقية ورأسمالية الدولة؛ وتسجّل صفحات معهد أبحاث آسيا كذلك أنّ تشوا قاد مجموعة الدراسات الثقافية في آسيا من 2000 إلى 2015. ويُبرهن كلاهما على أنّ أفضل علماء سنغافورة لا يكتفون بمديح بلدهم، بل يحلّلونه تحليلًا نقديًّا من الداخل.
ويستمرّ إرث العطاس عبر ابنه. فالمدخل الخاص بـسيد فريد العطاس (Syed Farid Alatas) يسجّل أنه يدرّس في قسم علم الاجتماع بجامعة سنغافورة الوطنية منذ عام 1992، وأنه ألّف «خطاباتٌ بديلة في العلوم الاجتماعية الآسيوية: استجاباتٌ للمركزية الأوروبية» (Alternative Discourses in Asian Social Science: Responses to Eurocentrism، 2006) و«تطبيق ابن خلدون: استعادةُ تقليدٍ مفقود في علم الاجتماع» (Applying Ibn Khaldun: The Recovery of a Lost Tradition in Sociology، 2014). وهذا المشروع المشترك بين الأب والابن، أي بناءُ علمٍ اجتماعيٍّ مستقلّ وإحياءُ ابن خلدون منظّرًا اجتماعيًّا، وثيقُ الصلة بالجامعات الإسلامية في إندونيسيا، بما فيها شبكة الجامعات الإسلامية الحكومية (UIN)، لأنه يقدّم جسرًا بين التراث الفكري الإسلامي والعلوم الاجتماعية الحديثة من غير الوقوع في النزعة الاعتذارية. ويضع كتاب «Islam di Dunia Melayu dan Samudera Hindia» (الإسلام في العالم الملايوي والمحيط الهندي) الصادر عام 2026 سيد حسين العطاس بين العلماء الذين يُحاوَرون في صياغة الإقليم الملايوي–الهندي حقلًا معرفيًّا. وفي التاريخ والقيادة الأكاديمية يمثّل تان تاي يونغ (Tan Tai Yong) نموذجَ المؤرّخ الذي يقود المؤسسات. فقد سجّل إعلانٌ لجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية (SUSS) في 19 يوليو 2022 بعنوان «SUSS appoints Humanities Professor Tan Tai Yong as President» أنه يتولّى رئاسة الجامعة منذ 1 يناير 2023 بعد أن قاد كلية ييل–جامعة سنغافورة الوطنية (Yale-NUS College)، ومن أعماله «سنغافورة: سبعمئة عام» (Singapore: Seven Hundred Years، 2019) و«صناعة ماليزيا الكبرى» (Creating Greater Malaysia، 2008).
وقد أنجبت دراساتُ السياسات والعلاقات الدولية أكثرَ الشخصيات شهرةً لدى الجمهور. فإلى جانب محبوباني، يُعدّ داني كواه (Danny Quah) اقتصاديًّا ذا صيتٍ عالمي. ويسجّل الملفّ الرسمي لـداني كواه في كلية لي كوان يو أنه أستاذ كرسي لي كا شينغ (Li Ka Shing) في الاقتصاد، ومدير معهد آسيا للتنافسية (Asia Competitiveness Institute)، وكان عميدًا من 2018 إلى 2025، ورئيسًا سابقًا لقسم الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد؛ ومن اهتماماته الراهنة فنُّ إدارة الدولة اقتصاديًّا (economic statecraft) ومستقبلُ التعدّدية. أمّا جوزيف ليو، فبحسب تقريرٍ لجامعة نانيانغ التكنولوجية في 10 أكتوبر 2025 بعنوان «New dean for Lee Kuan Yew School»، فقد انتقل إلى جامعة سنغافورة الوطنية عميدًا لكلية لي كوان يو بعد ثمانيةٍ وعشرين عامًا في جامعة نانيانغ التكنولوجية، عمل خلالها عميدًا لكلية س. راجاراتنام وعميدًا لكلية العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية؛ وهو كذلك رئيس معهد الشرق الأوسط. وفي الدراسات الأمنية سجّل إعلانٌ لكلية س. راجاراتنام في 23 ديسمبر 2025 بعنوان «Re-appointment of Dean in RSIS» أنّ كومار راماكريشنا (Kumar Ramakrishna) أُعيد تعيينه عميدًا لثلاث سنواتٍ ابتداءً من 1 يناير 2026؛ وهو مؤسّس مركز التميّز للأمن الوطني ومؤلّف كتاب «الجماعة الإسلامية وداعش وما بعدهما» (Jemaah Islamiyah, ISIS and Beyond) الصادر في يوليو 2025. وتكتسب أعمال راماكريشنا أهميةً لإندونيسيا لأنّ دراسات الإرهاب في جنوب شرق آسيا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على بياناتٍ وسرديّاتٍ عن جماعاتٍ ذات جذورٍ إندونيسية.
ويُبدي الجيل التالي اتجاهًا نقديًّا أحدّ. فتيو يو ين (Teo You Yenn)، بحسب سيرتها الذاتية المنشورة في أبريل 2026، تشغل كرسيّ وكيل الجامعة (Provost’s Chair) في علم الاجتماع، وتدير مركز دراسة اللامساواة الاجتماعية في جامعة نانيانغ التكنولوجية، وهي مؤلّفة كتاب «هكذا تبدو اللامساواة» (This Is What Inequality Looks Like، 2018)، الذي نُشر كذلك في تايوان والصين، وكتاب «القلق: الحياة في الأسر السنغافورية» (Unease: Life in Singapore Families، 2026). وتيرنس تشونغ (Terence Chong)، بحسب ملفّه في معهد إيسياس، نائبُ الرئيس التنفيذي والمدير الأول لقسم البحوث في المعهد، وله دراساتٌ عن الطبقة الوسطى، والمسيحية الخمسينية، والمهاجرين الصينيين الجدد في بلدان CLMV. وليو سورياديناتا (Leo Suryadinata)، العالِم المولود في جاكرتا، أصبح بحسب تقريرٍ لكلية س. راجاراتنام في 6 أكتوبر 2018 بعنوان «Indonesia honours S’porean for work on ethnic Chinese» أوّلَ سنغافوريٍّ ينال جائزةً ثقافيةً من وزارة التربية والثقافة الإندونيسية عن دراساته لمجتمع الإندونيسيين ذوي الأصول الصينية. ويُظهر كينيث بول تان (Kenneth Paul Tan) وجهًا آخر لهذه المنظومة. فصفحة جامعة هونغ كونغ المعمدانية تسجّل أنه نائبٌ سابقٌ لعميد كلية لي كوان يو انتقل إلى تلك الجامعة (HKBU) في فبراير 2021، وأنه مؤلّف «سنغافورة: الهوية والعلامة والقوة» (Singapore: Identity, Brand, Power، 2018). ورحيله تذكيرٌ بأنّ المنظومة الكفؤة ليست دائمًا موطنًا مريحًا لكلّ صوتٍ نقدي.
