يُشحَن زيت النخيل مباشرةً إلى أمريكا، غير أنّه يتوقّف على الورق في سنغافورة بنصف السعر. وتُعلَن ثروات النخبة الإندونيسية في برنامج العفو الضريبي، لكنّ معظمها يظلّ قابعًا في المصارف السنغافورية. يفصل هذا الموجز الاستراتيجي بين التصميم الضريبي السنغافوري المشروع والمخالفات الثابتة، ويزن تهمة «المناورات الخفية» بميزان الأدلة المتدرّجة.
الملخّص
يتناول هذا الموجز الاستراتيجي الكيفيةَ التي تتفاعل بها البنية الضريبية والمالية في سنغافورة مع مواطن الضعف المالي في إندونيسيا، بحيث تنتقل الأرباح والثروات والوعاء الضريبي عبر المضيق. ويجمع بين مقالات منشورة على kba13.com ومجموعة أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13 من جهة، ووثائق رسمية صادرة عن وزارة المالية السنغافورية وسلطة النقد السنغافورية، وأحكام المحكمة العليا الإندونيسية، وتصريحات وزير المالية بوربايا يودي ساديوا (Purbaya Yudhi Sadewa) في عام 2026، وبيانات العفو الضريبي، وتحقيقات الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وأبحاث جمعية براكارسا (Perkumpulan Prakarsa) ومركز نكست إندونيسيا (NEXT Indonesia Center) من جهة أخرى. ويميّز الموجز بين أربعة مستويات من الأدلة: الأحكام القضائية، والتحقيقات الرسمية الجارية، والادعاءات المتداولة، والتصميم المؤسسي المشروع. وتخلص النتائج إلى أنّ أكبر قدر من التسرّب المالي يقع عبر التسعير التحويلي وتخفيض أسعار الصادرات على أيدي مجموعات أعمال تمتلك شركات تجارية في سنغافورة، وقد فصل القضاء في بعضه؛ وأنّ سنغافورة توفّر أنظمة ضريبية منخفضة وحوافز للمكاتب العائلية وسرّية تجتذب ثروات النخبة الإندونيسية، لكن لا دليل على أنّ الدولة السنغافورية تدير سياسة سرّية للإضرار بإندونيسيا. فجوهر المشكلة هو اجتماع التصميم التنافسي السنغافوري مع ضعف الإنفاذ الإندونيسي.
الأطروحة
لا تعبر الأرباح الإندونيسية إلى سنغافورة أساسًا بفعل مؤامرة دولة، بل لأنّ التصميم الضريبي السنغافوري المشروع يلتقي بثغرات الرقابة الإندونيسية وبخيارات النخبة الاقتصادية الإندونيسية نفسها؛ ولا يمكن إثبات تهمة «المناورات الخفية» إلا إذا فُصل بين القضايا التي ثبتت أمام القضاء، والتحقيقات الجارية، والتصميم المُعلَن صراحةً.
البيانات والمصادر
أحكام المحكمة العليا في قضية آسيان أغري (Asian Agri) (2012) وقضية شركات زيت النخيل (2025)، وتصريحات وزير المالية بوربايا (فبراير–مايو 2026)، والبيان المشترك لوزارة المالية وسلطة النقد السنغافورية (2016)، ورسالة سلطة النقد السنغافورية (2017)، وردّ لورنس وونغ (Lawrence Wong) البرلماني (2024)، وبيانات العفو الضريبي (2017)، وتسريبات الملاذات الخارجية للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (2013)، واتفاقية تجنّب الازدواج الضريبي بين إندونيسيا وسنغافورة (2020)، وأبحاث براكارسا ونكست إندونيسيا، ومقالات kba13.com، ومجموعة أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13
الإطار التحليلي
التصميم في مقابل الانحراف، وسلسلة تآكل الوعاء الضريبي، والتقييم المتدرّج للأدلة
الاستشراف
مصفوفة للادعاءات، وثلاثة سيناريوهات مالية حتى عام 2030، وثماني توصيات موجّهة إلى وزارة المالية والمديرية العامة للضرائب والجمارك والنيابة العامة والدبلوماسية الضريبية
الكلمات المفتاحية: سنغافورة؛ التسعير التحويلي؛ التقليل من قيمة الفواتير؛ العفو الضريبي؛ المكاتب العائلية؛ معاهدة ضريبية؛ حصائل الصادرات؛ زيت النخيل؛ التسرّب المالي؛ تآكل الوعاء الضريبي
أولًا: الملخّص التنفيذي: الورق يتوقّف في سنغافورة والسفينة تمضي في طريقها
في 4 فبراير 2026، أدلى وزير المالية بوربايا يودي ساديوا أمام اللجنة الحادية عشرة في مجلس النواب بما يختزل مشكلة هذا الموجز كلّها في جملة واحدة: إنّ صادرات زيت النخيل الخام التي كانت وجهتها النهائية الولايات المتحدة لم يُبلَغ عنها للسلطات الإندونيسية إلا حتى سنغافورة، وبأسعار تبلغ في المتوسط نصف السعر الأمريكي، فيما تستأثر شركة وسيطة في سنغافورة بالربح. وفي مايو 2026 أضاف أنّ نحو عشرة من كبار المصدّرين قيد الفحص، وأنّ اثنين منهم دخلا مرحلة تحقيق رسمي مع النيابة العامة، وأنّ السفينة الحاملة للبضائع لم تتغيّر، وإنما تغيّرت الأوراق وحدها. وليس هذا الاكتشاف جديدًا في التاريخ المالي لإندونيسيا؛ ففي عام 2012 ألزمت المحكمة العليا أربع عشرة شركة من مجموعة آسيان أغري بدفع غرامة قدرها 2.5 تريليون روبية بسبب التهرّب من ضرائب تبلغ نحو 1.2 تريليون روبية، وفي عام 2025 ألزمت شركات تابعة لمجموعات ويلمار (Wilmar) وبيرماتا هيجاو (Permata Hijau) وموسيم ماس (Musim Mas) بدفع تعويضات تتجاوز 16 تريليون روبية في قضية تتعلّق بتراخيص تصدير زيت النخيل.
ينتهي هذا الموجز إلى خمسة أحكام تقديرية. فبدرجة ثقة عالية، يُعدّ التسعير التحويلي وتخفيض أسعار الصادرات عبر شركات تجارية تابعة في سنغافورة قناةً حقيقية للتسرّب المالي، ثبت جزء منها أمام القضاء. وبدرجة ثقة عالية، تُعدّ سنغافورة المستودع الرئيس للثروات الخاصة للنخبة الإندونيسية، على نحو ما تُظهره بيانات العفو الضريبي للفترة 2016–2017، إذ استأثرت سنغافورة بنحو 73 في المئة من الأصول الخارجية المُعلَنة. وبدرجة ثقة عالية، صُمّم النظام الضريبي السنغافوري، بما فيه من معدّلات تفضيلية للتجّار العالميين وحوافز للمكاتب العائلية وغياب لضريبة الأرباح الرأسمالية، تصميمًا صريحًا لاجتذاب رؤوس الأموال والأرباح الإقليمية، ومنها الإندونيسية. وبدرجة ثقة منخفضة، توجد سياسة متعمّدة وسرّية للدولة السنغافورية تستهدف إحباط الإنفاذ الضريبي الإندونيسي؛ إذ تُتداوَل مثل هذه الادعاءات من غير أن تسندها أدلة كافية، وقد نُفيت رسميًّا. وبدرجة ثقة متوسطة، ضيّق التعاون الضريبي منذ معاهدة عام 2020 ومعاهدة تسليم المطلوبين لعام 2024 هامشَ التهرّب، غير أنّ فاعليته رهينة بقدرة إندونيسيا على تقديم طلبات المعلومات الصحيحة ومتابعتها.
ثانيًا: الإطار التحليلي: التصميم والانحراف والأدلة المتدرّجة
كثيرًا ما يتعثّر النقاش العام حول دور سنغافورة في التسرّب الضريبي الإندونيسي لأنّه يخلط بين ثلاثة أمور مختلفة. أوّلها التصميم: أي القواعد الضريبية السنغافورية المشروعة والمنشورة التي يحقّ لأيّ أحد الانتفاع بها، كانخفاض معدّل ضريبة الشركات والحوافز الممنوحة لشركات التجارة العالمية. وثانيها الانحراف: أي سلوك الشركات أو الأفراد الذي يخرق القانون الإندونيسي، كالإبلاغ عن أسعار تصدير دون قيمتها الحقيقية أو إخفاء الدخل، وقد يستعين بكيانات في سنغافورة. وثالثها الاتهام الموجّه إلى الدولة السنغافورية: أي الزعم بأنّ حكومتها أو أجهزتها توفّر الحماية لهذا الانحراف عن عمد. ولكلّ واحد من هذه الأمور معيار إثبات مختلف، ويستدعي استجابة سياساتية مختلفة؛ فالتصميم لا يُعالَج إلا بالتفاوض أو بالمجاراة، والانحراف يجب أن يُلاحَق قضائيًّا، أمّا الاتهامات الموجّهة إلى دولة فيجب أن تُختبَر بالأدلة قبل أن تُتّخذ أساسًا للدبلوماسية.
