, , ,

تحت سماءٍ منتظمة: خريطة التيّارات السياسية في سنغافورة وجذور القومية المتطرّفة والمحافظة المتشدّدة في الدولة المدينة

المرصد الجاوي

تحت سماءٍ منتظمة: خريطة التيّارات السياسية في سنغافورة وجذور القومية المتطرّفة والمحافظة المتشدّدة في الدولة المدينة

هل تُؤوي سنغافورة تيّاراتٍ مُغاليةً في القومية ومُغاليةً في المحافظة؟ يرسم هذا التقدير الاستراتيجي خريطةَ التيّارات السياسية كلّها في الدولة المدينة، من النواة الجماعاتية لحزب العمل الشعبي (PAP) إلى النيتيفية الإلكترونية والمحافظة الدينية والهامش اليميني المتطرّف العنيف، ثم يفسّر لماذا توجد هذه التيّارات الصلبة، وما مقدار قوّتها، وكيف تفاعلت مع التوتّرات مع إندونيسيا في أكتوبر 2026.

28 أكتوبر 2026 · تقدير استراتيجي · الجغرافيا السياسية · دراسات جنوب شرق آسيا · السلام والأمن

الملخّص

أثارت التوتّرات الإندونيسية السنغافورية في أكتوبر 2026 أسئلةً عن طبيعة السياسة الداخلية في الدولة المدينة: هل يخفي انتظامُ سنغافورة تيّاراتٍ مُغاليةً في القومية ومُغاليةً في المحافظة قد تُصلّب موقفها من جيرانها؟ يرسم هذا التقدير الاستراتيجي خريطةَ التيّارات السياسية السنغافورية كلّها بالتمييز بين طبقاتٍ ثلاث، هي الأيديولوجيا والخطاب والتنظيم، ويمتنع عن إلصاق وسْم «الغلوّ» بأيّ شخصٍ أو جماعةٍ دون سندٍ من المصادر. وتأتي البيانات من البيانات الرسمية لجهاز الأمن الداخلي (ISD) ووزارة الشؤون الداخلية (MHA) ووزارة الدفاع (MINDEF) والمكتبة الوطنية؛ ومن مسوح معهد الدراسات السياسية (IPS) (مسح ما بعد الانتخابات لعام 2025، ومسح القيم العالمية لعام 2020، ومؤشرات الوئام العِرقي والديني لعام 2024)؛ ومن مسوح مؤسسة Ipsos؛ ومن تدقيقٍ حاسوبيّ لـ31 مليون منشورٍ إلكتروني؛ ومن أعمال تشوا بنغ هوات، وكينيث بول تان، وتشيريان جورج، ومايكل بار، وغاري رودان؛ ومن أرشيفَي kba13.com وpustaka.kba13academy.com. وتُظهر النتائج أنّ النيتيفية الاقتصادية هي أقرب التيّارات إلى اليمين الراديكالي، لكنّها تعيش خطابًا إلكترونيًّا وبلاغةً هامشية، لا حزبًا. والمحافظة الأخلاقية الدينية مُمأسَسةٌ ذات نفوذ، لكنّها تعمل عبر القنوات القانونية. ولا يظهر تطرّف اليمين المتطرّف إلّا في صورة تطرّفٍ ذاتيٍّ معزولٍ لدى مراهقين. وتستوعب دولةُ حزب العمل الشعبي الجماعاتيةُ هذه التيّارات كلّها وتنظّمها وتُخضعها للأمننة. وتختتم الدراسة باختبارٍ لنظرية موده، وسيناريوهاتٍ حتى عام 2030، وتوصياتٍ إلى فاعلين سنغافوريين وإندونيسيين.

الأطروحة

في سنغافورة نيتيفيةٌ بلا حزبٍ يمينيٍّ راديكالي، ومحافظةٌ بلا حركةٍ مُغالية: فهذه التيّارات الصلبة حقيقيةٌ في الخطاب وعلى هامش العنف الفردي، لكنّ دولةً جماعاتيةً راسخةً في سردية الهشاشة قد احتلّت سلفًا الحيّز الذي ينمو فيه اليمين الراديكالي عادةً.

البيانات والمصادر

بيانات جهاز الأمن الداخلي ووزارة الشؤون الداخلية ووزارة الدفاع والمكتبة الوطنية (ISD/MHA/MINDEF/NLB)، ومسوح IPS وIpsos، وتدقيقٌ لـ31 مليون منشورٍ إلكتروني، والإعلام الرصين، وأرشيفا kba13.com وpustaka.kba13academy.com.

الإطار التحليلي

موده (اليمين الراديكالي الشعبوي)، والأمننة عند مدرسة كوبنهاغن، وجماعاتية تشوا، ونقد تان للجدارة، وبار، وجورج، ورودان.

الاستشراف

خمسة سيناريوهاتٍ للتيّارات السياسية السنغافورية حتى عام 2030، وعواقبها على العلاقات مع إندونيسيا.

الكلمات المفتاحية: سنغافورة؛ حزب العمل الشعبي؛ النيتيفية؛ القومية؛ المحافظة الدينية؛ المادّة 377A؛ اتفاقية CECA؛ تطرّف اليمين المتطرّف؛ الأمننة؛ قانون FICA؛ العلاقات الإندونيسية السنغافورية؛ موده

أولًا: سماءٌ منتظمة، وسؤال «الغُلاة»

في منتصف أكتوبر 2026 ابيضّت سماءُ سنغافورة بدخان حرائق الغابات والأراضي في سومطرة وكاليمانتان، واهتزّت بورصة جاكرتا لِما أعلنته مؤسسة MSCI من عزمها على إعادة تصنيفها، وفي 24 أكتوبر شرعت هيئة SKK Migas في خفض إمدادات الغاز المنقول بالأنابيب إلى سنغافورة. وفي مناخٍ كهذا يسهل على الرأي العام الإندونيسي أن يتخيّل سنغافورة جسدًا سياسيًّا واحدًا متجانسًا: عقلانيًّا باردًا، مُفرطًا في نزعته القومية في نظر بعضهم. وفي عام 2026 نسجت مقالةٌ منشورة في KBA13 Insight بعنوان «Masa Depan Konfrontasi menuju Perang Terbuka Antara Singapura dan Indonesia» [مستقبل المجابهة نحو حربٍ مفتوحة بين سنغافورة وإندونيسيا] (25 أكتوبر 2026)، وهي مفهرسةٌ كذلك وثيقةً في أرشيف KBA13 Academy ومكتبتها، هذه الصواعقَ الثلاث، أي الدخان والأسهم والغاز، في نسيج الذاكرة التاريخية للمجابهة (Konfrontasi) بين عامَي 1963 و1966، وعرضت سيناريوهاتٍ للفترة 2027–2030. والسؤال الذي وُلد من رحم هذا الموقف يبدو بسيطًا وهو في حقيقته مركّب: لماذا توجد في سنغافورة تيّاراتٌ مُغالية في القومية ومُغالية في المحافظة، وما مقدار تأثيرها في الطريقة التي تعامل بها الدولةُ المدينةُ جيرانَها؟ إنّ السؤال يحمل في طيّه افتراضًا مسبقًا بأنّ تيّارات «الغُلاة» موجودةٌ فعلًا، وأنّها من القوّة بحيث يُعتدّ بها. ولا تسلّم هذه الدراسة بذلك الافتراض تسليمًا، بل تُخضعه للاختبار، فترسم خريطة التيّارات السياسية السنغافورية كلّها، من الحزب الحاكم إلى الهامش العنيف، وتزن كلَّ وَسْمٍ بميزان الدليل.

وقد وُضعت هذه الدراسة عن قصدٍ إلى جانب ثلاث دراساتٍ نشرها المرصد في اليوم السابق، فلا تكرّر زواياها. فدراسة «حرب السرديات عبر المضيق» (27 أكتوبر 2026) انتهت إلى أنّ رأي مستخدمي الإنترنت السنغافوريين في أزمة أكتوبر كان عفويًّا نابعًا من القاعدة، ولم تجد دليلًا على عملية تأثيرٍ تديرها الدولة السنغافورية؛ وقد شرّحت تلك الدراسة أيضًا البنيان القانوني لقانونَي POFMA وFICA تشريحًا مفصّلًا، فتكتفي هذه الدراسة بالإحالة إليها. أمّا دراسة «سلّم التصعيد في مضيق سنغافورة» فتقرأ الموقف السنغافوري بوصفه نزعةً قانونيةً وليدةَ الإحساس بالهشاشة، وتبني سلّمًا للتصعيد حتى عام 2030. وتُبيّن دراسة «سلامٌ على تباعُد» أنّ خطّ الانقسام الرئيس في المجتمع السنغافوري صار اليوم الطبقةَ ووضعَ المواطنة، لا العِرق. وتترك الدراسات الثلاث فجوةً تعترف بها هي نفسها: فلا توجد بعدُ خريطةٌ شاملة للتيّارات الأيديولوجية في سنغافورة، ولا قراءةٌ للمنتديات الإلكترونية من قبيل HardwareZone وReddit، ولا بياناتٌ كمّية عن المشاعر النيتيفية (أي نزعة تفضيل «أبناء البلد» ومعاداة الوافدين). وهذه الدراسة تسدّ تلك الفجوة.

ويمكن إيجاز الحجّة التي تتبسّط فيها الصفحات التالية منذ البداية. ففي سنغافورة تيّاراتٌ صلبة حقًّا: نيتيفيةٌ اقتصادية تعادي العمّال الأجانب واتفاقيات التجارة، ومحافظةٌ أخلاقية دينية ترفض التحوّلات في الأعراف الجنسية والأسرية، وحفنةٌ من المراهقين يتطرّفون ذاتيًّا عبر أيديولوجيا اليمين المتطرّف والأيديولوجيات العنيفة المركّبة. غير أنّ أيًّا منها لا يشكّل حركةً مُغاليةً منظَّمة. وليس مردّ ذلك إلى القمع وحده، بل إلى أنّ الدولة التي شادها حزب العمل الشعبي (People’s Action Party، PAP) تحتلّ سلفًا الحيّز الأيديولوجي الذي يملؤه اليمين الراديكالي في أماكن أخرى: فالدولة نفسها جماعاتيةٌ محافظة، قوميةٌ دفاعية، سريعةٌ جدًّا إلى تحويل قضايا الهوية إلى قضايا أمنية. وتعرض الأقسام الخمسة عشر التالية الإطارَ والمنهج، والنواةَ الأيديولوجية لحزب العمل الشعبي، والخريطةَ الانتخابية والمعارضة، وأربعةَ تيّاراتٍ صلبة وتيّارًا ليبراليًّا واحدًا، واستجابةَ الدولة، والتفسيرَ النظري، وأصواتَ القادة، والمرآةَ الإندونيسية في أكتوبر 2026، والحججَ المضادّة، والسيناريوهات، والتوصيات، وحدودَ الدراسة.

ثانيًا: الإطار التحليلي والمنهج ودرجات الثقة

تميّز هذه الدراسة بين ثلاث طبقاتٍ كثيرًا ما تختلط في الجدل العام. فالطبقة الأولى هي الأيديولوجيا، أي جملةُ الأفكار في مَن ينتمي إلى الأمّة، وكيف ينبغي أن يُنظَّم المجتمع، وأيّ القيم يجب الذود عنها. والطبقة الثانية هي الخطاب البلاغي، أي الطريقة التي يؤطّر بها الفاعلون السياسيون القضايا، كأن يُصبَغ جدلٌ حول العمالة الأجنبية بصبغةٍ عِرقية. والطبقة الثالثة هي التنظيم، أي المَراكب التي تحمل الأيديولوجيا والخطاب إلى الساحة السياسية: الأحزاب، وجماعات المجتمع المدني، والشبكات الدينية، والمجتمعات الإلكترونية. ولا يستحقّ تيّارٌ أن يوصف بـ«الغلوّ» إلّا إذا استوفى شرطين على الأقلّ من شروطٍ ثلاثة: أن يعتنق أفكارًا إقصائيةً تعادي الجماعات الخارجية جملةً، وأن يرفض النظام الدستوري التعدّدي أو يسوّغ الإكراه، وأن يكون له حاملٌ منظَّم. وعلى هذا الأساس لا تصف الدراسة أيّ شخصٍ أو جماعةٍ مسمّاة بـ«الغلوّ» ما لم تسنده مصادر رسمية أو أكاديمية؛ والأدقّ في أغلب الأحوال أن يقال «نيتيفي» أو «محافظ» أو «شعبوي»، ويُربَط كلُّ وصفٍ من هذه الأوصاف بدليلٍ بعينه.