سابعًا: العلماء في العلوم والتكنولوجيا والطب الحيوي
في ميدان العلوم والتكنولوجيا، أوضحُ العلامات الجوائزُ الوطنية والعضويةُ في الأكاديميات الدولية. فقد سجّل تقريرٌ لمجلة بيوسبكتروم آسيا (BioSpectrum Asia) في 3 أكتوبر 2025 بعنوان «Singapore honors excellence at the 2025 President’s Science and Technology Awards» أنّ رئيس جامعة سنغافورة الوطنية تان إنغ تشي (Tan Eng Chye) نال ميدالية الرئيس للعلوم والتكنولوجيا، وأنّ ليم تشوي تيك (Lim Chwee Teck) وليزا نغ (Lisa Ng) نالا جائزة الرئيس للعلوم، وأنّ آندي تاي (Andy Tay) نال جائزة العالِم الشاب. ويستحقّ ليم تشوي تيك عنايةً خاصة؛ إذ يسجّل ملفّه الرسمي في قسم الهندسة الطبية الحيوية بجامعة سنغافورة الوطنية أنه أستاذٌ متميّز ومديرُ معهد الابتكار والتكنولوجيا الصحية (iHealthtech)، وأنه انتُخب زميلًا في الجمعية الملكية (Royal Society) عام 2024، وزميلًا دوليًّا في الأكاديمية الملكية للهندسة عام 2025، وعضوًا دوليًّا في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للهندسة عام 2026، وأنه شريكٌ مؤسّس لعددٍ من الشركات الناشئة، منها بيوليديكس (Biolidics). وتجسّد أبحاثه في الميكانيكا الحيوية للأمراض، والموائع الدقيقة الطبية الحيوية، والتكنولوجيا القابلة للارتداء، هذا الجيلَ من العلماء السنغافوريين: ينشرون في المجلّات الرائدة ويؤسّسون الشركات في آن.
وكذلك تتولّى قيادةَ الجامعات في سنغافورة علماءُ ذوو مكانةٍ دولية. فقد سجّل بيانٌ لجامعة نانيانغ التكنولوجية في 8 فبراير 2023 بعنوان «Professor Ho Teck Hua appointed president of NTU» أنّ هو تيك هوا (Ho Teck Hua) سيصبح الرئيسَ الخامس للجامعة ابتداءً من 24 أبريل 2023، بعد أن شغل منصب النائب الأول للرئيس ووكيل جامعة سنغافورة الوطنية منذ عام 2018، وهو خبيرٌ في العلوم السلوكية والاقتصاد السلوكي. أمّا سلفه سوبرا سوريش (Subra Suresh)، فبحسب المدخل الخاص بـسوبرا سوريش قاد الجامعة من 2018 إلى 2022 بعد أن شغل منصب مدير المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة ورئيس جامعة كارنيغي ميلون، ونال الميدالية الوطنية للعلوم عام 2023. وفي وكالة A*STAR غدت جاكي ينغ (Jackie Ying) رمزًا لافتًا للعالم الإسلامي. فقد سجّل تقريرٌ لكلية الهندسة في جامعة برينستون في 19 فبراير 2016 بعنوان «Jackie Ying receives Mustafa Prize and is named AAAS Fellow» أنها، بصفتها المديرة التنفيذية لمعهد الهندسة الحيوية وتقنية النانو التابع للوكالة، نالت جائزة مصطفى لعام 2015، الموصوفةَ بأنها أرفع جائزةٍ علمية في العالم الإسلامي، عن أبحاثها في أنظمة إيصال الدواء والجسيمات النانوية التي تنظّم إطلاق الإنسولين.
وترسم قائمة الباحثين الأكثر استشهادًا لعام 2025 خريطةً لمن يصوغون تيّارات البحث العالمية انطلاقًا من سنغافورة. ففي جامعة سنغافورة الوطنية، بحسب تقرير أخبار الجامعة المشار إليه آنفًا، تضمّ الأسماءُ كونستانتين نوفوسيلوف (Konstantin Novoselov) وأنطونيو كاسترو نيتو (Antonio Castro Neto) في الفيزياء، وليو بين (Liu Bin) ويان نينغ (Yan Ning) في الكيمياء، ويوخن فيرتس (Jochen Wirtz) في الاقتصاد والأعمال، وتوماس ييو (Thomas Yeo) في علم الأعصاب، ويان شويتشنغ (Yan Shuicheng) في الهندسة. وسمّى تقريرٌ لكلية الحوسبة في الجامعة في 14 نوفمبر 2025 بعنوان «Two NUS Computing Professors Among the World’s Most Highly Cited Researchers 2025» يان شويتشنغ وتشانغ يانغ (Zhang Yang) محرّكَين للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا الحاسوبية. وفي جامعة نانيانغ التكنولوجية سمّى بيان عام 2025 جوزيف سونغ (Joseph Sung)، عميد كلية لي كونغ تشيان للطب؛ ولي بوي سي (Lee Pooi See)؛ ووارن تشان (Warren Chan)؛ وبو كانيي (Pu Kanyi)، المُدرَج في ثلاثة حقولٍ في آنٍ واحد، وهو واحدٌ من 31 عالِمًا فقط في العالم حقّقوا هذا الإنجاز؛ ويوين تشاو (Yuen Chau) في علوم الحاسوب والهندسة. ويكشف هذا التكوين عن أمرين: أولهما أنّ تميّز سنغافورة متركّزٌ في المواد والكيمياء والطاقة والهندسة؛ وثانيهما أنّ كثيرًا من نجومها علماءُ مولودون في الخارج، فتكون جاذبيةُ المؤسسات، لا المواهبُ المحلية وحدها، هي المتغيّرَ الحاسم.
ثامنًا: اتجاهات البحث حتى عام 2030
يمكن قراءة اتجاهات البحث في سنغافورة من ثلاثة مصادر يعضد بعضها بعضًا: أولويات التمويل، وملامح الحقول المعرفية في قواعد البيانات، وأجندات مراكز الفكر. فمن جهة التمويل تضع خطة RIE2030 أشباهَ الموصلات، والذكاءَ الاصطناعي، وتكنولوجيا الكمّ، والثقةَ الرقمية، والتصنيعَ الحيوي، والصحةَ الدقيقة، والشيخوخةَ النشطة، والمرونةَ المناخية، والتحوّلَ إلى اقتصادٍ منخفض الكربون، في مركز ثقلها. وفي كلمته عند إطلاق الخطة في 5 ديسمبر 2025، التي نشرها مكتب رئيس الوزراء بعنوان «SM Lee Hsien Loong at the Press Conference on the Launch of RIE2030»، قال الوزير الأول لي هسين لونغ (Lee Hsien Loong) إنّ غاية البرنامج الرائد لأشباه الموصلات أن تصبح سنغافورة عقدةً ذات أهميةٍ استراتيجية للبحث والتطوير في تلك الصناعة. ومن جهة قواعد البيانات، يُظهر التفصيلُ بحسب الحقول في صفحة «University Rankings» لجامعة نانيانغ التكنولوجية أنّ الجامعة تحتلّ المرتبة الرابعة عالميًّا في علم البيانات والذكاء الاصطناعي وفي الهندسة الكهربائية والإلكترونية في تصنيف QS بحسب الحقول لعام 2026، في حين تُظهر صفحات تصنيف شنغهاي أنّ جامعة سنغافورة الوطنية تحتلّ المرتبة الأولى عالميًّا في الجغرافيا والسادسة في علوم النانو وتقنيته. ويؤكّد هذا النمطُ أنّ سنغافورة تبني تميّزها عند تقاطع التكنولوجيا الصلبة مع حاجات الدولة.