يستعين الموجز بمفهوم سلسلة تآكل الوعاء الضريبي لتتبّع حركة الأرباح. وللسلسلة أربع حلقات: تسعير المعاملات بين الشركات المرتبطة؛ وتحميل تكاليف من قبيل الفوائد وخدمات الإدارة والإتاوات على كيانات في ولايات قضائية منخفضة الضرائب؛ والاحتفاظ بالثروات الخاصة للمالكين النهائيين في الخارج؛ ثم إعادة تلك الأموال إلى إندونيسيا في صورة استثمار أجنبي أو قروض. وقد تكون كلّ حلقة مشروعة أو غير مشروعة بحسب مضمونها الاقتصادي. ولتقييم الأدلة، يعتمد الموجز أربعة مستويات: المستوى (أ) حكم قضائي نهائي؛ والمستوى (ب) تحقيق رسمي جارٍ أو استنتاج رسمي صادر عن الحكومة؛ والمستوى (ج) ادعاء تتناقله وسائل الإعلام أو يطلقه شخصية عامة من دون دليل قابل للتحقّق؛ والمستوى (د) تصميم مؤسسي مشروع ومُعلَن.
يقوم المنهج على البحث المكتبي وتحليل الوثائق. والمصادر الأولية هي مقالات منشورة على kba13.com، ولا سيّما «هيمنة الشركات السنغافورية على الاقتصاد الإندونيسي» (Dominasi Perusahaan Singapura di Ekonomi Indonesia) و«العلاقات الإندونيسية–السنغافورية» (Relasi Indonesia–Singapura)، إلى جانب مجموعة أرشيف ومكتبة أكاديمية KBA13، ومنها كتاب «تصوير وجه شركة سنغافورة المساهمة في إندونيسيا» (Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia) وتغطية مجلة تمبو (Tempo) لقضية الضرائب المتعلّقة بغايوس تامبونان (Gayus Tambunan). وقد رُوجعت هذه المصادر في ضوء الوثائق السنغافورية الرسمية، وأحكام المحاكم الإندونيسية كما نقلتها وسائل الإعلام القانونية، وتصريحات المسؤولين، والأبحاث المستقلة. ولا يملك الموجز اطّلاعًا على البيانات الضريبية الفردية ولا على القوائم المالية للشركات التجارية في سنغافورة، ومن ثَمّ فإنّ أرقام التسرّب الواردة فيه تقديرات لجهات أخرى، لا حسابات خاصة به.
ثالثًا: البنية الضريبية السنغافورية: تصميمٌ لاجتذاب الأرباح الإقليمية
لم تُخفِ سنغافورة قطّ أنّ نظامها الضريبي مصمّم لاجتذاب المقارّ الإقليمية وشركات التجارة والثروات الخاصة من المنطقة. فمعدّل ضريبة دخل الشركات البالغ سبعة عشر في المئة منخفض أصلًا مقارنةً بمعدّل إندونيسيا البالغ اثنين وعشرين في المئة، لكنّ المعدّل الفعلي لكثير من الشركات متعدّدة الجنسيات أدنى من ذلك بكثير بفضل الحوافز القطاعية. فبرنامج التاجر العالمي الذي تديره هيئة المؤسسات السنغافورية (Enterprise Singapore) يمنح معدّلات تفضيلية قدرها خمسة أو عشرة أو خمسة عشر في المئة على دخل التجارة المؤهّل، لفترات مدّتها خمس سنوات قابلة للتجديد في الغالب، للشركات التي تمارس انطلاقًا من سنغافورة تجارةً عالمية في السلع الأساسية والمنتجات. وهذا البرنامج هو الأساس الذي أقامت عليه مجموعات كثيرة في قطاعات زيت النخيل والفحم والمعادن كياناتٍ تجارية في سنغافورة. كما لا تفرض سنغافورة ضريبة على الأرباح الرأسمالية ولا ضريبة على التركات، وهما سمتان تجعلانها شديدة الجاذبية لأصحاب الثروات الكبيرة.
أمّا الطبقة الثانية فهي صناعة إدارة الثروات. ففي 6 مارس 2024، صرّح نائب رئيس الوزراء ووزير المالية لورنس وونغ، في ردّ مكتوب على سؤال برلماني، بحسب سلطة النقد السنغافورية، بأنّ نحو 1,400 مكتب عائلي منفرد قد حصلت حتى نهاية عام 2023 على حوافز ضريبية بموجب المادتين 13O و13U من قانون ضريبة الدخل. وتعفي هذه الحوافز بعض دخل الاستثمار للصناديق التي تديرها المكاتب العائلية، رهنًا بشروط تتعلّق بالحدّ الأدنى للأصول والإنفاق المحلي وتوظيف الكوادر المهنية. ولا تتوافر بيانات عامة عن عدد المكاتب العائلية المملوكة لعائلات إندونيسية، غير أنّ القرب الجغرافي وشبكات الأعمال وبيانات العفو الضريبي التي يتناولها القسم السادس توحي بأنّ العائلات الإندونيسية من كبار المستفيدين منها. وهكذا تقدّم سنغافورة حزمة متكاملة: مكانًا لتسجيل أرباح التجارة بمعدّلات منخفضة، ومكانًا للاحتفاظ بالثروة الخاصة وتنميتها بلا ضريبة على الأرباح الرأسمالية، ونظامًا قانونيًّا موثوقًا.
والطبقة الثالثة هي التحوّل العالمي الذي بدأ يضيّق ذلك الحيّز. فقد تبنّت سنغافورة الركيزة الثانية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاصة بالحدّ الأدنى العالمي للضريبة، فأدخلت ضريبة تكميلية محلية وقواعد للحدّ الأدنى من الضريبة على مجموعات الشركات متعدّدة الجنسيات الكبرى اعتبارًا من عام 2025، على نحو ما أُعلن في موازنة عام 2024 وناقشته برايس ووترهاوس كوبرز سنغافورة (PwC Singapore). فبالنسبة إلى المجموعات التي تتجاوز إيراداتها الموحّدة 750 مليون يورو، لم يعد ممكنًا أن ينخفض المعدّل الفعلي في سنغافورة عن خمسة عشر في المئة، وتتولّى سنغافورة نفسها تحصيل الضريبة التكميلية لا إندونيسيا. وفي إندونيسيا، رصدت أخبار دي دي تي سي (DDTCNews) تحذيراتٍ من أنّ على الحكومة تطبيق الحدّ الأدنى العالمي للضريبة باتّساق كي لا تفقد قدرتها التنافسية. والركيزة الثانية تقلّص الحوافز القائمة على المعدّلات، لكنّها لا تُلغي حوافز أخرى من قبيل اليقين القانوني وغياب ضريبة الأرباح الرأسمالية، ولا تطال المجموعات التي تقلّ عن العتبة المحدّدة. والدرس المستفاد لإندونيسيا أنّ المنافسة الضريبية لا يمكن كسبها بالمعدّلات، لكن يمكن تقليص خسائرها بتحسين الرقابة على التسعير التحويلي.
رابعًا: قنوات التسرّب: التسعير التحويلي والتقليل من قيمة الفواتير والشركات الوسيطة
إنّ آلية التسرّب التي وصفها بوربايا في فبراير 2026 صورةٌ كلاسيكية من صور تخفيض أسعار الصادرات عبر شركات تجارية تابعة. ففي اجتماع عمل مع اللجنة الحادية عشرة في 4 فبراير 2026، وبحسب سي إن إن إندونيسيا (CNN Indonesia)، قال إنّ الصادرات المتّجهة إلى أمريكا لم يُبلَغ عنها إلا حتى سنغافورة، وإنّ الأسعار المُبلَغ عنها بلغت في المتوسط نصف السعر الأمريكي، وإنّ الربح كانت تستأثر به شركة وسيطة في سنغافورة. وقال كذلك إنّ البيانات المفصّلة سفينةً سفينةً كشفت تلاعبًا استثنائيًّا إلى حدّ بعيد، جرى الكشف عنه بمطابقة البيانات العابرة للحدود بمساعدة الأنظمة الرقمية. والمنطق هنا بسيط: يبيع المصدّر الإندونيسي بسعر منخفض إلى شركة تجارية تملكها مجموعته في سنغافورة، فيكون الربح المسجّل في إندونيسيا ضئيلًا، وكذلك الضرائب ورسوم التصدير. ثم تعيد الشركة التجارية البيع إلى المشتري النهائي بسعر السوق، ويُسجَّل الفارق في سنغافورة بمعدّل ضريبي قد لا يتجاوز خمسة إلى عشرة في المئة في إطار برنامج التاجر العالمي.