تأتي العدسة النظرية الأولى من عمل كاس موده (Cas Mudde) «Populist Radical Right Parties in Europe» [أحزاب اليمين الراديكالي الشعبوي في أوروبا] (مطبعة جامعة كامبريدج، 2007)، وهو المرجع المعياري في تعيين اليمين الراديكالي الشعبوي. وفي عام 2025 لخّص جواو فيريرا دياس (João Ferreira Dias)، في تعليقٍ للمركز الأوروبي لدراسات الشعبوية بعنوان «What Is the Ideology That Has Attained Social Hegemony? Let Us Call It Simply Nativism» [ما الأيديولوجيا التي بلغت الهيمنة الاجتماعية؟ لنسمّها ببساطة النيتيفية]، النيتيفيةَ مستندًا إلى موده وروفيرا كالتفاسر (Rovira Kaltwasser) بأنّها رؤيةٌ للعالم تدافع عن السكّان «الأصليين» في وجه تهديداتٍ خارجية وداخلية، وصاغ شعبوية اليمين الراديكالي بنيةً ثلاثية: انقسامٌ أخلاقيٌّ بين شعبٍ طاهر ونخبةٍ فاسدة، ودفاعٌ عن الهوية الوطنية في مواجهة التعدّدية الثقافية، ومعارضةٌ لليسار. والعدسة الثانية هي نظرية الأمننة (securitisation) عند باري بوزان (Barry Buzan) وأولي ويفر (Ole Wæver) وياب دي فيلده (Jaap de Wilde). وتشدّد مراجعة مركز CESRAN لكتاب «Security: A New Framework for Analysis» [الأمن: إطارٌ جديد للتحليل] (لين رينر، 1998) على أنّ الأمننة فعلٌ كلاميّ ينجح حين يتقبّل جمهورٌ ما قضيةً بوصفها «تهديدًا وجوديًّا» يسوّغ تدابير استثنائية. أمّا العدسة الثالثة فمن صميم الدرس الأكاديمي السنغافوري: جماعاتيةُ تشوا بنغ هوات (Chua Beng Huat)، ونقدُ كينيث بول تان (Kenneth Paul Tan) للجدارة، واستعارةُ تشيريان جورج (Cherian George) عن «الأمّة المكيَّفة الهواء»، وشبكاتُ النخبة عند مايكل بار (Michael Barr)، ونظريةُ غاري رودان (Garry Rodan) في المشاركة بلا ديمقراطية.

ومن الناحية المنهجية تجمع الدراسة بين تحليل الوثائق الرسمية (بيانات جهاز الأمن الداخلي، ووزارة الشؤون الداخلية، ووزارة الدفاع، وموسوعة المكتبة الوطنية)، وبيانات المسوح (مسح ما بعد الانتخابات الصادر عن معهد الدراسات السياسية IPS لعام 2025، والمكوّن السنغافوري من مسح القيم العالمية لعام 2020، ومؤشرات الوئام العِرقي والديني الصادرة عن IPS وOnePeople.sg لعام 2024، ومسح مؤسسة Ipsos لعام 2022)، وتدقيقٍ حاسوبيّ لأكثر من 31 مليون منشورٍ إلكتروني، وتغطيات الإعلام الرصين، وأرشيفَي kba13.com وpustaka.kba13academy.com. وحدّ البيانات الزمنيّ هو 28 أكتوبر 2026. ويُسنَد إلى كلّ حكمٍ مستوى من الثقة: فالثقة العالية تُمنح حين يستند الاستنتاج إلى مصادر رسمية أو مسوحٍ متعدّدة متّسقة؛ والمتوسّطة حين يستند إلى مصدرٍ رصينٍ واحد أو إلى استدلالٍ معقولٍ من مؤشراتٍ عدّة؛ والمنخفضة حين يكون مرجَّحًا لكنّ الدليل المفتوح شحيح. ولا بدّ من ملاحظةٍ اصطلاحيةٍ منذ البداية: ففي مسح IPS لما بعد الانتخابات يشير عنقود «المحافظين» إلى الناخبين الميّالين إلى صون الوضع السياسي القائم وهيمنة الحزب الحاكم، لا إلى المحافظة الأخلاقية أو الدينية. والخلط بين المعنيين يفضي إلى استنتاجاتٍ خاطئة عن مدى «المحافظة» في سنغافورة.

ثالثًا: النواة الأيديولوجية لحزب العمل الشعبي: البراغماتية والجدارة والتعدّدية العِرقية وسردية الهشاشة

لا بدّ لأيّ خريطةٍ للتيّارات السياسية السنغافورية أن تبدأ بحزب العمل الشعبي، فالحزب الذي يحكم منذ عام 1959 ليس لاعبًا بين لاعبين، بل هو مصمّم الملعب نفسه. وتتجلّى نواته الأيديولوجية أوضحَ ما تتجلّى في وثيقة القيم المشتركة. فموسوعة المكتبة الوطنية السنغافورية، في مدخل «القيم المشتركة» من Infopedia، تسجّل أنّ غوه تشوك تونغ (Goh Chok Tong) اقترح أوّل مرّة جملةً من القيم الرسمية في 28 أكتوبر 1988، وأنّ الرئيس وي كيم وي (Wee Kim Wee) جدّد الدعوة في 9 يناير 1989، وأنّ الكتاب الأبيض في القيم المشتركة قُدّم إلى البرلمان في 2 يناير 1991، وأنّ البرلمان أقرّه في 15 يناير 1991. والقيم الخمس هي: الأمّة قبل الجماعة والمجتمع فوق الذات، والأسرة وحدةً أساسية للمجتمع، ومساندة الجماعة واحترام الفرد، والتوافق لا الصراع، والوئام العِرقي والديني. وكانت الخلفيةُ قلقَ النخبة من أنّ المواطنين ينجرفون نحو نظرةٍ إلى الحياة هي، بعبارة وي، «أكثر تغرّبًا ونزوعًا إلى الفردانية وتمركزًا حول الذات». وللوثيقة شأنٌ في هذه الدراسة لأنّها تُظهر أنّ المحافظة الأسرية والارتياب في الفردانية الغربية ليسا من بضاعة الجماعات الهامشية، بل من صميم عقيدة الدولة.

وفي عام 2017 بيّن تشوا بنغ هوات، في كتابه «Liberalism Disavowed: Communitarianism and State Capitalism in Singapore» [الليبرالية المُنكَرة: الجماعاتية ورأسمالية الدولة في سنغافورة] (مطبعة جامعة سنغافورة الوطنية)، أنّ حزب العمل الشعبي شاد أيديولوجيا جماعاتيةً غير غربية بديلًا من الليبرالية، واختبرها في الإسكان العام والتعدّدية العِرقية ورأسمالية الدولة؛ ولاحظ كذلك «لَبْرَلةً للمجال الثقافي» لم يصحبها انهيارٌ لهيمنة الحزب. وفي عام 2008 ذهب كينيث بول تان، في مقالته في مجلة International Political Science Review بعنوان «Meritocracy and Elitism in a Global City: Ideological Shifts in Singapore» [الجدارة والنخبوية في مدينةٍ عالمية: التحوّلات الأيديولوجية في سنغافورة]، إلى أنّ الجدارة أيديولوجيا قلِقة لأنّ مثالها المساواتيّ يصطدم بالتنافس والمكافأة، فتغدو في الممارسة مسوِّغًا للنخبوية وللحكم التكنوقراطي، وتوقّع أن يتآكلها التفاوت في الدخل والأزمات العالمية. وتتبّع مايكل بار، في «The Ruling Elite of Singapore» [النخبة الحاكمة في سنغافورة] (I.B. Tauris، 2014)، شبكاتِ السلطة التي نُسجت حول لي كوان يو (Lee Kuan Yew)، فيما ذهب بار وزلاتكو سكربيس (Zlatko Skrbis)، في «Constructing Singapore: Elitism, Ethnicity and the Nation-building Project» [بناء سنغافورة: النخبوية والإثنية ومشروع بناء الأمّة] (NIAS Press، 2009)، إلى أنّ مشروع بناء الأمّة بقيادة النخبة أتاح لـ«نسخةٍ سنغافوريةٍ من القومية الإثنية الصينية» أن تهيمن على الجدل في الهوية الوطنية.

والعنصر الثالث هو سردية الهشاشة، أي الاعتقاد بأنّ دولةً صغيرةً بلا موارد طبيعية لا تبقى إلّا بالانضباط والوحدة واليقظة. فوزارة الدفاع السنغافورية تسجّل، في صحيفة الوقائع عن تطوّر مفهوم الدفاع الشامل (15 فبراير 2019)، أنّ المفهوم أُدخل عام 1984 محتذيًا النموذجين السويدي والسويسري، وجعل الدفاعَ النفسيّ نواتَه، ثم أضاف عام 2019 الدفاعَ الرقميّ ركيزةً سادسة. ويصف كينيث بول تان، في «Singapore: Identity, Brand, Power» [سنغافورة: الهوية والعلامة والقوّة] (مطبعة جامعة كامبريدج، 2018)، دولةً تقود صناعة سرديةٍ وطنية للدفاع عن النفس وتعتمد على القوّة الذكية لأنّ مواردها محدودة. ولم يغيّر خطُّ القيادة الممتدّ من لي كوان يو وغوه تشوك تونغ ولي هسين لونغ (Lee Hsien Loong) إلى لورنس وونغ (Lawrence Wong)، الذي أدّى اليمين في 15 مايو 2024، شيئًا من هذه النواة. ويسمّيها تشيريان جورج، في «Singapore: The Air-Conditioned Nation» [سنغافورة: الأمّة المكيَّفة الهواء] (Landmark Books، 2000؛ طبعة منقّحة 2020)، سياسةَ الراحة والسيطرة، بينما يُبيّن غاري رودان، في «Participation without Democracy» [المشاركة بلا ديمقراطية] (مطبعة جامعة كورنيل، 2018)، أنّ قنوات المشاركة التشاورية أسهمت في إخماد التنافس أكثر ممّا أسهمت في توسيعه. والنتيجة بالنسبة إلى هذه الدراسة حاسمة: فحزب العمل الشعبي نفسه هو الحامل الأوّل لقوميةِ دولةٍ محافظةٍ جماعاتية، ومن ثَمّ فعلى أيّ تيّارٍ يمينيٍّ آخر أن ينافس الدولةَ على الأرض الأيديولوجية ذاتها.

رابعًا: الخريطة الانتخابية والطيف الأيديولوجي للمعارضة

يقدّم الاقتراعان الأخيران صورةً عن تخوم الطيف السياسي. فقد لاحظ تقريرٌ لقناة الجزيرة بعنوان «Singapore’s governing PAP returns to power but faces setback» [حزب العمل الشعبي الحاكم في سنغافورة يعود إلى السلطة لكنّه يواجه انتكاسة] (11 يوليو 2020) أنّ الحزب فاز في انتخابات 10 يوليو 2020 بـ83 مقعدًا من 93 بنحو 61 في المئة من الأصوات، نزولًا من 70 في المئة عام 2015، في حين فاز حزب العمّال (Workers’ Party، WP) بعشرة مقاعد، وهو أكبر عددٍ ظفرت به المعارضة قطّ؛ ووصف لي هسين لونغ ذلك بأنّه «ليس تفويضًا بالقوّة التي كنتُ أرجوها، لكنّه تفويضٌ جيّد». وفي انتخابات 3 مايو 2025 سجّل تقريرٌ لـMothership/MustShareNews بعنوان «GE2025: PAP forms Govt with landslide 65.57% of votes» [الانتخابات العامة 2025: حزب العمل الشعبي يشكّل الحكومة بفوزٍ كاسح بنسبة 65.57% من الأصوات] (4 مايو 2025) أنّ الحزب نال 65.57 في المئة من الأصوات و87 مقعدًا من 97. وأضاف تقريرٌ لـThe Edge Singapore بعنوان «PAP wins 87 of 97 seats, clinches 65.57% vote share» [حزب العمل الشعبي يفوز بـ87 مقعدًا من 97 ويحصد 65.57% من الأصوات] أنّ حزب العمّال احتفظ بمقاعده العشرة، وأنّ حزب تقدّم سنغافورة (Progress Singapore Party، PSP) خسر مقعدَيه من مقاعد النوّاب غير الممثّلين لدوائر (NCMP)، وأنّ نسبة الإقبال البالغة 92.47 في المئة كانت أدنى مستوى جديد. ووجد مسح IPS لما بعد الانتخابات، «POPS(12) IPS Post-Election Survey 2025» (2,056 مستجيبًا)، أنّ 74 في المئة من المستجيبين عدّوا كلفة المعيشة بالغة الأهمية، وأنّ 74 في المئة رأوا من المهمّ وجود نوّابٍ معارضين منتخَبين، وأنّ مصداقية حزب العمل الشعبي هبطت 17 نقطة إلى 69 في المئة، ومصداقية حزب العمّال 14 نقطة إلى 65 في المئة. وارتفع عنقود «المحافظين» من 19 إلى 25 في المئة، وعنقود «التعدّديين» من 22 إلى 27 في المئة، بينما انكمش الناخبون «المتأرجحون» من 59 إلى 48 في المئة؛ ووقع صعود العنقود المؤيّد للوضع القائم أساسًا بين من تتراوح أعمارهم بين 21 و39 عامًا.