وفي العلوم الاجتماعية يتحرّك البحث على أربعة محاور. المحور الأول تنافسُ القوى الكبرى والنظامُ الدولي، كما يتجلّى في موضوع منتدى التوقّعات الإقليمية لمعهد إيسياس المنعقد في 8 يناير 2026، «Confronting Chaos: The Future of International Order in Southeast Asia» (مواجهة الفوضى: مستقبل النظام الدولي في جنوب شرق آسيا)، وفي اهتمام داني كواه بفنّ إدارة الدولة اقتصاديًّا (economic statecraft). والمحور الثاني الأمنُ الوطني والتماسكُ الاجتماعي، ولا سيّما في كلية س. راجاراتنام ببرامجها في مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني والعلاقات بين الأديان. والمحور الثالث اللامساواةُ والشيخوخةُ والأسرة، كما يتجلّى في أجندة معهد دراسات السياسات وفي أعمال تيو يو ين. والمحور الرابع، وهو الأوثق صلةً بالقرّاء الإندونيسيين، دراسةُ البلدان المجاورة، وفي مقدّمتها إندونيسيا، وهي دراسةٌ تُدار عبر البرامج القُطرية في معهد إيسياس وبرنامج إندونيسيا في كلية س. راجاراتنام. وينسجم هذا الاتجاه مع منطق الدولة الصغيرة: أن تفهم القوى الكبرى كي تُحسن الإبحار بينها، وأن تفهم مجتمعها كي يبقى متماسكًا، وأن تفهم جيرانها كي لا تُؤخَذ على حين غرّة.
ويشكّل المناخ والاستدامة نقطةَ التقاءٍ بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية. فمن جهة العلوم الطبيعية يضع مؤشر نيتشر سنغافورة في المرتبة السادسة والعشرين عالميًّا في علوم الأرض والبيئة، أي دون مكانتها في الكيمياء والعلوم التطبيقية، ولذلك تضيف خطة RIE2030 ثمانمئة مليون دولار سنغافوري لإزالة الكربون. ومن جهة العلوم الاجتماعية يدير معهد إيسياس برنامجًا لتغيّر المناخ في جنوب شرق آسيا (Climate Change in Southeast Asia)، تنسّقه، بحسب مذكّرةٍ للمعهد مؤرَّخة في 3 سبتمبر 2026، الزميلةُ الرئيسة شارون سيه (Sharon Seah). ولهذا المحور حساسيته بالنسبة إلى إندونيسيا، لأنّ الضباب العابر للحدود، وشركات المزارع، وقانون التلوّث بالضباب العابر للحدود، تقع جميعًا عند تقاطعه تحديدًا. وتُبرز دراسةٌ للمرصد الجاوي مؤرَّخة في 20 أكتوبر 2026 عن حرائق عام 2026 وشبكات الشركات المرتبطة بسنغافورة وماليزيا، بعنوان «ما وراء الدخان»، فجوةَ المساءلة الإقليمية. وكلّما ازدادت أبحاث سنغافورة المناخية تطوّرًا، صارت القدرة على إنتاج بياناتٍ مستقلّة عن الحرائق وملكية الأراضي وسلاسل الإمداد من الجانب الإندونيسي شرطًا مسبقًا لضمان ألّا يستأثر طرفٌ واحد بالنقاش.
تاسعًا: إندونيسيا موضوعًا للدراسة: المسوح والبرامج والسرديات
لا يكاد بلدٌ يُدرَس في المؤسسات السنغافورية بالكثافة التي تُدرَس بها إندونيسيا. فملفّ جوليا لاو (Julia Lau) يسجّل أنها زميلةٌ رئيسة ومنسّقةُ برنامج الدراسات الإندونيسية في معهد إيسياس، ولها مشروعاتٌ عن السياسة الداخلية الإندونيسية، والعاصمة نوسانتارا، والسياسة الخارجية لإندونيسيا بوصفها قوةً متوسطة. ويُسمّي ملفّ سيواغي دارما نغارا (Siwage Dharma Negara) الخاص بمنتدى التوقّعات الإقليمية لعام 2026 صاحبَه زميلًا أول ومنسّقًا مشاركًا للبرنامج نفسه، يركّز على الاقتصاد الكلّي الإندونيسي والصناعة والتجارة. وفي كلية س. راجاراتنام يسجّل ملفّ ألكسندر رايموند أريفيانتو (Alexander Raymond Arifianto) أنه زميلٌ أول ومنسّقُ برنامج إندونيسيا في معهد الدراسات الدفاعية والاستراتيجية (IDSS)، وله تقارير سياساتٍ صادرة عام 2025 عن السياسة الخارجية الإندونيسية في عهد برابوو وعن الإسلام السياسي في رئاسة برابوو. وتقدّم مقالةٌ نشرتها منصة KBA13 Insight عام 2024 بعنوان «Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN» (العلاقات الإندونيسية–السنغافورية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وسياسات الأمن، والديناميّات الاستراتيجية لآسيان) الخلفيةَ الاستراتيجيةَ لهذا القدر من الاهتمام.
وأشدّ الأدوات نفوذًا المسح. فقد نشر معهد إيسياس مشروع المسح الوطني لإندونيسيا (The Indonesia National Survey Project) في عامي 2017 و2022؛ وتُدرج صفحة مكتبة المعهد الخاصة بـ«The Indonesia National Survey Project 2022» مؤلّفيه: برهان الدين مهتدي (Burhanuddin Muhtadi)، وهوي يو-فونغ (Hui Yew-Foong)، وسيواغي دارما نغارا، ومن نتائجه أنّ رضا الجمهور عن الرئيس جوكو ويدودو بلغ نحو 71.8 في المئة قبل خفض دعم الوقود في سبتمبر 2022، وأنّ النظرة إلى صعود الصين صارت أكثر سلبيةً ممّا كانت عليه عام 2017، وأنّ ثمّة إعجابًا بالمملكة العربية السعودية وتركيا وسنغافورة. وبرهان الدين مهتدي نفسه، بحسب ملفّه في معهد إيسياس، أستاذٌ للعلوم السياسية في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا، والمديرُ التنفيذي لمؤسسة إنديكاتور بوليتيك إندونيسيا (Indikator Politik Indonesia)، وزميلٌ زائر في المعهد. وعلى المستوى الإقليمي، تحلّل الورقة ISEAS Perspective 2026/65 لميليندا مارتينوس (Melinda Martinus)، المنشورة في 10 سبتمبر 2026 بعنوان «Indonesia’s Strategic Preferences amid Great-Power Competition» (التفضيلات الاستراتيجية لإندونيسيا في خضمّ تنافس القوى الكبرى)، مسحَ «حالة جنوب شرق آسيا» (State of Southeast Asia) لعام 2026، الذي شمل 2,008 مستجيبين، منهم 236 من إندونيسيا؛ وحين أُلزموا بالاختيار قال 80.1 في المئة من المستجيبين الإندونيسيين إنّ على آسيان أن تنحاز إلى الصين، ولم يثق بالولايات المتحدة سوى 17.3 في المئة، وهي أدنى نسبةٍ منذ انطلاق المسح عام 2019.