وفي مايو 2026 اتّسعت التفاصيل. ففي 22 مايو، وبحسب إندونيسيا بيزنس بوست (Indonesia Business Post)، أشار بوربايا إلى أكبر عشر شركات قيد الفحص وضرب أمثلة: شحنة صُرّح عنها بقيمة 2.6 مليون دولار أمريكي مقابل 4.2 مليون دولار أمريكي في سجلّات الاستيراد الأمريكية، وأخرى صُرّح عنها بقيمة 1.44 مليون دولار أمريكي مقابل نحو 4 ملايين دولار أمريكي، مع خسارة تقديرية للدولة تبلغ نحو 84 مليون دولار أمريكي من العيّنة وحدها. وقد سمّى ذلك التقرير شركة PT Wilmar Nabati Indonesia (ويلمار نباتي إندونيسيا) ومجموعة موسيم ماس ضمن الكيانات الخاضعة للفحص، لكنّ بوربايا، بحسب فورتشن إندونيسيا (Fortune Indonesia)، امتنع في 26 مايو عن تسمية الشركات خشية مقاضاته، ووصفها بأنّها مزيج من شركات محلية وأجنبية، وقال إنّ بعض البضائع بيعت بضعفين إلى أربعة أضعاف سعرها المُصرَّح به، ولاحظ أنّ بعض هذه الشركات لم تدفع من ضريبة دخل الشركات إلا نحو 0.4 في المئة من رقم أعمالها. وأكّد مدير التحقيقات في الجرائم الخاصة بالنيابة العامة، شريف سليمان نهدي (Syarief Sulaeman Nahdi)، أنّ تحقيقًا جاريًا منذ نحو شهر. وفي 27 مايو، نقلت أخبار دي دي تي سي عن بوربايا قوله إنّ البضائع ذهبت مباشرةً إلى وجهتها لأنّ السفينة لم تتغيّر، لكنّ الأوراق كانت مختلفة. ولأنّ القضية لا تزال قيد التحقيق، يضعها هذا الموجز في مستوى الأدلة (ب)، ولا يستخلص أيّ حكم بشأن إدانة أيّ شركة.
ويُعتقد أنّ نمطًا مماثلًا يحدث في قطاع الفحم، وإن اختلفت بلدان المقصد. ففي 26 أبريل 2026، قدّر بحثٌ لمركز نكست إندونيسيا نشرته كاتاداتا (Katadata) فجوةً في قيم صادرات الفحم تبلغ 20 مليار دولار أمريكي، أي نحو 345 تريليون روبية، في الفترة 2015–2024، و39.5 مليار دولار أمريكي في الفترة 2000–2024، وكان أكبر تقليل من قيمة الفواتير في الصادرات إلى الهند، وأكبر مغالاة فيها في الصادرات إلى بنغلاديش. ولا يذكر التقرير سنغافورة، وهذا تحفّظ مهمّ يقي من التعميم القائل إنّ كلّ التسرّب يمرّ عبر سنغافورة. وفي عام 2019، قدّر بحثٌ لجمعية براكارسا نشرته جاكرتا بوست (The Jakarta Post) التدفّقاتِ المالية غير المشروعة من الصادرات السلعية الرئيسة لإندونيسيا، وهي الفحم والنحاس وزيت النخيل والمطاط والبنّ والروبيان، بنحو 142.07 مليار دولار أمريكي في الفترة 1989–2017 عبر التقليل من قيمة الفواتير والمغالاة فيها. وهذه الأرقام مستمدّة من منهج التجارة المرآوية، المعروف بأنّه ينطوي على هوامش خطأ كبيرة بسبب اختلاف توقيت التسجيل وتكاليف الشحن والتصنيف، ولذا ينبغي قراءتها مؤشّراتٍ على الحجم لا خسائرَ مؤكّدة. ومع ذلك فإنّ اتّساقها على مدى ثلاثة عقود يدلّ على أنّ المشكلة بنيوية.
فلماذا تظهر سنغافورة بهذا التواتر في قناة زيت النخيل ولا تظهر في قناة الفحم المتّجهة إلى الهند؟ يكمن الجواب في بنية الملكية في صناعة زيت النخيل. فعدد من أكبر مجموعات زيت النخيل العاملة في إندونيسيا تتّخذ مقارّها في سنغافورة أو هي مدرجة في بورصتها، مثل ويلمار إنترناشيونال (Wilmar International) وغولدن أغري ريسورسز (Golden Agri-Resources)، أو تقع كياناتها التجارية الرئيسة هناك، مثل موسيم ماس ومجموعات أخرى نشأت في ميدان (Medan). وتتناول الدراسة الأولى في هذه السلسلة تلك البنية بالتفصيل. فحين ينتمي المنتجون في كاليمانتان وسومطرة والتجّار في سنغافورة إلى مجموعة واحدة، تكون المعاملات بينهم معاملاتٍ بين أطراف مرتبطة تُحدَّد أسعارها داخليًّا. ويشترط القانون الإندونيسي أن تستوفي هذه الأسعار مبدأ السعر الحرّ (مبدأ الاستقلالية)، لكنّ إثبات الإخلال به يتطلّب بيانات عن أسعار مماثلة وبيانات عن إعادة البيع في سنغافورة، وهي بيانات طالما وجدت المديرية العامة للضرائب صعوبةً في الحصول عليها. ومن ثَمّ فإنّ المطابقة سفينةً سفينةً مع بيانات الاستيراد في بلدان المقصد، التي أجرتها وزارة المالية في عام 2026، تمثّل اختراقًا منهجيًّا لأنّها تتجاوز الحاجة إلى بيانات من سنغافورة كليًّا.
خامسًا: القضايا الموثّقة: من آسيان أغري إلى بترال
تُعدّ قضية آسيان أغري المعلَم القانوني الأول. ففي 18 ديسمبر 2012، وبموجب الحكم رقم 2239 K/Pid.Sus/2012، أدانت المحكمة العليا مدير الضرائب في آسيان أغري سووير لاوت (Suwir Laut) بجريمة ضريبية، وألزمت أربع عشرة شركة من مجموعة آسيان أغري بدفع غرامة تبلغ نحو 2.5 تريليون روبية، أي ضعف الضريبة المستحقّة البالغة نحو 1.2 تريليون روبية، على نحو ما سجّله موقع هوكوم أونلاين (Hukumonline)، الذي أفاد في سبتمبر 2014 بأنّ المجموعة سدّدت الغرامة كاملة، وموقع مونغاباي (Mongabay). وقد انطلقت القضية من بلاغ قدّمه مراقب مالي سابق في المجموعة، وتعلّقت بإقرارات ضريبية كاذبة عن الفترة 2002–2005، شملت تحميل تكاليف ومعاملات مع أطراف مرتبطة في الخارج. وآسيان أغري جزء من مجموعة رويال غولدن إيغل (Royal Golden Eagle) التي تتّخذ من سنغافورة مقرًّا لها. ولا تكمن أهمية الحكم في حجم الغرامة فحسب، بل في أنّه يبيّن أنّ الدولة الإندونيسية قادرة على كسب قضية ضريبية جنائية ضدّ مجموعة كبرى عابرة للحدود، شريطة أن تمتلك أدلة داخلية قوية.
وتكشف قضية شركات زيت النخيل لعام 2025 وجهًا آخر للمشكلة؛ فهي لم تكن قضية تسعير تحويلي، بل قضية فساد في منح تراخيص تصدير زيت النخيل الخام إبّان أزمة شحّ زيت الطهي في 2021–2022. ففي 15 سبتمبر 2025، وبحسب هوكوم أونلاين، قبلت المحكمة العليا طعن النيابة وأدانت شركات PT Wilmar Nabati Indonesia وPT Nagamas Palmoil Lestari التابعة لمجموعة بيرماتا هيجاو وPT Musim Mas، وألزمتها بتعويضات تبلغ نحو 11.88 تريليون روبية و937.6 مليار روبية و4.89 تريليون روبية على التوالي. وألغى الحكم قرار براءة صادرًا عن محكمة جاكرتا المركزية الابتدائية، ألقت النيابة العامة لاحقًا القبض على ثلاثة من قضاتها بتهمة تلقّي رشاوى من محامي تلك الشركات. ويبيّن هذا التسلسل أنّ المشكلة الرئيسة لا تكمن في سنغافورة، بل في الجهاز القضائي الإندونيسي نفسه؛ فالمجموعات التي تقع شركاتها الأمّ في سنغافورة يمكن أن تُدان في إندونيسيا، لكنّها يمكن أن تفلت أيضًا إذا أمكن شراء القضاة الإندونيسيين.