وطيف المعارضة ضيّقٌ ووسطيٌّ في معظمه. فحزب العمّال يقدّم نفسه رقيبًا على الحكومة ببرنامجٍ قوامه حدٌّ أدنى للأجور، ورعايةٌ صحية ميسورة الكلفة، ومراقبةٌ للإنفاق العام، على نحو ما يلخّصه دليل The Money Bees لعام 2026 إلى الأحزاب السياسية السنغافورية، الذي يسجّل أيضًا الحصص الوطنية من الأصوات: 14.99 في المئة لحزب العمّال، و4.88 في المئة لحزب تقدّم سنغافورة، و3.96 في المئة لحزب النقطة الحمراء المتّحدة (Red Dot United، RDU)، و3.72 في المئة للحزب الديمقراطي السنغافوري (SDP)، و2.51 في المئة لتحالف الشعب من أجل الإصلاح (PAR)، و1.18 في المئة لحزب الشعب السنغافوري (SPP). ويوصف حزب تقدّم سنغافورة بأنّه حزبٌ يميل إلى الوسط، يُعنى بكلفة المعيشة، والوظائف لأبناء البلد، وسياسة صندوق الادّخار المركزي (CPF). ويخوض الحزب الديمقراطي السنغافوري حملاته على يُسر الإسكان وحرّية التعبير؛ ويلاحظ تحليل نغ روبن (Ng Reuben) في Global-is-Asian بعنوان «Why did some opposition parties see stinging losses at GE2025?» [لماذا مُنيت بعض أحزاب المعارضة بخسائر موجعة في الانتخابات العامة 2025؟] (مايو 2025) أنّ تشي سون جوان (Chee Soon Juan) نال قرابة 47 في المئة في سيمباوانغ الغربية، ويذكر برنامج الحزب في الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد. ويصف ملخّصٌ موسوعيّ عن حزب النقطة الحمراء المتّحدة الحزبَ الذي أسّسه رافي فيليمون (Ravi Philemon) وميشيل لي (Michelle Lee) في 26 مايو 2020 بأنّه ديمقراطيٌّ اجتماعيٌّ تقدّميٌّ من يسار الوسط.

وعلى الطرف الآخر من الطيف أحزابٌ صغيرة تتوسّل لغةً شعبوية. فملخّصٌ موسوعيّ عن حزب صوت الشعب (Peoples Voice) يسجّل أنّ الحزب الذي يقوده ليم تين (Lim Tean) سُجّل في أكتوبر 2018، ويُصنَّف شعبويًّا، ونال 2.37 في المئة من الأصوات الوطنية عام 2020، وهو منذ يونيو 2023 جزءٌ من تحالف PAR. وقبل ذلك سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore opposition party SingFirst dissolved» [حلّ حزب سينغفيرست المعارض في سنغافورة] (25 يونيو 2020)، أنّ الحزب المسمّى «السنغافوريون أوّلًا» (Singaporeans First)، الذي أسّسه تان جي ساي (Tan Jee Say) في أغسطس 2014، حُلّ قبيل انتخابات 2020 بعد خسارته في دائرتين جماعيتين (GRC) عام 2015. وكان اسم الحزب وحده يختزل شعارًا للقومية الاقتصادية ذاع منذ عام 2011، غير أنّ مسيرته الانتخابية كانت قصيرة. وقد أظهر التصويت عام 2022 على إلغاء المادّة 377A أنّ الانقسام الأخلاقي يخترق الأحزاب بدل أن يفصل بينها: فقد عارض الإلغاءَ عضوان من حزب العمّال، وامتنع عضوان آخران منه عن التصويت على التعديل الدستوري، وعارض ذلك التعديلَ عضوان من حزب تقدّم سنغافورة. وتقدير هذا القسم أنّه لا يوجد في سنغافورة حزبٌ ذو حصّةٍ معتبرة من الأصوات يحمل برنامجًا مُغاليًا في القومية أو في المحافظة؛ فالخطاب النيتيفي يطفو فعلًا في الأحزاب الهامشية، وفي قضايا بعينها لدى أحزابٍ متوسّطة الحجم، لكنّ جاذبيته الانتخابية ضئيلة (ثقة عالية).

خامسًا: النيتيفية والقومية الاقتصادية: من هونغ ليم إلى اتفاقية CECA

أقربُ التيّارات إلى اليمين الراديكالي في سنغافورة هو النيتيفية الاقتصادية، أي الاعتقاد بأنّ أبناء البلد يُغبَنون بتدفّق الوافدين الجدد وباتفاقيات التجارة. وفي عام 2015 ميّز ج. ليم (J. Lim)، في مقالته في المجلة اليابانية للعلوم السياسية بعنوان «Popular nationalism in the wake of the 2011 national elections in Singapore» [القومية الشعبية في أعقاب الانتخابات الوطنية لعام 2011 في سنغافورة]، بين قومية الدولة التي يروّجها حزب العمل الشعبي، ومحورها النموّ الاقتصادي وانتصارات الحزب على الاستعمار والعنف العِرقي والشيوعية، وقوميةٍ شعبيةٍ تنبت من القاعدة وتستشعر أنّ الهوية الوطنية مهدَّدة بسياسات الهجرة الليبرالية، ولا سيّما بالوافدين الجدد الذين تسمّيهم الحكومة المواهب الأجنبية. وقد بلغ هذا التيّار ذروته العلنية قبل ذلك بعامين. فقد سجّل تقريرٌ لقناة الجزيرة بعنوان «Singaporeans protest over population plan» [سنغافوريون يحتجّون على خطّة السكّان] (16 فبراير 2013) أنّ ما لا يقلّ عن 4,000 شخص احتشدوا في متنزّه هونغ ليم (Hong Lim Park) معارضين للكتاب الأبيض في السكّان، الذي توقّع أن يرتفع عدد السكّان من 5.3 ملايين إلى 6.9 ملايين بحلول عام 2030، ولا سيّما عبر العمّال الأجانب. وطالب منظِّم الاحتجاج جيلبرت غوه (Gilbert Goh) الحكومةَ بمراجعة السياسة، وقال المخطّط المالي ليونغ سزي هيان (Leong Sze Hian) إنّ الدولة لا يجوز أن تستقدم الأجانب ليزاحموا أبناءها وهي لا تكاد تفعل شيئًا لرعاية أولئك الأبناء.

وفي نهاية العام نفسه امتُحن ما إذا كانت التوتّرات بين الوافدين وأبناء البلد ستنقلب عنفًا طائفيًّا، وذلك في شغب حيّ الهند الصغيرة (Little India). فقد سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Little India riot was sparked off by accident, inquiry panel says» [لجنة التحقيق: شغب الهند الصغيرة أشعلته حادثة] (1 يوليو 2014)، أنّ نحو 400 مشاغبٍ شاركوا فيه في 8 ديسمبر 2013 بعد أن لقي مواطنٌ هنديّ حتفه تحت عجلات حافلة. ورفضت لجنة التحقيق القراءةَ التي تردّ الشغب إلى سخط العمّال الأجانب على ظروف عملهم، وشدّدت على أنّ محاولات تأطيره قضيةً عِرقية لا أساس لها البتّة، وسمّت الكحولَ عاملًا مساهمًا رئيسًا. وهذه الاستجابة نموذجية: فقد أطّرت الدولة الحادثة مسألةَ نظامٍ عام، لا مسألةَ مظلوميةٍ بنيوية، فضيّقت بذلك الحيّز المتاح للتعبئة النيتيفية من حولها. ثم تمركزت الموجة التالية حول CECA، أي اتفاقية التعاون الاقتصادي الشامل مع الهند. فقد سجّل موقع Mothership، في تقرير «Ong Ye Kung agrees with Pritam Singh that early information on nativist issues could help quell falsehoods early» [أونغ يي كونغ يوافق بريتام سينغ على أنّ المعلومات المبكرة في القضايا النيتيفية قد تساعد على وأد الأكاذيب مبكرًا] (6 يوليو 2021)، إصرارَ الوزير أونغ يي كونغ (Ong Ye Kung) على أنّ «الفصل التاسع من اتفاقية CECA لا يسمح بتدفّقٍ غير مقيَّد للمواطنين الهنود»، ومطالبتَه حزبَ تقدّم سنغافورة بسحب ادّعاءاته، بينما تحدّث بريتام سينغ (Pritam Singh) من حزب العمّال عن الحاجة إلى شفافية البيانات لإخماد الأحاديث المنجرفة نحو كراهية الأجانب أو النيتيفية. وعاد Mothership فسجّل، في تقرير «PSP’s anti-CECA campaign has ‘strongly racist & xenophobic undertones’: Lawrence Wong» [لورنس وونغ: حملة حزب تقدّم سنغافورة على اتفاقية CECA تنطوي على «إيحاءاتٍ عنصرية وكارهة للأجانب بقوّة»] (14 سبتمبر 2021)، أنّ لورنس وونغ رأى في مذكّرة حزب تقدّم سنغافورة نبرةً عنصرية كارهةً للأجانب، وطالب الحزب بالكفّ عن استغلال مخاوف المواطنين؛ وقد رفض الحزب نفسه هذه التهمة؛ إذ نقل موقع MustShareNews، في تقرير «PSP Refutes Ong Ye Kung’s Claims That They Contributed To Racist Sentiments, Demands Apology» [حزب تقدّم سنغافورة يدحض ادّعاءات أونغ يي كونغ بأنّه أسهم في المشاعر العنصرية ويطالب باعتذار] (2 يوليو 2021)، عن الأمين العام للحزب فرانسيس يوين (Francis Yuen) قوله إنّ الجدل يتعلّق بالمهنيين والمديرين والتنفيذيين والفنّيين، لا بالتوتّر العِرقي.

وفي مايو 2021 لامس الجدلُ العنفَ الفعلي. فقد سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore PM Lee and several ministers speak out against alleged racist attack» [رئيس الوزراء لي وعددٌ من الوزراء ينددون باعتداءٍ يُشتبه في دوافعه العنصرية] (11 مايو 2021)، اعتداءً على امرأةٍ من أصلٍ هنديّ ندّد به لي هسين لونغ وعددٌ من الوزراء. وفي عام 2022 ذهبت عالمة الاجتماع لافانيا كاتيرافيلو (Laavanya Kathiravelu)، في مقالةٍ لموقع Academia.sg بعنوان «Doubly minoritised: Indianness in Singapore and xenophobia as racism» [أقلّيةٌ مضاعَفة: الهندية في سنغافورة وكراهية الأجانب بوصفها عنصرية]، إلى أنّ لون البشرة يغدو علامةً على «الغريب» حين يتميّع الحدّ بين المواطنين والوافدين، وأنّ الغضب من اتفاقية CECA وُجّه كذلك إلى حكومةٍ يُنظر إليها على أنّها تحابي فئاتٍ بعينها. وقد صار في الوسع اليوم تقدير حجم هذا التيّار على الشبكة. فإميليو فيرارا (Emilio Ferrara)، في تدقيقٍ حاسوبيّ بعنوان «Cultural Targets, Structural Frames, Binding Morals: A Cross-Lingual Audit of Online Hate in Multicultural Singapore» [أهدافٌ ثقافية، وأُطرٌ بنيوية، وأخلاقٌ رابطة: تدقيقٌ عابرٌ للّغات في خطاب الكراهية الإلكتروني في سنغافورة المتعدّدة الثقافات]، حلّل 31,032,005 مادّةً من 231 صفحةً على فيسبوك و23 منتدى فرعيًّا على Reddit و16 قناةً على يوتيوب موجّهةٍ إلى سنغافورة في عام 2025. ومن بين 3,323 تعليقًا ثبت أنّها خطاب كراهية، حمل 31 في المئة موقفًا صريحًا معاديًا للهجرة؛ وكان ذلك الموقف حاضرًا في 98–99 في المئة من الكراهية الموجّهة إلى أهدافٍ تتّصل باتفاقية CECA وبالعمّال المهاجرين، ونالت الكراهيةُ المعادية لاتفاقية CECA أعلى درجات التضخيم. وتقدير هذا القسم أنّ النيتيفية الاقتصادية تيّارٌ حقيقيّ ذو أيديولوجيا إقصائية وخطابٍ مُضخَّم (ثقة عالية)، لكنّ حَمَلته التنظيميين ضعاف، وحجمه صغيرٌ نسبيًّا قياسًا إلى الحجم الكلّي للخطاب الإلكتروني (ثقة متوسّطة، إذ ينبّه فيرارا نفسه إلى أنّ الأنماط النسبية أوثق من أرقام الانتشار المطلقة).