وتُخفي هذه الوقائع مفارقة. فالعلماء الإندونيسيون حاضرون في المؤسسات السنغافورية ويؤدّون فيها أدوارًا مهمّة، لكنّ صياغة الأسئلة وتمويلها وقنوات نشرها تتحدّد في معظمها من سنغافورة. فمسح «حالة جنوب شرق آسيا» مثلًا لم يشمل إلّا 236 مستجيبًا إندونيسيًّا، فينبغي أن تُقرأ نتائجه مع الالتفات إلى حجم العيّنة وتكوينها؛ بل إنّ مارتينوس نفسها تؤوّل تحوّلَ إندونيسيا بوصفه تراجعًا في الثقة بالسياسة الأمريكية لا اصطفافًا مع بكين. غير أنّ الفروق المنهجية الدقيقة كثيرًا ما تضيع حالما تستشهد وسائل الإعلام العالمية بهذه الأرقام. وفي وضع أكتوبر 2026، حين احتدمت قضيتا الضباب وMSCI، جاء التحليلُ الأسرع انتشارًا دوليًّا عن إندونيسيا من سنغافورة مرّةً أخرى. وتضع دراسةُ المرصد الجاوي الصادرة عام 2025 بعنوان «القوة الاستخباراتية لسنغافورة: البنية والتحالفات والتكنولوجيا في السنوات العشر الأخيرة»، وكتابُ «Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia» (تصويرُ وجه «سنغافورة المساهمة» في إندونيسيا، 2025)، هذه الظاهرةَ ضمن إطارٍ أوسع لرأس المال والدبلوماسية واقتصاد المعلومات. وليس هذا اللاتماثل مؤامرة، بل هو الحصيلة المنطقية لنصف قرنٍ من التفاوت في الاستثمار.
عاشرًا: اللاتماثل بالأرقام: مقارنةٌ موثّقة
يلخّص الجدول الآتي المؤشراتِ القابلةَ للتحقّق المستمدّة من المصادر المستشهَد بها في هذا التقرير. وهو يستبعد عمدًا الأعدادَ الوطنية الكلّية للمنشورات والاستشهادات، لأنّ بيانات أوبن أليكس تعذّر الوصول إليها في هذه الدراسة، ولأنّ أرقام سكوبس لم تكن متاحةً في المصادر المفتوحة التي فُحصت. ويبيّن عمودُ الملاحظات مدّةَ كلّ رقمٍ أو طبعتَه، ليحكم القرّاء بأنفسهم على درجة قابلية المقارنة. وليس الأهمّ في هذا الجدول الفجوةَ المطلقة، التي يمكن توقّعها جزئيًّا بالنظر إلى اختلاف مستويات الدخل، بل الفجوةُ منسوبةً إلى حجم كلّ بلد. فإندونيسيا أمّةٌ أرخبيلية يفوق عدد سكانها سكانَ سنغافورة أضعافًا كثيرة، ومع ذلك فحصّتها في مؤشر نيتشر أقلّ من جزءٍ من ستة عشر جزءًا من حصّة سنغافورة. ويتبدّى هذا التفاوت كذلك في تصنيفات الجامعات: فأفضل جامعةٍ إندونيسية في تصنيف QS لعام 2027 تحتلّ المرتبة 191، وفي تصنيف THE لعام 2027، بحسب تقريرٍ لموقع RCTI+ في 30 سبتمبر 2026 بعنوان «42 Universitas Terbaik Indonesia Masuk Peringkat THE WUR 2027» (اثنتان وأربعون من أفضل الجامعات الإندونيسية تدخل تصنيف THE العالمي للجامعات 2027)، تقع جامعة إندونيسيا في الشريحة 651–700، في حين تقع جامعة غادجاه مادا وجامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوغياكرتا في الشريحة 801–1000.
| المؤشر | سنغافورة | إندونيسيا | الملاحظات والمصادر |
|---|---|---|---|
| التمويل العام للبحث | 37 مليار دولار سنغافوري (RIE2030، خمس سنوات)، نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي | زيادة قدرها 4 تريليونات روبية (2026)؛ الإنفاق على البحث والتطوير نحو 0.28% من الناتج المحلي الإجمالي | مجلس التنمية الاقتصادية، ديسمبر 2025؛ InvestorTrust، يونيو 2026 |
| مؤشر نيتشر، حصّة البلد | 914.78 (المرتبة 16 عالميًّا) | 50.06 (المرتبة 47 عالميًّا) | سنغافورة: يونيو 2025–مايو 2026؛ إندونيسيا: أبريل 2025–مارس 2026 |
| المؤسسة الأولى في مؤشر نيتشر | جامعة سنغافورة الوطنية 426.79 | الوكالة الوطنية للبحث والابتكار (BRIN) 7.57 | صفحات مؤشر نيتشر القُطرية |
| تصنيف QS العالمي للجامعات 2027 | جامعة سنغافورة الوطنية 10، جامعة نانيانغ التكنولوجية 12 | جامعة إندونيسيا 191، جامعة غادجاه مادا 206، جامعة أيرلانغا 276 | The Straits Times؛ GoodStats، يونيو 2026 |
| تصنيف THE العالمي للجامعات 2027 | جامعة سنغافورة الوطنية 15، جامعة نانيانغ التكنولوجية 28 | جامعة إندونيسيا 651–700؛ 42 مؤسسة مصنّفة | NUS، NTU، RCTI+، أكتوبر 2026 |
| الباحثون الأكثر استشهادًا 2025 | جامعة سنغافورة الوطنية 37؛ جامعة نانيانغ التكنولوجية 33 | لم يُعثَر على بياناتٍ موثّقة | بيانات NUS وNTU، نوفمبر 2025 |
| الوقف التعليمي والبحثي | لا تُجرى المقارنة | صندوق LPDP 180.8 تريليون روبية، منها 14 تريليونًا وقفًا للبحث | Infobank، فبراير 2026 |
وتقتضي القراءةُ الأمينة للجدول تحفّظين. أولهما يتعلّق بالقياس: فمؤشر نيتشر منحازٌ انحيازًا شديدًا إلى العلوم الطبيعية والمجلّات النخبوية، فلا يلتقط مواطنَ القوة البحثية لإندونيسيا في حقولٍ كالدراسات الإسلامية، والأنثروبولوجيا المحلية، والعلوم الزراعية التطبيقية، التي يظهر كثيرٌ منها في المجلّات الوطنية. وثانيهما يتعلّق بالاتجاهات: فبيانات مؤشر نيتشر الخاصة بإندونيسيا تُظهر أنّ الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، عقب دمج المعهد الإندونيسي للعلوم (LIPI) والوكالة الوطنية للطاقة النووية (BATAN) والمعهد الوطني للطيران والفضاء (LAPAN) ووكالة تقييم التكنولوجيا وتطبيقها (BPPT) ومعهد أيكمان (Eijkman Institute)، باتت المؤسسةَ المتصدّرة، ومعنى ذلك أنّ التوحيد المؤسسي بدأ يؤتي ثمارًا إحصائية، وإن بكلفة انتقالٍ باهظة. وفي عام 2020 بيّن أسيب بايو داني نانديانتو (Asep Bayu Dani Nandiyanto) وزملاؤه، في بحثٍ نُشر في المجلة الإندونيسية للعلوم والتكنولوجيا بعنوان «How bibliographic dataset portrays decreasing number of scientific publication from Indonesia»، أنّ نموّ المنشورات الإندونيسية في سكوبس خلال المدّة 2014–2019 كان مدفوعًا في معظمه بمقالات المجلّات وأوراق المؤتمرات، ثم تراجع في 2018–2019. والدرس المستفاد من سنغافورة أنّ الحجم من غير تركيزٍ على الجودة والحقول الاستراتيجية لا يُنتج نفوذًا. ومن جهةٍ أخرى، يملك صندوق LPDP، بوقفٍ قدره 180.8 تريليون روبية، رأسَ مالٍ معتبرًا لتغيير هذا النمط، شريطةَ أن يُوجَّه إلى بناء مجموعاتٍ بحثية في الداخل لا إلى إيفاد الأفراد إلى الخارج فحسب.