وتُظهر قضية بترال (Petral) نمطًا ثالثًا: نقل وظيفة مشتريات حكومية إلى سنغافورة بحيث تقع خارج نطاق الرقابة. فقد تولّت شركة Pertamina Energy Trading Ltd وفرعها Pertamina Energy Services في سنغافورة إدارة مشتريات النفط الخام والوقود لصالح شركة برتامينا (Pertamina) سنواتٍ طويلة. وفي ديسمبر 2014، رصد فريق إصلاح حوكمة النفط والغاز تسريباتٍ للمواصفات وللتقديرات المرجعية للمالك قبل المناقصات، على نحو ما سجّله هوكوم أونلاين. وحُلّت بترال في عام 2015، غير أنّ تدقيقها الجنائي، بحسب كونتان (Kontan)، عُدّ مقتصرًا على صغار المتورّطين. ولم تُسمِّ النيابة العامة رجلَ الأعمال محمد رضا خالد (Mohammad Riza Chalid) وستة آخرين مشتبهًا بهم في التلاعب بالمناقصات وتسريب التقديرات المرجعية للمالك في مشتريات بترال خلال الفترة 2008–2015 إلا في 9 أبريل 2026، بحسب البوابة الإخبارية للشرطة الوطنية. ولا يزال رضا خالد فارًّا. وتقع القضية في مستوى الأدلة (ب). والدرس واضح: لم يكن الموقع السنغافوري هو الذي صنع الفساد، لكنّه أبطأ إنفاذ القانون أكثر من عقد من الزمن.
والقضية الرابعة تاريخية لكنّها رمزية. ففي عام 2010، تناول عدد مجلة تمبو الصادر في 9 مايو 2010، الذي تضمّن تقرير «هجوم مضادّ على سوسنو» (Serangan Balik untuk Susno) (أرشيف ومكتبة KBA13)، قضيةَ موظف الضرائب غايوس تامبونان الذي كان يحوز عشرات المليارات من الروبيات، والقبضَ على المفوّض العام سوسنو دواجي (Susno Duadji) في المطار وهو يتأهّب للسفر إلى سنغافورة. وقد رسّخت القضية لدى الرأي العام الإندونيسي صورة سنغافورة ملاذًا للفرار وإيداع الأموال المشبوهة. ولهذه الصورة ما يسوّغها، إذ أقام عدد من الفارّين الإندونيسيين المطلوبين في قضايا فساد في سنغافورة قبل أن توجد معاهدة لتسليم المطلوبين. لكنّ الصورة قد تكون مضلّلة أيضًا، لأنّها تصرف الانتباه عن أنّ قضية غايوس كانت قضية فساد داخل المديرية العامة للضرائب نفسها.
سادسًا: الثروات المودَعة: العفو الضريبي وتسريبات الملاذات الخارجية وحصائل الصادرات
كان العفو الضريبي في 2016–2017 اللحظةَ الوحيدة التي كُشف فيها للرأي العام، بأرقام رسمية، حجمُ الثروات الإندونيسية في سنغافورة. ففي 29 مارس 2017، ومع اقتراب البرنامج من نهايته، أفادت ريبوبليكا (Republika) بأنّ الأصول الخارجية التي أعلنها دافعو الضرائب في سنغافورة بلغت 751.19 تريليون روبية، أي نحو 73 في المئة من مجموع الإعلانات الخارجية، متقدّمةً بفارق كبير على جزر فيرجن البريطانية (76.92 تريليون روبية) وهونغ كونغ (56.27 تريليون روبية)، في حين بلغت الأموال المُعادة من سنغافورة 84.52 تريليون روبية، أي نحو 57 في المئة من مجموع الأموال المُعادة. والمقارنة بين هذين الرقمين هي لبّ المشكلة؛ إذ لم يُعَد فعليًّا إلى الوطن إلا أقلّ من ثُمن الثروة المُعلَنة في سنغافورة. وفي نهاية المرحلة الأولى، وبحسب كونتان، لم يُعَد من أصل نحو 2,514 تريليون روبية من الأصول المُعلَنة سوى نحو 128 تريليون روبية. لقد كان أثرياء إندونيسيا مستعدّين لتقنين أصولهم على الورق، لا لنقلها إلى إندونيسيا.
فلماذا بقيت تلك الثروات في سنغافورة؟ التفسير الأبسط أنّ سنغافورة توفّر استقرارًا في العملة، ويقينًا قانونيًّا، وخدمات مصرفية خاصة متطوّرة، وغيابًا لضرائب الأرباح الرأسمالية والتركات، في حين تقدّم إندونيسيا روبيةً أكثر هشاشة ونظامًا قانونيًّا أقلّ موثوقية. أمّا التفسير الأكثر إثارة للجدل فهو أنّ الصناعة المالية السنغافورية عملت على كبح إعادة الأموال. ففي يوليو 2016، وبحسب باريكسا (Bareksa)، قال المحلّل الضريبي يوستينوس براستوو (Yustinus Prastowo) إنّ مصارف في سنغافورة عرضت تغطية فارق معدّلات العفو للعملاء الذين يختارون الإعلان من دون إعادة الأموال. وفي سبتمبر 2016، أفادت جاكرتا بوست بوجود قلق من أن تُبلغ المصارف السنغافورية عن العملاء الإندونيسيين المشاركين في العفو بوصفهم أصحاب معاملات مشبوهة. ويقع الادعاء المتعلّق بعروض المصارف في مستوى الأدلة (ج)، إذ لم يُتحقَّق منه قطّ في تحقيق رسمي، وقد نفته الحكومة السنغافورية رسميًّا، على نحو ما يتناوله القسم الثامن. لكنّ الحوافز الاقتصادية للبقاء في سنغافورة كانت قوية بما يكفي حتى من دون مثل تلك العروض.
وتُظهر الصحافة الاستقصائية الدولية دور سنغافورة مركزًا لخدمات تأسيس الشركات الخارجية. ففي 9 أبريل 2013، ذكر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، في تقريره عن تسريبات الملاذات الخارجية (Offshore Leaks)، قرابة 2,500 إندونيسي وردت أسماؤهم في ملفات شركة بورتكوليس ترست نت (Portcullis TrustNet)، وهي مزوّد لخدمات الملاذات الخارجية مقرّه سنغافورة، ولاحظ أنّ تسعًا من أغنى إحدى عشرة عائلة في إندونيسيا تمتلك أكثر من 190 شركة وصندوقًا ائتمانيًّا خارجيًّا. وقد شدّد الاتحاد نفسه على أنّ الملفات لا تُثبت مخالفةً للقانون من جانب تلك العائلات. وفي عام 2016، وبحسب تمبو، ظهر نحو 803 أسماء إندونيسية في وثائق بنما. وتقع هذه البيانات في مستويي الأدلة (د) و(ج) معًا: فامتلاك شركات خارجية أمر مشروع، لكنّه يفتح مجالًا لإخفاء الدخل لا يمكن اختباره إلا عبر عمليات تدقيق فردية.
ويستكمل تدويرُ رأس المال الصورةَ. ففي يناير 2018، أقرّ رئيس هيئة تنسيق الاستثمار (BKPM) آنذاك، توماس ليمبونغ (Thomas Lembong)، بحسب ما نقلته سي إن بي سي إندونيسيا (CNBC Indonesia)، بأنّ كثيرًا من الاستثمارات المسجّلة على أنّها قادمة من سنغافورة هي في الحقيقة أموال إندونيسيين مودَعة هناك تعود في صورة استثمار أجنبي. وفي يوليو 2026، نقلت بيسنيس إندونيسيا (Bisnis Indonesia) تحذيرًا من رابطة المصارف بيربانَس (Perbanas) من أنّ المركز المالي الدولي الذي تصمّمه إندونيسيا يجب أن يجتذب رؤوس أموال أجنبية جديدة لا أموالًا مدوَّرة. وليس التدوير غير مشروع دائمًا، لكنّه يتيح للأرباح التي سبق تحويلها إلى خارج إندونيسيا أن تعود بصفة الاستثمار الأجنبي وما يرافقها من تسهيلات، فيتآكل الوعاء الضريبي الإندونيسي مرّتين.