سادسًا: المحافظة الدينية والأخلاقية: المادّة 377A وما بعدها

التيّار الثاني الذي كثيرًا ما يُنعت بـ«المحافظة المُغالية» هو المحافظة الأخلاقية الدينية. وقاعدته الاجتماعية عريضة. فتغطيةٌ لصحيفة Straits Times يحفظها معهد IPS بعنوان «Singapore still conservative on moral, sexuality issues but more liberal since 2002» [سنغافورة ما تزال محافظةً في القضايا الأخلاقية والجنسية لكنّها أكثر ليبراليةً منذ 2002] (3 فبراير 2021)، تستند إلى مسح القيم العالمية لعام 2020 بأكثر من 2,000 مستجيب، تسجّل أنّ 59.3 في المئة من المستجيبين رأوا المثليةَ الجنسية «غير مسوَّغةٍ أبدًا أو نادرًا»، وبلغ الرقم 75.2 في المئة بين المسلمين، في حين تراجعت أهمية الدين من نحو 76 في المئة عامَي 2002 و2012 إلى 65.3 في المئة. وأضافت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Left or right? IPS survey finds almost half of Singaporeans undecided» [يسارٌ أم يمين؟ مسح IPS يجد قرابة نصف السنغافوريين مترددين] (3 فبراير 2021)، أنّ 30.6 في المئة من المستجيبين وضعوا أنفسهم على اليسار و20.8 في المئة على اليمين، وأنّ 42.7 في المئة ممّن تتراوح أعمارهم بين 21 و35 عامًا على اليسار، و31.8 في المئة ممّن تجاوزوا الخامسة والستين على اليمين. ويتبيّن اتجاه التغيّر أيضًا في مسحٍ لمؤسسة Ipsos بعنوان «Attitudes towards same-sex relationships shift towards greater inclusivity in Singapore» [المواقف من العلاقات المثلية تتحوّل نحو مزيدٍ من الاحتواء في سنغافورة] (21 يونيو 2022): فقد انخفض التأييد لإبقاء المادّة 377A من 55 في المئة عام 2018 إلى 44 في المئة عام 2022، في حين ارتفعت المعارضة من 12 إلى 20 في المئة.

وقد أبحرت الدولة في هذا التحوّل بتسويةٍ هي في ذاتها محافظة. فقد نقلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore will decriminalise sex between men, says PM Lee» [رئيس الوزراء لي: سنغافورة سترفع التجريم عن العلاقة الجنسية بين الرجال] (21 أغسطس 2022)، عن لي هسين لونغ قوله في التجمّع الخطابي ليوم الوطن إنّ الإلغاء هو الخطوة الصحيحة، مقرونًا بوعدٍ بصون تعريف الزواج بوصفه رباطًا بين رجلٍ وامرأة من الطعن الدستوري. وسجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore Parliament repeals Section 377A, approves constitutional change» [البرلمان السنغافوري يلغي المادّة 377A ويقرّ تعديلًا دستوريًّا] (30 نوفمبر 2022)، أنّ الإلغاء أُقرّ في 29 نوفمبر 2022 بـ93 صوتًا مؤيّدًا و3 معارضة، في حين أُقرّت المادّة 156 الجديدة من الدستور بـ85 صوتًا مؤيّدًا وصوتين معارضين وامتناع اثنين. وتباينت ردود الهيئات الدينية. فقد سجّل موقع Mothership، في تقرير «Disappointment, acceptance, relief: 34 religious, social, & LGBTQ+ groups’ responses to 377A repeal» [خيبةٌ وقبولٌ وارتياح: ردود 34 جماعةً دينية واجتماعية ومن مجتمع الميم على إلغاء المادّة 377A] (22 أغسطس 2022)، أنّ المجلس الوطني للكنائس قبل الإلغاء مع عدّه غير ضروري، وأنّ الأبرشية الكاثوليكية أكّدت أنّها لا تسعى إلى تجريم أفراد مجتمع الميم، وأنّ تحالف الكنائس الخمسينية والكاريزماتية، الممثّل لأكثر من 80 كنيسة، وصفه بأنّه «قرارٌ مؤسفٌ إلى أبعد حدّ»، وأنّ المجلس الإسلامي السنغافوري (MUIS) أكّد الرؤية الإسلامية للزواج مع إعلانه أنّ على كلّ إنسانٍ، أيًّا كان ميله الجنسي، أن يشعر بالأمان.

وفيما وراء الهيئات الرسمية تحشد جماعاتٌ مدنيةٌ المحافظةَ الأخلاقية. ففي 30 يوليو 2022 صرّحت وزارة الشؤون الداخلية، في ردّها على استفسارات الإعلام بشأن لقاء «احموا سنغافورة» العام، بأنّ جماعة «احموا سنغافورة» (Protect Singapore) لم تخرق القانون، وبأنّ الحكومة ستتدخّل إن وقع تحريضٌ أو اعتداءٌ من أيّ جهة. وبعد عامين سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «In Singapore, politicians show up for Pink Dot despite scorecard grading their ‘family values’» [في سنغافورة: سياسيون يحضرون «النقطة الوردية» رغم بطاقةٍ تقيّم «قيمهم الأسرية»] (29 يونيو 2024)، أنّ الجماعة أصدرت بطاقةً تقيّم أعضاء البرلمان بحسب مواقفهم من قضايا مجتمع الميم. وجذور هذه التعبئة أقدم: فقد سجّل موقع Global Voices، في تقرير «Singapore’s ‘Pink Dot’ LGBT Rights Rally Was Bigger Than Ever, Despite #WearWhite Opponents» [تجمّع «النقطة الوردية» لحقوق مجتمع الميم في سنغافورة أكبر من أيّ وقتٍ مضى رغم معارضي حملة «البسوا الأبيض»] (4 يوليو 2014)، أنّ المربّي الإسلامي نور دروس (Noor Deros) أطلق حملة «البسوا الأبيض» (Wear White)، وأنّ القسّ لورنس خونغ (Lawrence Khong) أقام قدّاسًا عائليًّا حضره نحو 6,400 شخص. وعاد اسم نور دروس إلى الظهور في انتخابات 2025. فقد سجّلت صحيفة South China Morning Post، في تقرير «Singapore doubles down on zero tolerance for identity politics, foreign interference» [سنغافورة تضاعف تشدّدها في عدم التسامح مطلقًا مع سياسات الهوية والتدخّل الأجنبي] (14 أكتوبر 2025)، أنّه ساند، مع أعضاءٍ من الحزب الإسلامي الماليزي (PAS)، مرشّحَ حزب العمّال فيصل مناب (Faisal Manap) في تامبينس، ووصفت وزارة الشؤون الداخلية ذلك، في ردّها على بيان الحزب الإسلامي الماليزي الصادر في 15 أكتوبر 2025، بأنّه «تدخّلٌ خطيرٌ في انتخابات سنغافورة». وتقدير هذا القسم أنّ المحافظة الأخلاقية الدينية هي أوسع التيّارات اجتماعيًّا وأشدّها مأسسة، لكنّها تعمل عبر العرائض والمنتديات والضغط القانوني؛ ووسْم «الغلوّ» لا يليق بهذه المؤسسات، أمّا البعد العابر للحدود في انتخابات 2025 فالأَولى أن يُقرأ محاولةً لحشد الأصوات على أساسٍ ديني رفضتها الدولة ورفضها حزب العمّال كذلك (ثقة عالية).

سابعًا: الهامش العنيف: التطرّف الذاتي اليميني بين المراهقين

إن كان ثمّة تيّارٌ يستحقّ أن يوصف بالتطرّف بالمعنى الأيديولوجي، فإنّه يوجد في الهامش العنيف، لا في الأحزاب ولا في الكنائس. ففي 27 يناير 2021 أعلن جهاز الأمن الداخلي (ISD)، في بيان «Detention of Singaporean youth who intended to attack Muslims on the anniversary of Christchurch attacks in New Zealand» [احتجاز شابٍّ سنغافوري اعتزم مهاجمة مسلمين في ذكرى هجمات كرايستشيرش في نيوزيلندا]، احتجازَ طالبٍ مسيحيٍّ بروتستانتيٍّ من أصلٍ هنديّ في السادسة عشرة من عمره، كان يخطّط لمهاجمة مسجد السّافعة (Assyafaah) ومسجد يوسف إسحاق (Yusof Ishak) بساطورٍ في 15 مارس 2021، ذكرى هجمات كرايستشيرش. ووصفه الجهاز بأنّه أوّل محتجَزٍ استلهم أيديولوجيا اليمين المتطرّف، تحرّكه كراهيةٌ شديدة للإسلام وافتتانٌ بالعنف. وفي 10 فبراير 2025 سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore locks up self-radicalised ‘East Asian supremacist’» [سنغافورة تحتجز «متفوّقًا شرق آسيويًّا» متطرّفًا ذاتيًّا]، احتجازَ نيك لي شينغ تشيو (Nick Lee Xing Qiu)، البالغ ثمانية عشر عامًا، الذي كان يتّخذ منفّذَ هجوم كرايستشيرش مثالًا أعلى، ويجمع الرموز النازية الجديدة، ويعتنق نظرية الاستبدال العظيم، ويأمل إشعال «حربٍ عِرقية» في سنغافورة.

وتواصل النمط. فقد أعلن جهاز الأمن الداخلي، في بيان «Issuance of Orders under the ISA against two self-radicalised Singaporean youths» [إصدار أوامر بموجب قانون الأمن الداخلي ضدّ شابّين سنغافوريين متطرّفين ذاتيًّا] (2 أبريل 2025)، احتجازَ فتًى في السابعة عشرة يعرّف نفسه بأنّه «متفوّقٌ شرق آسيوي»، يكره الملايو والمسلمين، ويخطّط لمهاجمة مساجد بأسلحةٍ نارية مع بثّ الهجوم بثًّا حيًّا، وكان على اتصالٍ إلكترونيّ بنيك لي. وسجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «In first case, Singapore detains teen who idolised Hitler, bin Laden and Kim Jong-il» [في سابقةٍ أولى، سنغافورة تحتجز مراهقًا كان يمجّد هتلر وبن لادن وكيم جونغ إيل] (9 سبتمبر 2025)، حالةَ فتًى في الرابعة عشرة يمزج بين أيديولوجيا جهادية وأخرى يمينيةٍ متطرّفة، مع إعجابٍ بالنظام الكوري الشمالي، وُضع تحت أمرٍ تقييدي. ثم أعلن جهاز الأمن الداخلي، في بيان «Issuance of Orders of Detention under the ISA against three self-radicalised Singaporean youths» [إصدار أوامر احتجازٍ بموجب قانون الأمن الداخلي ضدّ ثلاثة شبّانٍ سنغافوريين متطرّفين ذاتيًّا] (27 يوليو 2026)، أنّ طالبًا في الرابعة عشرة، هو أصغر محتجَزٍ بموجب قانون الأمن الداخلي (ISA) في التاريخ، يعتنق ما يُسمّى التطرّف العنيف المركّب (Composite Violent Extremism): تأييدٌ لتنظيم داعش ممزوجٌ بآراءٍ معاديةٍ للسامية ونازيةٍ جديدة، وبالتسريعية (accelerationism) على طريقة «فرقة أتومفافن» (Atomwaffen Division)، وبتفوّق العِرق الأبيض. وقد صاغ بيانًا من 21 صفحة، وخطّط لعملية طعنٍ جماعية في مدرسته، متأثّرًا في جملة ما تأثّر به بألعاب إطلاق نارٍ على منصّة Roblox تحاكي حوادث إطلاق النار في المدارس.