حادي عشر: ماذا يقول القادة
تكشف تصريحاتُ القادة عن الكيفية التي يؤطّر بها البلدان البحثَ العلمي. ففي كلمته عند إطلاق خطة RIE2030 في 5 ديسمبر 2025، التي نشرها مكتب رئيس الوزراء في سنغافورة، شرح لي هسين لونغ المنطقَ الوجوديَّ للاستثمار بقوله إنّ سنغافورة «محرومةٌ من الموارد، فنحن أحوجُ ما نكون إلى قدراتٍ متقدّمة في العلوم والتكنولوجيا». وشدّد كذلك على أنّ «عاملَ النجاح الحاسم هو المواهبُ عالية الجودة»، وعلى أنّ بلاده «ستستثمر 37 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة في البحث والتطوير»، أي نحو واحدٍ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوًى حُوفظ عليه قرابة عشرين عامًا. ونقل تقرير مجلس التنمية الاقتصادية عن خطة RIE2030 عن تان تشور تشوان (Tan Chorh Chuan) قولَه إنّ الاهتمام بالبحث والتطوير في سنغافورة يتنامى في الواقع، وإنّ الاختراقات التي تقود التغيير حقًّا «كثيرًا ما تأتي من مجالاتٍ في العلم والتطبيق بالغةِ الجِدّة». وعلى مستوى الجامعات، نقل تقرير كلية الحوسبة في جامعة سنغافورة الوطنية عن تصنيف THE لعام 2027 قولَ رئيس الجامعة تان إنغ تشي: «ليست هذه نتيجةً عابرة، بل هي انعكاسٌ لجهدٍ مقصودٍ متواصلٍ على مدى سنواتٍ كثيرة». والكلمات المفتاحية المتكرّرة في هذه التصريحات هي الاتّساق، والمواهب، وشُحّ الموارد الطبيعية بوصفه مسوّغًا للاستثمار في المعرفة.
أمّا في إندونيسيا فاللغة المستعملة مختلفة، لكنها تكشف عن وعيٍ متنامٍ. فقد نقل تقريرٌ للأمانة العامة لمجلس الوزراء عن افتتاح «Sarasehan Kebangsaan KSTI 2026» (الحوار الوطني لمؤتمر العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2026) في 26 يونيو 2026، الذي حضره أكثر من 2,600 مشارك بحسب وزير التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا برايان يولياركو (Brian Yuliarto)، قولَ الرئيس برابوو سوبيانتو: «لطالما رأيتُ أنّ الأساتذة هم أذكى الناس في الأمّة». وقال الرئيس أيضًا إنّ إمكانات الجامعات وقدراتها «يجب حقًّا أن تُستثمَر أو تُعبَّأ». ونقل تقريرٌ لموقع RCTI+ في 28 يونيو 2026 بعنوان «Mensesneg Ungkap Prabowo Tambah Anggaran Riset Rp4 Triliun» (وزير الدولة للأمانة العامة يكشف أنّ برابوو زاد موازنة البحث 4 تريليونات روبية) عن وزير الدولة للأمانة العامة براسيتيو هادي (Prasetyo Hadi) قولَه إنّ موازنة البحث رُفعت «حتى بلغت 4 تريليونات روبية»، وإنّ «كلّ شيءٍ يجب أن يندرج في تصميمٍ كبيرٍ واحد». والمقارنة بين هاتين المجموعتين من التصريحات كاشفة: فسنغافورة تتكلّم بلغة عقدين من الاستمرارية وأرقامٍ خمسيةٍ مُثبَّتة؛ وإندونيسيا تتكلّم بلغة الاعتراف والتعبئة وتصميمٍ كبيرٍ لم يُرسَم بعد. والاختبار الحقيقي لإندونيسيا هو ما إذا كان ذلك التصميم الكبير سيصمد إلى ما بعد دورة موازنةٍ واحدة وولايةٍ حكوميةٍ واحدة.
ثاني عشر: الحجج المضادّة
ثمّة أربعة اعتراضاتٍ جدّية على الأقلّ على القراءة التي يقدّمها هذا التقرير. يرى الاعتراض الأول أنّ التصنيفات وقواعد البيانات الببليومترية بُنًى تجاريةٌ منحازةٌ إلى اللغة الإنجليزية والعلوم الطبيعية والمؤسسات الثرية، فلا تصلح مقياسًا للتقدّم العلمي. وهذا اعتراضٌ مشروع؛ فجامعة سنغافورة الوطنية قد تتراجع من المرتبة الثامنة إلى العاشرة في تصنيف QS وتصعد إلى الخامسة عشرة في تصنيف THE في العام نفسه، ممّا يدلّ على حساسيتها للمنهجية. وقد استبعدت كلاريفيت نفسها مئاتِ الترشيحات بسبب أنماطٍ شاذّة في النشر والاستشهاد. غير أنّ هذا بعينه هو ما يدعو هذا التقرير إلى استعمال قواعد بياناتٍ عدّة في آنٍ واحد وتجنّب الأرقام الفردية. فحين تشير تصنيفات QS وTHE وARWU ومؤشر نيتشر وقائمة الباحثين الأكثر استشهادًا جميعًا إلى الاتجاه نفسه، يغدو الاستنتاج بشأن حجم الفجوة متينًا وإن بقيت الأرقام الدقيقة محلَّ نقاش. ويرى الاعتراض الثاني أنّ مقارنة دولةٍ-مدينةٍ ثريّة بأمّةٍ أرخبيلية تعدّ مئات الملايين من البشر مقارنةٌ مجحفة. ويوافق هذا التقرير على أنّ المقارنات المطلقة مضلِّلة؛ ولذلك ينصبّ التركيز على الأنماط، أي اتّساق التمويل، والتركّز المؤسسي، والعلاقة بين مراكز الفكر والدولة، وهي أنماطٌ يمكن التعلّم منها من غير حاجةٍ إلى استنساخ الحجم.
ويرى الاعتراض الثالث أنّ تفوّق سنغافورة مستوردٌ في جزءٍ منه: فكثيرٌ من الباحثين الأكثر استشهادًا علماءُ مولودون في الخارج، وقد تتبخّر تلك القوة إذا تغيّرت البيئة الجيوسياسية أو سياسة الهجرة. وتمنح بياناتُ جامعة نانيانغ التكنولوجية، التي تراجعت من 42 باحثًا إلى 33 في ثلاث سنوات، هذه الحجّةَ بعضَ السند، وإن كانت تغييرات منهجية كلاريفيت قد أدّت دورًا كذلك. ويُظهر انتقالُ كينيث بول تان إلى هونغ كونغ أنّ منظومةً مُدارةً إدارةً محكمة قد تفقد أصواتها النقدية. ويرى الاعتراض الرابع أنّ قرب مراكز الفكر من الدولة يُضعف في الحقيقة مصداقيتها، فلا داعي لأن تقلق إندونيسيا من هيمنة التأويل السنغافوري. وهذا اعتراضٌ ضعيف؛ فالمصداقية الدولية لمعهد إيسياس وكلية س. راجاراتنام بيّنةٌ من كثرة استشهاد وسائل الإعلام العالمية بهما ودعوتهما إلى منتديات السياسات، وجودةُ علماء من أمثال وانغ غونغوو أو تشوا بنغ هوات أو تيو يو ين لا ينتقص منها القربُ المؤسسي. يُضاف إلى ذلك أنّ العلماء الإندونيسيين أنفسهم يشاركون في ذلك الإنتاج المعرفي. ومن ثَمّ فالاستجابة الملائمة ليست رفضَ المعرفة الآتية من سنغافورة، بل بناءُ قدرةٍ مكافئة على محاورتها واختبارها، ودحضها بالبيانات حيث تقتضي الحاجة.