وقد استجابت الحكومة بسياسة خاصة بحصائل الصادرات. ففي فبراير 2025، أعلن الرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto) اللائحة الحكومية رقم 8 لسنة 2025، التي تُلزم مصدّري الموارد الطبيعية بالاحتفاظ بكامل حصائل صادراتهم في النظام المالي المحلي مدّة اثني عشر شهرًا اعتبارًا من 1 مارس 2025، بهدف إضافة نحو 80 مليار دولار أمريكي سنويًّا إلى الاحتياطيات الأجنبية، على نحو ما أفادت به بيسنيس إندونيسيا وأخبار دي دي تي سي. وفي سبتمبر 2025، كتبت بيسنيس إندونيسيا عن مساعي الحكومة لإعادة دولارات الإندونيسيين المودَعة في سنغافورة وغيرها. وتستهدف هذه السياسة العَرَض، أي الدولارات التي لا تعود، لكنّها لا تمسّ السبب إذا كانت أسعار التصدير قد خُفّضت قبل تسجيل الحصائل. فالاحتفاظ لا يُشترط إلا للحصائل المُبلَغ عنها، ومن ثَمّ يبقى فارق السعر المسجّل لدى الوسيط في سنغافورة خارج نطاق هذه السياسة.
سابعًا: المعاهدة الضريبية وتبادل المعلومات وتسليم المطلوبين
ظلّت اتفاقية تجنّب الازدواج الضريبي بين إندونيسيا وسنغافورة، النافذة منذ عام 1991، تُعدّ زمنًا طويلًا منحازةً لصالح سنغافورة. ووُقّعت اتفاقية جديدة في 4 فبراير 2020 على يد وزيرة المالية سري مولياني إندراواتي (Sri Mulyani Indrawati)، بحضور الرئيس جوكو ويدودو (Joko Widodo) والرئيسة حليمة يعقوب (Halimah Yacob)، على نحو ما أفادت به أخبار دي دي تي سي، التي أشارت إلى رأي الحكومة بأنّ المعاهدة الجديدة أكثر إنصافًا من سابقتها. واستغرقت المفاوضات، بحسب أخبار دي دي تي سي، خمس جولات. وتشمل تعديلاتها الرئيسة، كما أوردت ديتيك فاينانس (detikFinance)، خفضَ معدّلات الاقتطاع على الإتاوات وأرباح الفروع، ومنحَ حقوق فرض الضريبة على الأرباح المتأتّية من بيع أسهم الشركات الغنية بالعقارات، وتعزيزَ بند تبادل المعلومات بما يتّسق مع المعايير الدولية، بما في ذلك اختبار الغرض الرئيس المستمدّ من الاتفاقية متعدّدة الأطراف لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمنع إساءة استخدام المعاهدات.
تمنح المعاهدة الجديدة إندونيسيا أداتين مهمّتين. الأولى أنّ اختبار الغرض الرئيس يتيح لإندونيسيا حجب مزايا المعاهدة متى كان أحد الأغراض الرئيسة لترتيبٍ ما هو الحصول عليها، ممّا يُصعّب استخدام شركات صورية في سنغافورة تفتقر إلى مضمون اقتصادي لخفض الاقتطاع على أرباح الأسهم أو الفوائد أو الإتاوات. والثانية أنّ تبادل المعلومات بناءً على الطلب، مقرونًا بالتبادل التلقائي لمعلومات الحسابات المالية وفق معيار الإبلاغ المشترك المطبّق في البلدين منذ عام 2018، يتيح للمديرية العامة للضرائب الحصول على بيانات حسابات دافعي الضرائب الإندونيسيين في سنغافورة. غير أنّ هاتين الأداتين لا تعملان إلا إذا استُخدمتا؛ فالطلبات يجب أن تكون محدّدة، ومسنودة بشبهة معقولة، ومتبوعة بعمليات تدقيق. ولا تزال قدرة المديرية العامة على معالجة أحجام كبيرة من البيانات التلقائية وعلى صياغة الطلبات الصحيحة محدودة، ومن ثَمّ يظلّ قائمًا خطرُ ألّا تُفضي معاهدةٌ أفضل إلى إيرادات أكبر.
وتستكمل معاهدةُ تسليم المطلوبين هذا الإطار. فقد ظلّ التفاوض عليها جاريًا منذ مطلع الألفية الثالثة، حتى وُقّعت أخيرًا في يناير 2022 ضمن حزمة إطارية موسّعة إلى جانب اتفاقية المجال الجوي والتعاون الدفاعي، ثم أقرّها مجلس النواب الإندونيسي في ديسمبر 2022، وصدرت قانونًا في يناير 2023، ودخلت حيّز النفاذ في مارس 2024. وفي 26 مارس 2024، وبحسب بيسنيس إندونيسيا، رحّبت هيئة مكافحة الفساد (KPK) بالمعاهدة وشرعت في إعداد قائمة بالفارّين في سنغافورة، مشيرةً إلى أنّ المعاهدة تسري بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة خلال الثماني عشرة سنة السابقة. وأعرب نائب رئيس الهيئة نورول غفرون (Nurul Ghufron) عن أمله في ألّا تبقى الدول المجاورة ملاذاتٍ آمنة للفرار. وفي يناير 2023، وصفت بيسنيس إندونيسيا قانون التصديق بأنّه فصل جديد في دبلوماسية ملاحقة الفارّين. وتكمن أهمية المعاهدة في أنّ إحدى الشكاوى الإندونيسية التقليدية، وهي أنّ سنغافورة تؤوي الفارّين من جرائم الفساد والجرائم المالية، باتت لها الآن قناة قانونية. أمّا الاختبار الحقيقي فهو عدد الفارّين الذين سيُسلَّمون فعلًا في السنوات المقبلة.
ثامنًا: ما قاله وزراء سنغافورة ورؤساء وزرائها
تتّسق التصريحات السنغافورية الرسمية بشأن الضرائب والأموال الإندونيسية في ثلاث رسائل: أنّ سنغافورة لم تغيّر سياساتها لإحباط إندونيسيا، وأنّها تلتزم بالمعايير الدولية، وأنّ إندونيسيا مرحَّب بها في طلب المساعدة متى كانت لديها شبهات محدّدة. ففي 23 يوليو 2016، وفي البيان المشترك لوزارة المالية وسلطة النقد السنغافورية، وصفت الحكومة الادعاءات المتداولة في وسائل الإعلام الإندونيسية بأنّ سنغافورة تنفّذ سياسات «لإحباط» (thwart) العفو الضريبي الإندونيسي بأنّها غير صحيحة، وجاء فيه: «لم تخفّض سنغافورة معدّلات الضرائب ولم تغيّر أيًّا من سياساتنا استجابةً لبرنامج العفو الضريبي الإندونيسي». وأضاف البيان أنّ سنغافورة تلتزم بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال ولتبادل المعلومات، وأنّه إذا وُجدت أيّ حالة يُشتبه فيها بتهرّب ضريبي عابر للحدود، فبإمكان السلطات المعنيّة مخاطبة سنغافورة. وهذه الجملة الأخيرة دعوةٌ وتوزيعٌ للعبء في آنٍ واحد: فسنغافورة مستعدّة للمساعدة، لكنّ على إندونيسيا أن تبدأ بشبهات ملموسة.
وفي 15 سبتمبر 2016، أبلغت وزيرة المالية سري مولياني إندراواتي مجلسَ النواب، بحسب أمانة مجلس الوزراء، بأنّه بعد تأكيدٍ من نائب رئيس الوزراء السنغافوري ثارمان شانموغاراتنام (Tharman Shanmugaratnam)، فإنّ الحكومة السنغافورية، عبر سلطة النقد، تدعم العفو الضريبي الإندونيسي، وقد طلبت من المصارف السنغافورية دعم العملاء الراغبين في المشاركة، وأعلنت أنّ المشاركة لا ينبغي أن تُعامَل بوصفها سلوكًا يستدعي تحقيقًا جنائيًّا. وفي 19 مايو 2017، ردّت مديرة الاتصال المؤسسي في سلطة النقد، باي موي لينغ (Bey Mui Leng)، في رسالة إلى جاكرتا بوست، على مقال حمّل سنغافورة مسؤولية ضعف إعادة الأموال. وجاء في الرسالة أنّ سنغافورة لا تُلزم المصارف بتقديم بلاغ عن معاملة مشبوهة حين ينقل الأجانب أصولهم إلى الخارج، وأنّ المشاركة في عفو ضريبي «لن تؤدّي في حدّ ذاتها إلى تحقيق جنائي في سنغافورة» (would not in and of itself lead to criminal investigation in Singapore)، وأنّ سنغافورة «لم تُثبّط العملاء ولم تُصعّب عليهم بأيّ حال» تسويةَ أوضاعهم الضريبية (has not in any way discouraged or made it difficult). وهكذا ينفي الموقف السنغافوري الرسمي العرقلةَ صراحةً. والتحليل النزيه يجب أن يسجّل ذلك النفي، وأن يسجّل كذلك أنّ إعادة الأموال ظلّت ضعيفة. وكلتا الحقيقتين تنسجمان مع التفسير القائل إنّ العملاء اختاروا البقاء في سنغافورة لأسبابهم الخاصة، لا لأنّ الدولة وقفت في طريقهم.