وتضع البيانات الإجمالية هذه الحالات في حجمها الصحيح. فقد سجّل جهاز الأمن الداخلي، في تقرير تقييم التهديد الإرهابي في سنغافورة لعام 2025 (29 يوليو 2025)، أنّ 17 شابًّا في العشرين فما دونها عولجت حالاتهم بموجب قانون الأمن الداخلي منذ عام 2015، اثنا عشر منهم في السنوات الخمس الأخيرة، وأنّ تسعةً منهم اعتزموا تنفيذ هجماتٍ في الداخل. ويذكر بيان يوليو 2026 أنّ أكثر من نصف الشبّان الثلاثة والعشرين الذين عولجت حالاتهم خلال عقدٍ تقريبًا اعتزموا مهاجمة سنغافورة، ونقلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore terror threat remains high as Middle East conflicts fuel radicalisation» [التهديد الإرهابي في سنغافورة يظلّ مرتفعًا مع تغذية صراعات الشرق الأوسط للتطرّف] (10 سبتمبر 2026)، عن تقرير التهديد لعام 2026 أنّ حالات تطرّف الشباب ارتفعت من أربع (2017–2021) إلى خمس عشرة (منذ 2022)، مع إسهام الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تأجيج التوتّرات بين الجماعات. وما تزال غالبية حالات الشباب مرتبطةً بداعش؛ أمّا حالات اليمين المتطرّف فأقلّيةٌ ذات شأن، لأنّ أهدافها تكاد تكون دائمًا من المسلمين والملايو، ولأنّ منفّذيها يتحدّرون من خلفياتٍ إثنية ودينية متنوّعة، ولأنّ إلهامها مستورَدٌ من المنظومة الإلكترونية العالمية. وتقدير هذا القسم أنّ تطرّف اليمين المتطرّف في سنغافورة حقيقيٌّ أيديولوجيًّا و«مُغالٍ» بالمعنى التامّ، لكنّه يظهر في صورة تطرّفٍ ذاتيٍّ فردي بلا تنظيمٍ محلّيٍّ موثَّقٍ في المصادر المفتوحة (ثقة عالية)، مع اتجاهٍ نحو أعمارٍ أصغر فأصغر (ثقة عالية).

ثامنًا: العامل الصيني، والمخاوف من التصيين، والقومية الإثنية الصينية

التيّار الرابع أعسر رسمًا على الخريطة لأنّه يتحرّك في اتجاهين معًا. ففي جانبٍ يقف النقد الأكاديمي القائل إنّ القومية الرسمية السنغافورية تميل إلى هويةٍ صينية. فبار وسكربيس، كما تقدّم، يتحدّثان عن نسخةٍ سنغافوريةٍ من القومية الإثنية الصينية تهيمن على جدل الهوية. وتوحي بيانات المسوح بأنّ تجارب الأقلّيات مختلفةٌ فعلًا. فتغطيةٌ لقناة CNA يحفظها معهد IPS بعنوان «Trust between racial groups in Singapore grows but stereotyping rises» [الثقة بين الجماعات العِرقية في سنغافورة تنمو لكنّ التنميط يزداد] (3 فبراير 2025)، تستند إلى مسحٍ أجراه IPS وOnePeople.sg على 4,000 مقيم بين أبريل وأغسطس 2024، تسجّل أنّ 18.4 في المئة من المستجيبين الملايو و16.7 في المئة من المستجيبين الهنود أفادوا بتعرّضهم للتمييز عند التقدّم لوظائف أو ترقيات، مقابل 3.7 في المئة من المستجيبين الصينيين؛ وأنّ 43.5 في المئة أقرّوا ببناء افتراضاتٍ على أساس العِرق، ارتفاعًا من 35.2 في المئة عام 2018؛ ومع ذلك قيّم 65.4 في المئة الوئام العِرقي والديني بأنّه مرتفعٌ أو مرتفعٌ جدًّا، وانخفضت الريبة بين الجماعات من 42.7 في المئة عام 2013 إلى 27.2 في المئة.

وفي الجانب الآخر يقف قلق الدولة من نفوذ جمهورية الصين الشعبية، وهو قلقٌ يُعالَج بأدواتٍ أمنية. فقد وصفت وزارة الشؤون الداخلية، في بيان «Cancellation of Singapore Permanent Residence Status: Huang Jing and Yang Xiuping» [إلغاء الإقامة الدائمة في سنغافورة: هوانغ جينغ ويانغ شيوبينغ] (أغسطس 2017)، الأكاديميَّ في كلّية لي كوان يو للسياسات العامة بأنّه «عميلُ نفوذٍ لدولةٍ أجنبية» سعى إلى التأثير في السياسة الخارجية السنغافورية، دون أن تسمّي الدولة المعنيّة. ورأت الوزارة نفسها، في إشعار «Intended Designation of Chan Man Ping Philip as Politically Significant Person under FICA» [اعتزام تصنيف تشان مان بينغ فيليب شخصًا ذا أهميةٍ سياسية بموجب قانون مكافحة التدخّل الأجنبي] (2 فبراير 2024)، أنّ رجل الأعمال المتجنّس أبدى «قابليةً للتأثّر بجهاتٍ أجنبية»، ثم صنّفته رسميًّا في 26 فبراير 2024. ويُلزم قانون الوئام العِرقي النافذ منذ سبتمبر 2026 كذلك نحو 300 من الجمعيات العشائرية والتجارية القائمة على أساسٍ عِرقي بالإفصاح عن التبرّعات والانتماءات الأجنبية ابتداءً من أبريل 2028.

وعلى الشبكة، فإنّ المشاعر المناهضة للوافدين الجدد من البرّ الصيني يجهر بها في الواقع مواطنون من أصلٍ صينيّ بالدرجة الأولى. إذ يسجّل تدقيق فيرارا أنّ الخطاب بلغة الماندرين يتمحور حول ثنائية السنغافوريين الصينيين في مقابل مواطني جمهورية الصين الشعبية، وأنّ السرديات المعادية لجمهورية الصين الشعبية حاضرةٌ في 15 في المئة من الكراهية باللغة الإنجليزية و16 في المئة من الكراهية بلغة الماندرين، وأنّ 59 في المئة من الكراهية الموجّهة إلى أهدافٍ من جمهورية الصين الشعبية تحمل موقفًا معاديًا للهجرة. ومن ثَمّ فلا يمكن قراءة «العامل الصيني» في سنغافورة تيّارًا شوفينيًّا واحدًا متجانسًا. فثمّة نقدٌ أكاديميّ للانحياز الصيني في مشروع بناء الأمّة، وثمّة رقابةٌ من الدولة على قنوات نفوذ جمهورية الصين الشعبية، وثمّة نيتيفيةٌ محلّية تستهدف الوافدين منها. ولهذه النتيجة شأنٌ عند القارئ الإندونيسي، لأنّ الخطاب الذي يتخيّل سنغافورة «دولةً صينيةً» متجانسة، كما حذّرت دراسة سلّم التصعيد، يُغفل هذه الانقسامات الداخلية. وفي عام 2026 شدّد كتاب «The Beijing Factor in Southeast Asia» [عامل بكين في جنوب شرق آسيا]، المفهرس في أرشيف KBA13 Academy ومكتبتها، بدوره على أنّ حضور القوّة الصينية لا يعني تلقائيًّا السيطرة على دول المنطقة أو امتثالها السياسي. وتقدير هذا القسم أنّه لا توجد حركةٌ شوفينيةٌ صينيةٌ منظَّمة (ثقة متوسّطة)، بينما يُدار القلق من نفوذ جمهورية الصين الشعبية أساسًا بوصفه مسألةَ أمنٍ للدولة (ثقة عالية).

تاسعًا: التيّار الليبرالي التقدّمي وبيئة الفضاء الإلكتروني

إنّ خريطةً لا تضمّ سوى التيّارات الصلبة تُضلّل، فالتيّار الليبرالي التقدّمي ينمو هو الآخر، وهو الخصم المباشر للمحافظة الأخلاقية. فقد سجّل موقع Global Voices، في تقريره ذاته عن «النقطة الوردية» لعام 2014، أنّ أكثر من 26,000 شخص احتشدوا في متنزّه هونغ ليم في 28 يونيو 2014، وهو أكبر حضورٍ منذ الفعالية الأولى عام 2009، وذلك في العام نفسه الذي شهد حملة «البسوا الأبيض». وبعد عقدٍ حضر عددٌ من أعضاء البرلمان من حزب العمل الشعبي وحزب العمّال وحزب تقدّم سنغافورة وحزب النقطة الحمراء المتّحدة فعاليةَ «النقطة الوردية» لعام 2024 على الرغم من بطاقة تقييم «احموا سنغافورة»؛ ونقلت صحيفة Malay Mail عن النائب عن حزب العمل الشعبي إريك تشوا (Eric Chua) قوله إنّ خدمة السنغافوريين اليوم تعني خدمة مجتمعٍ «شديد التعدّدية»، وتساءل النائب عن الحزب نفسه داريل ديفيد (Darryl David) عن جدوى ترتيب أعضاء البرلمان بحسب مواقفهم. ويكشف عنقود «التعدّديين» في مسح IPS لعام 2025، وميلُ الشباب إلى وضع أنفسهم على اليسار في مسح القيم العالمية لعام 2020، عن القاعدة الاجتماعية لهذا التيّار، وإن كانت التعدّدية السياسية والليبرالية الأخلاقية لا تتطابقان دائمًا.

وهامش حركة التيّار الليبرالي مقيَّدٌ كذلك من قِبل الدولة، والقيد يسري على نحوٍ متماثلٍ على كلّ من يُعدّ فاتحًا الباب للنفوذ الأجنبي. فقد سجّل موقع Global Voices، في تقرير «Singapore’s The Online Citizen news website stops operating after government suspends its license» [موقع «المواطن الإلكتروني» الإخباري في سنغافورة يتوقّف عن العمل بعد تعليق الحكومة ترخيصه] (18 سبتمبر 2021)، أنّ هيئة تطوير الإعلام والاتصالات (IMDA) علّقت ترخيص البوّابة الناقدة لأنّها عُدّت مقصّرةً في الإفصاح عن مموّليها، بحجّة أنّ المواقع السياسية يجب ألّا «تقع تحت تأثير كياناتٍ أو تمويلٍ أجنبي». وأظهرت قضية هوانغ جينغ (Huang Jing) عام 2017 أنّ الأوساط الأكاديمية نفسها ليست بمنأى عن منطق الأمن. وقد وصف تشيريان جورج هذا النمط منذ عام 2000 بأنّه مقايضةٌ بين الراحة والسيطرة، وتشير الطبعة المنقّحة من كتابه عام 2020 إلى أنّ الاستعارة ظلّت وثيقة الصلة بعد عقدين.

والبيئة الإلكترونية هي الساحة التي تلتقي فيها التيّارات كلّها. فتدقيق فيرارا يبيّن أنّ الخطاب باللغة الإنجليزية واسع النطاق تغلب عليه أهدافٌ من المسلمين ومن مواطني جمهورية الصين الشعبية ومن مجتمع الميم، وأنّ الخطاب باللغة الملايوية يتمحور حول الدين وقضايا مجتمع الميم، وأنّ الكراهية يحرّكها الاشمئزاز بصورةٍ تكاد تكون تامّة (94–96 في المئة). ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ المدوّنة لا تشمل HardwareZone، المنتدى الإلكتروني المحلّي الرائج بين مستخدمي الإنترنت السنغافوريين، وأنّه لا توجد بياناتٌ منهجية مفتوحة عن تيك توك؛ ويجب أن تُقرأ الفجوتان حدودًا للمعرفة، لا دليلًا على الغياب. وفي عام 2025 وصفت مقالةٌ منشورة في KBA13 Insight بعنوان «Ekosistem Blog Singapura: Gaya Hidup, Politik, dan Proyeksi Nasionalisme 2050» [منظومة المدوّنات السنغافورية: نمط الحياة والسياسة واستشراف القومية حتى 2050] منظومةً تتجاور فيها القوميةُ المبتذَلة (banal nationalism) والسخريةُ ونقدُ الحكومة نفسها، وبيّنت أنّ الهوية الوطنية السنغافورية تظلّ قويةً لأنّها تُرعى عبر القومية اليومية. وهذه الصورة متّسقةٌ مع ردود الفعل الإلكترونية في أكتوبر 2026 التي يصفها القسم الثالث عشر. وتقدير هذا القسم أنّ التيّار الليبرالي التقدّمي ينمو اجتماعيًّا وقد بدأ يحظى باعترافٍ رمزيّ من سياسيين عابرين للأحزاب (ثقة متوسّطة)، لكنّ إعلامه البديل معرَّضٌ لتنظيمات النفوذ الأجنبي (ثقة عالية).