ثالث عشر: سيناريوهات ميزان المعرفة حتى عام 2030
تُبنى أربعة سيناريوهاتٍ على أساس متغيّرين دافعين: اتّساقِ تمويل البحث في إندونيسيا، أيبقى عند نحو 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي أم يتّجه نحو واحدٍ في المئة، واتجاهِ العلاقات الثنائية، أتبقى تعاونيةً أم تخضع للأمننة بعد أزمة أكتوبر 2026. فالسيناريو الأول، اللاتماثل المتّسع، يتحقّق إذا نفّذت سنغافورة خطة RIE2030 كما خُطّط لها بينما عادت إندونيسيا إلى نمط الموازنات السنوية سهلةِ الاقتطاع؛ فتتّسع الفجوة في مؤشر نيتشر والتصنيفات، ويظلّ التأويل الدولي لإندونيسيا آتيًا من الخارج. والسيناريو الثاني، اللحاق الانتقائي، يتحقّق إذا صارت الزيادة البالغة 4 تريليونات روبية حدًّا أدنى جديدًا، ووجّه صندوق LPDP وقفَه البحثي نحو المجموعات البحثية المحلية، وبنت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار مع الجامعات ثلاثةَ حقولٍ أو أربعةً من حقول التميّز، كالتنوّع الحيوي، ودراسات الكوارث، والطاقة، والدراسات الإسلامية في جنوب شرق آسيا. والسيناريو الثالث، أمننة المعرفة، يتحقّق إذا تسرّبت التوتّرات الدبلوماسية إلى التعاون الأكاديمي، كتقييد الوصول إلى البيانات، أو الارتياب في الباحثين الأجانب، أو تجميد البرامج المشتركة، فيخسر الطرفان كلاهما. والسيناريو الرابع، التقارب التعاوني، يتحقّق إذا أنشأ البلدان مؤسساتٍ بحثيةً مشتركة ومسوحًا مصمَّمة تصميمًا مشتركًا، فتغدو إندونيسيا شريكةً في إنتاج الدراسات الإقليمية لا مجرّدَ موضوعٍ لها.
| السيناريو | الاحتمال |
|---|---|
| 1. اللاتماثل المتّسع | 45% |
| 2. اللحاق الانتقائي | 30% |
| 3. أمننة المعرفة | 15% |
| 4. التقارب التعاوني | 10% |
الاحتمالات تقديراتٌ تحليلية (ثقةٌ منخفضة)، مستمدّةٌ من اتجاهات التمويل للمدّة 2014–2026، ومن بيانات قواعد البيانات العلمية للمدّة 2023–2026، ومن ديناميّات العلاقات الثنائية في أكتوبر 2026؛ وليست مُخرَجاتِ نموذجٍ كمّي.
ويُمنح سيناريو اللاتماثل المتّسع الوزنَ الأعلى لأنّ البيانات التاريخية تسنده: فإنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير ظلّ سنواتٍ عند نحو 0.28 إلى 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأظهرت اقتطاعات عام 2025 مدى هشاشة الالتزامات السنوية. وسيناريو اللحاق الانتقائي قويٌّ على نحوٍ معقول لوجود إشاراتٍ سياسية جديدة: حضورِ الرئيس مؤتمرَ العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2026، والزيادةِ البالغة 4 تريليونات روبية، والوقفِ الكبير لصندوق LPDP. ويمكن رصدُ مؤشرات الإنذار المبكر للتمييز بين هذين السيناريوهين سنويًّا: هل تحافظ موازنتا البحث لعامي 2027 و2028 على زيادة عام 2026 في أقلّ تقدير؟ وهل ترتفع حصّة إندونيسيا في مؤشر نيتشر فوق 60؟ وهل تدخل أيّ جامعةٍ إندونيسية المراتبَ المئة والخمسين الأولى في تصنيف QS؟ وهل ينشأ مركز فكرٍ إندونيسيٌّ ينشر بانتظامٍ تحليلاتٍ عن سنغافورة وماليزيا وفق المعايير الدولية؟ ولا يجوز التهوين من سيناريو الأمننة؛ فأزمات الضباب وMSCI والغاز في أكتوبر 2026 أظهرت أنّ المزاج العام قد يتقلّب سريعًا، وتاريخُ العلاقات بين البلدين، من تفجير مبنى ماكدونالد هاوس (MacDonald House) عام 1965 إلى الجدل الذي أثارته عام 2014 تسميةُ الفرقاطة KRI Usman Harun، يُبيّن أنّ الذاكرة الجمعية سريعةُ الاستيقاظ. أمّا سيناريو التقارب التعاوني فهو الأجدر بأن يُتمنّى، لكنه في الوقت الراهن الأقلّ ترجيحًا، لأنه يستلزم ثقةً سياسيةً آخذةً اليوم في النُّحول.
رابع عشر: توصياتٌ للفاعلين الإندونيسيين
إلى وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا (Kemdiktisaintek)، التوصيةُ الرئيسة هي تثبيتُ إطارٍ خماسيٍّ لتمويل البحث لا يجوز اقتطاعه في منتصف الطريق، محاكاةً لانضباط خطط RIE من غير محاكاة حجمها. وينبغي أن يُترجَم التصميم الكبير الذي ذكره وزير الدولة للأمانة العامة إلى وثيقةٍ علنية ذات أهدافٍ قابلةٍ للقياس، كزيادةٍ تدريجية في الإنفاق على البحث والتطوير نحو 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، ونسبةٍ مستهدَفة بين تمويل قطاع الأعمال والتمويل العام، ومؤشراتِ جودةٍ لا تكتفي بإحصاء المقالات. وتحتاج الوزارة كذلك إلى إنشاء برنامجٍ للأساتذة الزائرين وباحثي ما بعد الدكتوراه الدوليين العاملين في المختبرات الإندونيسية، كما اقترح بودي سانتوسا عام 2014، لكي تتدفّق المعرفة إلى الداخل، بدلًا من أن يقتصر الأمر على تدفّق الطلاب إلى الخارج. وإلى الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التوصيةُ هي استثمارُ مكانتها بوصفها المؤسسةَ الإندونيسية المتصدّرة في مؤشر نيتشر لبناء ثلاثةٍ إلى أربعة برامج رائدةٍ مركّزة، بتمويلٍ متعدّد السنوات وتقييمٍ دولي، وفتحُ بياناتها ومرافقها أمام الجامعات كي لا يُفضي التوحيد إلى تركيز القدرات في جاكرتا وحدها. وإلى صندوق LPDP، التوصيةُ هي تخصيصُ جزءٍ من عوائد وقفه البحثي البالغ 14 تريليون روبية لمنحٍ تُقدَّم إلى مجموعاتٍ بحثيةٍ محلية تُلزم الخرّيجين العائدين من الخارج بالعودة إلى مختبراتٍ محدّدة المعالم، لا إلى جامعاتهم الأمّ الخالية من البنية التحتية فحسب.