أمّا تصريحات رؤساء الوزراء فتأتي على مستوى أعمّ. ففي 8 أكتوبر 2019، أعلن رئيس الوزراء لي هسين لونغ (Lee Hsien Loong)، بحسب النصّ المنشور لدى مكتب رئيس الوزراء، الاتفاقَ على تحديث المعاهدة الضريبية التي ناهز عمرها ثلاثين عامًا، ووضعه في إطار روح التعاون القائم على المنفعة المتبادلة. وفي 4 فبراير 2020، قالت الرئيسة حليمة يعقوب، بحسب أخبار دي دي تي سي، إنّ البلدين، بوصفهما جارين طيّبين، قد انتفعا كلاهما. وفي 6 مارس 2024، عرض لورنس وونغ، نائب رئيس الوزراء ووزير المالية آنذاك، عددَ المكاتب العائلية المستفيدة من الحوافز من دون الإشارة إلى بلدان منشأ مالكيها. وفي يوليو 2026، شدّد رئيس الوزراء لورنس وونغ، في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس برابوو سجّله مكتب رئيس الوزراء، على الاستثمار والاقتصاد الرقمي والتعاون الأمني في مضيق ملقا. والنمط العامّ أنّ رؤساء وزراء سنغافورة لا يتحدّثون عن الضرائب إلا في إطار المعاهدات والاستثمار، في حين تُترك عمليات النفي والإيضاح الفنية لوزارة المالية وسلطة النقد.
وتدلّ التصريحات المتعلّقة بغسل الأموال على حدود تسامح سنغافورة. ففي 10 سبتمبر 2023، وفي أعقاب الكشف عن قضية غسل أموال بنحو 1.8 مليار دولار سنغافوري تورّط فيها رعايا أجانب، قال وزير الداخلية والقانون ك. شانموغام (K. Shanmugam) لصحيفة ليانخه زاوباو (Lianhe Zaobao)، بحسب وزارة الداخلية، إنّ على سنغافورة أن توقف من يتّخذونها ملاذًا لغسل الأموال، وإنّ السلطات ستتصرّف بحزم، وإنّ تدفّقات رأس المال العالمية ليست كلّها نظيفة، وإنّ سنغافورة لا تخضع لضغوط أيّ دولة. ولهذا أهميته بالنسبة إلى إندونيسيا لأنّه يبيّن أنّ سنغافورة مستعدّة للتصرّف بصرامة ضدّ الأموال التي يثبت أنّها متحصّلات إجرامية بموجب القانون السنغافوري. غير أنّ التهرّب الضريبي في الخارج لم يصبح جريمةً أصلية لغسل الأموال في سنغافورة إلا منذ عام 2013، ولا يزال الإثبات متوقّفًا على الأدلة التي يقدّمها بلد المنشأ. وهنا تحسم جودةُ الملفات الإندونيسية النتيجة.
وعلى الجانب الإندونيسي، تسبق التصريحاتُ المتعلّقة بسنغافورة الأدلةَ أحيانًا. ففي 19 أكتوبر 2026، اتّهم وزير التجارة الأسبق محمد لطفي (Muhammad Lutfi)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي نقلته سي إن إن إندونيسيا، سنغافورةَ بالضغط، عبر تيماسيك (Temasek) وجي آي سي (GIC)، على مؤسسة إم إس سي آي (MSCI) لخفض تصنيف سوق رأس المال الإندونيسية كي يتسنّى شراء الأسهم الإندونيسية بثمن بخس. وأشار التقرير إلى أنّ لطفي لم يقدّم أيّ دليل، وأنّ إعلان إم إس سي آي في 16 أكتوبر ساق أسبابًا من قبيل غموض هياكل ملكية الأسهم والاشتباه في تداولات منسّقة، من دون أن يذكر أيّ ضغط من سنغافورة. وتقع مثل هذه الادعاءات في مستوى الأدلة (ج). ويسجّلها هذا الموجز لأنّها تشكّل التصوّر العام، ولأنّها تكشف أيضًا عن خطر قائم: فالاتهامات غير المُثبتة تُضعف موقف إندونيسيا حين تكون لديها قضايا حقيقية، كتسعير صادرات زيت النخيل، تستحقّ أن يُحاجَّ فيها بالبيانات.
تاسعًا: وزن تهمة «المناورات الخفية»: مصفوفة الأدلة المتدرّجة
إنّ السؤال عمّا إذا كانت سنغافورة تمارس مناوراتٍ خفية للتلاعب بالضرائب وتحقيق المنافع لشركاتها لا بدّ أن يُجاب عنه بالفصل بين الفاعلين. فالشركات، ومنها مجموعات إندونيسية تتّخذ من سنغافورة مقرًّا، ثبت أمام المحاكم الإندونيسية ارتكابُها جرائمَ ضريبية وفسادًا في عدد من القضايا. والصناعة المالية السنغافورية اتُّهمت بعرقلة إعادة الأموال، من غير أن يثبت ذلك. أمّا الدولة السنغافورية فتصمّم علنًا نظامًا ضريبيًّا يجتذب الأرباح والثروات الإقليمية، وتنفي رسميًّا أن تكون تدير أيّ سياسة لإحباط إندونيسيا. وتلخّص المصفوفة الآتية تقييم هذا الموجز لكلّ ادعاء رئيس متداول في النقاش العام الإندونيسي.
| الادعاء | الفاعل | مستوى الأدلة | التقييم |
|---|---|---|---|
| التهرّب الضريبي عبر إقرارات ضريبية كاذبة ومعاملات مع أطراف مرتبطة | مجموعة آسيان أغري (جزء من مجموعة RGE التي تتّخذ من سنغافورة مقرًّا) | (أ): حكم المحكمة العليا 2012 | ثابت؛ سُدّدت غرامة قدرها 2.5 تريليون روبية |
| الفساد في تراخيص تصدير زيت النخيل | شركات تابعة لمجموعات ويلمار وبيرماتا هيجاو وموسيم ماس | (أ): حكم المحكمة العليا 2025 | ثابت؛ تعويضات تتجاوز 16 تريليون روبية |
| تخفيض أسعار صادرات زيت النخيل عبر وسطاء في سنغافورة | نحو عشرة من كبار المصدّرين، لم تُسمَّ رسميًّا بعد | (ب): تحقيق النيابة العامة 2026 | مؤشّرات قوية؛ لا حكم بعد |
| التلاعب بمناقصات مشتريات النفط في سنغافورة | بترال، ورضا خالد وستة مشتبه بهم آخرين | (ب): تسمية المشتبه بهم 2026 | مؤشّرات قوية؛ المشتبه به الرئيس فارّ |
| عرضت مصارف سنغافورية تغطية فوارق معدّلات العفو للحيلولة دون إعادة الأموال | مصارف خاصة (غير مسمّاة) | (ج): تقارير إعلامية 2016 | غير متحقَّق منه؛ نفته وزارة المالية وسلطة النقد |
| خفّضت الدولة السنغافورية الضرائب أو غيّرت سياساتها لإحباط العفو | حكومة سنغافورة | (ج)، منفيّ رسميًّا | لا تسنده الأدلة |
| ضغطت سنغافورة على إم إس سي آي كي تصبح الأسهم الإندونيسية رخيصة | تيماسيك وجي آي سي (بحسب صاحب الاتهام) | (ج): ادعاء شخصية عامة 2026، بلا دليل | لا تسنده الأدلة |
| المعدّلات التفضيلية للتجّار العالميين تجتذب أرباح تجارة السلع الأساسية | هيئة المؤسسات السنغافورية | (د): تصميم مُعلَن | مشروع؛ يُواجَه بالرقابة على التسعير التحويلي |
| حوافز المكاتب العائلية تجتذب ثروات النخب الإقليمية | سلطة النقد السنغافورية (MAS) وهيئة الإيرادات الداخلية السنغافورية (IRAS) | (د): تصميم مُعلَن | مشروع؛ يُواجَه بتبادل المعلومات |
| جزء من الاستثمار «السنغافوري» أموال إندونيسية مدوَّرة | التكتّلات الإندونيسية والشركات الصورية | (ب): أقرّ به مسؤولو هيئة تنسيق الاستثمار | حقيقي؛ حجمه غير معروف |
تُظهر المصفوفة أنّ أقوى قضية ضدّ الممارسات الضارّة ليست قضية ضدّ الدولة السنغافورية، بل ضدّ مجموعات أعمال، متجذّرة في معظمها في إندونيسيا، تتّخذ من سنغافورة مركزًا تجاريًّا وماليًّا. ولا يُعفي هذا الاستنتاج سنغافورةَ من المسؤولية السياسية؛ فالدولة التي تبني نموذجها الاقتصادي على اجتذاب الأرباح والثروات الإقليمية تشارك في المكاسب المتأتّية من ممارسات تضرّ بجارتها، حتى حين يتولّى غيرُها تنفيذ تلك الممارسات. لكنّ الاستنتاج يغيّر هدف السياسة العامة. فإذا كانت المشكلة الرئيسة هي سلوك مجموعات الأعمال وضعف الرقابة الإندونيسية، فإنّ الجواب الرئيس هو إنفاذ القانون في إندونيسيا، لا المواجهة الدبلوماسية مع سنغافورة. ولا تزال الدبلوماسية لازمةً لضمان أن تقدّم سنغافورة البيانات المطلوبة بسرعة، غير أنّ هذه الدبلوماسية ستكون أقوى بكثير إذا جاءت إندونيسيا إلى الطاولة بقضايا أثبتتها بالفعل.