عاشرًا: بنيان استجابة الدولة ومنطق الأمننة

تسير استجابة الدولة لكلّ التيّارات السالفة على نحوٍ واحد: تُعامَل قضايا الهوية قضايا أمنيةً قبل أن تتاح لها فرصة التحوّل إلى قضايا سياسية. وقد عُرض بنيان قانونَي POFMA وFICA في دراسة حرب السرديات، فيكفي هنا التنويه بالأداتين الأوثق صلةً بالتيّارين النيتيفي والديني. فوزارة الشؤون الداخلية تشرح، في بيان «Commencement of the Maintenance of Religious Harmony (Amendment) Act 2019» [بدء نفاذ قانون صون الوئام الديني (المعدَّل) لعام 2019]، أنّه ابتداءً من 1 نوفمبر 2022 صارت أوامر التقييد نافذةً فورًا وممتدّةً إلى الاتصالات الإلكترونية، ووجب أن يقود الجماعاتِ الدينيةَ مواطنون أو مقيمون دائمون، ووجب الإفصاح عن التبرّعات الأجنبية المفردة البالغة 10,000 دولار سنغافوري (S$) فأكثر، وجاز للمخالفين أن يلتزموا بمبادرةٍ مجتمعية علاجية (Community Remedial Initiative). وسجّل موقع Mothership، في تقرير «New law to safeguard racial harmony» [قانونٌ جديد لصون الوئام العِرقي] (سبتمبر 2026)، أنّ قانون صون الوئام العِرقي، الذي أُقرّ في 4 فبراير 2025، دخل حيّز النفاذ في 15 سبتمبر 2026، وأنشأ المجلس الرئاسي للوئام العِرقي والديني برئاسة قاضي المحكمة العليا السابق تشو هان تيك (Choo Han Teck)، ومنح الوزير صلاحية إصدار أوامر تقييدٍ ضدّ المحتوى الضارّ بالوئام العِرقي، وحلّ محلّ المادّتين 298 و298A من قانون العقوبات. وفي انتخابات 2025 أمرت الحكومة كذلك بحجب منشوراتٍ لأجانب عُدّوا ساعين إلى التأثير في الناخبين على أساسٍ ديني.

وإذا قُرئ هذا النمط بعدسة الأمننة بدا له وجهان. فالوجه الأوّل هو الوقاية: فبإعلان الدولة أنّ سياسات العِرق والدين تهديدٌ وجوديّ لدولةٍ صغيرةٍ متعدّدة الأعراق، تحول دون تحوّل التيّارين النيتيفي والديني إلى تنظيماتٍ سياسية حاملةٍ للهوية. ويبدو قبول الجمهور، وهو شرط نجاح الأمننة عند بوزان وزملائه، مرتفعًا إلى حدٍّ لا بأس به؛ فقد سجّل مسح IPS لعام 2025 أنّ 84 في المئة من الناخبين شعروا بالحرّية في التصويت كما يشاؤون، وأنّ معظم المواطنين يقيّمون الوئام العِرقي والديني بأنّه مرتفع. والوجه الثاني هو التضييق: فالجهاز نفسه يقيّد الإعلام البديل والنشاط المدني، فتقلّ القنوات المفتوحة أمام المواطنين الساخطين، ويغدون أسرع إلى التنفيس عن غضبهم في المنتديات المجهولة الهوية. وصياغة وزارة الشؤون الداخلية بأنّ الدولة ستتصدّى للتحريض «من أيّ جهة» تُظهر أنّ هذه الأمننة مصمَّمةٌ لتكون متماثلة، تضع الدولةَ حَكَمًا فوق التيّارات جميعًا، لا ظهيرًا لواحدٍ منها. ويلخّص الجدول التالي خريطة التيّارات مع مستويات الثقة في التقديرات.

التيّارالأيديولوجيا الجوهريةالحَمَلةالحجم/المؤشراتاستجابة الدولةالثقة
قومية الدولة الجماعاتيةالبراغماتية، والجدارة، والتعدّدية العِرقية، والقيم المشتركة لعام 1991، وسردية الهشاشةحزب العمل الشعبي، والبيروقراطية، والدفاع الشامل65.57% من الأصوات، و87/97 مقعدًا (2025)الدولة ذاتهاعالية
المعارضة الإصلاحية الوسطية ومن يسار الوسطالضوابط والتوازنات، والرعاية الاجتماعية، وحرّية التعبيرWP، SDP، RDUحزب العمّال 10 مقاعد + 2 من النوّاب غير الممثّلين لدوائر؛ 74% يريدون معارضةً منتخَبةالتنافس الانتخابي، والنقد العلنيعالية
النيتيفية والقومية الاقتصاديةأبناء البلد أوّلًا، ومعاداة CECA، ومعاداة الوافدين الجددالخطاب الإلكتروني؛ بعض خطاب حزب تقدّم سنغافورة (2021)؛ أحزابٌ شعبويةٌ صغيرة (PV/PAR)4,000 شخص في هونغ ليم (2013)؛ موقفٌ معادٍ للهجرة في 31% من الكراهية الإلكترونية المؤكَّدةردود الوزراء، وشفافية البيانات، وقانون الوئام العِرقيعالية (الوجود)؛ متوسّطة (الحجم)
المحافظة الأخلاقية الدينيةالأسرة التقليدية، ورفض تطبيع مجتمع الميمAPCCS، NCCS، «احموا سنغافورة»، الهيئات الإسلامية، «البسوا الأبيض»59.3% يرون المثلية غير مسوَّغة (2020)؛ تأييد 377A هبط إلى 44% (2022)تسوية: إلغاء 377A وتحصين تعريف الزواج (المادّة 156)عالية
التعبئة الدينية العابرة للحدودالتصويت على أساس الهوية الدينيةدعاةٌ مقيمون في الخارج، وأعضاءٌ في الحزب الإسلامي الماليزيواقعة انتخابات 2025؛ لا تنظيم محلّيًّاحجب المنشورات، وبيانات وزارة الشؤون الداخليةعالية
تطرّف اليمين المتطرّف وCoVEالتفوّقية، و«الاستبدال العظيم»، والتسريعية، ومعاداة المسلمينمراهقون أفراد تطرّفوا عبر الشبكةحالات 2020–2026 (بأعمار 14–18)؛ أقلّيةٌ من الشبّان الـ23 الذين عولجت حالاتهم بموجب قانون الأمن الداخليقانون الأمن الداخلي، وأوامر الاحتجاز/التقييد، وإعادة التأهيلعالية
العامل الصينيالانحياز الصيني في الهوية؛ نفوذ جمهورية الصين الشعبية؛ النيتيفية المعادية لهاالنخب (بحسب النقد الأكاديمي)؛ شبكات النفوذ؛ مستخدمو الإنترنتسرديات معادية لجمهورية الصين الشعبية في 15–16% من الكراهية الإلكترونية؛ قضية هوانغ جينغ 2017، وفيليب تشان 2024قانون FICA، وإلغاء الإقامة، وإفصاح الجمعيات العشائريةمتوسّطة
الليبرالي التقدّمياحتواء مجتمع الميم، والحرّيات المدنية، والتعدّدية«النقطة الوردية»، والمجتمع المدني، والإعلام البديلأكثر من 26,000 مشارك (2014)؛ عنقود التعدّديين 27% (2025)تسامحٌ محدود؛ تنظيم التمويل الأجنبيمتوسّطة

حادي عشر: لماذا تنشأ التيّارات الصلبة، ولماذا تظلّ قزمةً: اختبار موده

يقتضي سؤال «لماذا» جوابًا متعدّد الطبقات. فالطبقة الأولى بنيوية: إذ يتطلّب انفتاح سنغافورة الاقتصادي تدفّقاتٍ كبيرة من العمالة الأجنبية. وتستشهد دراسة «سلامٌ على تباعُد» ببيانات وزارة القوى العاملة التي تُظهر 1,655,900 عاملٍ أجنبي في يونيو 2026، فيغدو التنافس على الوظائف والسكن والفضاء العام تجربةً يومية لا تجريدًا. والطبقة الثانية أيديولوجيةٌ ومفارِقة: فسردية الهشاشة التي تلقّنها الدولة منذ عام 1984 تغرس اليقظة إزاء التهديدات، وحين لا يعود التهديد مصوَّرًا في هيئة جنودٍ أجانب بل في هيئة وافدين منافسين، يمكن أن تنزاح القومية الدفاعية نحو النيتيفية. وهذا ما التقطه ليم بوصفه نشوءَ القومية الشعبية بعد عام 2011. والطبقة الثالثة هي التوتّر الكامن في الجدارة الذي استشرفه تان عام 2008: فحين تتركّز المكافآت ويتّسع التفاوت، تبحث طبقةٌ وسطى قلِقة عن كبش فداءٍ في الخارج، فيغدو الوافدون المهنيون هدفًا ظاهرًا. والطبقة الرابعة محافظةٌ أخلاقية شرعنتها الدولة نفسها عبر القيم المشتركة وتعريف الأسرة التقليدية، فتشعر الجماعات الدينية بأنّها تذود عن عقيدةٍ رسمية حين تقاوم التغيير. والطبقة الخامسة هي عولمة المنظومة الإلكترونية المتطرّفة، من بيان كرايستشيرش إلى الثقافة الفرعية لـ«أتومفافن»، التي تبلغ المراهقين السنغافوريين دون حاجةٍ إلى تنظيمٍ محلّي، وتزيدها صراعاتُ الشرق الأوسط استفحالًا، كما يلاحظ تقرير التهديد لعام 2026.

فلماذا تظلّ هذه التيّارات قزمة؟ يقدّم اختبار موده جوابًا حادًّا. فعنصر النيتيفية حاضر، ولا سيّما في الخطاب الإلكتروني وفي الحملة على اتفاقية CECA. وعنصر السلطوية، أي المطالبة بالنظام والعقاب الصارم، تستوفيه الدولة نفسها سلفًا؛ فلا مكان لمنافسٍ يعد بنظامٍ أكثر ممّا توفّره أكثرُ دول المنطقة انتظامًا. وعنصر الشعبوية، أي الانقسام بين شعبٍ طاهر ونخبةٍ فاسدة، ضعيفٌ بسبب سمعة الدولة في النزاهة، ولأنّ المعارضة الرئيسة اختارت لغة الرقيب المعتدلة بدل لغة العداء للنخبة. ولم ينل حزبٌ مصنَّفٌ شعبويًّا، كحزب صوت الشعب، سوى 2.37 في المئة من الأصوات الوطنية عام 2020. والحصيلة تشكيلةٌ يمكن تسميتها نيتيفيةً بلا حزبٍ يمينيٍّ راديكالي. ويعين تشوا بنغ هوات على تفسير السبب: فجماعاتية الدولة استوعبت المحافظة الاجتماعية في العقيدة الرسمية، ففقد اليمين الراديكالي احتكاره لقيم الأسرة والأمّة. ويضيف رودان أنّ قنوات المشاركة التشاورية تستنزف المظالم قبل أن تصير تنافسًا، ويبيّن جورج أنّ المواطنين يقايضون جزءًا من حرّيتهم براحةٍ ملموسة.

إنّ اليمين الراديكالي ينمو في الحيّز الذي تهجره الدولة؛ وفي سنغافورة لم تهجر الدولةُ ذلك الحيّز، بل احتلّته بنفسها.

ولا يعني هذا الاستنتاج أنّ التيّارات الصلبة يمكن إغفالها، بل يعني أنّها تعمل على نحوٍ يختلف عن اليمين الراديكالي الأوروبي. فبدل أن تبني أحزابًا، تدفع بأجندتها عبر رأيٍ إلكترونيٍّ مُضخَّم، وتضغط على الحكومة لتشديد سياسة العمالة الأجنبية، وتتسلّل أحيانًا إلى أحزاب المعارضة المتوسّطة الحجم في صورة خطاب. وبدل أن تبني المحافظةُ الأخلاقية حركةَ شارع، اختارت طريق الضغط ونالت نتيجةً دستورية تمثّلت في المادّة 156. وبدل أن يبني تطرّفُ اليمين المتطرّف ميليشيات، يظهر في صورة مراهقين منفردين أمام شاشة. وتختلف التيّارات الثلاثة كذلك في أهدافها: فالنيتيفية تستهدف الوافدين الهنود ووافدي جمهورية الصين الشعبية والعمّال المهاجرين، والمحافظة الأخلاقية تستهدف التحوّل في الأعراف الجنسية، والتطرّف العنيف يستهدف المسلمين والملايو. فلا يوجد «معسكرُ غلاةٍ» واحدٌ يجمع الثلاثة. ويُمنح هذا التقدير ثقةً متوسّطةً إلى عالية: عالية في غياب حزبٍ يمينيٍّ راديكاليٍّ معتبَر، ومتوسّطة في آلية الاستيعاب، لأنّ العلاقة السببية بين أيديولوجيا الدولة وتقزّم التيّارات الصلبة استدلالية.