وإلى الجامعات، بما فيها شبكة الجامعات الإسلامية الحكومية التابعة لوزارة الشؤون الدينية، التوصياتُ معرفيةٌ وعمليةٌ معًا. فدخولُ جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوغياكرتا الشريحةَ 801–1000 في تصنيف THE لعام 2027 يُبيّن أنّ الجامعات الإسلامية قادرةٌ على المنافسة وفق المقاييس العالمية. والخطوة التالية هي إنشاء مراكز بحثية تجمع بين تقليدَي ابن خلدون والعطاس وأحدث مناهج العلوم الاجتماعية، وجعلُ سنغافورة وماليزيا والمحيط الهندي موضوعاتٍ للدراسة، لا الشرق الأوسط وإندونيسيا نفسها فحسب. ويمكن لوزارة الشؤون الدينية أن تموّل منحًا موضوعيةً للدكتوراه وما بعدها في دراسات جنوب شرق آسيا، والاقتصاد السياسي الإقليمي، والأمن غير التقليدي. وإلى مراكز الفكر ومؤسسات استطلاع الرأي الإندونيسية، التوصيةُ هي تصميمُ مسوحٍ للنخب والجمهور عن سنغافورة وآسيان تصدر بانتظام، كي لا تأتي البيانات المتعلّقة بالتصوّرات الإقليمية من طرفٍ واحد. وإلى وزارة الخارجية ومجلس نوّاب الشعب (DPR)، التوصيةُ هي الفصلُ بين التوتّرات السياسية والتعاون الأكاديمي، بما يضمن ألّا تنتهي الخلافات حول الضباب أو أسواق رأس المال إلى تقييد البحث المشترك، مع المطالبة بالمساواة في التصميم وملكية البيانات والتأليف في كلّ مشروعٍ تعاونيٍّ مع المؤسسات السنغافورية.
خامس عشر: حدود الدراسة وخاتمتها
لهذا التقرير جملةٌ من الحدود ينبغي التصريح بها. أولها أنّ بيانات أوبن أليكس تعذّر الوصول إليها من بيئة البحث المستخدمة، فلم تُعرض بعدُ مقارناتُ الحجم الكلّي للمنشورات والموضوعات الغالبة لكلّ مؤسسة؛ وينبغي للبحوث اللاحقة أن تُجري استعلاماتٍ مؤسسية عن جامعة سنغافورة الوطنية وجامعة نانيانغ التكنولوجية وجامعة سنغافورة للإدارة ووكالة A*STAR عبر تلك الواجهة، وأن تقارنها بالوكالة الوطنية للبحث والابتكار وكبرى الجامعات الإندونيسية. وثانيها أنّ أعداد الباحثين الأكثر استشهادًا لسنغافورة بمجملها ولجامعة سنغافورة الوطنية في قائمتي 2023 و2024 لم تكن متاحةً في المصادر المفحوصة، فقُرئ اتجاه الجامعة من نقطتي بيانات 2022 و2025 وحدهما. وثالثها أنّ مدّتَي مؤشر نيتشر للبلدين غير متطابقتين، على النحو المعروض في صفحتيهما. ورابعها أنّ عددًا من مقالات kba13.com المذكورة في هذا التقرير يُستشهد بها استنادًا إلى عناوين وسياقاتٍ جرى التحقّق منها سابقًا، لا إلى قراءةٍ كاملةٍ متجدّدة وقت الكتابة. وخامسها أنّ ملامح العلماء اقتصرت على من أمكن التحقّق من مناصبهم وأعمالهم وجوائزهم؛ ولم يُغطَّ بعدُ كثيرٌ من العلماء المهمّين الآخرين، ومنهم علماء في القانون والطب السريري والاقتصاد. ولا تغيّر هذه الحدود وجهةَ الاستنتاجات، لكنها تقيّد دقّة بعض الأرقام.
وخلاصة القول أنّ سنغافورة تُبرهن على أنّ دولةً صغيرةً بلا موارد طبيعية قادرةٌ على أن تصبح مركزًا عالميًّا للمعرفة عبر ثلاثة عناصر متشابكة: تمويلٍ للبحث يقارب واحدًا في المئة من الناتج المحلي الإجمالي يُحافَظ عليه باتّساقٍ قرابة عقدين، وتركّزٍ مؤسسيٍّ في عددٍ قليل من الجامعات ومراكز الفكر عالية الأداء، وعلاقةٍ مُدارةٍ بين الأكاديميا والدولة تتيح للمعرفة أن تنتقل سريعًا إلى السياسات. وعلماؤها، من وانغ غونغوو وتشوا بنغ هوات إلى ليم تشوي تيك وتيو يو ين، ليسوا مجرّد نتاجٍ لتلك المنظومة، بل هم حُرّاسها ونقّادها كذلك. أمّا بالنسبة إلى إندونيسيا، فالدرس الأهمّ ليس محاكاةَ الحجم ولا مطاردةَ التصنيفات، بل بناءُ القدرة على الدراسة المقابلة: أن تموّل البحث باتّساق، وأن تركّز التميّز في الحقول الاستراتيجية، وأن تملك مؤسساتٍ قادرةً على قراءة الجيران بالعمق نفسه الذي يقرأ به الجيرانُ إندونيسيا. لقد حذّر سيد حسين العطاس ذات يومٍ من خطر العقل الأسير؛ وفي عصر البيانات والتصنيفات اتّخذ ذلك الخطر شكلًا جديدًا هو التبعيّة التأويلية. وستمضي توتّرات أكتوبر 2026، غير أنّ سؤال مَن يكتب هذه المنطقة سيبقى، وستحدّد جوابَه الخياراتُ المالية والمؤسسية والفكرية التي تتّخذها إندونيسيا اليوم.
لاتماثلُ المعرفة اليوم هو لاتماثلُ القوة غدًا؛ والجواب المستدام الوحيد هو القدرة على الدراسة المقابلة.
المراجع والمصادر
- National Research Foundation (2022): Goals and Priorities Set under Research, Innovation and Enterprise 2025 Plan. NRF Singapore.
- Economic Development Board (2025): Singapore invests S$37 billion in RIE2030 research plan; semiconductors, ageing among focus areas. EDB.
- Economic Development Board (2026): Singapore’s inaugural RIE2025 report card shows business R&D spending up 64 percent at S$9 billion. EDB.
- Prime Minister’s Office Singapore (2025): SM Lee Hsien Loong at the Press Conference on the Launch of Research, Innovation, Enterprise 2030 Plan.
- Nature Index (2026): Country outputs: Singapore, 1 June 2025–30 May 2026.
- Nature Index (2026): Country outputs: Indonesia, 1 April 2025–31 March 2026.
- Clarivate (2025): Clarivate Announces Highly Cited Researchers 2025 List.
- ShanghaiRanking (2025): National University of Singapore: ARWU.
- ShanghaiRanking (2026): Nanyang Technological University: ARWU.
- Nanyang Technological University (2026): University Rankings (World/Asia).