عاشرًا: الحجج المضادّة
ثمّة ثلاث حجج مضادّة جديرة بالنظر. تذهب الأولى إلى أنّ المنافسة الضريبية حقّ لكلّ دولة ذات سيادة، وأنّ إندونيسيا نفسها تمنح إعفاءات ضريبية مؤقتة، وتقيم مناطق اقتصادية خاصة، وتصمّم مركزًا ماليًّا دوليًّا. وهذا صحيح؛ إذ لا يسع إندونيسيا أن تطالب سنغافورة برفع ضرائبها وهي تقدّم حوافز مماثلة للمستثمرين. والفارق أنّ لإندونيسيا، بوصفها بلد المصدر، الحقَّ في فرض الضريبة على الأرباح المتولّدة فعلًا على أراضيها، وهو حقّ يحميه القانون المحلي ومعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على السواء. فالمنافسة الضريبية المشروعة تتوقّف عند النقطة التي يُسجَّل فيها ربحٌ متولّد في كاليمانتان في سنغافورة من دون وظائف اقتصادية تتناسب معه هناك.
وتذهب الحجة المضادّة الثانية إلى أنّ معظم الفاعلين إندونيسيون أنفسهم، ومن ثَمّ فإنّ تحميل سنغافورة المسؤولية نقلٌ لها إلى غير أهلها. وهذه حجة قوية جدًّا، يقبلها هذا الموجز في معظمها. فآسيان أغري وويلمار وموسيم ماس ومجموعات كثيرة أخرى أسّسها رجال أعمال من إندونيسيا، وقرارات نقل الأرباح والثروات كانت قراراتهم. وفي عام 2014، كتب ديان إديانا راي (Dian Ediana Rae) في صحيفة كومباس (Kompas) اليومية مقالًا بعنوان «مصارف ذات توجّه اجتماعي» (Perbankan Berorientasi Sosial) (أرشيف ومكتبة KBA13)، رأى فيه أنّ العمل المصرفي يتّصل بالمصلحة العامة، وأنّه يجب أن ينتقل من نموذج قيمة المساهمين إلى أهداف مجتمعية كالنموّ والتشغيل والاستقرار الاجتماعي. ولهذه الحجة صلة بموضوعنا لأنّ أرباح الشركات وثروات النخبة العابرة إلى سنغافورة هي أيضًا شأن من شؤون المصلحة العامة، لا مجرّد خيار خاص لأصحابها. وأيًّا كان المالكون، فإنّ المكان الذي يُسجَّل فيه الربح هو الذي يحدّد الدولة التي يحقّ لها فرض الضريبة عليه، ومن ثَمّ يحقّ للدولة تنظيمه. أمّا الحجة المضادّة الثالثة فترى أنّ تقديرات التسرّب المبنية على التجارة المرآوية فجّة أكثر ممّا ينبغي. وهذا صحيح أيضًا، ولذلك لا يستخدم هذا الموجز أرقام براكارسا ونكست إندونيسيا إلا مؤشّراتٍ على الحجم. أمّا الأدلة المفصّلة سفينةً سفينةً التي جمعتها وزارة المالية في عام 2026 فأقوى بكثير، وسيحدّد اختبارها أمام القضاء قيمتها.
حادي عشر: السيناريوهات المالية حتى عام 2030 والتوصيات
يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات. في الأول، وهو الإنفاذ المنقوص، ينتهي التحقيق في تسعير صادرات زيت النخيل بإدانات قليلة أو بلا إدانات، وترتّب الشركات وثائقها من دون أن تغيّر هياكلها، ويستمرّ التسرّب في أشكال أكثر خفاءً. وفي الثاني، وهو الإنفاذ القائم على البيانات، تُمأسِس وزارة المالية المطابقةَ سفينةً سفينةً مع بيانات الاستيراد في بلدان المقصد، وتكسب النيابة العامة عددًا من القضايا، وتعدّل مجموعات الأعمال أسعارها التحويلية إلى مستويات أكثر معقولية، فترتفع الإيرادات الضريبية من قطاع السلع الأساسية. وفي الثالث، وهو التجارة المؤمَّمة، توسّع الحكومة دور كيانها الحكومي للتصدير بحيث تُباع السلع الاستراتيجية عبر هيئة حكومية، وهو ما قد يغلق قناة الوسطاء، لكنّه ينطوي أيضًا على خطر نشوء ريوع جديدة وتراجع الكفاءة. والسيناريو الثاني هو المسار الأكثر توازنًا.
التوصية الأولى هي مأسسة مطابقة بيانات التصدير سفينةً سفينةً مع بيانات الاستيراد في بلدان المقصد بوصفها إجراءً روتينيًّا للجمارك والمديرية العامة للضرائب، لا مشروعًا لمرّة واحدة. والثانية هي تطبيق أسعار مرجعية مستندة إلى الأسواق الدولية للسلع الاستراتيجية، على غرار ما تفعله عدّة دول في أمريكا اللاتينية بـ«الطريقة السادسة»، بحيث لا يمكن أن تنخفض أسعار التصدير بين الأطراف المرتبطة عن أسعار السوق العامة في تاريخ الشحن. والثالثة هي إعطاء الأولوية لإنهاء قضايا النيابة العامة المتعلّقة بتسعير صادرات زيت النخيل بشفافية، مع صون نزاهة الإجراءات القضائية في ضوء رشوة القضاة في قضية عام 2025. والرابعة هي الاستفادة الكاملة من تبادل المعلومات بموجب المعاهدة الضريبية لعام 2020، بإنشاء وحدة مخصّصة لسنغافورة داخل المديرية العامة للضرائب تتولّى صياغة طلبات المعلومات المتعلّقة بالشركات التجارية المرتبطة ومتابعة بيانات الحسابات التلقائية.
والتوصية الخامسة هي أن يُقترح، في خلوة القادة، بروتوكول تعاون لإنفاذ قواعد التسعير التحويلي على السلع الأساسية يسمح بعمليات تدقيق مشتركة للمجموعات العاملة في البلدين. فلسنغافورة مصلحة تتعلّق بسمعتها في ألّا تُرى مخبأً لأرباح ناتجة عن تسعير لا يراعي مبدأ السعر الحرّ، وتصريحاتها الرسمية منذ عام 2016 تفتح الباب أمام مثل هذه الطلبات. والسادسة هي تشديد قواعد المضمون الاقتصادي على الشركات الإندونيسية التي تمتلك كيانات تجارية في الخارج، بما في ذلك تقارير أكثر تفصيلًا لكلّ دولة على حدة والإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين النهائيين. والسابعة هي مواءمة سياسة حصائل الصادرات مع الرقابة على الأسعار، بحيث يُحتسب الالتزام بالاحتفاظ بالعملات الأجنبية على أساس القيمة العادلة لا على أساس القيمة المُبلَغ عنها وحدها. والثامنة هي ضبط الخطاب العام: إذ يتعيّن على المسؤولين والشخصيات العامة في إندونيسيا التمييز بين القضايا الثابتة والادعاءات، لأنّ مصداقية إندونيسيا على طاولة التفاوض رهينة بدقّة ادعاءاتها.
ثاني عشر: حدود الدراسة
لهذا الموجز حدود ينبغي الإفصاح عنها. أولًا، لا يملك اطّلاعًا على البيانات الضريبية ولا على القوائم المالية للشركات التجارية في سنغافورة ولا على ملفات التحقيق، ومن ثَمّ يعتمد تقييمه للقضايا الجارية على تصريحات المسؤولين كما نقلتها وسائل الإعلام. ثانيًا، تختلف التقارير الإعلامية في تحديد الشركات المسمّاة في التحقيق المتعلّق بتسعير صادرات زيت النخيل، ولذا لا يستخلص الموجز أيّ حكم بشأن تورّط شركة بعينها. ثالثًا، تنطوي تقديرات التسرّب المستمدّة من أبحاث التجارة المرآوية على هوامش خطأ كبيرة. رابعًا، لا تُصنَّف البيانات المتعلّقة بعدد المكاتب العائلية والأصول الإندونيسية في سنغافورة بحسب بلد المنشأ، فلا يمكن استنتاج حجم دور العائلات الإندونيسية إلا بصورة غير مباشرة. خامسًا، لا يمكن بعدُ تقييم فاعلية المعاهدة الضريبية لعام 2020 ومعاهدة تسليم المطلوبين لعام 2024 تقييمًا كمّيًّا، لأنّ البيانات المتعلّقة بطلبات المعلومات وعمليات التسليم لا تُنشر بالتفصيل.