ثاني عشر: ما يقوله القادة

تكشف أصوات قادة سنغافورة كيف ترسم الدولة الحدود للتيّارات السالفة. ففي المحافظة الأخلاقية قال لي هسين لونغ في التجمّع الخطابي ليوم الوطن في 21 أغسطس 2022، كما نقلت صحيفة Malay Mail: «أعتقد أنّ هذا هو الصواب، وأنّه أمرٌ سيقبله معظم السنغافوريين الآن»، قبل أن يؤكّد أنّ «الزواج ينبغي أن يكون بين رجلٍ وامرأة» وأنّ الدولة ستصون هذا التعريف من الطعن أمام المحاكم. وتُظهر هذه الجمل التسويةَ المميّزة لحزب العمل الشعبي: تخفيف القانون الجنائي مع تحصين أعراف الأسرة في الدستور. وفي النيتيفية رأى لورنس وونغ في 14 سبتمبر 2021 أنّ مذكّرة حزب تقدّم سنغافورة بشأن اتفاقية CECA تنطوي على «إيحاءاتٍ عنصرية وكارهة للأجانب قوية»، وطالب الحزب بأن «يكفّ عن استغلال مخاوف السنغافوريين لمكاسبكم السياسية». وبعد الاعتداء العنصري في مايو 2021 كتبت الوزيرة غريس فو (Grace Fu): «العنصرية غير مقبولة، وكذلك كراهية الأجانب»، بينما صرّح لي هسين لونغ بأنّه لا مكان لمثل هذا السلوك في سنغافورة.

وفي سياسات الهوية والتدخّل الأجنبي سجّل تقريرٌ لوكالة PTI نشرته مجلة The Week بعنوان «Singapore’s multiracial ideals still ‘work in progress’: Minister Shanmugam» [الوزير شانموغام: المُثُل المتعدّدة الأعراق في سنغافورة ما تزال «عملًا قيد الإنجاز»] (14 أكتوبر 2025) تحذيرَ ك. شانموغام (K. Shanmugam) من أنّه إذا اعتنق قادة المستقبل سياسات الهوية فإنّ ذلك الطريق سيكون «طريقًا ذا اتجاهٍ واحد إلى الخراب»، وأنّ سنغافورة ليست أكثر استقرارًا ممّا كانت عليه دولٌ أخرى قبل أن تتدهور العلاقات بين جماعاتها. وأصرّت وزارة الشؤون الداخلية، في ردّها على الحزب الإسلامي الماليزي، على أنّه «ليس للكيانات أو الأفراد الأجانب أن يُملوا على السنغافوريين كيف يصوّتون». وفي 4 يوليو 2026 سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «Singapore PM Lawrence Wong champions diversity in PAP ranks» [رئيس الوزراء لورنس وونغ ينافح عن التنوّع في صفوف حزب العمل الشعبي]، دعوةَ وونغ الشبابَ إلى «توسيع الدائرة»، وتشديدَه على أنّ سنغافورة لا تحتمل سياسةً مستقطَبة كالتي تُرى في أماكن أخرى. وفي الشأن الإندونيسي سجّلت صحيفة Malay Mail، في تقرير «‘It’s not right to say this’: Singapore senior minister rebukes Indonesian official’s oxygen remark» [«ليس من الصواب قول هذا»: وزيرٌ سنغافوريّ كبير يوبّخ مسؤولًا إندونيسيًّا على تصريح الأكسجين] (19 أكتوبر 2026)، رفضَ شانموغام زعمَ مسؤولٍ إندونيسي أنّ أكسجين سنغافورة يأتي من غابات إندونيسيا، وتأكيدَه الاستعداد للتحرّك بموجب قانون التلوّث بالضباب العابر للحدود، مع إشادته في الوقت ذاته بتدابير الرئيس برابوو (Prabowo) وقوله إنّ الشعب الإندونيسي نفسه هو أشدّ المتضرّرين. وعلى الجانب الإندونيسي نقل موقع Eco-Business، في تقرير «Indonesia signals gas export curbs for countries that do not ‘respect’ it» [إندونيسيا تلوّح بتقييد صادرات الغاز إلى الدول التي «لا تحترمها»] (22 أكتوبر 2026)، عن بهليل لاهادليا (Bahlil Lahadalia) قوله: «لن أتردّد في النظر في وقف الصادرات إلى الدول التي لا تحترم إندونيسيا»، وعن الرئيس برابوو قوله: «أمّا بعض الدول التي تحبّ إهانة الأمّة الإندونيسية، فسنكشف الشركات في الوقت المناسب».

ثالث عشر: المرآة الإندونيسية: كيف تفاعلت التيّارات القومية السنغافورية مع جاكرتا في أكتوبر 2026

أتاحت أزمة أكتوبر 2026 فرصةً نادرة لاختبار ما إذا كانت التيّارات القومية السنغافورية ستنقلب عداءً لإندونيسيا. والتسلسل الزمني وجيز. فقد سجّل موقع The Independent Singapore، في تقرير «Singaporeans urge PM Wong to do more after he announces probe into companies behind haze» [سنغافوريون يحثّون رئيس الوزراء وونغ على بذل المزيد بعد إعلانه التحقيق في الشركات المسؤولة عن الضباب] (16 أكتوبر 2026)، منشورَ وونغ في 15 أكتوبر بأنّ الحكومة تتعقّب الشركات التي قد تكون مسؤولةً عن الحرائق، وأنّها قد تتحرّك بموجب قانون الضباب. وفي 21 و22 أكتوبر تحدّث بهليل عن «وضع البقاء» وعن دولٍ لا تحترم إندونيسيا. وسجّل موقع Mothership، في تقرير «Indonesia to cut gas exports to Singapore» [إندونيسيا تخفض صادرات الغاز إلى سنغافورة] (24 أكتوبر 2026)، خفضًا بمقدار 31 مليار وحدةٍ حرارية بريطانية يوميًّا (BBTUD) ابتداءً من 24 أكتوبر، منها 15 من ناتونا و16 من سومطرة، ونبّه إلى أنّ خفضًا تدريجيًّا كان قد اتُّفق عليه حين مُدّد العقد عام 2022 حتى 2028. ونقل موقع MustShareNews، في تقرير «Indonesia cuts natural gas exports to S’pore by 9%» [إندونيسيا تخفض صادرات الغاز الطبيعي إلى سنغافورة بنسبة 9%] (24 أكتوبر 2026)، عن هيئة سوق الطاقة قولها إنّ الخفض يعادل أقلّ من 2 في المئة من الطلب اليومي لسنغافورة على الغاز، الذي يتجاوز 1,000 BBTUD.

فكيف تفاعل مستخدمو الإنترنت السنغافوريون؟ يُظهر الدليل المفتوح المتاح أنّ الغضب وُجّه أساسًا إلى حكومتهم وإلى الشركات، لا إلى الشعب الإندونيسي. فتقرير The Independent Singapore ذاته، المستند إلى لقطات شاشةٍ من Reddit، سجّل تعليقاتٍ تطالب الحكومة بإجراءاتٍ حازمة، من قبيل: «السنغافوريون يستحقّون إجراءً حاسمًا، لا مجرّد بياناتٍ وعلاماتٍ رمزية على الاهتمام»، فضلًا عن دعواتٍ إلى وقف الشركات المنتفعة من الحرائق؛ ولم يتضمّن التقرير تعليقاتٍ تهاجم إندونيسيا بوصفها أمّة. وسجّلت صحيفة JawaPos، في تقرير «Gara-gara Kabut Asap Indonesia, PM Singapura Disindir Warganya Sendiri» [بسبب ضباب إندونيسيا: رئيس وزراء سنغافورة يتعرّض لسخرية مواطنيه] (14 أكتوبر 2026)، نقلًا عن موقع The Online Citizen، غمزاتِ مستخدمي الإنترنت في وونغ، ومنها تعليقٌ يتّهم إندونيسيا باستخدام الضباب للضغط على سنغافورة. وهذه النتيجة متّسقةٌ مع تقدير دراسة حرب السرديات أنّ الرأي الإلكتروني السنغافوري عفويٌّ نابعٌ من القاعدة، ومع صورة السخرية والنقد الذاتي التي ترسمها مقالة «منظومة المدوّنات السنغافورية». وقد بيّنت مقالةٌ منشورة في KBA13 Insight بعنوان «Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis ASEAN» [العلاقات الإندونيسية السنغافورية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وسياسات الأمن، والديناميات الاستراتيجية لآسيان] أنّ العلاقات بين البلدين طالما اتّسمت بالتوتّر والاعتماد المتبادل في آنٍ معًا، وأنّ قضية الضباب صارت مسألةً من مسائل الأمن غير التقليدي.

ويقدّم التاريخ سابقةً لكيفية استدعاء الدولة السنغافورية «الرأيَ العام» في نزاعٍ مع جاكرتا. فقد سجّلت صحيفة The Jakarta Post، في تقرير «RI-Singapore row worsens» [الخلاف بين إندونيسيا وسنغافورة يتفاقم] (10 فبراير 2014)، أنّه في النزاع على تسمية السفينة الحربية KRI Usman-Harun ألغت سنغافورة اجتماعًا للتعاون الدفاعي متذرّعةً بالرأي العام، وصرّح الوزير تان تشوان جين (Tan Chuan-Jin) بأنّه لا بطولة في قتل مدنيين أبرياء. وقد وقع الاتجاه المعاكس أيضًا: إذ سجّلت صحيفة The Jakarta Post، في تقرير «Singapore dismisses claims of taking advantage of Indonesia’s weakening economy» [سنغافورة تنفي مزاعم استغلالها ضعف الاقتصاد الإندونيسي] (24 يوليو 2026)، حملةً مضادّة بعنوان «بيعوا سنغافورة» (Sell Singapore) على وسائل التواصل الاجتماعي الإندونيسية، وردَّ وزير الدولة ذو القرنين عبد الرحيم (Zhulkarnain Abdul Rahim) بأنّ الهجمات الإلكترونية لا تعكس المزاج الحقيقي للعلاقات الثنائية. وتقدير هذا القسم أنّ القومية السنغافورية تجاه إندونيسيا في أكتوبر 2026 كانت دفاعيةً قانونية تقنّنها الدولة وتوجّهها، لا نيتيفيةً عدوانية (ثقة متوسّطة، لعدم توافر بياناتٍ منهجية عابرة للمنصّات). والخطر الواجب رصده هو انتقال الغضب من الشركات إلى العمّال المهاجرين الإندونيسيين، إذ يبيّن تدقيق فيرارا أنّ العمّال المهاجرين هدفٌ قائمٌ للكراهية ذات الإطار الاقتصادي؛ وحتى 28 أكتوبر 2026 لم يُعثَر على دليلٍ مفتوح على هذا الانتقال (ثقة منخفضة في الخطر، ومتوسّطة في غياب الدليل). وأهمّ درسٍ لجاكرتا أنّ خطاب «الاحترام» و«وضع البقاء» يميل إلى تعزيز سردية الهشاشة السنغافورية وحشد المواطنين خلف حزب العمل الشعبي، لا إلى إضعافها.

رابع عشر: الحجج المضادّة، وسيناريوهات حتى 2030، والتوصيات

ثمّة أربع حججٍ مضادّة على الأقلّ ينبغي وزنها. أولاها أنّ بعض المراقبين سيقولون إنّ الدولة السنغافورية نفسها مُغاليةٌ في القومية ومُغاليةٌ في المحافظة. وفي هذه الحجّة شطرٌ من الحقيقة: فالدولة جماعاتيةٌ حقًّا، محافظةٌ في شؤون الأسرة، سريعةٌ جدًّا إلى أمننة الهوية. غير أنّ وسْم «الغلوّ» مضلّل، لأنّ الدولة ذاتها ألغت المادّة 377A، وتصون التعدّدية العِرقية الدستورية، وتتصدّى علنًا لكراهية الأجانب؛ والوصف الأدقّ هو محافظةُ الدولة البراغماتية. وثانيتها أنّ بعضهم يرى أنّ الأرقام الانتخابية الضئيلة تخفي تيّاراتٍ صلبةً مكبوتة قد تنفجر. والحجّة وجيهةٌ بوصفها تحذيرًا، إذ قد تتأثّر المسوح بالميل إلى إخفاء الآراء غير الشعبية، وتضخيم الكراهية المعادية لاتفاقية CECA يُظهر طاقةً لم تُوجَّه بعد؛ لكن لا دليل مفتوحًا على تنظيماتٍ سرّية تتربّص بلحظتها. وثالثتها أنّ حالات اليمين المتطرّف قد تُقرأ بدايةً لحركة. غير أنّ بيانات جهاز الأمن الداخلي تُظهر نمطًا من أفرادٍ متّصلين اتّصالًا رخوًا في الفضاء الإلكتروني، كالصلة بين الفتى ذي السبعة عشر عامًا ونيك لي، لا بنيةَ حركة؛ ومع ذلك فإنّ هذه الصلات مؤشراتٌ مبكرة يجب رصدها. ورابعتها أنّ بعض بيانات المسوح جُمع عبر الإنترنت وبعض بيانات الإعلام باللغة الإنجليزية، فقد تكون آراء الجماعات الناطقة بالماندرين والملايوية والتاميلية ممثَّلةً دون حجمها؛ ويسدّ تدقيق فيرارا العابر للّغات هذه الفجوة جزئيًّا.