- Sekretariat Kabinet RI (2026): Buka Sarasehan Kebangsaan KSTI 2026, Presiden Prabowo Ajak Kampus Jadi Motor Kemandirian Ekonomi [Opening the 2026 KSTI National Dialogue, President Prabowo Invites Universities to Become the Engine of Economic Self-Reliance].
- Nandiyanto, A.B.D., Biddinika, M.K., and Triawan, F. (2020): How bibliographic dataset portrays decreasing number of scientific publication from Indonesia. Indonesian Journal of Science and Technology.
- Chua Beng Huat (2017): Liberalism Disavowed: Communitarianism and State Capitalism in Singapore. NUS Press.
- Muhtadi, B., Hui Yew-Foong, and Siwage Dharma Negara (2023): The Indonesia National Survey Project 2022. ISEAS–Yusof Ishak Institute.
- Martinus, Melinda (2026): Indonesia’s Strategic Preferences amid Great-Power Competition. ISEAS Perspective 2026/65.
- Teo You Yenn (2026): Curriculum Vitae, April 2026.
- Wikipedia (accessed 2026): Syed Farid al-Attas.
- Wikipedia (accessed 2026): Subra Suresh.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Our History and Mission.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): About Us: Director and CEO.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Regional Outlook Forum 2026: Confronting Chaos.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Profile of Julia Lau.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Profile of Siwage Dharma Negara, ROF 2026.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2024): Profile of Burhanuddin Muhtadi, ROF 2024.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Profile of Terence Chong.
- S. Rajaratnam School of International Studies (2026): About RSIS.
- RSIS (2014): Leadership Transition at RSIS.
- RSIS (2025): Re-appointment of Dean in RSIS.
- RSIS (2026): Profile of Alexander Raymond Arifianto.
- Institute of Policy Studies (2026): About Us.
- East Asian Institute NUS (2026): EAI’s Profile and Objectives.
- Asia Research Institute NUS (2026): About ARI.
- Asia Research Institute NUS (2026): Distinguished Fellow: Kishore Mahbubani.
- Middle East Institute NUS (2026): About MEI.
- Lee Kuan Yew School of Public Policy (2026): Profile of Danny Quah.
- NUS College of Design and Engineering (2026): Profile of Lim Chwee Teck.
- Hong Kong Baptist University (2026): Profile of Kenneth Paul Tan.
- ISEAS–Yusof Ishak Institute (2026): Sharon Seah quoted by CNA: Malaysia wants tougher ASEAN action on haze.
- Infodocket (2026): New Analysis from Clarivate: Highly Cited Researchers Key Trends 2015–2025.
- NTU (2023): NTU is 22nd globally and first locally with most highly cited researchers.
- NTU (2024): NTU Singapore scientists named among most influential researchers in the world.
- NTU (2025): NTU Singapore scientists named among world’s most influential researchers.
- NUS News (2025): NUS academics recognised among world’s leading scientists.
- NUS News (2022): More than 30 NUS researchers placed among world’s most influential scientific minds.
- NUS Computing (2025): Two NUS Computing Professors Among the World’s Most Highly Cited Researchers 2025.
- NUS News (2019): Nobel laureate Konstantin Novoselov joins NUS.
- The Straits Times (2026): NUS falls to 10th place while NTU retains 12th spot in latest global university rankings.
- NUS Computing (2026): NUS reaches highest-ever position at 15th in THE World University Rankings 2027.
- NTU (2026): NTU Singapore rises to 28th in Times Higher Education World University Rankings.
- NTU (2023): Professor Ho Teck Hua appointed president of NTU.
- NTU School of Social Sciences (2025): New dean for Lee Kuan Yew School.
- NUS FASS (2020): Eminent NUS historian Professor Wang Gungwu receives prestigious Tang Prize.
- NUS FASS (2019): Lessons from Syed Hussein Alatas.
- SUSS (2022): SUSS appoints Humanities Professor Tan Tai Yong as President.
- The Straits Times via RSIS (2018): Indonesia honours S’porean for work on ethnic Chinese.
- Princeton Engineering (2016): Jackie Ying *91 receives Mustafa Prize and is named AAAS Fellow.
- BioSpectrum Asia (2025): Singapore honors excellence at the 2025 President’s Science and Technology Awards.
- InvestorTrust (2026): Indonesia Boosts Research Budget by $252 Million as Prabowo Targets AI and Energy Autonomy.
- Antara (2026): Laying stronger footing for Indonesia’s research push.
- RCTI+/iNews (2026): Mensesneg Ungkap Prabowo Tambah Anggaran Riset Rp4 Triliun [State Secretary Reveals Prabowo Adds Rp4 Trillion to Research Budget].
- RCTI+/Sindonews (2026): 42 Universitas Terbaik Indonesia Masuk Peringkat THE WUR 2027 [42 of Indonesia’s Best Universities Enter the THE WUR 2027 Rankings].
- GoodStats (2026): Universitas Terbaik di Indonesia versi QS WUR 2027 [Indonesia’s Best Universities in the QS WUR 2027].
- Infobank (2026): Dana Abadi LPDP Tembus Rp180,8 Triliun [LPDP Endowment Fund Exceeds Rp180.8 Trillion].
- Mothership (2026): Grace Fu: Preventive measures notice to 7 Indonesian companies over haze.
- The Star (2026): Prabowo vows Indonesia will not be ‘frightened’ by MSCI amid proposed market downgrade.
- Ahmad, Kamaruzzaman Bustamam (2026): Kishore Mahbubani: Singapore’s Diplomat-Philosopher and the Case for an Asian Century. Digital Archive.
- Gunawan, Hendra (2014): Mengintip Masa Depan [Peering into the Future]. Kompas, 2 May 2014. Digital Archive.
- Santosa, Budi (2014): Dari “Brain Drain” ke “Brain Gain” [From “Brain Drain” to “Brain Gain”]. Kompas, 2 May 2014. Digital Archive.
- Ahmad, Kamaruzzaman Bustamam (2026): Islam di Dunia Melayu dan Samudera Hindia: Sejarah, Jaringan, dan Paradigma Baru Studi Islam [Islam in the Malay World and the Indian Ocean: History, Networks, and a New Paradigm of Islamic Studies]. Digital Archive.
- Ahmad, Kamaruzzaman Bustamam and Fitri Zulfidar Ibrahim (2025): Intelligence as Statecraft: Singapore’s Strategic Transformation in the Indo-Pacific. Digital Archive.
- Ahmad, Kamaruzzaman Bustamam (2025): Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia [Portraying the Face of Singapore Inc. in Indonesia]. Digital Archive.
- KBA13 Insight (2025): Profil Sarjana Terkenal Singapura: Politik, Ekonomi, Teknologi, Hukum, dan Sains [Profiles of Prominent Singaporean Scholars: Politics, Economics, Technology, Law, and Science].
- KBA13 Insight (2026): Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia [The Future of Confrontation towards Open War between Singapore and Indonesia].
- المرصد الجاوي (2026): ما وراء الدخان: حرائق إندونيسيا عام 2026
- المرصد الجاوي (2025): القوة الاستخباراتية لسنغافورة: البنية والتحالفات والتكنولوجيا في السنوات العشر الأخيرة
- KBA13 Insight (2024): Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN [Indonesia–Singapore Relations: Economic Interdependence, Security Politics, and ASEAN Strategic Dynamics].
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). مصنع المعرفة عند طرف شبه الجزيرة: كبار علماء سنغافورة، وقواعد البيانات العلمية، واتجاهات أبحاثهم. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com