ثالث عشر: الخاتمة: من الاتهام إلى الإنفاذ
إنّ الأرباح الإندونيسية تعبر فعلًا إلى سنغافورة، وقد ثبت في بعض الحالات أنّ هذا العبور غير مشروع. لكنّ هذا الموجز يخلص إلى أنّ صورة المناورات الخفية للدولة السنغافورية لا تسندها أدلة كافية. أمّا الثابت فهو أنّ مجموعات أعمال، متجذّرة في معظمها في إندونيسيا، تستخدم هياكل تجارية ومالية في سنغافورة لخفض الأرباح المسجّلة في إندونيسيا؛ وأنّ النخبة الإندونيسية تحتفظ بمعظم ثرواتها الخارجية في سنغافورة؛ وأنّ النظام الضريبي السنغافوري مصمّم علنًا لاجتذاب مثل هذه الأرباح والثروات. فالتقاء التصميم التنافسي السنغافوري وخيارات النخبة الإندونيسية وضعف الرقابة الإندونيسية هو آلة التسرّب الحقيقية.
ولذلك فإنّ الجواب يكمن أساسًا في إندونيسيا. فالمطابقة سفينةً سفينةً في عام 2026 تبيّن أنّ إندونيسيا قادرة على إثبات التسعير المخالف لمبدأ السعر الحرّ من دون انتظار بيانات من سنغافورة. وحكم آسيان أغري وقضية زيت النخيل لعام 2025 يبيّنان أنّ المحاكم الإندونيسية قادرة على إدانة المجموعات الكبرى، شريطة أن تكون المحاكم نظيفة. والمعاهدة الضريبية لعام 2020 ومعاهدة تسليم المطلوبين لعام 2024 توفّران أدوات قانونية لم تمتلكها إندونيسيا من قبل. فإذا استُخدمت هذه الأدوات باتّساق، أمكن للنقاش حول سنغافورة أن ينتقل من الاتهام إلى الإنفاذ، ومن الشكّ إلى تعاونٍ قابل للاختبار. وإلّا فستظلّ الأرباح تعبر المضيق، وستظلّ الاتهامات الموجّهة إلى سنغافورة بديلًا عن إصلاحاتٍ كان ينبغي أن تُنجَز في الداخل.
المراجع والمصادر
- Ministry of Finance & Monetary Authority of Singapore (2016): Joint Statement from MOF and MAS, 23 July 2016
- Monetary Authority of Singapore (2017): Response to “Why tax amnesty failed to repatriate assets” (The Jakarta Post, 10 April 2017)
- Monetary Authority of Singapore (2024): Written Reply to Parliamentary Question on Family Offices, 6 March 2024
- Enterprise Singapore: About the Global Trader Programme (GTP)
- Ministry of Home Affairs Singapore (2023): Transcript of Lianhe Zaobao Interview with Mr K Shanmugam on the Recent Money Laundering Case
- Prime Minister’s Office Singapore (2019): PM Lee Hsien Loong at the Joint Press Conference at the Singapore-Indonesia Leaders’ Retreat 2019
- Prime Minister’s Office Singapore (2026): PM Lawrence Wong at the Singapore-Indonesia Leaders’ Retreat Joint Press Conference, July 2026
- Sekretariat Kabinet RI (2016): Finance Minister Confirms Singapore Supports Tax Amnesty Program
- ICIJ (2013): Billionaires among thousands of Indonesians found in secret offshore documents
- PwC Singapore (2024): Singapore Budget 2024: Corporate tax incentives and deduction schemes
- Perkumpulan Prakarsa via The Jakarta Post (2019): $142 billion worth of commodities illegally exported since 1989: Study
- NEXT Indonesia Center via Katadata (2026): Riset Next Indonesia Center: Kebocoran Ekspor Batu Bara Capai Rp345 Triliun
- CNN Indonesia (2026): Purbaya Bongkar Modus Pengusaha Sawit soal Ekspor CPO
- Indonesia Business Post (2026): Indonesia probes palm oil export under-invoicing as DSI takes shape
- Fortune Indonesia (2026): Purbaya Ungkap 10 Perusahaan CPO Diduga Transfer Pricing
- DDTCNews (2026): Diduga Manipulasi Transfer Pricing, Dua Eksportir CPO Diusut Aparat
- Hukumonline (2014): Asian Agri Lunasi Denda Rp2,5 Triliun
- Mongabay Indonesia (2012): Gelapkan Pajak, Asian Agri Dihukum Denda Rp2,5 Triliun
- Hukumonline (2025): Ini Perbedaan Putusan MA Hukum Wilmar Cs di Kasus CPO
- Hukumonline (2014): Audit Forensik Petral Akan Bongkar Potensi Pidana
- Kontan: Audit Petral Hanya Menyasar Kelas Teri
- INP Polri (2026): AGO Names Riza Chalid and Six Others as Suspects in Petral Corruption Case
- Republika (2017): Dana Repatriasi Amnesti Pajak Terbesar dari Singapura
- Kontan: Dana Repatriasi, PR Utama Tax Amnesty
- Bareksa (2016): Indonesia Tujuan Investasi Utama, Singapura Berupaya Redam Tax Amnesty
- The Jakarta Post (2016): Singaporean banks block tax amnesty
- Tempo English (2016): 803 Indonesians Named in Panama Papers
- CNBC Indonesia (2018): Ini 5 Negara dengan Investasi Terbesar di RI
- Bisnis Indonesia (2026): Perbanas Ingatkan PFII Harus Datangkan Modal Asing Baru, Bukan Dana Round-Tripping
- Bisnis Indonesia (2025): Aturan DHE, Prabowo Targetkan Cadangan Devisa Tambah US$80 Miliar Per Tahun
- DDTCNews (2025): Mulai 1 Maret, Devisa Ekspor SDA 100% Disimpan Setahun di Dalam Negeri
- Bisnis Indonesia (2025): Kisi-kisi Cara Pemerintahan Prabowo Bawa Dolar WNI yang Parkir di Singapura Cs
- DDTCNews (2020): Indonesia–Singapura Sepakati Perjanjian Penghindaran Pajak Berganda
- DDTCNews (2020): Menkeu: Pembaruan P3B Indonesia–Singapura Lalui 5 Kali Perundingan
- detikFinance (2020): Indonesia dan Singapura Capai Kesepakatan Pajak Baru
- DDTCNews: Jaga Daya Saing, RI Diingatkan Konsisten Terapkan Pajak Minimum Global
- Bisnis Indonesia (2023): UU Ekstradisi, Babak Baru Diplomasi Buron RI di Singapura
- Bisnis Indonesia (2024): Perjanjian Ekstradisi Berlaku, KPK Susun Daftar Buruan di Singapura
- CNN Indonesia (2026): Eks Mendag Tuduh Singapura Tekan MSCI Biar Dapat Saham Murah RI
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Kamaruzzaman Bustamam Ahmad — Memotret Wajah Singapore Inc. di Indonesia
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Sunudyantoro — Serangan Balik untuk Susno (Tempo, 9 Mei 2010)
- Arsip & Pustaka KBA13 Academy: Dian Ediana Rae — Perbankan Berorientasi Sosial (Kompas, 2014)
- KBA13 Insight (2025): Dominasi Perusahaan Singapura di Ekonomi Indonesia
- KBA13 Insight (2024): Relasi Indonesia–Singapura: Interdependensi Ekonomi, Politik Keamanan, dan Dinamika Strategis
- KBA13 Academy Research Center (2026): Ladang di Sini, Lumbung di Sana: Geopolitik Sumber Daya Malaysia dan Singapura
- KBA13 Academy Research Center (2026): Bengkel di Seberang Selat: Batam, Galangan Kapal, dan Ekonomi Politik Perbatasan
طريقة الاقتباس: أحمد، قمر الزمان بستمام (Kamaruzzaman Bustamam Ahmad). (2026). أرباح تعبر المضيق: البنية الضريبية السنغافورية والتسعير التحويلي والتسرّب المالي الإندونيسي. المرصد الجاوي. marsadaljawi.com