سيناريوهات حتى عام 2030
السيناريوالاحتمال
1. هيمنةٌ جماعاتيةٌ مُدارة: تظلّ التيّارات الصلبة خطابيةً ومستوعَبة50%
2. مأسسة النيتيفية الاقتصادية في أجندة أحزاب المعارضة المتوسّطة الحجم22%
3. تصلّب الاستقطاب الأخلاقي الثقافي بعد إلغاء 377A13%
4. قوميةٌ دفاعية خارجية تغذّيها أزماتٌ متكرّرة مع الجيران10%
5. نجاح تنفيذ هجومٍ متطرّف من اليمين المتطرّف أو من نمط CoVE5%

الاحتمالات أحكامٌ تحليليةٌ مُهيكَلة، لا مُخرَجاتُ نموذجٍ إحصائي، وهي متنافيةٌ بمعنى السيناريو الغالب في عام 2030. والمؤشرات الواجب رصدها: حصّة الأصوات التي تنالها الأحزاب ذات البرامج المعادية للوافدين في الانتخابات المقبلة، وشدّة الكراهية المعادية لاتفاقية CECA وللعمّال المهاجرين في عمليات التدقيق الإلكتروني، وبيانات جهاز الأمن الداخلي بشأن حالات اليمين المتطرّف، والنزاعات حول الضباب والغاز والأسواق مع إندونيسيا في الطريق إلى انتهاء عقد الغاز عام 2028.

السيناريو الأوّل هو الأرجح لأنّ آليات الاستيعاب كلّها ما تزال تعمل، ولأنّ حزب العمل الشعبي جدّد تفويضه للتوّ. ويزداد السيناريو الثاني ترجّحًا إذا ظلّت كلفة المعيشة القضيةَ الأولى وأغرت أحزابَ المعارضة المتوسّطة الحجم لغةُ معاداة الوافدين للوصول إلى الناخبين الشباب. وقد تُشعل السيناريو الثالث طعونٌ قانونية جديدة في حقوق الأسرة أو في المناهج الدراسية، بينما يتوقّف الرابع كثيرًا على سلوك جاكرتا وكوالالمبور. أمّا الخامس فاحتماله منخفضٌ بفضل قدرة جهاز الأمن الداخلي على الكشف المبكر وإبلاغ الأقران، لكنّ أثره في الوئام بين الجماعات سيكون بالغًا. وعلى هذا الأساس تُوجَّه التوصيات إلى فاعلين مسمَّين. إلى وزارة الشؤون الداخلية السنغافورية وسلطاتها الرقمية: توسيع نهج إعادة التأهيل وإبلاغ الأقران ليشمل منظومة الألعاب الإلكترونية، من قبيل Roblox التي تظهر الآن في بيانات جهاز الأمن الداخلي، ونشر بياناتٍ إجمالية عن استخدام أوامر التقييد بموجب قانون الوئام العِرقي حتى تبقى الأمننة خاضعةً للرقابة العامة. وإلى حزب العمّال وحزب تقدّم سنغافورة وأحزاب المعارضة الأخرى: اعتماد مدوّنة سلوكٍ داخلية تفصل نقد سياسة العمالة عن اللغة العِرقية، على نحو ما اقترحه بريتام سينغ عام 2021 عبر شفافية البيانات. وإلى معهد IPS والجامعات السنغافورية: توسيع تدقيق المشاعر ليشمل HardwareZone وتيك توك، والتمييز الصارم بين المحافظة السياسية والمحافظة الأخلاقية في منشورات المسوح.

وإلى وزارة الخارجية الإندونيسية والسفارة الإندونيسية في سنغافورة: التمييز الصريح في الاتصال العام بين سياسات الحكومة السنغافورية، والشركات المرتبطة بالحرائق، والمواطنين السنغافوريين، لأنّ البيانات تُظهر أنّ السنغافوريين ينتقدون حكومتهم أكثر؛ وتعزيز الحماية القنصلية للعمّال المهاجرين الإندونيسيين خطوةً وقائية تحسّبًا لانزياح الغضب الإلكتروني نحو هدفٍ جديد. وإلى المسؤولين والمؤثّرين الإندونيسيين: تجنّب اللغة التي يمكن أن تُقرأ تهديدًا وجوديًّا، من قبيل مزاعم الأكسجين أو «الدول التي تهيننا»، لأنّ مثل هذه اللغة تزوّد سردية الهشاشة السنغافورية بمادّةٍ للأمننة. وتصوّر مقالةٌ منشورة في KBA13 Insight بعنوان «Islamophobia in Indonesia’s Cyberspace: Politics, Buzzers, and Virtual Fear» [الإسلاموفوبيا في الفضاء الإلكتروني الإندونيسي: السياسة والذباب الإلكتروني والخوف الافتراضي] الذبابَ الإلكتروني (buzzers، أي المضخِّمين المأجورين على وسائل التواصل) ميليشياتٍ سيبرانيةً تعتاش على بيع سرديات الخوف، وتلاحظ مقالة «Pasca 25 Agustus 2025: Operasi Wacana, Influencer, dan Perang Informasi di Medsos» [ما بعد 25 أغسطس 2025: عمليات الخطاب والمؤثّرون وحرب المعلومات على وسائل التواصل] مدى عُسر تعيين عقلٍ مدبّرٍ واحد خلف موجةٍ من المعلومات؛ والدرسان كلاهما ينطبقان بالقدر نفسه على حرب الخطاب عبر المضيق. وإلى آسيان والآليات الإقليمية المعنيّة بالتلوّث بالضباب العابر للحدود: نقل نزاع الضباب إلى آليةٍ فنية ذات مصداقية، حتى لا تظلّ القضية البيئية تؤجّج القومية على ضفّتي المضيق.

خامس عشر: الحدود والخلاصة

لهذه الدراسة جملةٌ من الحدود ينبغي التصريح بها. فالبيانات المتعلّقة بمنتدى HardwareZone وبتيك توك غير متاحةٍ على نحوٍ منهجيٍّ في المصادر المفتوحة، فيستند تقدير الفضاء الإلكتروني إلى تدقيق فيرارا الذي يغطّي فيسبوك وReddit ويوتيوب، مع تحفّظ مؤلّفه نفسه بأنّ الاتفاق بين النماذج على العيّنة العسيرة لم يتجاوز نحو κ 0.42. وقد قُرئ تقرير تقييم التهديد الإرهابي لعام 2026 عبر التغطية الإعلامية، لا عبر الوثيقة الأصلية. ويقيس عنقود «المحافظين» في مسح IPS التفضيلَ السياسي لا الأخلاق، وليس لدى هذه الدراسة مسحٌ مخصَّص لمواقف السنغافوريين من إندونيسيا. ومعظم المصادر باللغة الإنجليزية، فقد تكون أصوات الجماعات الناطقة بالماندرين والملايوية والتاميلية ممثَّلةً دون حجمها. وأخيرًا فإنّ أزمة أكتوبر 2026 ما تزال تتكشّف، فيلزم مراجعة تقدير القسم الثالث عشر كلّما جدّ صاعق، ولا سيّما قرار MSCI عام 2027 وانتهاء عقد الغاز عام 2028. وقد أُسقطت عمدًا الادّعاءات التي تعذّر التحقّق منها، ومنها أرقام حضور «النقطة الوردية» بعد عام 2014، وحجم المجتمعات الإلكترونية لليمين المتطرّف في سنغافورة.

وعلى الرغم من هذه الحدود كلّها، فإنّ الاستنتاج الجوهري لهذه الدراسة متينٌ إلى حدٍّ معقول. ففي سنغافورة تيّاراتٌ صلبة، لكن لا على الصورة التي تخيّلها السؤال الأوّل. فالنيتيفية الاقتصادية حقيقيةٌ ومُضخَّمةٌ على الشبكة، ولا سيّما ضدّ الوافدين الهنود المقترنين باتفاقية CECA، والوافدين من جمهورية الصين الشعبية، والعمّال المهاجرين؛ لكنّه لا حزبَ قويًّا لها. والمحافظة الأخلاقية الدينية عريضةٌ ومُمأسَسة، لكنّها اختارت الطريق القانوني ونالت نتيجةً دستورية، فلا يصحّ أن تُسمّى مُغالية. وتطرّف اليمين المتطرّف متطرّفٌ حقًّا بالمعنى الأيديولوجي، لكنّه حاضرٌ في صورة تطرّفٍ ذاتيٍّ معزول لمراهقين تصغر أعمارهم باطّراد، والمسلمون والملايو أهدافه الرئيسة. والعامل الصيني يتحرّك في اتجاهين: نقدٌ للانحياز الصيني في مشروع بناء الأمّة، ورقابةٌ من الدولة على نفوذ جمهورية الصين الشعبية، ونيتيفيةٌ محلّية ضدّ الوافدين منها. والتيّار الليبرالي التقدّمي ينمو لكنّ التنظيم يقيّده. وفوق ذلك كلّه تقف دولةٌ جماعاتية تحتلّ الحيّز الأيديولوجي لليمين، وتحوّل قضايا الهوية إلى قضايا أمنية، وتنصّب نفسها حَكَمًا على كلّ تيّار.

أمّا ما يترتّب على ذلك في العلاقات مع إندونيسيا فذو شقّين. فمن جهةٍ، لا يوجد تيّارٌ سنغافوريٌّ منظَّمٌ مُغالٍ في القومية مستعدٌّ لدفع حكومته نحو المجابهة؛ فقد طالبت ردود فعل مستخدمي الإنترنت في أكتوبر 2026 في معظمها بالحزم من حكومتهم وبمساءلة الشركات. ومن جهةٍ أخرى، ستشتدّ سردية الهشاشة القابعة في قلب أيديولوجيا الدولة كلّما تكلّمت جاكرتا بلغة التهديد، وفي هذا المناخ ستتصلّب النزعة القانونية السنغافورية لا أن تلين. وتذكّرنا مقالةٌ منشورة في KBA13 Insight بعنوان «Singapura di Selat Melaka: Konsentrasi Fungsi, Asimetri Kekuasaan, dan Risiko Eskalasi Kawasan» [سنغافورة في مضيق ملقا: تركّز الوظائف، ولاتماثل القوّة، وخطر التصعيد الإقليمي] (2026) بأنّ تركّز الوظائف يُثمر الكفاءة في الأوقات العادية، لكنّه يغدو نقطةَ إخفاقٍ وحيدة في أوقات الأزمات؛ والمنطق نفسه ينطبق على أيديولوجيا الدولة المدينة. فسماء سنغافورة المنتظمة ليست سماءً بلا غيوم، بل سماءٌ تُقاس غيومها وتُرسَم خرائطها ويُتحكَّم فيها بلا انقطاع. وفهمُ الكيفية التي تعمل بها تلك السيطرة أجدى للدبلوماسية الإندونيسية بكثيرٍ من تخيّل معسكرٍ للغلاة لم يتشكّل قطّ تشكّلًا حقيقيًّا، بحسب ما يتوافر من أدلّة.

المراجع والمصادر

طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). تحت سماءٍ منتظمة: خريطة التيّارات السياسية في سنغافورة وجذور القومية المتطرّفة والمحافظة المتشدّدة في الدولة المدينة. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com

عن الكاتب: قمر الزمان بستمام أحمد، أستاذ أنثروبولوجيا الدين في جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية في بندا آتشيه، حاصلٌ على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة لاتروب، يكتب في الجيوسياسة والإعلام والفكر الإسلامي.

من المرصد

تحليلات أخرى